الشتيوي جوهر
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 04:47
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
في مسار احتدام الصراع العالمي ضدّ الامبريالية الأمريكية الذي تخوضه الشعوب وحركات التحرّر الوطني، وفي ظلّ الأحداث الواقعة في هذه المرحلة التي تشهد توسّع الحرب الامبريالية العالمية على عدّة جبهات واستمرارها بأكثر حدّة ومخلفات، وخاصّة منها الحرب الامبريالية في الشرق الأوسط. وفي الفترة الأخيرة،غدت التطوّرات تسير في طريقفتح جبهة أخرى في أمريكا اللاتينية، قلعة المواجهة الوطنية ضدّ الامبريالية الأمريكية ومشاريعها الاستعمارية التوسّعية، بتصاعد تهديدات ترامب،في الآونة الأخيرة، ضدّ فنزويلا ورئيسها مادورو، ملوّحا بشكل واضح بإمكانيات شنّ حرب عليها لإسقاط نظامها الوطني، ورافق ذلك تكاثف الخطاب الحادّ الموجّه نحو كولومبيا في رسالة واضحة تبيّن بكلّ وضوح، النوايا الواضحة لدى ترامب للقيامبحرب في أمريكا اللاتينية.
المسار نحو الحرب:
منذ قرابة عقدين، مثّلت فنزويلا، من تشافيز إلى مادورو حاليا، رفقة كوبا، محور المواجهة الوطنية في أمريكيا اللاتينية ضدّ الهيمنة الاستعمارية الأمريكية وحقّقت في ذلك عدّة منجزات وخطوات هامّة موسّعة الجبهة الوطنية المتصدّية والمواجهة للامبريالية الأمريكية ونفوذها في القارّة. وفي سياق ذلك، استمرّ الاستهداف الأمريكي الواضح والموجّه، في كلّآن وحين،من شافيز إلى مادورو، لإسقاط النظام الوطني في فنزويلا والذي تتالى وتطوّر بين المحاولات الانقلابية ودعم الأطراف العميلة وتدبير المؤامرات والعقوبات الاقتصادية، ومثّلت سنوات 2016 -2017 أساسا وبعدها سنة 2019 أحد أبرز أوجه الاستهداف الرّجعي الأمريكي. وأخيرا، تصاعدت المواجهة نحو القيام بالاستعدادات الجدّية لشنّ حرب شاملة حيث تكاثف التواجد العسكري البحري الأمريكي في منطقة البحر الكاريبيونشرت الامبريالية الأمريكية حاملات طائرات وقاذفات قنابل، قابل ذلك، من قبل فنزويلا، تشكيل قوّات دفاع وطني والقيام بالاستعدادات العسكرية الكاملة مع بلورة خطط حربية استعدادا للمواجهة. وفي مطلع سبتمبر 2025، نفّذت القوات العسكرية الأمريكية ضربة جوّية ضدّ سفينة قادمة من فنزويلا بتعلّة أنّها ناقلة للمخدّرات. وتتالت الضربات العسكرية الأمريكية وتصاعدت،على مدى شهر سبتمبر وأكتوبر، بنفس التعلّة، لتتجاوز سبع ضربات منذ انطلاقتها، وقد كان أهمّها في منتصف أكتوبر. وبعد سلسلة الضربات الأولى الموجّهة، غدا مركز القرار الأمريكي يتدارس الخطوات التصعيديّة، على قاعدة الإعلان الفعلي للحرب، والسيناريوات التي تعقبها حيث رفقة الغارات البحريّة السابقة والاستمرار فيها، طرح إمكانية ضربات جوّية للمنشآت العسكرية الفنزويلية وكذلك إرسال قوّة مكافحة الإرهاب للسيطرة على المطارات وحقول النفط وكلّ الأهداف العسكرية في سبيلإسقاط النظام والإطاحة بمادورو من السّلطة. وتقدّما في هذا السياق نحو مسار الحرب، قدّم المسؤولون العسكريون لدونالد ترامب برامج وخيارات حول تطوير العمليات العسكرية في فنزويلا، بالإضافة إلى إعلان الجيش الأمريكي عن عمليّة كاملة، وفي شكل مكثّف، تحت تسمية الرّمح الجنوبي وبتعلّة مكافحة تهريب المخدّرات، وضمن هذا التصعيد والترتيبات للحرب، تكثيف الحصار الأمريكي البحري على ناقلات الطاقة، حيث مُنعت عدّة بواخر من المروربالتزامن مع تزايد التواجد العسكري الأمريكي بشكل كبير في الكاريبي. إنّ هذه التطوّرات تبيّن بشكل واضح، الاستعدادات الأمريكية الجدّية لشنّ حرب شاملة محدّدة الأهداف في فنزويلا. في مقابل ذلك، دعا مادورو إلى ضرورة وحدة الشعب الأمريكي مع الشعب الفنزويلي من أجل السلام في المنطقة،مع إصدار الأمر بتشكيل قيادات الدفاع الوطني والإعداد للمقاومة الشعبيّة والاستعداد للمواجهة وفق خطط مرسومة ومحدّدة.
