أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف عبد الرزاق - مقارنة بين سيرة النبي محمد وما وصلنا من سيرة النعمان بن المنذر















المزيد.....



مقارنة بين سيرة النبي محمد وما وصلنا من سيرة النعمان بن المنذر


شريف عبد الرزاق

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 08:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من خلال قراءاتي المتعددة لسيرة النبي محمد وما وصلنا من سيرة النعمان بن المنذر الملقب بابي قبيس أو أبي قابوس اكتشفت مدى التشابه بين سيرتيهما، وسأدلل على ذلك بمجموعة من الحجج والبراهين:
1) الدليل الأول:
ذكر ابن إسحاق أن والدة النبي محمد أسمها آمنة بنت وهب، وذكر المؤرخون أن والدة النعمان بن المنذر أسمها سلمى بنت عطية، عند النظر الى هذين الاسمين للوهلة الأولى يبدوان مختلفين عن بعضهما البعض، ولا علاقة لأحدهما بالآخر، ولكن بشيء من التروي والتعمق في المعنى اللغوي للاسمين سنصاب بالصدمة.
اسم آمنة مشتق من فعل أمِن أي سلِم. أما اسم سلمى فمشتق من فعل سلِم أي أمِن، وبالتالي فإن اسم آمنه له نفس معنى اسم سلمى، أي أن آمنة هي نفسها سلمى.
أما اسم وهْب والد آمنة فمشتق من فعل وَهَبَ أي أعطى، واسم عطية والد سلمى من فعل أعطى أي وهَبَ. وبالتالي فإن اسم وهْب هو نفسه عطية. مثل عطية الله أو هبة الله أو وهب اللات.
اسم آمنة بنت وهب له نفس المعنى اللغوي لاسم سلمى بنت عطية. ويقال ان سلمى من الخزرج من يثرب. (كتاب نسب معد واليمن الكبير. لابن الكلبي. الطبعة: الأولى، ١٤٠٨هـ -١٩٨٨م. 2/563)
أشير هنا إلى أن عبد المطلب كان يلقب ب "ابن سلمى"، وهي من الخزرج، وفيه يقول الشاعر:
اليك ابن سلمى انت حافر زمزم ... حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر
(معجم البلدان لياقوت الحموي. 3/149)
نفس الشيء بالنسبة للنعمان بن المنذر الذي يقال له ابن سلمى وأمه من يثرب.
وقد تم ربط اسم امرأة اسمها سلمى بيثرب في قول الشاعر:
يا دار سلمى بديار يثرب .... بجبجب وعن يمين جبجب
(معجم البلدان لياقوت الحموي. ج2/ص101)
2) الدليل الثاني:
 كان النبي يتيما، (ألم يجدك يتيما فآوى) توفي أبوه عبد الله وهو في بطن أمه، وقيل إن أباه بقي بعد ميلاده ثمانية وعشرين شهراً، وربي في البادية في بني سعد عند حليمة السعدية. فهل كان النعمان بن المنذر يتيما؟ وهل ربي في البادية؟
 تاريخ ملوك الحيرة يشوبه خلط كبير واضطراب غير يسير في نسبهم وسني حكمهم وأعمالهم ومنجزاتهم وحروبهم ومقتلهم، على الرغم من ان ابن الكلبي، وهو أحد رواة تاريخ ملوك الحيرة وهو صاحب كتاب تاريخ الحيرة المفقود، والذي اقتبست منه المصنفات العربية قطعاً ونقولاً متباينة الحجم والاهمية، خاصة كتابَي: تاريخ الرسل والملوك للطبري، وتأريخ سني ملوك الارض لحمزة الاصفهاني. وقال ابن الكلبي نفسه إنه استقى معلوماته من وثائق وسجلات اديرة الحيرة او كما بيَّنهـا بقوله: "إني كنت استخرج اخبار العرب وانساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ اعمارهم ومن عمـل مـنهم لآل كسرى، وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وامورهم كلها". أي بالرغم من كل ذلك، فمن اللافت للنظر وجود اضطراب في تسلسل اسماء الملـوك الحيـريين ومدد حكمهم، فمن عادة الكِتاب ان يذكر مدة حكم الملك اجمالاً ثم يذكر ذلك مفصلاً محـسوباً بالـسنة الى مدة حكم من عاصر ذلك الملك من ملوك الفرس، وإذا دقق ما ذكره اجمالاً مع التفصيل، وجمـع مع بعضه البعض، يلاحظ اختلافاً بيِّناً بين حاصل الجمع والعدد المذكور. وتحسس لذلك التباين بعض المصنفين، فيشير البيروني "الى ذكر بعض اصحاب الاخبار، ان فيما بين بعض ملوكهم فترات، وبعضهم أنكر ذلك، وآخرون زادوا في عدد الملـوك، او نقـصوا، وكذلك فعلوا بمدد ملكهم "، وشخَّص ذات الحال كاتب آخر، محاولاً اعطاء علة وسـبب لـذلك بقوله: "وقد اختلف ايضاً في اسمائهم وترتيب ملكهم اختلافاً كثيراً، وينسب الفعل الواحـد الـى الواحـد والاثنين منهم لبعد العهد وكثرة الاختلاف في الروايات". (مصنفات الحيرة الضائعة لمؤلفها هشام بن الكلبي. م.م. نصير الكعبي. كلية الآداب-جامعة الكوفة. 132و133)
