أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رضا علي حسن - مشكلة الاعتراف بالمشكلات















المزيد.....

مشكلة الاعتراف بالمشكلات


رضا علي حسن
أكاديمي وروائي مصري

(Reda A.h. Mahmoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 04:33
المحور: قضايا ثقافية
    


في دورة تدريبية من دورات الإدارة الجامعية، بدأ الأستاذ المنوط بتدريس الإدارة الجامعية بجملة قصيرة: "نحن سنركز اليوم على الطاقة الإيجابية لدى الحاضرين، وأنتم مدراء المستقبل عن قريب. نريد الكثير من الإيجابية والتفاؤل، وقليلًا من النقد السلبي والإحباط". راح المدرب القدير يرددها في بداية كلامه ويذكرنا بها كلما اتجه الحديث إلى النقد وهمومه. انتهت الدورة من حيث بدأت، وانتهى الدرس تحت مظلة الإيجابية والتفاؤل دون الالتفات إلى المشاكل الإدارية المتجذرة في الجامعة المصرية. وانتهت الدورة التدريبية بشهادة من المدرب للمتدربين تسجل بها الجامعة حجم ما لديها من تفاؤل، ويفرح بها المتدرب أيضًا لأنها تسجل إنجازًا ورقيًا يضاف إلى سيرته الأكاديمية والإدارية.
ربما تلخص السطور السابقة، وبكل صراحة، اتجاهات التدريب والتحديث في مصر داخل وخارج الجامعة. دورات تدريبية تُكلِّف الدولة والمتدرب الكثير من المال والجهد، تُعقد من أجل تحديث الأفكار والرؤى، ثم تنتهي دون التعريف بالمشاكل أو الاعتراف بها أصلًا، تحت حجة أنه لا بناء إلا بالروح الإيجابية والقدرة على التفاؤل للتعامل مع المشاكل لاحتوائها أو حلها.
لا أقصد التقليل من بث الروح الإيجابية عند التعامل مع المشكلات بشتى أنواعها، لكن المقصود هو أنه لا يوجد ثمة تعارض بين الروح الإيجابية والتعرف على المشكلات والاعتراف بها وتشخيصها تشخيصًا دقيقًا، وعرض طرق العلاج والتوصل إلى حلول علمية تتناسب مع حجم المشكلة. فما الذي يضيرنا أن نتبنى الطريقة الصحيحة في إدارة أزماتنا ومشكلات حياتنا المختلفة بشكل علمي، وبروح تفاؤل إيجابي واثقة من تقديم حلول ناجحة، طالما اتبعنا الطريقة العلمية المثلى للحل؟ أما النهي عن النقد، وإن كان بروح سلبية، بحجة أن المشكلات معروفة وملموسة لدى الجميع، واستخدام هذه الفكرة للتقليل من الحديث عن المشكلات أو للتغاضي عنها أو إنكار وجودها أصلًا، فهو عين الخطأ وأصل جميع ما نعانيه من مشكلات في الجامعة أو في المؤسسات المجتمعية الأخرى.
أمّا عملية البحث الدائم عن النجاحات وإبراز الجوانب الإيجابية لبث روح التفاؤل والحماس بين الناس، فلا ينبغي لها أن تستحوذ على الجهد الأكبر منّا في الحديث المكرَّر عنها والتشدّق بها آناء الليل وأطراف النهار؛ لأن النجاح ثمرة التعاون، والإدارة الجيدة تتحدث عن نفسها دون وكيل حصري معتمد، والناس تدرك النجاح بسهولة وتحمد الله عليه بفطرة لا تنقصها فطنة.
وكل ذلك لا يتحقّق إلا من خلال دراسة البيانات الحقيقية، والتعرّف على المشكلات من خلالها، والاعتراف بها، وعدم الخجل منها، ثم يأتي التشخيص الصحيح، ثم العلاج الناجح.
كنت لا أرغب في أن أسوق ما سبق من تسلسل وخطوات علمية بسيطة ومعروفة لدى المشتغلين بالعلم، إلا أنني أردت أن ألفت الانتباه إلى الخلل الواضح في التسلسل الذي تم عرضه في دورة الإدارة الجامعية التي بدأت الحديث عنها؛ فقد بدأ العرض بالتشخيص، يعقبه جمع ودراسة البيانات، ثم العلاج! وهذا لا يستقيم مع النسق العلمي السليم؛ فهل يقوم الطبيب بتشخيص المرض دون الوقوف على بيانات تحليلات الدم أو فحوصات الجسم المختلفة؟ بالطبع لم أجرؤ على لفت الانتباه إلى هذا الخطأ في حينه، ربما لأنني متدرِّبًا ذهبت برغبتي لتعلّم مبادئ الإدارة الجامعية، ولا ينبغي أن أكشف عن خطأ جوهري حفاظًا على روحي الإيجابية ومستويات التفاؤل والسكر في دمي كما طُلب مني في بداية الدورة.
تعتبر الدورات التدريبية في كل مؤسسة مصرية فرصة رائعة للدولة ومؤسساتها للتعرّف على المشكلات الحقيقية في كل المجالات المختلفة، وفي كل موقع من الشمال إلى الجنوب دون تمييز. وهي في حدّ ذاتها طريقة فعّالة حيّة في جمع البيانات الواقعية عن المشكلات المختلفة أو المشكلة الواحدة المتكرّرة في قطاع واحد، لكنها قد تأخذ أبعادًا مختلفة نظرًا لاختلاف المكان والبيئة الثقافية والاجتماعية. وهي طريقة فعّالة أيضًا في استطلاع كافة الرؤى المتخصّصة الجادّة للتشخيص والعلاج. وهي طريقة ذات فائدة مزدوجة، تعود بالنفع على المتدرّبين لما يجنونه من معارف واستراتيجيات حديثة، كلٌّ في مجال تخصّصه، وعلى الدولة لما قد توفّره من مال ووقت وجهد، كبديل لإقامة مؤتمرات عامة مكلِفة تحاول فيها تغطية موضوعات متخصّصة في مجالات كثيرة ووقت قصير، قد لا تعطي نفس الثمار التي تجنيها من الدورات والورش التدريبية المتخصّصة ذات التكلفة الأقل، والحضور المستمر لعدد أكبر من المتدرّبين في كل المجالات وكل المناطق الجغرافية على مستوى الجمهورية.
حلول المشكلات سهلة وممكنة، يقدّمها المتخصّصون الحقيقيون تطوّعًا في الأبحاث والدراسات العلمية والمقالات النقدية في الصحف والحوارات التلفزيونية والدورات التدريبية، بل على الصفحات الاجتماعية في الإنترنت. لكن قرار الاعتراف بالمشكلات على المستوى الحكومي مقيَّد بمن بيده الأمر، مثله في ذلك مثل قرار حلّ المشكلة، ثم قرار تنفيذ الحل. هذه المتوالية من القرارات هي متوالية مصرية أصيلة، قد تتوقّف في أي مرحلة، وقد يُتَّخذ القرار بالحلّ ولا يتمّ التنفيذ، وقد تعترف الحكومة بالمشكلة تحت الضغط المجتمعي، ثم يُرجأ قرار الحلّ إلى وقت آخر لا يعلمه إلا الله.
وأغلب الظنّ أننا لا نرتّب مشكلاتنا حسب احتياجاتنا الماسّة لحلّها، ولا توجد لدينا قائمة بالمشكلات الأولية والثانوية، لأننا لم نعترف بكلّ مشكلاتنا ولم نجمع بياناتها بدقّة، وبالتالي لا نستطيع تصنيف هذه المشكلات وربطها ببعضها البعض. ولأن نسق المشكلات المصرية عنقوديّ الشكل، فمن الممكن أن يكون في حلّ المشكلة الأمّ حلٌّ لمشكلات عديدة أخرى ارتبطت بها، ويتحقّق بذلك المثل المصري: "ضربنا عصفورين بحجر"، وقد يزداد عدد العصافير إذا تمّ تصويب الضربة بدقّة.
لا جدوى من المماطلة وتغطية الأخطاء؛ لقد ولّى هذا الزمن وانقرض مع ظهور أدوات التواصل اللحظية، وأصبح التواصل اللحظي حقيقة حتمية يستحيل تغييرها أو توجيهها. والحقيقة جارفة كالماء المنهمر، ولا يصعب على ماء السيل الجارف أن يعرف طريقه جيّدًا بين الصخور، وأن يتّخذ منه مجرى للنهر رغم صلابة الحجر.



