|
|
-أزمة المسلم الأخير ونهاية التديّن- للدكتور العادل خضر
نور الدين البوثوري
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 02:58
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
من المنشورات الصادرة السنة الماضية (2011) كتاب الدكتور العادل خضر الموسوم بـ"أزمة المسلم الأخير ونهاية التديّن"، عن دار ورقة للنشر، تونس، ضمن سلسلة "ألف ورقة" التي يشرف عليها الدكتور نفسه. ويبدو أنّ هذا الكتاب هو باكورة هذه السلسلة. ويشتمل الكتاب على عشرين مقالة وقراءة في النقد الدينيّ ألّفها الكاتب فيما بين أكتوبر 2001 وسبتمبر 2010 ونشرها على الشبكة العنكبوتيّة، موقع الأوان. وقد جمعها ونشرها في هذا الكتاب الذي قسّم فيه تلك المقالات إلى توطئة وتسعة فصول هذه عناوينها: 1) خارج العالم..داخل النص، 2) البحث عن الرسالة الضائعة، 3) هذه الحداثة التي لا تُحتمل، 4) إنّه زمن القيامة، 5) غاليلي في دار الإسلام، 6) أعطني عدوّا جيّدا، 7) روح عالم بلا روح، 8) هؤلاء الزائدون على الحاجة، 9) الإنسان المقدّس. فأين تكمن أهمّـيّة هذا الكتاب بالنسبة إلى القارئ اليوم؟ لقد جاء في عنوان الكتاب عبارة "المسلم الأخير"، وهي عبارة ترشد القارئ إلى همّ أساسيّ يشغل بال المؤلّف ويستبدّ بالكثير من جهده، ناهيك أنّ العبارة المذكورة قد وردت في أربعة من عناوين مقالات الكتاب وكان معظمها في صيغة استفهاميّة من قبيل (من هو المسلم الأخير؟ ص 85). أمّا في متن الكتاب فالعدد أكثر بكثير. وهذا يعني أنّ الظاهرة المدروسة لا تزال تثير أسئلة كثيرة يتراءى من خلال تعدّدها تعدّد زوايا النظر إليها قصد الإحاطة بها وتعميق فهمها. وليس هذا الأمر سرّا ولا هو ممّا يتطلّب ذكاء خارقا للكشف عنه إذ أنّ المؤلّف نفسه قد صرّح في أواخر توطئة الكتاب بأنّ "السؤال الذي يشقّ هذا الكتاب "أزمة المسلم الأخير" هو: لِـمَ عادت هذه الأعراض [symptômes] أي أعراض "العودة إلى الأصل" اليوم، في زمان ما بعد الإيديولوجي، بما هو زمان عودة الإيديولوجيات بنفي الإيديولوجيا (فنفي الإيديولوجيا هو في حدّ ذاته إيديولوجيا، ص 20). وهنا تكمن أهمّـيّة الكتاب إذ حاول صاحبه الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءات عديدة لكتابات، إمّا أنّ أصحابها قد عبّروا بصورة واعية أو غير واعية عن الحنين إلى "الأصل" المفترض مثل ألفة يوسف ومحمّد الطالبي، وإمّا أنّهم وفّروا الأساس الفلسفي الذي يستند إليه المؤلّف في رؤيته إلى الظاهرة المدروسة من أمثال بيتر زلوترداك وزلافوي تجيتجاك وباديو. وقد توسّل العادل خضر في مختلف مقالاته منهجيّة تتداخل فيها خاصّة مقولات التأويليّة (أو الهرمينوتيقا) والمفاهيم الفلسفيّة وآليّـات التحليل النفسيّ العامّ والتحليل النفسيّ السياسيّ، وإن كانت مختلف تلك المرجعيّات متفاوتة الحضور من مقالة لأخرى. فتعدّد أدوات القراءة يلغي فكرة الحدود