أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عايدة محمود - سبحة بكري















المزيد.....

سبحة بكري


عايدة محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:18
المحور: الادب والفن
    


"ينقطع بنا طريق الحياة مرات ومرات ونعود نحاول وصله واصلاحه لنستمر كحبل المسبحة."
1
في عتمة ليل طويل امتدت أصابعها تلتمس حباتها. تحتضنها بكف يديها قبل أن تعتدل في جلستها وهي تمرر حباتها بين أصابعها مع همس الشفاه.
تنظر إليها من حينا لآخر وهي تبتسم. تضمها بكلتا يديها عند الانتهاء من ذِكر لتطلقها مرة أخری تجري بين أصابعها مع بداية ذِكر جديد. تنشغل بها أحيانا عن المتابعة وهي تُقلبها بين يديها تتأمل حباتها البالية، كأنها تقرأ تاريخ من مروا بها. أعادت تجديدها منذ آلت اليها، استبدلت الحبل المهترئ بأخر جديد اضافت لها حلية جديدة، لكنها عندما تنظر إليها لا تراها إلا بهيئتها السابقة.

2
كان المكان جديد تماما لم يسكنه احد قبلهن، لذا فالجميع هنا متساويين، لا أحد يملك شيء، مَن قضی يوما يتساوی مع من قضی سنوات. الجميع أتی الي هنا خالي تماما من كل شيء. وحدها عليات كانت تملك بؤجة كبيرة لا أحد يعرف ماذا تحتوي، لكنها تحتوي علي كل ما تحتاجه من أشياء تُخرجها في الوقت الذي تختاره، للشخص الذي تختاره.
في هذه الليلة وكمثلها من ليال سابقة لم تستطيع سماح النوم. جلست في ظلمة الليل تقرأ تارة وتذكُر تارة وتُصلي وتغيب بعض الوقت في محاولة التسلل خارج قضبان النافذة.
لم تكن وحدها فالليل كان ملجأ للكثيرات منهن. يهربن فيه من صخب النهار ويجدن في عتمته بعض الخصوصية المُفتقدة.
وحدها عليات كانت تتابع الجميع تقرأ نفوسهن دون أن يتكلمن وتختار مِن أيهُن تقترب. اليوم جاء دورها، قاطعتها وهي تُسبح علی يديها، لتمد يدها إليها بمسبحة خشبية جميلة. أشارت إليها تشكرها فهي لا تحتاجها. ألقت المسبحة بجوارها فالتقطتها سماح وأشارت إليها مرة أخری شاكرة. بعد أيام قليلة وعندما تيسرت الاحوال واعتادت يدها علي مسبحة عليات عرضت عليها شراءها، فابتسمت موافقة وبعد أن أعطتها ما طلبت. دست يدها في بؤجتها وأخرجت مسبحة أخری أعطتها إياها. اندهشت سماح وسألتها
- " لم تكن هذه ما اتفقنا عليه!! لقد اشتريت منك المسبحة الخشبية "
ردت عليات في هدوء
-" لكنني بعتك هذه فالأخرى لي وهي ليست للبيع."
نظرت سماح للمسبحة بين يديها، كانت قديمة ذات حبل مهتري يبدو انه انقطع مرات وأُعيد عقده مرات. لا تعرف ما الذي جذبها إليها فضمت أصابعها حولها وانسحبت من أمام عليات. مرت ليال وهناك شعور من الود يجمع بينهما، لم تعد تعرف مَن فيهما تنادي الأخری، لكنها كلما مدت يدها ألتفت الأخری حولها بهدوء.