#رضا_علي_حسن (هاشتاغ)       Reda_A.h._Mahmoud#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ساكن البيت الأبيض روبين جودفيلو
- تناقض شعوري
- سيبويه مستشرق الشرق
- هل العلمانية هي الحل؟
- نعوم تشومسكي من النحو البنيوي إلى الدولة المارقة
- ألم الوعي في أعمال صنع الله إبراهيم


المزيد.....




- بعد تهديد ترامب لإيران.. الجيش الأمريكي يعلن عن فحص القاذفة ...
- مباشر: ترمب يهدد بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء في إيران خلال ...
- البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ويعين كباشي مساعدا له في ...
- من يهمس في أذن ترمب؟.. صراع داخل البيت الأبيض لحسم مصير الحر ...
- انفجارات تهز إيران.. وإسرائيل تعلن عن موجة غارات جديدة
- ترامب يهدد بسجن صحفي بسبب -خبر مسرب- بشأن إسقاط المقاتلة
- لواء أميركي متخصص في إطلاق الصواريخ يتجه إلى الشرق الأوسط
- فاقد للوعي وحالته خطيرة.. صحيفة تايمز تكشف تفاصيل وضع مجتبى ...
- من الحشد إلى التنفيذ.. ماذا ينتظر إيران عسكريا بعد مهلة ترمب ...
- مؤرخ بريطاني: حرب ترمب المتهورة ضد إيران تستند إلى لاهوت مضل ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رضا علي حسن - مشكلة الاعتراف بالمشكلات