أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف دسوقي علي - اليقينية العابرة للذات - Trans-Certainism-















المزيد.....

اليقينية العابرة للذات - Trans-Certainism-


أشرف دسوقي علي

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 03:30
المحور: الادب والفن
    


إن محاولة الخروج من ضيق الفكر ومحدودية التعاطي مع الواقعين الأدبي و النقدي والانحباس في غرفتين _حتى لو كانتا متسعتين_ يجعل من الأديب والناقد عاملا في دائرة مفرغة لا يستطيع منها فكاكا ، هاتان الغرفتان هما التراث العربي والمعاصر الغربي وكلاهما قد أثريا المشهدين الأدبي والنقدي ، بإبداعات عظيمة أفادت البشرية وعملت على تطورها وتجاوزها لعصور كاملة من البطء والسير بخطى وئيدة ، لكن ماحدث في القرن العشرين من طفرة رهيبة غيرت وجه العالم كله ، ثم ما حدث من تطور تكنولوجي وثورة المعلومات في السنوات العشر الأخيرة، قد جعل رؤيتنا للعالم تتسم بالدهشة ، والوقوف ذهولا شاعرين بالضآلة والتصاغر أمام ما يحدث ، فلم نعد قادرين_كمواطنين _سواء في الشرق أو الغرب على كل هذا اللهاث الذي لا ينقطع ، حتى أن العلماء و الأدباء و النقاد الذين ساهموا في خلق هذه الطفرة عندما يتعاملون معها يشعرون بأن الخلق الذي خلقوه كاد أن يطغى عليهم ، ويستخدمهم أكثر من استخدامهم له ، وها نحن نرى الروبوت و AI ، يزداد وعيا ويحاول تكوين وعيه الخاص_مجازا_ ، ولا عجب أنه قد يطور من نفسه، فيتمرد على خالقيه ولا ندري إلى أي المراحل سيذهب بنا ، وإلى أي مدى سوف " يستعبدنا"، فبدلا من تنفيذه لأوامرنا ، كدنا نصبح طوعا لأوامره ، وقد يذهب بنا إلى أبعد مما نتخيل ، فنتحول إلى مسوخ وعبيد، كنا نسخر من عبودية الإنسان لأخيه الإنسان في العصور الماضية ، فقد لا يعطينا فرصة في المستقبل القريب أن نفكر حتى في فكرة التحرر منه، ولن تكون لدينا الفرصة للتفكير في ذلك .
لم تستطع كثير من النظريات أن ترتفع بالإنسان وترتقي به، رغم المحاولات المتعددة في كافة المجالات، فدائما ما يتبقى على الأرض ماهو أكبر و أقوى من الإرادة الإنسانية سواء كانت فردية أو جماعية ، تتمثل في سلطات دوجماتية سواء ما كان في العصور الوسطى أو في عصر الصناعة أو في الآونة الراهنة ، وكلما ظن الإنسان أنه قد صنع قدره وأنه أصبح قادرا على التحكم في مصيره حاضرا ومستقبلا اكتشف أنه ريشة في مهب الريح ، وأنه مفعول به دائما إلا قليلا ، ومن الغريب والمدهش أن الذين استطاعوا التحكم _ ولو قليلا_ في مصائرهم كثير من الطغاة و الأغبياء والمعاتيه، ليظل كثير من العقلاء و المعتدلين ، مفعول بهم أو على الأقل غير فاعلين ، وغير مسموعي الكلمة في كثير من الأحيان ، في حين تسمع كلمات ذوي الصوت المرتفع والضجيج، حتى لو كانت كلماتهم ضد الحرية الحقيقية للإنسان وتسعي لتعبيده ، إلا أن الإنسان تستهويه الكلمات المعسولة والأفكار التي تلعب على رغبته في الكسل و اللعب والدعة ومخاطبة الغرائز والسلوكيات غير اللائقة و اللاأخلاقية ، وهي المخاطبات الأسرع تأثيرا في الوجدان البشري، حيث تلقى استجابة حاضرة وآنية، علاوة على أنها أسرع و أقوى انتشارا.
حاول الكتاب و الشعراء و النقاد والفلاسفة والعلماء في كافة المجالات_ خاصة المهتمين بالإنسانيات_ تأسيس النظريات والمذاهب وبث الرؤى التي تخرج الإنسان من كبوته ومن مآسيه التي صنعها بنفسه ، إلا أنها جميعا لم تنجح في فعل ذلك ، فالحداثة العقلانية المؤمنة بالعلم والتجريب والدعوة للتنوير ومحاولتها لإيجاد صيغة للتواصل الإنساني عبر اللغة وثبات دلالاتها ، لم تفلح في النهوض بالإنسان والارتقاء به ، ولم تفلح قطيعتها مع الماضي في جعله إنسانا راقيا متحررا، ولم تفلح في فهم الوجود