أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف عبد الرزاق - شقائق النعمان















المزيد.....



شقائق النعمان


شريف عبد الرزاق

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 21:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يقال إن النعمان بن المنذر كان أحمر أبرش قصيرا دميما، وكان له إخوة اشتهروا بالجمال والوسامة، ولذلك نُعتوا بالأشاهب، فوصفهم الأعشى بقوله:
وبنو المنذر الأشاهب بالحـ … ـيرة يمشون غدوة بالسيوف
واختلف الاخباريون في عدد إخوة النعمان، الطبري مثلا ذكر قولين في ذلك: الأول: كان للمنذر بن المنذر سوى هذين (أي النعمان والأسود) من الولد عشرة. الثاني: لما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر. (تاريخ الطبري.2/194) وذكر صاحب كتاب المفصل أن إخوة النعمان كان عددهم اثني عشر رجلًا عدا النعمان، (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. 5/262). وذكر اليعقوبي أنه كان للمنذر ثلاثة عشر ولدا. (تاريخ اليعقوبي ص:259).
أغلب المؤرخين أو الإخباريين إذاً ذكروا أن النعمان كان له اثنا عشر أخا، وهو رقم مقدس، يتوافق وأتباع أو تلاميذ المسيح، وهي ربما إشارة ضمنية الى أن النعمان كان أو ربما اعتبر نفسه مسيحا، أما إخوته فأصبحوا بمثابة تلاميذه. وتم وصف هؤلاء الإخوة بالأشاهب لجمالهم، وهي إشارة لأبناء النور، تمييزا لهم عن أبناء الظلام. فأبناء النور ذكرهم يوسيفوس عندما كان يتحدث عن الأسينيين، وقال: إنهم يعتقدون أن دينونة العالم ستتم على يدي اثني عشر شخصا، وأن كل واحد من طائفتهم هو ابن النور، وكانوا يؤمنون بأن تلك الأيام التي يعيشون فيها هي الأيام الأخيرة حيث يتصارع الخير والشر، وهكذا ينبغي أن نسرع بالتوبة لأنه قد اقترب ملكوت السماوات. (المسيح في يوسيفوس المؤرخ اليهودي، لخصه د.عزت زكي.ص:57).
ومعلوم أن النبي داود كان له اثنا عشر أخا كذلك، وكان هو أصغر إخوته وأقصرهم مثل النعمان بن المنذر، بل وكلمته الحجارة (الطبري ج1/ص472) التي سيقتل بها جالوت مثل ما كلمت حجارة المقبرة/الحجارة النعمان لما خرج في نزهة رفقة عدي بن زيد.
لقد تم التعتيم عن تحركات إخوة النعمان بن المنذر، حيث لم نجد لهم ذكرا بعد مقتل أخيهم النعمان، فهل لعبوا دورا ما في أواخر سنوات الدولة الساسانية ونحن لا نعلم؟ وهل هناك صلة بين الأشاهب أشقاء النعمان وشقائق النعمان؟
يقال إن إخوة النعمان سموا الأشاهب لجمالهم، وهم أشقاؤه، والشقيق يسمى الشقائق والشقر (نهاية الارب في فنون الادب للنويري.11/281). فأشقاء النعمان الأشاهب يرمزون إلى أزهار شقائق النعمان الحمراء اللون مثل الدم، كما في قول الشاعر:
وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... به من دماء القوم كالشقرات
والشقرات: شقائق النعمان، والنعمان: الدم (نهاية الارب في فنون الادب للنويري. 2/345).
يقال إن الشقائق نسبت إلى النعمان بن الْمُنْذر لأنه خرج يَوْمًا إِلَى ظهر الْحيرَة متنزها، وَقد أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بالشقائق فاستحسنها، وَقَالَ احموها فحميت وَسميت شقائق النُّعْمَان بالنسبة إِلَيْهِ. (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب. أبو منصور الثعالبي. الناشر: دار المعارف. القاهرة.ص:183. الرقم. 260). ويقال إنها نبتت لأول مرة على قبر النعمان بن المنذر بعد أن داسته الفيلة على يد علوج كسرى فعرفت باسمه (النعمان بن المنذر -ويكيبيديا). وقيل إن النعمان احتكر زراعة شقائق النعمان فلم تعرف الا في حديقته. ولكن هناك اسطورة أقدم عهدا من النعمان، تجعل الاله ادونيس (تموز) ينقلب زهرة من شقائق النعمان حين خرج للصيد وهاجمه خنزير بري، فانفذ نابه في جسمه وقتله، ولا يزال الاله ادونيس يعرف بهذا اللقب الى يومنا الحاضر. (تاريخ العرب. د.فيليب حتى.د. ادورد جرجي. ود. جبرائيل جبور 1/112 حاشية رقم 4). فأدونيس الذي سال دمه بسبب جرح أصابه به خنزير هو النعمان الذي سال دمه حين داسته الفيلة أو طعنته بأنيابها. كما أن معنى اسم النعمان هو الدم. شقائق النعمان حمراء اللون كاسم النعمان الذي هو الدم، ولذلك قَالَ بعض أهل اللُّغَة: النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم نسبت الشقائق إِلَيْهِ تَشْبِيها بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
كَأَن شقائق النُّعْمَان فِيهَا … ثِيَاب قد روين من الدِّمَاء
(ثمار القلوب في المضاف والمنسوب. (أبو منصور الثعالبي). الناشر: دار المعارف. القاهرة.ص:183 الرقم. 260)
وهو ما أكده النويري بقوله إن النعمان هو الدم. فهل كان النعمان وإخوته دمويين؟ وهل للأشاهب إخوة النعمان علاقة بالكتيبة الشهباء (الحمراء) القوية؟
من الواضح أن اسم النعمان وأشقاءه أو شقائقه الحمراء ترمز الى الدم، وهي إشارة للإله أدونيس الذي خرج الى الصيد فهاجمه خنزير بري وغرز أنيابه في فخذه، فنزف حتى الموت، ثم تسرب دمه في الأزهار، ونبتت شقائق النعمان. (الموسوعة العربية | أدونيس (الإله-) (arab-ency.com.sy)).
