أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رضا علي حسن - عصر جديد من ديكتاتورية اﻵلة















المزيد.....

عصر جديد من ديكتاتورية اﻵلة


رضا علي حسن
أكاديمي وروائي مصري

(Reda A.h. Mahmoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 06:00
المحور: قضايا ثقافية
    


أثار تصريح الكاتبة البولندية "أولغا توكارتشوك"، الحاصلة على جائزة نوبل لعام 2018، هوجةً من الغضب في الأوساط الأدبية وصلت إلى المطالبة بسحب الجائزة منها، لأنها اعترفت بأنها استعانت بالذكاء الاصطناعي في إتمام بعض المهام في روايتها الأخيرة. يُحسب للكاتبة البولندية في النهاية أنها اعترفت، فما بالكم بمن لم يعترف! القضية أكبر من ذلك بكثير، إذ إن استعانة الكاتب بأفكار ليست له في المجال الأدبي أو أي مجال آخر، أو حتى استجلابها من الآلة، تُعد سرقة أدبية، لأنها ليست من روح الكاتب.

نحتاج إلى توصيف جديد يحدد بدقة نوعية هذه السرقة المودرن، هل هي سرقة متاحة أم نهب علني أم سرقة جماعية يستولي بها الإنسان على ماضيه وعلى نفسه؟ هل نسميها "استعانة بصديق" كما تعودنا على سماعه في مسابقات المعلومات؟ هل هي اختصار للوقت، أم رغبة في التلفيق والإنجاز السريع والكسب؟ أم هي لوثة أصابت الموهوبين من الناس بحجة الإنجاز وإثبات الذات والتواجد الدائم على الساحة الأدبية؟ ذلك الوهم السائد الذي أطلقه ويلهث ورائه بعض الكُتّاب العرب في حياتنا الأدبية المعاصرة، أم هي رغبة محمومة في الدخول السهل إلى عالم الموهوبين بمجرد نقرة على الكيبورد الملعون في ثوانٍ معدودة.

إن رواية واحدة أو عملاً أدبياً واحداً كفيل بأن يقلب موازين الأدب، بشروط الموهبة الحقيقية والصدق والرغبة في الإصلاح والنفع العام، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة فيما يُعرف بظاهرة "أعمال الكاتب الواحد"، مثل رواية "ذهب مع الريح" لمارجريت ميتشيل، و"مرتفعات ويذرينغ" لإميلي برونتي، ورواية "الجمال الأسود" لآنا سيويل التي كتبتها قبل موتها بشهور قليلة، والتي تُعد واحدة من أكثر الروايات مبيعاً في عالم الأدب، وكذلك رواية "ملاعب مفتوحة" للناشر محمد هاشم، ورواية "قرية ظالمة" لمحمد كامل حسين، الرواية الأبرز من بين رواياته الثلاث.

يمكنني توصيف الذكاء الاصطناعي بأنه ذكاء مجموعة من التقنيين البارعين الذين يحتكرون المعلومات في العصر الرقمي ويتربحون من التراث الفكري للبشرية بحجة أنهم نقلوه من الورق إلى بطن الآلة الرقمية، وبالطبع إلى بطونهم النهمة. هم يسرقونني ويسرقونك، ويمتصون دمي ودمك، ليحكمونا في النهاية ويتحكموا في مصائرنا، بعدما ابتلعوا التراث الورقي للبشرية، وقضوا على تفرد المنجز الفكري الفردي للمبدع بضمّه إلى مصفوفة جماعية يغلب عليها الطابع الإحصائي، حيث يعتمد الذكاء الاصطناعي على تجميع الأفكار الفردية التي صنعت التراث البشري وإضعاف المنجز الفردي بإعادة توليده مرات ومرات.

سيتخلى الإنسان عن التفكير الحر، الميزة الفريدة التي يتمتع بها الإنسان، والتي خُلق بها الإنسان وخُلق من أجلها. ستستبدلها الآلة بنوع جديد يشبه التفكير، تفكير ديكتاتوري مقيد بوصلات الآلة الرقمية، تفكير يعتمد على نسق التراث المولَّد، وهو تراث فردي جمعته الآلة، وأجادت في تصنيفه وفرزه ومقارنته، فتحوّل إلى تراث جماعي يفتقد إلى النكهة الفردية وعبقرية الإنسان الخالق.

يتميز الإبداع الإنساني بالفردية في أي مجال، ولا سيما الأدب، ويتميز الذكاء الاصطناعي بأنه ذكاء تلفيقي سهل التحصيل سريع الهضم، يقتات على إنجاز المبدع الفرد. صحيح أنه مصدر متخم بالمعلومات، وجيوب صانعيه ملأى بمال لا ينضب، مال ينسب نفسه إلى الذكاء والبراعة، وهو في حقيقته البسيطة ذكاء تصنيف وفرز للتراث البشري، حيث يهدف إلى استغلال إنجاز المبدع البشري على مر العصور وابتلاعه مع حقوق المؤلفين الحقيقيين.

