أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نور الدين البوثوري - هل تطبيق الشريعة الإسلاميّة شعار دعائيّ أم مشروع سياسيّ؟















المزيد.....

هل تطبيق الشريعة الإسلاميّة شعار دعائيّ أم مشروع سياسيّ؟


نور الدين البوثوري

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 06:53
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ممّا يلفت نظر المتابع للأحداث الجارية الآن في تونس ارتفاع بعض الأصوات الآخذة في التزايد والمنادية بتطبيق الشريعة الإسلاميّة. ونظرا إلى أنّ الاهتمام منصبّ اليوم على صياغة دستور جديد للبلاد التونسيّة كان أكثر تلك الأصوات ينادي بإدراج الشريعة الإسلاميّة في الدستور بوصفها مصدرا أساسيّا للتشريع ) أو أحيانا بوصفها مصدرا أساسيّا وحيدا للتشريع(.
وكان من نتائج هذه المناداة أن أصبح الشارع التونسيّ يوهم بوجود استقطاب ثنائيّ حقيقيّ بين فريق يدافع عن الشريعة الإسلاميّة وفريق يعاديها. ولكنّ الفهم الدقيق والعميق لحقيقة ما يحدث في بلادنا يوجب علينا تفكيك هذه الظاهرة وكشف ما يضمره الدعاة في دعواتهم حتى تتيسّر إزاحة الغمامة على الأبصار والبصائر وخاصّة لدى الأتباع المنجرّين وراءهم عن حسن نيّة والمعنيّين قبل غيرهم بتمييز الخداع عن الصدق. وأوّل الطريق نحو الفهم هو تمحيص المفهوم.

في مفهوم الشريعة الإسلاميّة:

ينادي الدعاة المشار إليهم بوجوب تضمّن الدستور الجديد للشريعة الإسلاميّة باعتبارها مصدرا للتشريع. ومن المعلوم أنّ «الشريعة »لفظ لم يرد في القرآن إلاّ مرّة واحدة في الآية 18 من سورة الجاثية/ 45 على النحو التالي: «ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتّبعها »أي جعلناك على طريقة محدّدة من أمرنا فاتّبعها. وقد أثبت التاريخ أنّ هذه الطريقة هي مسلك في الدعوة والحياة وليست في نظام الحكم السياسيّ. ولو كان الأمر على خلاف ذلك لتمسّك به المسلمون بعده وعملوا به. وسنعود إلى هذه المسألة بالتوضيح في سياق حديثنا عن علاقة الشريعة بنشأة الدولة في الإسلام.
وعند هذه النقطة تبرز لنا المغالطة الأولى التي تتمثّل في إخراج لفظ « الشريعة »من سياقه القرآنيّ الأصليّ وإكسابه معنى المرجع القانونيّ. وتتمثّل المغالطة الثانية في تركيب « الشريعة » على »الدستور ». وذلك أنّ الشريعة لا صلة لها بنظام الحكم السياسيّ كما بيّـنّاه وأمّا « الدستور » فهو مصطلح سياسيّ محدث لا علاقة له بالمعجم السياسيّ العربيّ والإسلاميّ التقليديّ، وهو يعني القواعد الأساسيّة التي تبيّن شكل الدولة ونظام الحكم فيها ومدى سلطتها إزاء الأفراد) عن المعجم الوسيط( فلا يخلو الأمر حينئذ من تعسّف إمّا على » الشريعة « بإعطائها معنى ليس منها أو بإخراجها من جلدها وإلباسها جلد غيرها، وإمّا على »الدستور» بتجريده من بعده السياسيّ الحديث ليدلّ على غير معناه في أصل نشأته.
ومن الالتباسات الأخرى التي يستثمرها الدعاة المذكورون أعلاه الخلط المتعمّد حينا والعفويّ حينا آخر بين الشريعة القرآنيّة والشريعة الإسلاميّة. فمن المعلوم لدى العارفين لهذه المسائل أنّ الشريعة القرآنيّة تعني الأحكام الواردة في القرآن فقط أي تلك الأحكام التي لا دخل في صياغتها لأيّ مفسّر ولا مؤوّل ولا فقيه مهما علا شأنه. وأمّا الشريعة الإسلاميّة فهي مصطلح شامل للأحكام القرآنيّة وكلّ الأحكام التي أنتجها الفقهاء الذين تعاقبوا على هذه المهمّة بواسطة ما اصطلحوا عليه بأصول الفقه )انظر في هذا الأمر، مثلا، الصادق بلعيد: القرآن والتشريع، ص36 وما يليها(.
فعبارة »الشريعة الإسلاميّة « تخفي، إذن، الدور البشريّ الفاعل في وضع هذه الشريعة وتُضفي على فعل رجال مثلي ومثلك قداسة يُنكرها عليهم المسلمون قولا ويكرّسونها عمليّا. وقد يكفي لإقناعك بذلك أن تستحضر التزامهم وإلزامهم لغيرهم بما قرّره هذا الفقيه أو ذاك. ألا ترى أنّ منعك من أن يكون لك رأي خاصّ في مسألة ما بعد المعرفة والتروّي وأنّ إجبارك على اتّباع قول فقيه من الفقهاء هما، عمليّا، تقديس لذلك الفقيه؟
قد يقول قائلهم إنّ المراد بالشريعة الإسلاميّة القرآن والسنّة وحدهما. ولكنّ هذا القول باطل على الأقلّ من وجهين اثنين: أوّلا لو كان القرآن والسنّة وحدهما كافيين لتنظيم أحوال المجتمع المتغيّرة على الدوام ما احتاج الأئمّة والفقهاء القدامى إلى أصول تشريعيّة أخرى لسدّ الفراغ التشريعيّ الذي أوقفهم عليه الواقع في أزمنتهم وأمكنتهم. وثانيا أنّ الناطق الرسميّ باسم حزب التحرير السيد رضا بالحاج اعتبر أنّ »الشريعة الإسلاميّة ليست نظام عقوبات فقط وإنّما هي نظام اجتماعيّ واقتصاديّ وهي منظومة كفاية ورعاية) « صوت الشعب، العدد43، ص 8(.
ومن الأسئلة التي يمكن طرحها على السيد رضا بالحاج في خصوص هذا التصريح ما يلي: ما نصيب القرآن والسنّة وحدهما من نظام العقوبات والنظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ ومنظومة الكفاية والرعاية؟ وإذا استعان المسلم في تنظيم شؤون مجتمعه بعناصر ليست مأخوذة مباشرة من القرآن والسنّة فمن أين تكتسب تلك العناصر صفة الإسلاميّة التي تُنعت بها؟ ومَن هذا الذي يمنحها تلك الصفة؟ ومَن الذي أوكل إليه هذه المهمّة؟