نفس الشيء بالنسبة لـ"سياوش بن كيكاوس" الذي لما قتله أفراسياب التركي وسكب دمه نبت منه النبت المعروف الذي يسميه العجم يخون سياوشان، وهو الذي يسمى في بلاد العرب دم الأخوين (الشاهنامه. للفردوسي. ترجمها نثرا: الفتح بن علي البنداري. وقارنها بالاصل الفارسي واكمل ترجمتها في مواضع، وصححها وعلق عليها، وقدم لها د.عبد الوهاب عزام.ط.1. مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة.1350هـ-1932م. 2/183)، أي الشقيقين، أي شقائق النعمان.
قتل الخنزير الإله أدونيس فأصبح هذا الحيوان نجسا مكروها، وحُرم أكل لحمه في المناطق التي كانت تقدس هذا الإله، واستمر هذا التحريم في الديانتين العبرية والإسلامية.
ادونيس عند الكنعانيين هو نفسه دوموزي أو تموز عند أهل بابل والحيرة، وهو بدون شك سياوش بن كيكاوس الذي مات وتحولت دماؤه إلى ازهار الشقائق، فهو الاله الشهيد الذي يموت ثم يعود إلى الحياة مرة أخرى، فتقام عند موته طقوس البكاء والعويل واللطم والتطبير(يوم البؤس)، وتقام عند عودته إلى الحياة أو انبعاثه من جديد طقوس البهجة والفرح والسرور(يوم السعد).
كانت الأقوام السامية في وادي الرافدين وسوريا تعبد الاله ادونيس ثم أخذ الإغريق عنهم عبادته حوالي القرن السابع قبل الميلاد. وكان اسم الاله الحقيقي تموز وما التسمية ادونيس الا الكلمة السامية ومعناها "السيد"، وهو لقب احترام كان يطلقه عليه عباده. وفي النص العبري لكتاب العهد القديم كثيرا ما يطلق هذا الاسم على "يهوه" بشكل أدوناي ولعلها ادوني أي سيدي. غير أن الإغريق أساؤوا الفهم فحولوا لقب الاحترام الى اسم علم. (أدونيس أو تموز. جيمس فرايزر. ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا ص18)
ان طقس أفروديت وأدونيس هو ممارسة اغريقية للطقس السومري القديم "انانا ودوموزي"، لذلك يشير سفر حزقيال 8:14 الى ادونيس باسمه القديم السامي تموز، ويصف مجموعة من النساء تبكين موت تموز بينما كن تجلسن قرب الباب الشمالي لمعبد اورشليم. فطقوس البكاء أو الفرح قديمة جدا تعود جدورها الى الاحتفال بموت وعودة الاله دموزي إلى الحياة. حيث يموت الإله في فصل الصيف ويعود إلى الحياة في فصل الربيع. نفس الشيء بالنسبة لأدونيس حيث يبدو أنه كان هناك احتفالان لهذا الإله؛ أحدهما حداد يرافق نزوله إلى العالم السفلي في فصل الصيف، والآخر يمثّل الزواج المقدس المترافق مع خروجه إلى سطح الأرض في الربيع (الموسوعة العربية | أدونيس (الإله-) (arab-ency.com.sy)). كانت تقام لهذا الإله احتفالات بجبيل والإسكندرية تدوم يومين، الأول للحزن والثاني للفرح (Dictionnaire universel d’histoire et de géographie par: M.N. Bouillet. 4éme édition. P : 17). فقام المؤرخون المسلمون بتزوير هذه الحقيقة وترويجها باسم يومي البؤس والسعد الذي كان يقوم به النعمان بن المنذر، وقالوا إن سبب الاحتفال بهذين اليومين هو بمناسبة مقتل النديمين مالك وعقيل عند البعض، وخالد بن المضلل وعمرو بن مسعود عند البعض الآخر، وهو حدث نسب مرة لجذيمة الأبرش ومرة للمنذر وأخرى للنعمان بن المنذر.
المؤرخ سوزومين (٣٧٥٤٥٠)، في كتابه "التاريخ الكنسي" يتحدث عن تدمير المعابد، بأمر من الإمبراطور قسطنطين (٢٧٢٣٣٧)، للحد من العبادة الوثنية التي تمارس في بعض مراكز الحج من الإمبراطورية: "هدمنا تماما معبد اسقولابيوس الذي كان في ايجيس، مدينة من كيليكيا، وذلك لفينوس الذي كان في "أفقا" بالقرب من جبل لبنان، ونهر أدونيس. "أفقا" هو مكان في منتصف الطريق بين هليوبوليس وجبيل حيث أُسِّسَ معبد لأفروديت المحلية، بالقرب منه يتواجد نوع من البركة شبيهة بخزان مصنوع بيد الإنسان. Adonis (mythologie) — Wikipédia (wikipedia.org)).