العدوان الأمريكي وانطلاقة الحرب:
صبيحة يوم 3جانفي 2026، تمّ الإعلان، بشكل واضح، عن بداية الحرب حيث قامت القوات العسكرية الأمريكية بقصف العاصمة كاراكاس ومواقع هامّة منها المطارات ومواقع عسكرية في فنزويلا، وفي ذات الوقت، قام الجيش الأمريكي باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو رفقة زوجته واقتيادهماإلى نيويورك، في عمليّة أحدثت صيحة فزع شديدة على المستوى العالمي وفجّرت تنديدا كبيراإزاء البلطجة الأمريكية والتمشي الذي أصبحت تعتمده في سياسة حروبها. أمّا الشعب الفنزويلي، فكان ردّه، كالعادة، وطنيّا بطوليّا حيث خرجت مسيرات شعبية عارمة جابت كلّ البلاد مندّدة بالتدخّل العسكري الأمريكي مستعدّة للمواجهة الوطنية والمقاومة ضدّ الحرب في حال تصاعدها،وهذا الموقف شمل أيضا عموم القوى الوطنية في فنزويلا التي عبّرت عن ضرورة الوحدة الوطنيّة اليوم في مواجهة العدوان الأمريكي. وقد رتّب النظام نفسه فتولّت نائبة الرئيس رودريغز مهامّ الرئاسة وأعلن عن التأهب والاستعداد لعموم التطوّرات القادمة التي تتطلّبها المرحلة.
أمّا في عموم بلدان أمريكا اللاتينية، فقد خرجت مسيرات عمّاليّة شعبيّة عارمة مندّدة بالعدوان الأمريكي على فنزويلا ورافق ذلك مواقف التّنديد بالحرب التي أصدرتها عموم الأنظمة الوطنية في المنطقة واستعداد الجميع لضرورة الوحدة الوطنية في هذه المرحلة للتصدّي للحرب الامبريالية الأمريكية.
وفي عموم بقاع العالم قامت تحرّكات شعبيّة جماهيريّة نظّمتها وقادت أغلبها الأحزاب الشيوعية، خاصّة في أوروبا، وبذلك مثّلت فنزويلا محور الوحدة الثوريّة الأمميّة المناضلة ضدّ الحرب والامبريالية فاتحة مرحلة أخرى لنضال الحركة العمّالية الشعبية والحركة الوطنية للشعوب المضطهَدة ضدّ الحروب الامبريالية.
من المؤكّد أنّ الأحداث سائرة نحو التصعيد ولن تقف على مستوى العملية العسكرية لـلثّالث من جانفي، حيث من المتوقّع شنّ ضربات عسكرية أخرى وطرح خيار العمليّة العسكرية البرّية وتقدّم الأحداث نحو تشكّل مشهد الحرب الفعلي، وما يؤكّد ذلك هو: أوّلا،إنّ ترامب والبنتاغون والجيش الأمريكي قد أعدّوا مخطّطا كاملا لهذه الحرب، والمسألة الثانية هي كون العمليّة العسكرية الأولى لم تحقّق الأهداف المنشودة بل إنّها ثبّتت وعزّزت الصفّ الوطني في فنزويلا والمنطقة إجمالا.
أسباب الحرب:
إنّ أسباب الحرب الامبرياليّة في أمريكا اللاتينية تأتي في سياق مساعي الهيمنة الاستعمارية الأمريكية الكاملة على أمريكا اللاتينية وتحديدا على مصادر الطاقة فيها وطرق المواصلات، والتطوّرات الحاليّة التي مثّلت الدافع المباشر في ارتباطها بالسّابق. فمنذ القرن العشرين والامبريالية الأمريكية تصارع الحركات الثوريّة والقوى الثورية والحركة الوطنيةفي القارّة بشكل عامّ من أجل السّيطرة عليها. وقد احتدم هذا الصراع في فترة الستّينات في مرحلة أوج حركة التحرّر الوطني وعاد في مطلع الألفية أكثر احتداما ممّا ولّد حركات وطنية قويّة مناضلة ذات امتداد عمّالي شعبي في كلّ من تشيلي والمكسيك، وظهور أنظمة وطنية مناهضة للاستعمار الأمريكي وتحديدا في فنزويلا عبر دور تشافيز الرائد الذي امتدّ في أصقاع أمريكا اللاتينية وفكّ كوبا الاشتراكية من عزلتها. في ذلك السياق، تبلورت حركة وطنية في أمريكا اللاتينيّة مناهضة للامبريالية الأمريكية غدت تمتدّ وتنتشر مستقطبة عددا من الأنظمة والحركات الوطنية في ظلّ التحوّلات الواقعة. وفي علاقةبالأحداث الحالكة الأخيرة المتّصلة بالحرب الامبريالية الصّهيونيّة على غزة، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عامّ، ارتفع الصوت