صلة الشريعة الإسلاميّة بالسياسة في ظلّ نشأة الدولة في الإسلام:

لقد نشأت الدولة في التاريخ الإسلاميّ إثر وفاة الرسول مباشرة، وبالتحديد في اجتماع سقيفة بني ساعدة. وفي خصوص هذه الحادثة تروي لنا كتب التاريخ الخلاف الذي قام بين المهاجرين والأنصار على تحديد مَن يحكم جماعة المسلمين بعد أن غادرهم الرسول نهائيّا، ولم يقم على كيفيّة الحكم ولا على أركانه. وقد كانت الألفاظ التي دارت على ألسنتهم حسب الروايات التاريخيّة هي الأمر والإمارة والوزارة. ولم يرد في كلامهم لفظ »الخلافة » بتاتا. ناهيك أنّ ممّا يُروى عن أبي بكر الصدّيق، أوّل الخلفاء الراشدين »أنّه قال: وددت أنّي سألت رسول الله[...] عن هذا الأمر لمَن هو فكان لا ينازَع فيه. « وهو يريد بالأمر في هذه الرواية الحكم السياسيّ) أبو القاسم الكوفيّ: كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة، ج1 ، ص 17(. والمقصود بالثلاثة في الكتاب أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان.
وسيستفحل هذا الخلاف زمن الفتنة من أواخر حكم عثمان بن عفّان إلى مقتل علي بن أبي طالب واستتباب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان. ومن المعلوم أنّ هذا الخلاف الذي بدأ منذ اجتماع السقيفة كان بين المسلمين قبل أن ينقسموا فرَقا فلم تمنعهم وحدة المرجعيّة الدينيّة من التعدّد السياسيّ لسبب يبدو واضحا وهو كون السياسة من فعل البشر أي من الأمور النسبيّة التي تتنوّع فيها آراء الناس حسب اعتبارات دنيويّة على حين مصدر الدين واحد هو الله المطلق. وفي هذه الحال لا يمكن إدماج الكثرة في الواحد إلاّ بفعل الفاعلين أي بفعل أولئك الذين يسمحون لأنفسهم، اعتباطا وتحكّما، بادّعائهم ردّ الكثرة إلى الواحد. والتاريخ الإنسانيّ عامّة والإسلاميّ خاصّة يفنّد هذا الزعم كلّ لحظة.
وممّا قد يؤكّد هذا الرأي أنّنا لم نسمع ولم نقرأ أنّ حاكما واحدا من حكّام المسلمين قديما وحديثا صرّح بأنّه سيخالف في حكمه ما أمر الله به. ورغم أنّهم جميعا يدّعون تطبيق أمر الله فإنّهم حكموا شعوبهم بطرق مختلفة ابتداء من الخلفاء الراشدين. ويمكن، على سبيل المثال فقط، التذكير باختلاف الكيفيّة التي انتقلت بها السلطة السياسيّة من خليفة إلى آخر وبمدى تقيّد كلّ من الخلفاء الراشدين بتطبيق حدّ القاتل ولاسيّما في خصوص عبيدالله بن عمر بن الخطّاب حين قتل غير قاتل أبيه) كتاب الاستغاثة، ج1 ص ص 58-59( وبمخالفة علي بن أبي طالب لعمر بن الخطّاب في ضبط حدّ شارب الخمر...إلخ
أمّا بعد استفحال الخلاف بين المسلمين وانقسامهم إلى فرَق متناحرة فإنّ الاختلافات بين سياسات الحكّام المسلمين لا تزال ماثلة للعيان إلى اليوم على نحو ما نرى في توزّع المسلمين بين سنّة وشيعة. فلم يعصمهم اتّحادهم في الإسلام من اختلافهم في السياسة. ولعلّ من النماذج المعاصرة الشاهدة على ذلك الاختلاف السياسيّ رغم وحدة الانتماء الديني النموذج الطالباني) أفغانستان( والنموذج الشيعيّ) إيران( والنموذج الوهّابي) السعوديّة( والنموذج المالكيّ) المغرب(. ولكن بماذا يمكن أن نفسّر كلّ هذا التنوّع السياسيّ رغم وحدة المرجعيّة الدينيّة التي هي الإسلام؟