وطبيعته وفق مفها يم علمية ودلائل عقلية فقط، لم ترتق بالإنسان كما كانت تسعي، ولم تفلح كما لم تفلح رؤى ونظريات سابقة من قبل، حتى أن كارل ماركس يرى أن سائر القيم تحولت إلى قيم تبادلية نفعية ، في زمن أصبح كل شيء سلعة ، حتى الإنسان ذاته ، فهو سلعة للإعلان وإعلان للسلعة، وعبد للموبايل وباقة الإنترنت ويسعى بكل مايملك للتريند حتى لو كان عبر جريمة يتم بثها على الهواء من خلال الدارك ويب! ولو كانت النتيجة إزهاق روح إنسان وتعريض حياته هو نفسها للخطر دون أدنى شعور بالجرم وفي إطار كامل من اللامبالاة!
لم يسلم الأطفال من دارك ويب حياتنا المعاصرة ، بل أصبحوا هم والمرأة هدفا لكل السهام بالترغيب وبالترهيب ، وسادت الفوضى العالم بأسره دون حدود فاصلة بين العوالم المختلفة ، وفقد الإنسان صوابه ويقينه ، فلم يسعفه شكه في الوصول إلى نتائج " مطمئنة" ولو بعد حين ، فليست من طبيعة الإنسان أن يظل شكاكا ديكارتيا مدى الحياة، فليس من المنطقي أن يظل السباح عائما بلا نهاية ، فلابد من شاطيء يرسو عليه ، حتى لو كان هذا الشاطيء ليس بالشاطيء المنشود ، وحتى لو أخطأ مرساه رغما عنه، وعدم الرسو عبر السباحة اللامنتهية قد يصل الإنسان إلى المصحة العقلية كما وصل نيتشة.
لم يكن حال مابعد الحداثة أكثر إسعادا للإنسان من الحداثة ، فكانت ثورة مابعد الحداثة صرخة إنسانية عالية ضد ما وصلنا إليه من لا إنسانيات ولا أخلاقيات ، فثارت مابعد الحداثة على العلم والعقل الذي أنتج آلات التدمير وأقلها القنابل الذرية ، فهناك قنابل أكثر فتكا ، لكنها قاتلة متسلسلة ببطء واستمرار وثبات و إصرار.
ثارت مابعد الحداثة على كل ماعرفته وواجهته وكل ما آمنت به أو دعيت للإيمان به من قبل ، فكفرت بالعلم والمنطق والسرديات الكبرى وكل ما هو يقين، ونادت بالتشظي وغياب المنطق وموت الإله ! فهذه صرخة نيتشة : لقد مات الله ونحن الذين قتلناه!
وماذا بعد موت الإله ؟ إنه غياب المعني وتفككه ولم تعد اللغة وسلة للتواصل ، بل استحال المعنى فلم يعد للغة وظيفة ، ولم يعد للمعنى معنى، وإذا كان الإله قد مات، فلا غرو من موت المؤلف وموت الناقد وموت المتلقي أيضا!
إنه الموت الذي يحيط بنا من كل جانب ،إنه الخراب في غياب اليقين، فالنص لم يعد نصا ، والشعر لم يعد شعرا، واللغة لاتقوم بدورها ، والمؤلف قد مات ونحن الذين دفناه، والناقد لم يعد له دور حقيقي ، في ظل تعدد القراءات إلى ثمانية مليار قراءة، إذن فلقد مات الناقد كما مات المؤلف ، وإذا كانت القراءة تصل إلى ثمانية مليارات قراءة للنص الواحد _ على فرض أن النص سيصل إلى كل من على الكوكب ، فلا معنى لوجود كاتب ولا أهمية لوجود ناقد ، كذلك ستصبح كل قراءة وتأويل هامشا في متن حسابي بسطه "واحد" ومقامه" ثمانية مليارات" ، مما يعنى صراحة أنه رقم غير ذي وزن على الإطلاق!، لذا فالحقيقة أننا أصبحنا في حاجة لإعادة إقامة الوزن مرة أخرى، ورد الاعتبار للعلم واللغة ، علينا رد الاعتبار للكاتب صانع النص، وللناقد الرائي و الشارح والمفسر و المؤول، نحن في حاجة للقاريء الذي يستطيع _ عبر لغة مشتركة ذات معنى واسع ذي رموز ودلالات متفق على معظمها من خلال عقد لغوي ترميزي ذي دلالات مشتركة مفهومة، وليس تهاويم غير قابلة للفهم والتلقي، نحن في حاجة لرمز مشترك ودلالة قابلة للوصول إليها عبر عشرات من إشاراتها لامانع ، فنحن ضد التسطيح وضد المستوى الواحد بالطبع ، ومع المعاني الثواني و الثوالث ..