معبد فينوس كان في مكان أسمه أفقا في جبيل بلبنان، وفينوس هي الزهرة أو العزى التي كان يعبدها النعمان بن المنذر، فهل كان موقعها في أو قرب الحيرة يحمل اسم "أفقا" كذلك؟
ذكر ياقوت الحموي أفاق وأفيق، وهما موضعان في بلاد بني يربوع قرب الخصيّ، كان فيه يوم من أيام العرب، وذكره عدي بن زيد العبادي وهو يصف سحابا: (؟؟)
أرقت لمكفهرّ، بات فيه … بوارق، يرتقين رؤوس شيب
تلوح المشرفيّة في ذراه … ويجلو صفح دهدار قشيب
كأنّ مآتما بانت عليه … خضبن مآليا بدم صبيب
سقى بطن العقيق إلى أفاق … ففاثور، الى لبب الكثيب
هذه الأبيات مليئة بالرموز وتفوح منها رائحة الدماء، فهل كان عدي يصف سحابة تمطر أم يصف دماء تسقي بطن العقيق إلى أفاق ؟
وقال لبيد:
ولدى النعمان منّي موقف … بين فاثور أفاق، فالذّحل
وذكر ياقوت أيضا مكانا سماه الأُفَاقَةُ: بضم الهمزة: موضع من أرض الحزن قرب الكوفة، وقال المفضّل: هو ماء لبني يربوع، وكان النعمان بن المنذر يبدو إليه في أيام الربيع، ويوم الأفاقة من أيامهم (معجم البلدان، لياقوت الحموي 1/226). وهناك ربما كانت تقام طقوس الحزن والفرح، فالأفاقة إذاً كانت من منازل آل المنذر، فلذلك قال لبيد:
ليبك على النعمان شرب وقينة … ومختبطات، كالسّعالى، أرامل
له الملك في ضاحي معدّ، وأسلمت … إليه العباد، كلّها، ما يحاول
ثم استمر قائلا:
فإن امرأ يرجو الفلاح، وقد رأى … سواما وحيّا بالأفاقة، جاهل
عداة عدوّا منها وآزر سربهم … مواكب، تحدى بالغبيط، وجامل
ويوم أجازت قلّة الحزن منهم … مواكب، تعلو ذا حسا، وقنابل
(معجم البلدان لياقوت الحموي،1/227)
وذكر البكري أن ‌‌‌الأفاقة بضمّ أوّله، على وزن فعالة، ويقال أيضا الأفاق، بلا هاء: موضع بالحزن، كانت تتبدّى فيه بنو نصر ملوك الحيرة. (معجم ما استعجم من اسماء البلاد والمواضع. أبو عبيد البكري.1/174).
كلام ياقوت الحموي والبكري معبر جدا يؤكد توافق اسمي "أفقا" و"الأفاقة" والتي هي موضع من أرض الحزن قرب الكوفة، أي المكان الذي تقام فيه طقوس الحزن والبكاء، وربما تقام احتفالات على شاكلة تلك التي تقام في جبيل بلبنان، حيث تبدأ الأعياد بالبكاء والنواح على ادونيس (النعمان)، ويقيمون المآدب الكبيرة، وفي النهاية يقدمون أضحية كبيرة جداً على شرفه، (ربما بشرية، أي ان روح القتيل تحل على النعمان فيعود الى الحياة) وفي اليوم الثاني يعلنون أنه بُعث إلى الحياة مرّة أخرى، وتبدأ الأفراح مع ظهور شقائق النعمان في الربيع، ثم يقوم الجميع بحلق شعورهم كالمصريين عند حدادهم على موت أبيس Apis (الموسوعة العربية | أدونيس (الإله-) (arab-ency.com.sy)).
وللعلم فإن الناس في بيبلوس كانوا يحلقون شعرهم كل سنة في موعد النحيب على أدونيس. (أدونيس أو تموز. جيمس فرايزر. ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا 42)
وذكر لبيد بن ربيعة العامري في ديوانه أنه حضر أو شهد أنْجِيَةَ الأُفاقَةِ حين قال:
وشَهِدتُ أنْجِيَةَ الأُفاقَةِ عالِياً … كَعبي، وأرْدافُ ‌المُلوكِ ‌شُهودُ
الأنجية: مجالس التجمع والمناجاة. والأفاقة: مكان بالحزن يزوره ملوك الحيرة (ديوان لبيد بن ربيعة العامري (لبيد بن ربيعة). الناشر: دار المعرفة. الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.ص33). لبيد بن ربيعة يؤكد أنه شهد تجمعات أو جلسات المناجاة بالأفاقة، كما شهدها أيضا أرداف الملوك وهم الوزراء، أي علية القوم.
الأفاقة إذاً ماء لبني يربوع، شبيه بما ورد عن أفقا، الذي يوجد بالقرب منه نوع من البركة شبيهة بخزان مصنوع بيد الإنسان.
فهل الافاقة هي أفقا حيث معبد العزى/ فينوس، وحيث تقام طقوس الفرح والحزن؟
يوجد بمنطقة جبيل نهر ينبثق من جبل لبنان ويصب في البحر اسمه أدونيس، والذي يتغير لونه الى الأحمر كل عام، وفُسر ذلك بأن في هذه الأيام جُرِحَ أدونيس. والصواب هو أن حمرة النهر سببها التراب الأحمر الذي تنقله الرياح الى النهر فتعطيه الصبغة الأرجوانية لون الدم.
نفس الشيء بالنسبة لأتباع النعمان، الذين ربما اتخذوا لهم نهرا أحمر اللون، هو نهر الدم المتواجد بمنطقة أليس حيث قاتل المثنى بن حارثة القائد الفارسي جابان صاحب أليس (تاريخ الطبري. ج3/ص345). والدم هو النعمان، وبالتالي فنهر الدم هو نهر النعمان مثل نهر أدونيس بلبنان.
لم يكن الحداد على أدونيس في المجتمعات القديمة ضمن طقوس المعبد، وإنما كان من الاحتفالات الشعبية التي تقام في الهواء الطلق. وكانت طقوس أدونيس شائعةً في اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وكان النواح يتم فوق جسد التمثال الميت. ولذلك يقال: إن مواكب الإله في جبيل والإسكندرية كانت تقام في الهواء الطلق، وربما كان في هذا الموكب تهدئة للباكين (الموسوعة العربية | أدونيس (الإله-) (arab-ency.com.sy)).