إذا سلّمنا بأنّ الدين الإسلاميّ عقائد وعبادات ومعاملات وبأنّ اختلاف المسلمين في أمور العقائد والعبادات كان جزئيّا نسبيّا وكان قليل الأثر في معترك حياة الشعوب الإسلاميّة لأنّه منحصر بطبيعته في مجال علاقة المسلم الفرد بمعبوده ولأنّه جرى بين الفرق المختلفة فيما بينها خلافا لما حدث بين أتباع الفرقة الواحدة مثل الأمويّين والعبّاسيّين المنتسبين جميعا إلى أهل السنّة والجماعة عندما اعتلوا دفّة الحكم تأكّد لدينا أنّ أهمّ عامل في الفُرقة بين المسلمين كان المعاملات لأنّها تتنزّل في إطار علاقة المسلمين ببعضهم بعضا، والسياسة داخلة في هذا الإطار ما دامت تتصادم فيها المصالح المختلفة والغايات المتباينة والوسائل المتنوّعة...فلا غرو، والحال هذه، أن نرى المسلمين تشقّهم الخلافات كغيرهم من الشعوب التي لا يعدم أفرادها انتماءات دينيّة معيّنة. غير أنّ حرص بعض الدعاة على تغليف هذه الاختلافات السياسيّة بشعارات دينيّة فضفاضة لحجب الرهانات السياسيّة الحقيقيّة عن أعين الناس وتخويفهم من خطر وهميّ يهدّد عقائدهم لا يمكن أن يُخفي رغبتهم في الاستبداد باسم الدين ومعاداتهم لمفهوم الدولة المدنيّة. فالواقع المعيش، وهو أصدق شاهد، يؤكّد أنّ تلك العقائد لا تمثّل أيّ إشكال بالنسبة إلى أيّ مواطن في إطار دولة مدنيّة تضمن لجميع أبنائها، وكذلك لمن يلجؤون إليها، حرّيّاتهم الخاصّة والعامّة بما فيها حرّيّة الاعتقاد وحرّيّة ممارسته.
أمّا الحجّة التي يتذرّع بها بعضهم لتفنيد مقولة الدولة المدنيّة وإقامة ما يُسمّى الدولة الدينيّة أي دولة الناطقين باسم الدين عوضا عنها فهي حجّة باطلة على الأقلّ من وجهين اثنين: أوّلا، لا توجَد على الحقيقة دولة دينيّة بل وُجدت وتوجَد دولة يسيّرها بشر ويُشرفون عليها بصورة مباشرة أو بوساطة علماء الدين) أو رجال الدين( دون أن تكون لها قداسة معيّنة لا أثر فيها للطموح البشريّ وفعله. فهي، لذلك، دولة مثل غيرها من الدول مدنّسة) ونقصد بالمدنّس نقيض المقدّس(. وثانيا، إنّ هذه التسمية تخلط، عمدا أو عفوا، بين الدولة والمجتمع بأن تدّعي أنّ الدولة يجب أن تكون متطابقة مع عقيدة المجتمع. وهنا لا بدّ من التمييز بين أمرين اثنين لا مجال للخلط بينهما: التمييز بين الدين والسياسة من جهة وبين الدين والدولة من جهة ثانية.
ففي خصوص علاقة الدين بالسياسة لا خلاف في أنّ الدين، خاصّة بما هو معاملات، يمكن أن يتعلّق بشؤون الناس اليوميّة وببعض النصائح الأخلاقيّة أو التوجيهات العمليّة دون أن يحجب الطابع البشريّ للناطقين باسمه. ولا مهرب لهم من الاعتراف بذلك وإن تبرّؤوا منه قولا. وذلك أنّ عالم الدين حين يقول، مثلا، : » إنّ الله يريد كذا وكذا »فإنّ هذه) الكذا وكذا( التي هي من كلام العالم، وهو بشر، تصبح لدى المتقبّل كلام الله وإن لم يقلها. وما قد يدعم هذا الاعتقاد لدى المتقبّل هو ادّعاء ذلك العالم معرفة إرادة الله وليس فهمه هو وتحديده لتلك الإرادة.) فهل الله أراد أن تسوق المرأة السيارة في تونس وأراد ألاّ تسوقها في السعوديّة،مثلا؟( !!.
وأمّا في خصوص علاقة الدين بالدولة فمن المعلوم أنّ الدولة، عموما، هي مؤسّسات وقوانين تنظّم علاقات أفراد المجتمع ببعضهم بعضا بقطع النظر عن عقيدة هؤلاء الأفراد إذ تكون الدولة واحدة بالنسبة إلى كلّ منظوريها على حين قد يكون الدين، في الواقع، واحدا أو متعدّدا، وإذا كان متعدّدا فإنّ نسب معتنقي هذا الدين أو ذاك تتفاوت حسب الأوضاع وحسب الأمكنة والأزمنة. وعلى الدولة أن توحّد أسس حكمها لمنظوريها مهما كانت تركيبتهم الدينيّة ونسب تلك التركيبة. وهذا الاختلاف الدينيّ الممكن حينا والواقعيّ حينا آخر يقتضي فصل الدولة لمؤسّساتها وقوانينها السياسيّة عن الدين من حيث هو اعتقادات وليس عن الدين من حيث هو مؤسّسات مستقلّة بذاتها إيديولوجيّا عن مختلف التنظيمات السياسيّة مهما كان موقع تلك التنظيمات من المشهد السياسيّ حتى يمكن الفصل العمليّ بين البشريّ النسبيّ والإلهيّ المطلق واجتناب الالتباس المفهوميّ أو خلط الأوراق، إن جاز التعبير.