المفترضة والمفروضة بين الحقول المعرفيّة ويؤكّد، في الآن نفسه، التفاعل الخلاّق بين مختلف تلك الحقول. ولمّا كان الإنسان، فردا وجماعة، متعدّد الأبعاد فإنّ توخّـي مثل هذه المنهجيّة في دراسته يمكن أن يحقّـق فهما أفضل وأعمق لهذا الكائن "الزئبقيّ". وإذا كان الفهم، أيّ فهم، تأويلا معيّنا لظاهرة محـدّدة فإنّه، دون شكّ، يجسّد انخراط المؤوّل/ القارئ في إنتاج معنى مخصوص دون أن يـدّعي تمثيله للحقيقة المطلقة (التي لا وجود لها في الواقع) ودون أن يلغي الفهوم الأخرى الممكنة. وبهذه الصورة تتلاقح أفكار القرّاء وتزداد رؤاهم تبلورا وتـتّضح أمامهم سبل تغيير العالم، إذ على قدر سلامة فهم العالم يتيسّر تغييره. وهذا، في رأينا، هو المقصد النهائيّ من كلّ قراءة مهما كانت درجة وعي صاحبها بهذا الدور. كانت هذه، إذن، هي السمات العامّة التي تميّز الكتاب "أزمة المسلم الأخير ونهاية التديّن". ولمّا لم يكن في نـيـّتـنا أن نعرّف بالمقالات ولا أن نناقش بعض محتوياتها مقالة مقالة تشجيعا للقارئ على اكتشافها بنفسه فقد رأينا أن نكتفي بذكر بعض الملاحظات ممّا استوقفنا عند قراءة هذا الكتاب. وفي هذا السياق سنناقش مسألتين اثنتين نختلف فيهما بعض الاختلاف مع المؤلّف ثمّ نختم مناقشتنا بإثارة مسألة شكليّة ولكنّها مهمّة بالنسبة إلى رواج الكتاب ويُـسْـر فهمه. وتتعلّق المسألة الأولى بجانب من المقالة المعنونة بـ "جدل المتعة والقانون": قراءة في كتاب ألفة يوسف "حيرة مسلمة". إنّ قراءة المؤلّف لهذا الكتاب تُـدخله في خانة المؤيّدين لصاحبة "حيرة مسلمة" لا من جهة الدفاع عن مبدإ حرّيّـة التعبير فحسب بل من جهة تبنّي بعض مواقف المؤلّفة من التفسير والمفسّرين والفقهاء عموما أيضا. غير أنّ ما لا نوافق فيه قارئ كتابها، رغم اشتراكنا معه في الدفاع عن حرّيّـة التعبير وفي الموقف من المفسّرين والفقهاء عموما، هو اعتباره خطابها نموذجا دالاّ على "عمق التحوّلات الخطابيّة التي أصابت القول الدينيّ الحديث" (ص32). صحيح أنّ تأسيس مقاربتها ومقاربة سائر المفسّرين لنصوص القرآن على مفهوم النسبيّة يجرّد كلّ مفسّر من ادّعائه امتلاك الحقيقة المطلقة أي "المعنى الحقيقيّ" للقرآن لأنّ هذا المعنى، في تصوّر المؤلّفة، "لا يعلمه إلاّ الله تعالى". ولكن لو صحّ أنّ للقرآن معنى حقيقيّا واحدا وأنّ ذلك المعنى "لا يعلمه إلاّ الله تعالى" لكان كلّ تفسير عملا مجّانيّا بل عبثيّا أو ضربا من ضروب الترف الفكريّ ما دام المفسّر، والمؤلّفة من المفسّرين، يعلم سلفا أنّه يبحث عن معنى لا يمكن لبشر أن يبلغه أبدا أبدا. ولهذا نرى أنّ شهر المؤلّفة سيف النسبيّة في وجه النِظرة التقليديّة للتفسير والمفسّر ولوظيفتهما قد أوهم السيّد العادل خضر بأنّ المؤلّفة تُـنزّل تفسيرها (الذي تسمّيه قراءة) في إطار روح الحداثة رغم تعارض موقفها مع ملاحظة رشيقة أبداها في آخر قراءته لكتابها "تعدّد