وذكر د. جواد علي ما يلي: "وبخصوص ادعاء ابن الكلبي أنه كان يستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعامر من عمل منهم لآل كسرى وتأريخ سنيهم ممن بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها. فدعاوى مثل هذه لا تصور لنا وقوع اختلاف كبير بين الإخباريين في أسماء ملوك الحيرة، ومبالغ أعمارهم وتأريخ سنيهم وأمثال ذلك، مع إننا نجد بين الإخباريين اختلافًا غير يسير في أسماء الملوك وفي ترتيب توليهم الحكم ومقدار سنيهم وأمثال ذلك. والعجب أنهم يعتمدون على مورد أو موارد مشتركة قد يشيرون إليها، ثم إذا بهم يختلفون في أمور ما كان ينبغي وقوع اختلاف ما فيها لأخذها من مورد مشترك أو موارد مشتركة". (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. ج5/ص305)
هذا الاضطراب في الروايات قد يكون وضع عمدا لخلط الأوراق، ولذلك رويت أحداث كثيرة حول المنذر بن ماء السماء وابنه المنذر، الذي يقال إنه والد النعمان الأخير، لدرجة أننا لا نستطيع الحسم فيما يخص كل واحد منهما، بل واختلفوا في اسم المعركة التي قتل كل واحد منهما فيها، فمنهم من يقول: إن المنذر بن ماء السماء قتل ‌يوم ‌حليمة، أما المنذر بن المنذر فقتل يوم أباغ، ومنهم من يقول بضد ذلك، ومنهم من يجعل اليومين واحدا فيقول: لم يقتل إلا المنذر بن ماء السماء، وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة، وقيل: إن المقتول من ملوك الحيرة غيرهما. (الكامل في التاريخ. ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن. تحقيق: تدمري. 1/ 492) وقيل ان قابوس هو الملك الوحيد من ملوك الحيرة الذي مات بشكل طبيعي، أما الباقون فماتوا في ساحة الوغى. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:144و206).
وذكر "ابن الأثير" أن المقتول ليس المنذر بن المنذر وإنما الأسود بن المنذر، ذلك أن المنذر لما قتل أراد ابنه "الأسود" الأخذ بالثأر، فسار في جيش لجب، والتقى بجيش "الحارث" في "مرج حليمة" وقتل هناك. (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. 5/ 234)
فمن هو الملك الذي قتله الغساسنة؟ الأسود بن المنذر أم المنذر بن المنذر ام المنذر بن ماء السماء؟ وهو ما شكك فيه ابن الأثير نفسه. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:317).
إذا صدقنا الإخباريين الذين ذكروا أن المنذر بن المنذر قتله الغساسنة لأنه كان يريد الانتقام لمقتل والده الذي قتله الحارث بن جبلة الغساني قبل عشرين سنة تقريبا، فلماذا لم يطالب أخواه عمرو وقابوس ابنا هند اللذان حكما قبله، بدم ابيهما؟ (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:317). وعالج ابن قتيبة المشكل بقوله إن المنذر بن المنذر حكم بعد مقتل والده المنذر بن ماء السماء في الشام على يد الحارث بن جبلة الغساني، (أي حكم قبل عمرو بن هند مضرط الحجارة)، وقتله الحارث أيضا وقيل قتله مرة بن كلثوم أخو عمرو بن كلثوم التغلبي. (كتاب المعارف لابن قتيبة الدينوري. ج1/ص648). في هذه الحالة يكون النعمان قد شب يتيما طيلة فترة حكم عمه عمرو بن هند.