ويمكن، في خاتمة هذا المقال، أن نناقش مقولة »السلف الصالح »التي يتشبّث البعض بها ويدعون إلى اتّباعها والتمسّك بها والتي تمثّل تعلّة القائلين بتطبيق الشريعة الإسلاميّة. هذه التسمية تحيل، أوّلا، على الماضي، وثانيا، على تقسيم المسلمين القدامى إلى سلف صالح وسلف طالح، إذ بدون هذا التقابل الضمنيّ بين الصنفين من السلف تفقد صفة الصلاح كلّ معنى.
ففي خصوص الإحالة الأولى نظمّ صوتنا إلى صوت التاريخ، وكتُبُه تكاد تخرج عن الحصر، لنقول إنّ الحكّام المسلمين قدامى ومحدثين لم يختلفوا منذ وفاة الرسول في شيء اختلافهم في الشأن السياسيّ إلى حدّ التقاتل أحيانا. ورغم اختلافهم ذاك كانوا جميعا يعتقدون أنّهم يطبّقون أمر الله. فهل أمر الله واحد أم متعدّد؟ بل هل أوامر الله متجانسة أم متعارضة؟
وأمّا في خصوص الإحالة الثانية فيمكن أن نقول: إذا سلّمنا بأنّ بعض الحكّام كان عادلا وبعضهم الآخر كان ظالما فهل يمكن أن يكون الله قد أمر بالعدل والظلم في آن واحد؟ لقائل أن يقول في هذا المقام بالذات إنّ الله قد أمر بالعدل فقط وإنّ المراد بالسلف الصالح أولئك الذين عدلوا دون غيرهم. غير أنّ مثل هذا القول، علاوة على كونه قد ينطبق، من وجهة نظر معيّنة، على بعض الحكّام فقط، هو قول ينفيه إدراج أسماء صحابة وأئمّة وفقهاء ومحدّثين ومفسّرين...ضمن »قائمة السلف الصالح ». ثمّ إنّ هؤلاء الأسلاف إن كانت لهم آراء أو مواقف صلحت لأوضاع أزمنتهم وأمكنتهم فمن أيّ وجه يمكن اعتبار تلك الآراء أو المواقف صالحة لأوضاع زماننا المختلفة ثقافيّا واجتماعيّا وجغرافيّا...عن أوضاع زمن رعاة الإبل وتجّار القوافل وبسطاء العيش؟
كما أنّ الإحالة الثانية تتضمّن غرورا زائفا، عن وعي أو عن غير وعي، يدّعي المتّصفون به أهليتهم لتمييز السلف الصالح عن السلف الطالح. وعلاوة على كون هذا التمييز ينبني على مجرّد انطباعات وتصوّرات زئبقيّة لا تصمد أمام الواقع التاريخيّ فهو مجرّد ترديد لما قرّره أعلام من القدامى في شأن بعض الرجال المسلمين من أجيال مختلفة، وإلاّ فما فضل هذا الشخص أو ذاك غير ما قرّره القدامى في شأنه؟
وإذا كان القدامى غير مؤهّلين لتنظيم حياتنا الراهنة فمن باب أولى وأحرى ألاّ يكون أدعياؤهم من المعاصرين لنا مؤهّلين لتسيير شؤوننا اليوم مثلما لا أهليّة لنا جميعا لتقرير ما ستكون عليه الحياة غدا. فلكلّ عصر قضاياه وأهله. ولنعمل، إذن، بما قاله أحد أجدادنا في شأن مَن سبقوه: هم رجال ونحن رجال.
وخلاصة الكلام أنّ المطالبة بأن تكون الشريعة الإسلاميّة مصدرا أساسيّا للتشريع يتأسّس عليه دستور تونس الجديد هي مغالطة قائمة على جهل الكثير من الناس لحقيقة البعد البشريّ لتلك الشريعة وهي إمعان في تجهيل الناس لتلك الحقيقة. وهذا الجهل والتجهيل يسهّلان على مردّدي هذا الشعار تغليف السياسة بالدين فيقدّسون المدنّس بوعي أو بغير وعي. ولمّا كان هؤلاء الرافعون لهذا المطلب يجتنبون في طرحهم تفصيل القول في حقيقة الشريعة فإنّهم يتّخذون من مطلبهم ذاك شعارا دعائيّا يدغدغ المشاعر الدينيّة ويحتمون بمقدّس افتراضيّ دأب المسلمون طيلة تاريخهم على إخفاء حقيقته.