المعنى في القرآن"، وهي ملاحظة تنبئ بنظر ثاقب (ص 59). ومبعث الوهم هنا هو اعتقاد المؤلّفة أنّ النسبيّة تعبير عن البشريّ المحدود مقارنة بالمطلق الإلهيّ غير المحدود. على حين تدلّ النسبيّة، من منظور حداثيّ، وهو المنظور الذي يتبنّاه المؤلّف، في تقديرنا، على أنّ الأمر الموسوم بهذه السمة هو نسبيّ مقارنة بذاته سابقا ولاحقا ومحكوم بمحدّدات موجودة هنا مهما كانت ساكنة في أذهان الناس ووعيهم ولاوعيهم. فتسمية المؤلّفة تفسيرها قراءة تكون، إذن، بناء على ما سبق، من باب الغشّ غير الواعي، إن نحن أحسـنّا بها الظنّ. وذلك لأنّ القراءة، أيّ قراءة، هي مجرّد احتمال من بين احتمالات كثيرة لا يمكن القول بصلاحها أو مناسبتها إلاّ بالنظر إلى سائر القراءات وليس إلى معنى حقيقيّ مطلق موجود ولكن لا أحد من البشر يمكنه بلوغه. والصواب، في نظرنا، أنّ نعت المعنى بنعت "الحقيقيّ" يلقي بذلك المعنى في عالم "الأصل الميثيّ"، عالم الميتافيزيقا حيث لا يكون الوجود (معنى أو غيره) سوى معطى ذهنيّ تصوّريّ. ولمّا لم تكن الميتافيزيقا معطى عيانيّا فإلى أيّ حدّ يجوز، من وجهة نظر حداثيّة، اتّـخاذها مرجعا يقاس به كلّ فعل بشريّ؟ والقراءة من جنس هذا الفعل. ويـبدو لـنا أنّ الأسـتـاذ الـعادل خضر قد انجـرّ إلى الانخـداع (أو الـتساهل؟) في معاملته لكتاب "حيرة مسلمة" بسبب تأكيد مؤلّفته لمقولة النسبيّة البشريّة التي كرّرت ذكرها مرارا عديدة والتي، على ما يبدو، يتشبّث بها الأستاذ أيّما تشبّث. ونحن نستغرب نوعا مّا موقفه هذا عندما نجده في مقال آخر عنوانه "حيرة الإنسان الدينيّ اليوم" يعبّر عن إدراك عميق لحقيقة حيرة "المسلم الأخير" حيث نراه يميّز تمييزا واضحا بين حيرة الإنسان الدينيّ اليوم وحيرته بالأمس إذ يقول، ضمن ما يقول، في تشخيص حيرة الإنسان الدينيّ اليوم: إنّ حيرة اليوم راجعة إلى "الأسئلة التي تلقى أجوبة فقدت منذ أمد مديد جدواها" (ص 26). ومن المعلوم أنّ من تلك الأجوبة الأحكام النصّيّة مثل حكم العِـدّة. فإذا كانت ألفة يوسف لم تجد في أجوبة القدامى(أي تفسيراتهم) ما يبدّد حيرتها فإنّها، رغم ذلك، حاولت عرض أجوبة/ تفسيرات أخرى للنصوص نفسها بحثا عن حلول مسكّنة لأوجاع الحاضر. ومعنى هذا أنّها لم تخرج من دائرة "صراع التأويلات" إلى دائرة إعادة النظر في الأسس نفسها التي قامت عليها أجوبة القدامى وكذلك أجوبتها هي. والدليل على ذلك ما قالته في شأن حكم العِـدّة حيث حاولت استنطاق النصوص التأسيسيّة بحثا عن إجابة تراها أنسب للقضيّة اليوم رغم علمها، يقينا، بأنّ التطوّر العلميّ الحديث استطاع بكلّ اقتدار أن يخلّصنا من العلّة الأصليّة لحكم العدّة، التي هي الخوف من اختلاط الأنساب لاعتبارات اجتماعيّة واقتصاديّة مهمّة بالنسبة إلى المجتمع الإسلاميّ. وذلك أنّ التطوّر العلميّ الحديث قد زوّدنا بوسائل الكشف المبكّر عن حصول العُـلوق (أي الحمل) أو عدم حصوله، بل أقدرنا على معرفة الأنساب "ولو بعد فوات الأوان" بواسطة تحليل الحمض النوويّ (A.D.N.). فهل يُـعتبر ترك الإجابة العلميّة الجاهزة والجري وراء بعض النصوص لتأويلها والوقوف عند حدودها دليلا على أنّ المؤلّفة متمثّلة تمثّلا عميقا لمقولة النسبيّة، إحدى أهمّ سمات الفكر الحداثيّ، تلك المقولة التي كانت بمثابة الركن الأساسيّ الذي قام عليه كتابها؟ وهل تدلّ إشادة الأستاذ العادل خضر بموقفها ذاك ومواقف أخريات من مثيلاتها على وفائه لروح الحداثة التي تشعّ في مختلف أركان كتابه؟ وأمّا المسألة الثانية التي نودّ مناقشة المؤلّف فيها فتتعلّق بالمقال المعنون بـ "ملائكة بلا رسائل ورسائل بلا رسل": في نقد الوعظ الدينيّ الحديث من منظور وسائطيّ. ففي خصوص هذا النقد نحن نوافق عموما ما ذهب إليه المؤلّف ولكنّنا، من منظور ذرائعيّ (أو نفعيّ) صرف، نختلف معه في وجه من وجوه تأويل هذه الظاهرة المدروسة. وذلك أنّ المؤلّف قد عدّد السلبيّات التي أصابت الرسالة الدينيّة بسبب نقل الخطبة الوعظيّة من فضاء المسجد إلى فضاء التلفزة ولكنّه، في ما يبدو، لم يأخذ بعين الاعتبار مدى تحقّـق الأهداف التي، من أجلها، سعت بعض الجهات/ الخصوم الفكريّين إلى إحداث مثل تلك التحوّلات العميقة في وظائف الوعظ والوعّاظ. وكان من الأحرى، في نظرنا، رصد منجزات هذه النقلة لتسهيل عمليّة البحث عن بعض السبل لتفعيل التراجع الحاصل في الوظيفة التقليديّة لكلّ من الوعظ والوعّاظ كي يتمّ إبطال مفعول توظيف الصورة من خلال الوعظ الدينيّ الحديث، بدل الاكتفاء بتعداد السلبيّات المنجرّة عن نقل الخطبة من فضائها الأصليّ وهو المسجد إلى فضاء حديث هو التلفزة. فنحن، رغم كوننا لا ننكر أهمّـيّة المنظور الوسائطيّ في تحليل الظاهرة الاجتماعيّة وتفكيك بنيتها للوقوف على مرتكزاتها الأساسيّة، نختلف مع المؤلّف في درجة استشعار الخطر الداهم من كيفيّة استثمار الخصوم الفكريّين للوثيقة/ الصوت والصورة في مجال الوعظ الدينيّ. فممّا لا نتصوّر فيه خلافا أنّ قيام التلفزة مقام المسجد قد زوّد تجّار الصورة بوسائل صراع أقوى وأشدّ فتكا من تلك التي كان يتسلّح بها المسجد إذ مكّنتهم من ملاحقة كلّ فرد على حدة والانفراد به قصد تشكيل وعيه وفعله وَفْـق النموذج الأمثل للمؤمن حسب القائمين على التخطيط لبرامج مؤسّسة التلفزة . فالتلفزة تُحوّل، في وعي المشاهد، الواعظ من صورة/ شخص افتراضيّ إلى واعظ حقيقيّ وشخصيّ لكلّ فرد متهيّئ لقبول وعظه، يخاطبه عبر الصورة وعيناه في عينيه، وقد تقلّصت المسافة المادّيّـة بينه وبين مخاطَبه مثلما تقلّصت، في وعي المتلقّي، المسافة الفاصلة بين الواقع والخيال وتداخل في ردّ فعله الشعور واللاشعور. وهذا بعض ما يفسّر تأثّر المتقبّل للخطبة الوعظيّة تأثّرا بالغا يحوّله، أمام الواعظ، إلى دمية لا سلطان لها على مشاعرها ولا قدرة لها على التفكير في ما يلقى عليها من أفكار. وذلك أنّ المتابع للخطبة الوعظيّة يُـخيَّـل إليه، في هذه الحال، أنّ تلك الخطبة عبارة عن نقل مباشر وأمين لوقائع تاريخيّة فعليّة، وأنّه معنيّ شخصيّا ومباشرة بفحواها، ولاسيّما إذا روعي في صورة الواعظ بعض شروط الجاذبيّة وتقنيات الفرجة. فماذا يمكن أن تكون السبل الناجعة لإبطال هذا المفعول الذي لا ينفكّ يوسّع القاعدة الشعبيّة لتجّار الصور؟ إذ ليس المهمّ فهْم العالم بل المهمّ تغييره. ولْـنعد الآن إلى الحديث عن المسألة الشكليّة التي وعدنا بإثارتها، اعتقادا منّا أنّها نقيصة قد تحول دون الصبر على قراءة الكتاب وفهم مضامينه، واعتقادا منّا كذلك أنّ تداركها في طبعة لاحقة أمر ميسور. ومنبع هذه النقيصة هو ما سمّاه المؤلّف في آخر كتابه ثبتا بالألفاظ والمصطلحات. فهذا الثبت غير ثابت وغير مفيد. ويتمثّل عدم ثبات هذا الثبت في مأخذين اثنين: أوّلهما عدم التزامه مبدأ واحدا موحّدا في ترتيب مادّته. فالترتيب المعتمد، في الغالب، هو الترتيب الألفبائيّ انطلاقا من فاء الجذر الثلاثيّ للكلمة المدرجة في الثبت. ولكنّ أساس الترتيب يتغيّر أحيانا ليصبح أوّل حرف من صيغة الكلمة المراد إثباتها، كأن نجد، مثلا، كلمة (المعتاد) في وادي الميم بدل وادي العين، أو (إجراءات) في وادي الهمزة بدل وادي الجيم، وكذلك كلمة (إسقاط) في وادي الهمزة بدل وادي السين. وقس على ذلك حالات كثيرة يمكن الوقوف عليها بمجرّد النظر في مادّة الثبت. وأمّا الـمـأخـذ الثاني عـلى هـذا الـثـبـت فـيـتمثـّل في الـزجّ بالقارئ في متاهة لا يخرجه منها إلاّ "الصدفة السعيدة" أو إضاعة الكثير من الوقت. وذلك أنّ النجيمة (*) توجد على يسار الكلمة المعنيّة بالثبت ولا تكون تلك الكلمة، في أكثر الأحيان، إلاّ جزءا من عبارة متكوّنة من كلمتين أو ثلاث أو أربع بل من خمس كلمات (في مرّة وحيدة) دون أدنى إشارة إلى كامل العبارة المعنيّة بالثبت، كأن تسطَّـر في المتن، مثلا. ولذلك فإنّ القارئ يبدأ، غالبا، بالبحث في الثبت عن الكلمة الحاملة لنُـجَـيْمة على يسارها. فإن لم يجدها بحث عن الكلمة التي قبلها مباشرة، وهكذا دواليك. أمّا إذا كانت العبارة في غير موضعها الأصليّ، كما رأينا منذ حين، فعلى القارئ أن يغيّر أساس البحث حتى يظفر بما يريد(1). لقد قلنا إنّ هذا الثبت غير مفيد. وعلّة ذلك أنّه مجرّد ذكر للعبارة العربيّة المقتـرَحة ومقابلها الفرنسيّ. وهذا يعني أنّ المؤلّف واع بأنّه يستعمل لغة قلقة لا يمكن تثبيت معانيها إلاّ بواسطة لغة مرجعيّة أخرى هي، في صورة الحال، الفرنسيّة. وهذه واحدة من الصعوبات التي تعترض المترجم وخاصّة في مجال الإنسانيّات كلّما سعى إلى توطين المعاني المتبلورة والمستقرّة في لغات أعجميّة في لغة " دخيلة" على تلك المعاني هي اللغة العربيّة. غير أنّ ما تفيده مختلف العبارات الفرنسيّة قد يقتنصه حاذق تلك اللغة وكذلك المختصّ، خاصّة في الفلسفة وعلم