3
ليلة من ليالي الصيف الخانق والتي أكتمل سوادها بانقطاع التيار الكهربائي عن السجن كله. مرت لحظات من الصمت قبل أن يبدأن في محاولة شغل الظلام بالحكايات.
علا صوت عليات يحمل نبرة طفولية مُفتعلة.
-" سأقص عليكن قصة حقيقية."
صمتن جميعا وأصغين إلي عليات بأهتمام.
-" تَعرفن أنني مكثت سنوات في عنبر المخصوص في انتظار تنفيذ حكم بالإعدام. تراجع بعدها الي حكم بالسجن المؤبد."
سرت همهمات تؤيد حديثها وأخری مندهشة.
-" لثلاث سنوات كنت أسكن زنزانة فردية. تأتيني الحارسة كل مساء مؤكدة انه لا يجب أن أتحدث بصوت مرتفع وأن أتغاضى عن أي صوت أسمعه رغم أنني بمفردي تماما وتؤكد انه ممنوع أن ادخل دورة المياه لاستحم ليلا!! بعد عدة أيام أخبرت الحارسة أنني أسمع صوت خطوات امرأة في الليل تسير بحذاء ذا كعب عال.. تُری من هي؟! عادة لا ترتدي الحارسات كعبا عال!
ضحكت الحارسة وهي تُغلق باب الزنزانة قائلة-" لا.. دي حنان أُم كعب عالِ.. دي غلبانة غاوية تمشي تتمخطر بالكعب" وعندما سألتها- "حنان مين؟" قالت- " زميلتك بس سبقتك"
التففن جميعا حول عليات ما بين خوف من الظلام ورغبة في معرفة ماذا حدث بعدها.
أكملت عليات وهي تنظر في عيونهن واحدة تلو الأخری.
-" في أحد الليالي الحارة وبعد أن غسلت ملابسي، فكرت أن استحم. تذكرت حديث الحارسة ولكنها ليست هنا. أنا الان وحدي فلماذا لا أفعل ما أريد؟ دخلت دورة المياه وبدأت بخلع ملابسي وبدأت استمتع بالمياه الباردة تطفئ سخونة جسدي. شعرت بأنفاس شخص اخر تقترب مني التفت حولي فلم أجد احد. شعرت بعدها بيد تتحسس جسدي العاري اغلقت المياه وأنا اتلفت حولي في رعب. لا يوجد احد غيري. عادت اليد تمتد مرة أخری فصرخت وحاولت الخروج واذا بيد تنزل علی وجهي بصفعة لم أشعر بمثل قوتها من قبل، ولم أشعر بشيء بعدها إلا والحارسة تجلس بجواري وهي تصرخ بي.
-" ألم أحذرك من الاستحمام ليلا؟"
أسرعت بارتداء ملابسي وأنا أرتجف وأقص عليها ما حدث. وقفت غير مندهشة وهي تنظر إلي لائمة-" أنا حذرتك.. بكري بيسهر طول الليل حوالين المكان. تقومي أنتِ تدخلي الحمام عريانة؟!!"
ارتفعت أصوات بعضهن بشهقة خائفة بينما تسأل بعضهن .. بكري مين؟!
كانت عيني عليات تبتسم وهي تخص سماح بنظرة ذات مغزی أكملت بعدها
-" واحد من اللي اتنفذ فيهم حكم الاعدام .. أصل الطبلية كانت قريبة من عنبر المخصوص؟"
لا تعرف سماح لماذا ضمت أصابعها بشدة في تلك اللحظة علي المسبحة النائمة بين يديها. عادت الكهرباء فتنهدن جميعا بارتياح، لكن هناك ضيف جديد كان قد خيم علی المكان. كان شبح بكري قد أحتل كل زاوية فيه، فأصبحن يَخشين المساء والصمت ودخول دورات المياه بالليل ومن الاستحمام حتی بالنهار. أصبح الخوف رفيق الليل بعد أن كان الليل سكينة ينتظرنها وكأن الخوف هو مرادف لحقيقة ضعفهن أمام قوة مُتخيلة غير مرئية. أخذ الامر عدة ليال قبل أن يبدأن في العودة إلي السكينة بعض الشيء.