#نور_الدين_البوثوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صلة الشريعة الإسلاميّة بالحكم في ظلّ الدولة الإسلاميّة
- -أزمة المسلم الأخير ونهاية التديّن- للدكتور العادل خضر
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام


المزيد.....




- البابا لاوُن يتلقى دفعة مفاجئة من حساب قديم له على -باي بال- ...
- في لقاء حصري مع CNN.. جوزاف عون يوجه رسالة إلى إيران: لبنان ...
- لبنان.. نبيه برّي يحدد شرط انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني ...
- جوزاف عون لـCNN: الحلول العسكرية لن تجلب الأمن.. والعداء بين ...
- تحرك مرتقب يثير الاهتمام.. الزعيم الصيني يعتزم زيارة كوريا ا ...
- -تطويق استخباراتي-.. تقرير يكشف نشر إسرائيل -قوات سرية- في أ ...
- رومانيا: مذيع تلفزيوني يفرّ على الهواء بعد انفجار طائرة مسيّ ...
- إيران تقول إنها أطلقت صواريخ تحذيرية على سفن حربية أمريكية
- انثروبيك تدعو لوقف تطوير الذكاء الاصطناعي قبل خروجه عن السيط ...
- فرنسا: الولادة في ظل المبيدات الحشرية.. فضيحة الأطفال الضحاي ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نور الدين البوثوري - هل تطبيق الشريعة الإسلاميّة شعار دعائيّ أم مشروع سياسيّ؟