وهو ما نلمسه في رواية بعض الإخباريين عن النعمان بن المنذر، الذي لما مرض حمله الرِّجَال على سَرِير فِيمَا ‌بَين ‌الْغمر ‌والحيرة ليتفرج بِالنّظرِ إِلَى قصوره وبساتينه ودوره، فَبلغ النَّابِغَة ذَلِك فَجَاءَهُ عَائِدًا وَقَالَ:
ألم أقسم عَلَيْك لتخبرنى … أمحمولٌ على النعش الْهمام
فإنى لَا ألومك فِي دخولٍ … وَلَكِن مَا وَرَاءَك يَا عِصَام
فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك … ربيع النَّاس والشهر الْحَرَام
ونمسك بعده بذناب عيشٍ … أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام
(جمهرة الأمثال، أبو هلال العسكري. 2/255 الرقم 1641)
وحسب ما روج له المؤرخون المسلمون، فإن النعمان لم يمت بالحيرة وإنما بالعاصمة الفارسية المدائن، حيث داسته الفيلة أو مات في السجن، وبالتالي فإن هذه الأشعار قد تكون قيلت ضمن طقوس البكاء التي كانت تقام بأفقا أو الأفاقة قرب الحيرة في أرض الحزن، حيث كانت تنظَّم مسرحية يُحمَل فيها تمثال النعمان أو النعمان نفسه، الذي يجسد شخصية أدونيس (تموز)، على سرير أو نعش، وتبدأ عملية البكاء والنواح على وفاته الرمزية، مثل ما يحدث في طقوس البكاء على الحسين الآن.
هناك عقيدة كانت منتشرة في جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية، هي عقيدة سيبيل وأتيس (Cybèle et Attis). من الطقوس المتبعة من طرف أتباع هذه العقيدة، الطقس الذي يسمى يوم الدم، والذي يوافق يوم 24 مارس حسب تقويم أو تأريخ فيلوكاتوس (354م). في هذا اليوم يقوم أتباع وكهنة سيبيل وأتيس بجلد أنفسهم إلى أن تسيل دماؤهم، وبدمائهم يرشون تمثال سيبيل ومذابح المعبد. أما المختارون (الكهنة) فيقومون بإخصاء أنفسهم ويقدمون خِصِيَّهم (مفردها: خصية) قربانا للآلهة (Les rites du jour du sang (dies sanguinis) dans le culte gréco-romain de Cybèle et Attis: une approche historiographique cognitive | Journal d’historiographie cognitive (equinoxpub.com)).
كان الكهنة المبتدئون يقومون بإخصاء أنفسهم ورمي قضبانهم المفصولة تحت قدمي تمثال الاله المنتصب. وربما قام آخرون من المتعبدين المشاركين بالاحتفالات بنفس الفعل في نوبة هستيرية من الوجد والانجذاب فيقوم الواحد منهم بإخصاء نفسه ويركض في شوارع المدينة نازفا متألما لا يلوي على شيء. (مغامرة العقل الأولى، دراسة في الأسطورة، سوريا، أرض الرافدين. فراس السواح. ص:361).
خلال طقوس البكاء كانت تقدم قرابين للإله أدونيس ويرشون عليه الدماء، وهو ما كان يمارس في الحيرة حيث بنى النعمان طربالين أو غريين، والغريان بناءان طويلان سميا بالغريين لان النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه. (لسان العرب 15/122) ويقال هما بناءان مشهوران بالكوفة عند الثوية حيث قبر امير المؤمنين علي رضي الله عنه. زَعَمُوا أنَّهما بَناهُما بعضُ مُلوكِ الحِيرَةِ؛ قالَهُ نَصْر، وَفِيهِمَا يقولُ الشاعِرُ:
لَو كانَ شيءٌ لَهُ أَلَاّ يَبِيدَ على ... طُولِ الزَّمانِ لَمَا بادَ الغَريَّانِ
وقالَ الجَوْهرِي: هُما بِناآنِ طَوِيلانِ يقالُ هُما قَبْرا مالِكٍ وعَقِيلٍ نَدِيمَي جَذيمَةَ الأبْرش، وسُمَّيا غَريِّيْن لأنَّ النُّعْمانَ بن المنْذرِ كانَ يُغَرِّيهما بدَمِ مَنْ يَقْتُله إِذا خَرَجَ فِي يَوْم بُؤْسِه؛ فسِياقُ الجَوْهرِي يَقْتَضِي أنَّهما سُمِّيا بالتّغْرِيَةِ وَهُوَ الإلْصاقُ. (تاج العروس من جواهر القاموس للزَّبيدي. تحقيق: جماعة من المختصين 39/156)
يقال إن النعمان بن المنذر مات لما داسه الفيل أو ضربه بأنيابه، تأسيا بمقتل الإله أدونيس من طرف خنزير بري ضربه بأنيابه، فتم تعويض الخنزير بالفيل للتمويه. وبالتالي فإن خبر مقتل النعمان تحت أرجل الفيلة غير صحيح.
معلوم أن طقوس البكاء أو الفرح كانت سمة مشتركة بين سكان منطقة الشرق الأوسط، سواء في بابل أو سوريا أو لبنان أو مصر أو غيرها من البلدان، حيث نجد أزواجا مقدسين مثل: عشتار ودموزي، اريشكيغال ونيرغال، ايزيس واوزيريس، بعل وعنات، ادونيس وبعلة جبيل/أفروديت. حيث يموت الاله في فصل الصيف ويبعث من جديد في فصل الربيع، فتعود الحياة للأرض وتتفتح الأزهار (شقائق النعمان). لذلك نجد النابغة الذبياني لما مجد النعمان بن المنذر وصفه بأنه ربيع الناس، حين قال:
فان يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام
(نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب. لابن سعيد الأندلسي. (ص 574))
وقال أيضا:
وأنت ربيعٌ ينعش الناسَ سَيْبُهُ ... وسيف أعيرته المنية قاطع
( ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ، الطبعة الثانية، دار المعارف.ص:38)
أي أن النعمان مثل تموز/ أدونيس الذي يعتبر ربيع الناس، وبعودته للحياة في فصل الربيع، تعم الفرحة والسرور بعودة الحياة للأرض، فتتفتح الأزهار خصوصا شقائق النعمان. وقال النابغة أيضا:
وكنتَ ربيعاً لليتامى وعصمةً ... فمُلْكُ أبي قابوس أضحى وقد نجِزْ
(تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي. ج15/ص343)
أما طقوس "الختان" فهي تطور لطقوس "الإخصاء" التي كان يمارسها كهنة الإلهة بعلة جبيل Baalat Gebal، (انظر قناة ليلى بن عافية على اليوتيوب Layla ben Afia(بالفرنسية)). تأسيا بالإخصاء الذي تعرض له الاله أدونيس، ربما أخصاه الخنزير الذي أصابه بأنيابه وهو يصيد، فأصبح الإخصاء من طقوس عبادة أدونيس، ومع تطور الفكر البشري تم تعويضه بالختان. وهو ما قام به الكاهن السوري (Elagabalus) ايلاجبلوس، الذي لما أصبح امبراطورا ذهب الى العاصمة روما، وبما أنه كان يزدري التقاليد والطقوس الدينية الرومانية، فقد حمل معه عقيدة (Elagabal) (إله الجبل)، وحمل معه الحجر الأكبر لبيت ايل (Baetyle) [الحجر الأسود] الذي يرمز الى هذا الاله، وفرض على المسؤولين الرئيسيين في حكومته المشاركة في طقوس الاحتفال بهذا الاله. وليظهر الامبراطور للجميع تفانيه في خدمة إلهه، باعتبار أنه الكاهن الأكبر الذي يرأس المجمع الديني الروماني، قام بعملية ختان نفسه (اختتن)، وأعلن أنه حرم على نفسه أكل لحم الخنزير، وفرض على الاعيان النظر اليه وهو يرقص حول مذبح إله الجبل مصحوبا بضربات الطبل والصنج. وكان يرمز لإله الجبل بحجر (نيزك) مخروطي الشكل أسود اللون من حمص، هو بيتيل baetyl. ( Elagabalus — Wikipédia (wikipedia.org)).