سيسلب هذا الذكاء الاصطناعي من الإنسان عقله، لا شك في ذلك، بعد أن سلبت السوشيال ميديا نفسه، وسلبت ثقافة الصورة عينه وبصره. سيسير الجميع بعد حين، طال أم قصر، كالخراف أمام "الراعي المفكر" الذي يمتلك الأدوات الطاغية، ويحتكر التراث ويبطل التفكير الطبيعي. سيصبح ما يسمونه هم ذكاء الآلة سخيفاً من كثرة إعادة توليد أفكار المبدعين الحقيقيين مع كل نقرة على الكيبورد، ومع كل نقرة جديدة سيفقد الإنسان المبدع تدريجياً جزءاً من إنسانيته، وينتقص من حرية اختياره التي هي جوهر الإبداع الإنساني.

نرى الآن بشائر استسلام الإنسان للآلة التي اخترعها، فهي تحل المعادلات الرياضية الملغزة التي استحال حلها طويلاً، وهي تغوص في جغرافيا العالم لتكتشف الغامض والمثير، وتنفذ إلى جسم الإنسان وأجهزته الحيوية لتفك شفرة الأمراض، وتفكك المادة لتعرف أسرارها، كما تفكك اللغة الطبيعية لتسيطر على وسيلة تفكير الإنسان في أي مكان كان، لتنتهك منطقه وسره. ستصبح أسرار الكون سهلة متاحة لمن يدفع لها، الغبي قبل الذكي. لا مكان للأذكياء بعد اليوم، ولا مكان للحكماء طالما انفلت من أيديهم زمام الحكمة وأصبح في قبضة الآلة الحديدية التي لا تفهم ولا تعي. وستنتقل الحكمة من عقول البشر الأسوياء إلى أيدي من يدفع أكثر ليمتلك المزيد من وسائل القوة والغشم.

هي إذن ديكتاتورية جديدة يستهل بها القرن الواحد والعشرون ربعه الأول، لينتهي هذا القرن وقد أحكمت الآلة قبضتها على كل شيء، لينزوي العقل جانباً في ركن مهجور، وهو عاجز عن ممارسة التفكير الذي تعوّد عليه منذ آلاف السنين. وستقوم الآلة بهذا الواجب الصعب بحجة تذليله بمجرد نقرة على الكيبورد، نقرة تغني العقل عن التفكير وتريحه من همومه، لتصبح حركات الأصابع التي تنقر على الكيبورد كلمات البحث المفتاحية أهم من شرارة الإبداع التي يدونها المبدع بعدما برقت في عقله وروحه في لحظة فريدة من الإلهام. وسيرتاح الإنسان من التفكير بحجة أنه مهمة صعبة، ولمَ لا مع وجود البديل السهل "الخمر الرقمي" الجديد؟ وسيسلّم الإنسان عقله طواعية لمحتكري الآلة وهو فرح بها، سيسلّم عقله لقلة من أذكياء الآلة الذين يمارسون ديكتاتورية جديدة، يستعذبها المحكومون الرقميون ويشجعون حكامهم الجدد على المزيد.

سيتحسر الإنسان على حكم الديكتاتور الفرد، بل سيتوق إلى العودة إلى أحضانه الحارة، لأنه سيكون أقل بشاعة من ديكتاتورية الآلة الرقمية الباردة. هو عصر قادم لا محالة، ولا شك في هذه الرؤية السوداوية التي تتنبأ بعصر "الآلة الديكتاتور"، عصر قادم بقوة دفع متسارعة تفوق في سرعتها عقرب الثواني الذي يلهث دون كلل أو ملل وراء أرقام الساعة المطبوعة على صفحتها البيضاء.



#رضا_علي_حسن (هاشتاغ)       Reda_A.h._Mahmoud#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشكلة الاعتراف بالمشكلات
- ساكن البيت الأبيض روبين جودفيلو
- تناقض شعوري
- سيبويه مستشرق الشرق
- هل العلمانية هي الحل؟
- نعوم تشومسكي من النحو البنيوي إلى الدولة المارقة
- ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم


المزيد.....




- تصعيد -غير مسبوق- من إدارة ترامب.. -العدل- الأمريكية تتجه لس ...
- وقف متبادل للهجمات بين إيران وإسرائيل بعد ليلة من القصف الصا ...
- إنفاق الدول النووية على ترساناتها يسجل مستوى قياسيا عند 119 ...
- فانس: طهران جادة في المفاوضات ومصالحنا لا تتطابق تماما مع إس ...
- ألمانيا تتحرك لضبط مخاطر -الذكاء الاصطناعي-
- مصدر يوضح لـCNN ما فعلته أمريكا لـ-حماية إسرائيل من صواريخ إ ...
- مصر توقف رجل الأعمال صبري نخنوخ بتهمة -البلطجة-
- 21 حالة وفاة و19 إصابة بحادثة حافلة في العراق
- سعي أميركي لدفع إيران إلى الكشف عن مصير مواقعها النووية
- مقتل 11 شخصا في الشطر الباكستاني من كشمير خلال تظاهرات


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رضا علي حسن - عصر جديد من ديكتاتورية اﻵلة