4
كانت عليات والتي قضت تسعة عشر عاما من حكمها متنقلة خلالهم من سجن لأخر، شخصية مُركبة صعبة المراس. تحمل من الوجوه مالا يمكن حصره. ربما بعدد السنوات التي قضتها تدور داخل تلك القضبان بلا نهاية. او بعدد مَن مر عليها من بشر عاشت بينهن واقتربت منهن ثم غادروها إلي الخارج مُخلفين وراءهم حبيسة سجن أبدي. علی قدر ما كانت تحلم بالخروج ذات يوم علی قدر ما كانت تُفزعها تلك الفكرة.
من بين هؤلاء الذين اقتربت منهن كانت سماح. وبحكم جوار أسرتهن كن يتحدثن كثيرا ويتشاركن السهر. في احد الليالِ لاحظت سماح غياب عليات في دورة المياه وعندما عادت بدت انها قد قامت بالاستحمام فاندهشت وبادرتها بصوت هامس
-" ألا تخشين من بكری؟! أم أنك تذهبين إليه متعمده؟!"
ضحكت عليات بصوتها الرفيع كالجرس وهي تنظر إليها قائلة
-" كنت صغيرة وقتها، من يرغب بعجوزا الان؟ ألا يكفي بكری كل هذه الاجساد الشابة؟"
توقفت سماح عن الضحك وهي تنظر لعليات متأملة، لقد ضاع عمرها داخل هذا القبو. عادت تسألها -" ماذا فعلتِ لتمضين كل هذا الوقت هنا؟!"
-" ولكنك تعرفين اني هنا في قضية قتل."
-" لا .. أعني ماذا فعلت عليات لتستحق البقاء هنا؟"
أسود وجه عليات وهي تجلس أمامها قبل أن ترد
-" كانت كذبة واحدة فقد الكثير أرواحهم بسببها. لم أقتل أحدا بيدي ولكنني قتلت الجميع بالكذب .. ألا يكفي هذا؟"
صمتت سماح وهي تبتلع ريقها وحاولت تغيير الموضوع فسألتها متصنعة للضحك
-" طيب - قولي الحقيقة - حكاية بكري حقيقية فعلا؟!! في فعلا وجود لبكری ولا كدبة هو كمان؟"
ابتسمت عليات ابتسامة قاتمة وهي تنظر إلي سماح قائلة
-" بكري موجود والدليل علی كده سبحته اللي في إيديكي."
نظرت سماح إلي المسبحة في يديها ثم عادت تنظر إلي عليات مستنكرة، علها تلمح أثر للكذب أو السخرية في ملامحها، لكن ملامح عليات ظلت جامدة، فعادت سماح تسأل بانفعال
-" أزاي يعني السبحة اللي حبلها داب وبرت صوابع صاحبها حباتها. تبقي سبحة بكري؟!! اللي.. اللي.. أنتِ كدابة"
ابتسمت عليات وهي تنظر لسماح في صمت
عادت سماح تسأل منفعلة
-" أزاي وصلتك سبحة بكري؟ وعرفتي منين أنها سبحته؟"
ردت عليات بلامبالاة
-" السجانة بعد فترة بقت صاحبتي وفي مرة حكيت لي حكاية بكري، كان شاب صغير أتهموه في قضية كبيرة وأتحكم عليه بالإعدام. قبل ما يتنفذ الحكم قضی خمس سنين مستني، كل فتحة باب برعب كل خطوة ناحية الزنزانة موت. السبحة كانت صحبته وونسه في قلب ليل ساكت طويل. لحد ما جاءت اللحظة اللي يوم بعد يوم كان بيتمناها. كانت السبحة أخر حاجة فارقت أيده بعد ما فارقتها الحياة. وفي جيب واحد من الحراس خرجت من سجنها، ومن أيد لأيد وصلتني. بعتها كتير وفي كل مرة كانت بترجع لي۔( أصلها قديمة، كتير عليها اللي طلبتيه، مش عايزاها دي هتتقطع في أيدي)- محدش جدد حبلها غيرك. عشان كده كنت هقولك من غير ما تسألي هي سبحة مين."
جلست أمام سبحتها أو سبحته. تنظر إليها متسائلة " لمن أنتِ؟"
ولماذا يكون الشبح ۔عاشق أجساد النساء۔ هو بكري؟! من يستطيع أن يُجزم بذلك؟!
ولماذا عليها أن تصدق عليات من الأساس؟ أنها كاذبة بالتأكيد.
وماذا إن كانت صادقة؟
وماذا لو كانا شخصا واحدا؟ ولماذا لا يكونا؟ ما الذي يمنع احتمال ذلك؟ السنا بشر؟ ينقطع بنا طريق الحياة مرات ومرات ونعود نحاول وصله واصلاحه لنستمر كحبل المسبحة. نبتعد ونقترب خوفا ورغبة. نرهب الموت ونعشق الحياة وتتبدل بنا الاحوال. لسنا سوی ذلك الضعيف الحائر بين بين. احتضنت سبحتها وأغمضت عينيها في هدؤء وهي تهمس لها "لم يكن صاحبك سوی أنسان."






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزء المفقود


المزيد.....




- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...
- الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لح ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عايدة محمود - سبحة بكري