كما أن بعلة جبل (Baalat-Gebal) أي إلهة جبيل (بلبنان)، كان يرمز لها أيضا بحجر أسود، هي من أقدم آلهة الحجر الأسود في الشرق الأوسط، في بيبلوس بلبنان. كان يتم تصويرها على شكل حجر أسود هو بيتيل أو بيت ايل. (Mythologie phénicienne et religions monothéistes: Echmoun, Joseph, Othman (youtube.com)).
لم يصلنا أي خبر عن كون النعمان بن المنذر كان يجسد شخصية الإله أدونيس أو أنه كان يلعب دور كاهن لهذا الإله، ويشير د. سليمان بشير إلى غياب أي نظام كهنوتي موحد عند العرب قبل الإسلام، عدا عن نمو مكانة قريش كأهل الله وتزايد مكانة مكة لدى العرب، فإن المرة الوحيدة التي يبدو أن كاهنا رئيسيا واحدا وجد فيها كانت فيما روي عن نشوء منصب "الأفكل" لدى مجموعة قبائل ربيعة. ويبدو هذا المنصب بابلي الأصل، وفيما مضى كان يعتقد أنه اسم علم.
(مقدمة في التاريخ الآخر، نحو قراءة جديدة للرواية الإسلامية. د. سليمان بشير. القدس 1974. ص:113. انظر كذلك:
G. von Grunebaum, Classical Islam, op. cit. p.24))
خلال تصفحي لبعض المواقع على الشبكة العنكبوتية وجدت مقالا يتحدث عن الإله النعمان وعن الأفكل ذكر فيه صاحب المقال:
((هناك نقش بمنطقة نجران في الجزيرة العربية، نشره على تويتر مشعل بن عبد الله بتاريخ 11-9-2022، وقرأه بشكل سليم على الشكل التالي:
"أدم
عنن
فكلة
نعمان".
النقش مكتوب بطريقة الحراثة. فالسطر الأول يبدأ من اليمين إلى اليسار، في حين يبدأ الثاني من اليسار إلى اليمين، وهكذا.
وأهمية النقش تكمن في وجود كلمة «فكلة» مصاحبة للاسم الشهير في الجاهلية «نعمان» بصيغة مضاف ومضاف إليه. فما معنى كلمة «فكلة»؟ وماذا يعني أن يكون هناك فكلة للنعمان على وجه الخصوص؟
كلمة «فكلة» تنويع على كلمة «أفكل» التي تعني: سادن، خادم الصنم، أو كاهن ما. وقد وردت كلمة أفكل في نقوش شمال وجنوب الجزيرة العربية: «وردت في المعينية وفي اللحيانية لفظة «افكل» «أفكل» بمعنى رشو وسادن، أي القائم بأمر الصنم، والسادن له. فورد [في النقوش] «أفكل ود»، أي سادن ود، وتقابل هذه اللفظة لفظة «أبكلو» Apkalu في الأكادية. وعرفت السادنة بـ «أفكلت وأفكلة»» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). أما في نقشنا هذا، فقد جاءت الكلمة بصيغة «فكلة» لا أفكل. لكنها تعني الشيء ذاته في اعتقادي: أي السادن، أو الخادم، أو الكاهن.