والمسكوت عنه و الماوراء، بشرط أن يكون هناك ما يشير ويدل عليه في عقد لغوي مشترك متفق عليه ، أو متعارف عليه ،فيما أسماه الباحث " اليقينية العابرة للذات" " Trans-Certainism"فلا يمكن أن يكون كل الشعر التراثي _ والذي نفهمه ونتعاطى معه الآن – مجرد تهاويم و إلا مافهمناه وفهمنا ظروف عصره ، وكل ما دار فيه بشكل أو بآخر ، فلا يمكن أن يكون للمعني المعني ونفيضه إلا من خلال السياق ، وأن يكون مفهوما أن هذا السياق _بداية _ سياق يحتمل الوجهين أو عدة أوجه ، فالسياق يحتمل المعني و نقيضه عندما يكون ساخرا مثلا ، والسياق يحتمل المعنى ونقيضه في سياق الذم ، والنص الذي لا علامات تؤطر وجوده ، هو نص ميت لا حياة له ، فالنص الذي يؤوله ثمانية مليارات هو نص ولد ميتا ، لأنه نص "مقول " بتشديد الواو، أما النص الذي يحتمل الشرح و التفسير فهو نص قابل للتـأويل، فهو نص مؤول، وشتان ما بينهما ، نص يولد ميتا ونص يولد كي يعيش إلى الأبد، فالنص المقول يتماهى والنص المسطح ، فالأول مفتوح على معان متناقضة لانهائية والثاني ذو معنى واحد فقط ، بل يمكن القول أن الثاني أكثر جودة ونفعا وتأثيرا من الأول رغم ضحالته، والأول رغم قوته_إن وجدت _ بفقدانه المعنى يصبح كأن لم يكن!
في ظل عالم أصبح بلا طمأنينة و بلا يقين وبلا معنى ، أصبح من المهم جدا الانفتاح على عالم يقيني ، قادر على الشك حتى يصل إلى يقين ، قادر على صياغة نصوص ذات معان أكثر عمقا ، لا معان لامتناهية، عبر مؤلف يعيش ويعمل داخل نصه بثقافته وعلمه وتجاربه وخبراته ومن خلال ناقد مثقف، واع ، قادر على الفهم والتأويل وإدراك لوجود المؤلف، فلا نص دون كاتب، ولا خطاب دون متحدث، يكتسب النص وجوده من لغته وبلاغتها وقواعدها وانزياحاتها ودلالاتها وقدرتها على التواصل مع الآ خر ، سواء كان هذا الآخر قارئا عاديا أو مثقفا أو ناقدا، في يقينية معرفية بأن التواصل سوف يكتمل، وأن دائرته يمكن أن تغلق يوما ما , من الممكن أن ينفتح النص في عالم قادم برؤى جديدة ، نظرا لتغير ظروف هذا العالم ، لكن في إطار الثوابت الأولية لهذا النص، وقد يثار التساؤل هنا : ومن سيحدد هذه الثوابت؟ والرد هو النص ذاته ، فثوابته تكمن داخله غبر مشتركات لغوية ورموز ودلالات ذات صبغة معرفية سابقة، ولتأكيد حالة اليقينية المعرفية المؤقتة الخاصة بنص بعينه في مكان ما وزمان ما، وهو مايتيح السلام النفسي و الاجتماعي و لمتعاطي النص، والتخلص من حالة الضياع والشك والاستلاب المستمرة ، فلا يمكن أن نعيش في ظل مؤلف ميت وناقد ميت، وإله ميت، وقاريء شبع موتا وفناء ، وإذا ماكانت مابعد الحداثة قد أماتت الجميع ، فإن اليقينية يمكنها إحياء مامات ، وبث الروح في نفوس المرضى والعمل على ميلاد جديد ، يخرجنا من الحالة العبثية التي دمرت الإنسانية بأكملها أو اقتربت من إنهاء ذلك فعلا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قالوا علينا عيال
- ورحلت فراشة الشعر!
- لماذا يتواري المبدع العربي ؟!
- حينما تبدأ البحث في جوجل ..عن شاعرية شيلي !!
- الفن والقيم الجمالية بين المثالية والمادية
- الابداع والاتباع وبينهما........


المزيد.....




- نحو استعادة زمن الحياة
- مهرجان كان: مركز السينما العربية يسلط الضوء على التحديات الت ...
- تضارب الروايات حول زيارة نتنياهو للإمارات: حدود التنسيق الأم ...
- مهرجان كان: مركز السينما العربية يسلط الضوء على التحديات الت ...
- مهرجان كان: المخرج أصغر فرهادي يندد بقتل المدنيين في الحرب ع ...
- مهرجان كان السينمائي: جون ترافولتا يعود إلى الكروازيت مع فيل ...
- الجامعة العربية: الحفاظ على الثقافة العربية والإسلامية إحدى ...
- مهرجان كان السينمائي: ما هي التحديات التي تواجه صناعة السينم ...
- معرض الدوحة الدولي للكتاب يستقبل زواره بحضور أكثر من 520 دار ...
- بيان قائد الثورة الإسلامية بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف دسوقي علي - اليقينية العابرة للذات - Trans-Certainism-