النفس، بيُسر قد لا يتوفّر لغيره من القرّاء. ولذلك فإنّنا نرى أنّه كان من الأجدى أن يورد المؤلّف العبارات الفرنسيّة في متن النصّ مباشرة بعد ترجماته المقتـرَحة، ولاسيّما أنّه فعل ذلك مرارا في غضون كتابه، أو أن يوردها، على الأقلّ، في هامش الصفحة حتّى يجنّب القارئ عناء قطع القراءة (ومعها خيط الأفكار) والانصراف كلّـيّة إلى البحث في الثبت. وأمّا الثبت بالألفاظ والمصطلحات فلن يكون مفيدا إلاّ إذا تحوّل إلى معجم لغويّ تُـشرَح فيه بعض التعابير والمصطلحات شرحا مختـصَـرا وموفيا بغرض التوضيح. وباختصار يمكن القول إنّ مجمل هذه الصعوبات يعود إلى سببين اثنين هما، أوّلا، وضع ثبت لا يفيد القارئ بل لعلّه يعتّم عليه طُـرُق الفهم، وثانيا، نقل تعابير ومفاهيم من مهدها الفرنسيّ الذي فيه نشأت وترعرعت أو إليه نُـقِـلت من لغة " أخت" إلى مهد غريب عنها هو العربيّة، بحيث قد تغيب عن القارئ العربيّ بعض إيحاءات تلك التعابير والمفاهيم وإحالاتها على شبكات مفهوميّة "متضامنة" يتحدّد معنى العبارة داخلها وبواسطتها. ومهما يكن من أمر فإنّ هذا الكتاب جدير بالقراءة المتأنّية ليس لطرافة ما جاء فيه من أفكار فحسب بل لأنّه يبحث في قضيّة "ساخنة" تشغل اليوم بال الباحثين والمفكّرين وتُـكرههم إكراها على إرادة الفهم أيضا. فالكتاب هو عبارة عن مساهمة جادّة في بلورة بعض المفاهيم المتّـصـلة "بتربة متحرّكة" تستعصي على التثبيت والاستقرار دون أن تفلّ عزيمة بعض الباحثين الجدّيّـين من أمثال الدكتور العادل خضر. الهوامش 1- لقد لاحظنا أنّ عبارة ( التصوّر النفسيّ السياسيّ) الواردة في صفحة 170 لا أثر لها في الثبت. وهذا الأمر نرجعه إلى مجرّد السهو لعدم تكرّره. وأمّا ما نعدّه من باب الخطإ المطبعيّ فلفظ (différent) مرادفا لعبارة ( الخلاف). وقد وردت العبارة الصحيحة وهي(différend) في عبارة ( وجوه الخلاف) في وادي الواو.
#نور_الدين_البوثوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
المزيد.....
-
-هزيمة نادرة- لترمب.. هل يتمكن النواب الأمريكيون أخيرا من إن
...
-
الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع بالنيل الأزرق
-
مصدر يكشف لـCNN محاولات ترامب لتجنب تكرار -اتفاق أوباما- مع
...
-
على خطى ترمب.. أوروبا تشدد سياسات الهجرة والترحيل
-
إيران تضع -شرطاً- يرتبط بلبنان لإنهاء حربها مع أمريكا وإسرائ
...
-
ما الخيارات أمام إسرائيل إذا توصلت إيران والولايات المتحدة إ
...
-
9 شهداء في غارات إسرائيلية استهدفت شققا سكنية بمدينة غزة
-
مقتل 3 عسكريين في تحطم مروحية تابعة للبحرية البريطانية
-
الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار مؤامرات ورسائل حب ووصفات طبية غا
...
-
أين تخفي إيران مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب؟
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|