أما في العربية، فقد وردت كلمة «أفكل» لوصف رعدة الجسد (المحيط في اللغة. الصاحب بن عباد. المحقق: محمد حسن آل ياسين. الناشر: عالم الكتب، بيروت. الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ -١٩٩٤ م. ج6/ص267): «الأَفْكَلُ، بِالْفَتْحِ: الرِّعْدة مِنْ بَرْد أَو خَوْفٍ... وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فأَخَذَني أَفْكَلٌ فَارْتَعَدْتُ مِنْ شدة الغَيْرة» (لسان العرب). يضيف الزمخشري عن ابن عباس أن: «الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْبَحْر: إِن مُوسَى يَضْرِبك فأطعه فَبَاتَ وَله أفكل. هُوَ رعدة تعلو الْإِنْسَان من غير فعل» (الزمخشري، الغريب في نهاية الحديث والأثر). ويبدو لي أن لهذه الرعدة علاقة برعدة المتنبّئين حين يحل عليهم وحيهم، إذ ترتعد أجسادهم حينها وتنتفض، كعلامة على نزول الوحي. ويخبرنا توفيق فهد أن الكلمة في لغات أخرى في الجزيرة العربية مرتبطة بالرعدة، وبالدين: «والواقع أن الكلمة الأكادية «بكاللو» يعثر عليها في شكل «أفكل» في اللغة اللحيانية، والتدمرية، والنبطية، وفي المعينية، وأخيراً في اللغة العربية، حيث ثبت كلقب أو كموصوف معناه: الرعدة، أو: النفضة. فما المعنى الذي يحمله هذا اللقب؟ ج. "ففرِيِه" يعرفه بهذه الكلمات: شخص مرتبط بمنصب ديني، وعرّاف أو ساحر يستخدم فنه، عند الحاجة» (توفيق فهد، الكهانة العربية قبل الإسلام، دار قدمس، ص 89-90). بناءً عليه، يحق لنا أن نفترض أن كلمة «فكلة» في النقش تعني «كاهن»، وأنها صيغة مبالغة من «أفكل». إذا صح هذا، يكون نعمان النقش إلهاً له كاهن محدد، أو لبيته سادن، يحمل صفة «فكلة»، وهو الذي حفر النقش الذي نتحدث عنه. النعمان شخصية إلهية في الجزيرة العربية، وشيوع اسمه كاسم لأفراد كثيرين مثل «النعمان بن المنذر» الشهير نابع من ذلك. أي أن الناس وقتها كانوا يسمون أبناءهم باسم هذا الإله. لكن هذه هي المرة الأولى التي نعثر فيها، حسب علمي، على اسم هذا الإله في نقش محدد. فسيرة الملك النعمان بن المنذر تختلط بسيرة هذا الإله بحيث لا نعود قادرين على التفريق بين السيرتين. ومن المحتمل أن الملك الشهير كان كاهناً لهذا الإله. وهذا سر اختلاط سيرتيهما، بل وسرّ اسم الملك «النعمان». فالخادم البشري، الكاهن، يحمل اسم إلهه الذي يكهن له ويعبده.
ويلقب طائر الشقراق، أو الشرقرق كما نسميه أحياناً، بالأفكل: «والأفكل: الشقراق» (الصاحب بن عباد، المحيط في اللغة). ولقبه هذا يعني عملياً: الكاهن والسادن. وربما سمي بذلك لأن حمرته تطغى على ألوانه الأخرى. لكن ربما أيضاً لارتباطه بـ «الشقر»، أي بشقائق النعمان. ومن الصعب أن يفوت المرء التناسب اللفظي بين «الشقراق» و«الشقر». بذا، فقد يكون الشقراق أيضاً رمزاً للإله النعمان ولشقائقه. ولأنه مرتبط بالدم الأحمر للشقائق، فإنه طائر مشؤوم، إذ يقال: «أشأم من الأخيل، وهو الشقراق» (الميداني، مجمع الأمثال). يضيف الميداني: «قال ابن الأعرابي: الأخيل: الشقراق، ويتطيّرون منه للطمه، ويسمونه مقطع الظهور» (الميداني، مجمع الأمثال). وهكذا فهو طائر لطّام نوّاح، وهو يقطع الظهور. وقاطع الظهور هو الموت. وهو كذلك لأنه يبكي إلهه القتيل ويلطمه.
بناءً على ذلك، فالنقش النجراني يقول: «أدم- عنن [عنان؟] كاهن [أو سادن] النعمان «. وهو ما يعني أنّ هناك شخصاً يدعى: أدم- عنن، أو آدم- عنان، يعمل كاهناً للإله النعمان، أو سادناً لبيته وصنمه. (اكتب على النت: الإله النعمان وطائر الشقراق. أو: الإله النعمان وكاهنه في نقش من نجران).
فهل كان النعمان بن المنذر قبل تنصره كاهنا للإله أدونيس، أم كان يعتبر نفسه أنه هو الاله أدونيس؟
هناك أشعار تصف النعمان بن المنذر بالرب، قال النابغة الذبياني:
سيبلغ عذرا أو نجاحا من امرئ ... إلى ربه رب البرية راكعُ
أي سيبلغ راكع عذرا الى ربه، يعني النعمان بن المنذر، وراكع يعني نفسه. (تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي 21/123)
وقال النابغة: فدى لك من رب طريفي وتالدي.
وعنى بالرب النعمان بن المنذر. (لسان العرب ج15/ص150)
وقال الأعشى:
ربي كريم لا يكدر نعمة ... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
قال أبو عبيدة: يعني النعمان بن المنذر إذا سئل بكتب الجوائز أعطى. (لسان العرب 3/422)
هناك أمر آخر يؤكد أن النعمان تقمص فعلا شخصية أدونيس يتعلق الأمر بكلمة "المر"، حيث قيل إن والدة ادونيس مورا (مورها) كانت فتاة جميلة جدا تفاخرت مع الالهة فينوس بنعومة شعرها فحقدت عليها فينوس وحكمت عليها بأن تقع في حب آثم لوالدها، فتعلقت مورا بحب والدها واحتالت عليه وضاجعته عدة مرات وهي واضعة وشاحا على وجهها بينما كان هو في حالة سكر، ولما كشف أمرها في أحد المرات طردها فسكنت القفار، ولما اقترب موعد وضعها تضرعت للآلهة بأن تتحول الى شجرة المر التي تستخدم كبخور في أعياد أدونيس. وعندما دنت ساعة ولادتها انشق لحاء الشجرة وخرج الولد من جدعها. (المعتقدات الكنعانية خزعل الماجدي 153/154/155)
فإذا كانت والدة ادونيس مورا / مرة، وبشكل أوضح شجرة المر، فإن هند جدة النعمان بن المنذر وعمة امرئ القيس الشاعر في نفس الوقت هي حفيدة آكل المرار. وتسمى هند الكبرى والدة عمرو وقابوس والمنذر والد النعمان بن المنذر، وهي بنت الحارث بن عمرو المقصور بن حُجر آكل المرار الكندي. سمى آكل المرار لأنه غضب غضبة لأمر بلغه فجعل يأكل المُرار وهو لا يعلم بمرارته؛ لشدة غضبه -والمرار: نبت شديد المرارة -فسمي آكل المرار لذلك. هذا قول أبي نصر.