الأمريكي اللاتيني المناهض وتعزّز دوره سواء عبر المواقف الوطنيّة لفنزويلا وكوبا وتنديدها المباشر أو عبر الدّور النضالي الشعبي المقدَّم في مختلف هذه البلدان والحملة النّضالية المنخرطة في المعركة الوطنية التي عبّرت عنها مبادرة الرئيس الكولومبي في دعوته إلى تشكيل الجيش العالمي لتحرير فلسطين، جلّ هذه الأسباب قد كانت الدافع الرّاهن المباشر. أمّا في عمق المسائل، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد خسرت موقعها في المنطقة منذ أن كانت المنطقة تعتبر حديقتها الخلفية وتسعى إلى استعادته في ضوء التحوّلات والمتغيّرات، ففنزويلا بلد غنيّ بالنفط ويحتلّ المواقع العالمية الأولى في الاحتياطي العالمي للنفطومنذ مطلع الألفيّة غدا خارج النطاق الأمريكي، كما أنّ النظام الفنزويلي قد عزّز علاقاته الاقتصادية مع روسيا والصين، وتحديدا في مجال الطاقة، وبذلك زاد في وضع فنزويلا في إطار الاستهداف الأمريكي الواضح، فجزء هامّ ومحوريّمن الصراع الأمريكي الصّيني الرّوسي هو مكثف اليوم في فنزويلا، فالامتداد الروسي في مجال الأسلحة والطاقة، والصيني في المجالات الاقتصادية عموما، قد وضع الاقتصاد الفنزويلي بشكل واضح في ارتباط بالصيني والروسي .
أمّا كولومبيا، فكانت في السابق تعتبر يد الامبريالية الأمريكية في المنطقة،غير أنّ الأزمة وتفاقمها قد قلبت عموم المعادلات على الأمريكي وأدّتإلى صعود غوستافو بيترو للسلطة كأوّل رئيس يساري في كولومبيا يصل للرئاسة، ومنه انقلبت وضعيّة كولومبيا بين الأمس واليوم. رافق ذلك في السنوات الأخيرة تصاعد الحركة الوطنية المناهضة للاحتلال في النّضالات العمّالية الشعبية حيث غدت أمريكا اللاتينية بؤرة منفجرة تجاه الامبريالية الأمريكية. كلّ ذلك قد دفع نحو مزيد المتغيّرات واحتدام الصراع، وبالتالي دفع نحو أن تعلن الامبريالية الأمريكية خيار الحرب في المواجهة.
إنّ الحرب الامبريالية في جبهة أمريكا اللاتينية هي واقعة لا محالة وبشكل واضح، لا تحّددها الاحتمالات أو التوقّعات أو المعطيات المباشرة بل تحدّدها التحليلات المعمّقة المذكورة وهي في عمق النتيجة الحتمية لتفاقم الصراع بين الحركة الوطنية في أمريكا اللاتينية والامبريالية الأمريكية. وقد طوّر اتجاه الصراع الوطني ضدّالامبريالية الأمريكية الحركة الوطنية والقوى الوطنية عموما في أمريكا اللاتينية ومثّل دعما للقضية الوطنية الفلسطينية بفضل الدور النضالي الذي اضطلعوا به ضدّ حرب الإبادة، ومن الجانب الآخر،ما أدّى إلى التصعيد الأمريكي، هو تفاقم صراع احتكارات الطاقة بين كلّ من روسيا والصين من ناحية،ومن ناحية أخرى أمريكا، على السيطرة والتحكّم في احتياطي النفط العالمي تحديدا وطرق توريده حيث تعتبر فنزويلا محور هذا الصّراع اعتبارا لكونها تحمل أكبر احتياطي عالمي. من منطلق هذه العوامل الثلاثة،تأتي الحرب على فنزويلا، وتشير التطوّرات إلى إمكانيات توسّعها وتعمّقها في محتويات ومضامين اتجاهات المواجهة.
المهامّ النضالية الوطنية المطروحة:
في هذا السياق، وإزاء التطوّرات المحتمَلة التي تحمل تصعيدا واحتداما في المواجهات العسكرية في مسار توسّع الحرب لتشمل عموم القارّة، يقتضي الأمر وحدة القوى الوطنية في المنطقة بمختلف اتّجاهاتهاووجوب استعدادها للمقاومة الوطنية الشعبية عبر تشكيل أوسع جبهة وطنية شعبية للمقاومة الوطنية لخوض النضال الوطني الثوري في شتّى أبعاده واتّجاهاته، ضدّ الحرب ومن أجل إفشال المشاريع الاستعمارية والسّير في ركب التحرّر الوطني الشامل والكامل نحو الاشتراكية والسلم.
#الشتيوي_جوهر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