وقال قوم: إنما سمى أكل المرار لأنه حين لقي ‌ابن ‌الهبُولة الغساني جعل يأكُل أصل الشجرة المُرة، وهي شجرة المُرارة، وإذا أكلتها الإبل تقلصت مشافرها. وقال: أحمد بن عبيد: إنما سمى آكل المرار لأن الملك الغساني سبى امرأته فقال لها: ما ظنُّك بحُجْر؟ فقالت: كأنه به قد طلع عليك كأنه جمل آكل مُرار! والجمل إذا أكل المرار أزبد.
(شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. ص:3)
وكما قيل بأن والدة أدونيس مارست حبا محرما، أورد الجاحظ في كتاب الحيوان خبرا مثيرا مفاده أن أمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ: يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ ‌كان ‌نجله لفعل غير محمود. (كتاب الحيوان للجاحظ. ط:2. ج4/ص443). وصنف ابن الكلبي النعمان بن المنذر في باب أولاد الزنا الذين شرفوا من العرب. (مثالب العرب لابن الكلبي. مع نصوص من مثالب الهيثم بن عدي. ص:191).

ما العلاقة بين جنات عدن وجنات أدون وجنات النعيم؟
اشار الباحث السوري فراس السواح في كتابه (مغامرة العقل الاولى) إلى أن تعبير جنة عدن قد يكون مشتقا من جنات أدون المعروفة في طقوس الخصب السورية القديمة. ويحدثنا جيمس فريزر في كتابه "الغصن الذهبي" عن ذلك بقوله إن النساء السوريات في أعياد أدونيس، كن يصنعن سلالا عريضة يملأنها بتراب ضحل، ويزرعن فيها أنواعا متعددة من النباتات والأزهار، ثم يأخذن في العناية بهذه الحدائق الصغيرة مدة ثمانية أيام، حتى تورق وتزهر. إلا أنها لا تلبث أن تموت نظرا لضحالة الطبقة الترابية، وعدم تمكن النبات من مد جذوره في العمق. وهنا تحمل النساء حدائق أدونيس هذه، وقد علقت عليها صورة الإله، نحو البحر أو الأنهار حيث ترمى هناك. والمغزى من هذا الطقس واضح؛ فالنمو السريع للنباتات في السلال هو رمز القوة الإخصابية الفائقة للإله أدون. وموت هذه النباتات السريع هو رمز لمصرع الإله الشاب، وتأثير ذلك على الحياة النباتية التي تتعطل بموته. أما رمي النباتات في الماء مع صورة الإله، فهو فعل من أفعال السحر التشاكلي، يقصد به الإيحاء للمطر كي يهطل ويروي الطبيعة التي ماتت، وبعث أدون من مرقده.
ويضيف المفكر السوري فراس السواح: وفي اللغة العربية نستعمل تعبير جنات عدن وجنات النعيم تبادليا، وهنا نستطيع أن نلمح تشابها بين كلمة "النعيم" وكلمة "النعمان". والنعمان من أسماء أدونيس، وبقي في العربية من أصوله الآرامية، وتسمى به العرب وما زالوا. وعليه تكون جنات عدن "أدون"، وجنات النعيم "النعمان"، تسميتين لمسمى واحد هو جنات أدونيس. ولكلمة النعيم والنعمان أصداء في القواميس العربية، حيث نجد كلمة "نَعِمَ" تعني نضر واخضوضر، وكلمة "الناعمة" التي تعني الروضة أو الحديقة. وكلها ربما اشتقاق من النعمان أو أدونيس إله الزراعة والخضرة والخصب. وإلى يومنا هذا نطلق على بعض أنواع الزهور الربيعية الحمراء اسم "شقائق النعمان"؛ أي جراح أدونيس. وذلك بقية من الاعتقادات القديمة التي كانت ترى على هذه الأزهار دم الإله القتيل الذي افترسه الخنزير البري. (فراس السواح، مغامرة العقل الأولى. ص:256/257) أو قتله الفيل.
لما اعتنق النعمان بن المنذر النصرانية، أبطل سنة يومي النعيم والبؤس (كنز الدرر وجامع الغرر. أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري، الناشر: عيسى البابي الحلبي.2/498). أي أبطل طقوس البكاء والفرح، وهدم الأصنام ومعبد العزى/فينوس الذي ربما كان بالأفاقة، وأبقى، حسب رأيي، على طقوس الختان وتحريم أكل لحم الخنزير وتقديس الحجر الأسود والحج (الى افقا او الافاقة؟؟؟) وتقديم القرابين وحلق الشعر.
وقبل الختام أود أن أعرِّج على إله آخر قد يكون النعمان تقمص شخيصته هو الإله نرجال إله مدينة كوثى، الذي يرتبط باللون الأحمر مثل النعمان أي الدم، والذي حكم العالم العلوي ثم نزل للعالم السفلي حيث تزوج الإلهة إريشكيغال، وبقي في العالم السفلي ستة أشهر، ثم سمحت له إريشكيغال أن يتجوّل في العالم العلويّ وعاد إليها بعد ذلك. فهو مثل ادونيس وتموز والآلهة الذين يذهبون للعالم السفلي وقت الجفاف والقحط، ويصعدون للعالم العلوي عندما تزدان الطبيعة بجمال العشب والزرع والأزهار.
نرغال أو نرجال أو نرجل إذا هو إلهٌ كان يُعبَد في بلاد ما بين النهرين القديمة (أكّاد وآشور وبابل) وكان معبدُه الرئيس في كوثى عند تلّ إبراهيم، ومن أسمائه إرّا.
في التوراة إشارةٌ إلى نرجال بوصفه إله مدينة كوث (كوثى): «فَعَمِلَ أَهْلُ بَابِلَ سُكُّوثَ بَنُوثَ، وَأَهْلُ كُوثَ عَمِلُوا نَرْجَلَ، وَأَهْلُ حَمَاةَ عَمِلُوا أَشِيمَا. (سفر الملوك الثاني 17:30))). ووفقًا للتلموديّين فقد رُمز له بديك صغير، وتعني كلمة نرجال «الديك القميء»، مع أنّ التماثيل النظاميّة تصوّره أسدًا. وهو ابنُ إنليل ونينليل، هو ونانا ونينورنا.
سُمّي معبد نِرجال الرئيس في كوثى مِسلَم، ولذا سُمّي هذا الإله مِسلمتيدا أو مسلمتيا، «الصاعد من مسلم». (نرغال - ويكيبيديا)
مدينة كوتا Kutha (حالياً تل إبراهيم) هي مدينة الإله نرغال وأحد أماكن عبادته، حيث كان يقوم معبده الرئيسي المعروف باسم «إ-مسلام» E-meslam. من مراكز عبادته الأخرى في بلاد الرافدين: أبياك Apiak ومَشكَن-شابير Maskan-sapir ومدن أخرى. وشهر نرغال هو كيسليم Kislim الشهر التاسع في السنة البابلية، وهو وقت صعوده من العالم السفلي. (الموسوعة العربية).
ما العلاقة بين المناذرة وهذا الإله؟
حمل عدد من ملوك المناذرة لقب المحرق، وتضاربت الأقوال حول هذا اللقب أو الوصف، فقيل إن المحرق كان يحرق أعداءه بالنار، وقيل إنه اسم صنم كانت تحرق عنده القرابين، ولكني أرى أن هذا الوصف أو اللقب خاص بالإله نرغال لأنه كان يظهر أحياناً إلهاً شمسياً إذ أنه يتطابق مع شمش Samas، ولكنه يمثل مرحلة محددة للشمس هي شمس الظهيرة المحرقة أو شمس الصيف التي تجلب الدمار والحرائق. وصفته محرقاً تبدو في لقبه: لوغال - غيرا- شارابّو Sharappu. أي المحرق، وهو في كل ذلك يتطابق مع الإله إرّا، إله الحرب والدمار وناشر الأوبئة والطاعون والأرض المحروقة والمجاعات. (الموسوعة العربية). الاله نيرغال إذا هو المحرق أو الحارق ("le brûleur")، ويرتبط باللون الأحمر لأنه يجسد الشمس الحارقة، ويرافق الملوك في الحروب فيسلط الموت على أعدائهم. انظر: (https://www.worldhistory.org/trans/fr/1-15602/nergal/). مع العلم أن النعمان كان أحمر مثل نرجال، واسمه يعني الدم.
دون أن ننسى أن ابراهيم عليه السلام من كوثى من سواد العراق، (البكري المسالك والممالك 2/581) حيث ألقي في النار الحارقة ولكنها كانت بردا وسلاما عليه.
ورد اسم نيرجال على لسان الملك حمورابي حين كان يمجد نفسه قائلا: "أنا حمورابي الراعي ... أنا من أرضى نرجال، ومن وهب كوثى المجد، ومن أفاض بالخير على مشلام. (شريعة حمورابي وأصل التشريع في الشرق الأوسط. مجموعة من المؤلفين. ترجمة أسامة سراس. ص:20)

انتقلت عبادة الإله نرجال الى شمال بلاد الرافدين، فأصبح معبودا في مدينة الحضر وتدمر وسوريا، وأصبح يعرف عند الحضريين باسم نرغال كلبا، وكان من أشهر آلهتهم. (كتابات الحضر، بقلم: فؤاد سفر مفتش التنقيبات العام. ص43 حاشية37)
ومعلوم أن ملوك الحضر يمتون بصلة قرابة للمناذرة آل نصر. ونصر هذا أو نصري كان ملكا للحضر، ورئيسا لكهنة إله الشمس» (أفكالا ربّ شمش)، مما يشير إلى أن منصبه كان له جانب ديني وآخر دنيوي.
وقد وجد نقش لسنطروق ملك الحضر منطوقه: «تمثال سنطروق، ملك العرب المنصورين، ابن نصرو سيدي، ابن نشريهب». وسمي سكان الحضر بالمنصورين لأنهم انتصروا على الجيش الروماني بقيادة تراجان. وكان شعار المدينة هو النسر، وهو يمثل قوة وهيبة المدينة التي يحكمها آل نصر الأقوياء. (ويكيبيديا).
ومعلوم أن مؤسس دولة المناذرة في الحيرة هو عمرو بن عدي بن نصر، ابن أخت جزيمة الأبرش. أي أنه من أقارب آل نصر ملوك مدينة الحضر. يؤكد ذلك المسعودي بقوله: "ويقال إن النعمان بن المنذر من ولد الساطرون، فهو النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الساطرون بن أسطيرون ، والساطرون وأسطيرون هي ألقاب ، وهم ملوك السريانيين".(مروج الذهب للمسعودي 2/198).
أي أن آل نصر سواء الحضريين (سكان الحضر) أو المناذرة سكان الحيرة كانوا يقدسون الإله المحرق نرغال مسلمتي.
لتحميل البحث:
https://drive.google.com/file/d/13ZjIwKv0E2wGx1JeyzsDPD0S-8o1WU7T/view?usp=sharing



#شريف_عبد_الرزاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقارنة بين سيرة النبي محمد وما وصلنا من سيرة النعمان بن المن ...
- النعمان ابو قابوس والحق الإلهي في الحكم
- هل كان النبي محمد تاجرا؟-
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للإسلام
- المعنى الحقيقي لكلمة عرب
- العصر العباسي الأول هو نفسه العصر الساساني الأخير
- التاريخ المبكر للاسلام كما لم تقرأه من قبل


المزيد.....




- رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج ...
- وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ ...
- إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران ...
- أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس ...
- قائد حرس الثورة الإسلامية في طهران الكبرى العميد -حسن حسن ز ...
- فرنسا: الحبس الاحتياطي لتونسي خطط لهجمات تستهدف متحف اللوفر ...
- حرس الثورة الاسلامية يراقب بدقة وحزم كافة التحركات في المنطق ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلّقة انقضاضيّة آليّ ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أرفع أسمى آيات الشكر للدعم ال ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف عبد الرزاق - شقائق النعمان