وساق ابن خلدون رواية عن المسعودي مفادها أن المنذر حكم أربعين سنة وأمّه ماء السماء من النمر بن قاسط من ربيعة وبها عرف، وملك ابنه عمرو بن المنذر أربعا وعشرين سنة، ثم ملك بعده اخوه النعمان وأمه مامة قتله كسرى وهو آخرهم. وعلق ابن خلدون بقوله: هكذا ساق المسعودي نسق ملوكهم ونسبهم وهو مخالف لما ذكره الطبريّ والجرجاني. (تاريخ ابن خلدون أو كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. 2/ 323). وروى ابن عساكر أن عمرو بن هند لما قُتل عين كسرى النعمان بن المنذر بعد استشارة عدي بن زيد. (تاريخ دمشق لابن عساكر. دراسة وتحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ج40 ص126 ال رقم4663). وقيل ان النعمان بن المنذر هو أخو قابوس بن المنذر. (كنز الدرر وجامع ال غرر2/345).
قد يكون النعمان أبي قبيس ابنا للمنذر بن المنذر بن ماء السماء الذي ربما تولى الملك قبل أخويه عمرو وقابوس ابني هند. في هذه الحالة يكون النعمان قد ولد قبل تولي عمرو بن هند الملك، وبالتالي قد يكون تولى الملك وقد شارف أو تجاوز العشرين سنة من عمره، يؤكد ذلك ما ورد في بعض كتب الأخبار من أن عدي بن زيد لما أراد إدخال النعمان على كسرى، ليختار من يملكه على العرب، نصحه قائلا: البس ثياب السفر، وادخل متقلدا سيفك، وإذا جلست للأكل فعظم اللقم وأسرع المضغ والبلع، وزد في الأكل، وتجوع قبل ذلك، فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل من العرب خاصة، ويرى أنه لا خير في العربي إذا لم يكن أكولا شرها. (المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية، أبو البقاء الحلي، ص:388. وانظر كذلك: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني:2/70. وكذلك: تاريخ مملكة المناذرة (268-634م). د. يوسف فيصل صقر. دار النفائس. ص:100).
ويؤكد ابن عساكر هذا الأمر بقوله إنه لما هلك عمرو بن هند مالك العرب وفدت وفود العرب إلى كسرى تلتمس الملك، وكان عدي بن زيد كاتب كسرى بالعربية ووفد فيهم النعمان بن المنذر وكان أحدثهم سنا، (تاريخ دمشق لابن عساكر. دراسة وتحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ج40 ص126 ال رقم4663). فاختار النعمان بوساطة عدي بن زيد.
فالنعمان تولى الحكم خلفا لعمرو بن هند، أي أن والده المنذر بن المنذر لم يحكم أصلا أو حكم قبل أخيه عمرو بن هند. وبالتالي فإن النعمان حسب هذه الرواية، لم يكن طفلا بل شابا على أقل تقدير.
أضف إلى ذلك أن النعمان ربما لم يكن يراد له أن يكون ملكا، لأن أمه كانت أَمَة، بل إني أرجح أن أباه لم يكن يعترف بأنه ابنه، لأنه ابن امرأة سبية تم اختطافها عدة مرات، ولذلك يقال إن النعمان لم يكن يشبه إخوته، وذكروا أنه كان ذميما أحمر أبرش قصيرا، أما إخوته فكان يقال لهم الأشاهب لجمالهم. وكان ابن الأمة لا يسمح له بتولي الحكم في ذلك الوقت، وخير مثال على ذلك ما قيل عن كسرى انو شروان الذي كان له عدة بنين، وكانوا جميعا اولاد سوقه وإماء الا ابنه هرمزد بن كسرى الذي ملك بعده، فان أمه كانت ابنة خاقان الترك، وأم أمه خاتون الملكة، فعزم أبوه على تمليكه من بعده. (الأخبار الطوال (أبو حنيفة الدينوري). ص:75).
ربي النعمان في بيت عدي بن زيد، الذي يقال إنه من تميم، وبالتالي يكون النعمان قد ربي في إحدى البوادي التي كان يسكنها بنو تميم، ربما في البحرين حيث كان له أخ من الرضاعة من أهل هجر يقال له سعد القرقرة، وكان من أضحك الناس وأبطالهم، وكان يضحك النعمان ويعجبه. (أمثال العرب للمفضل الضبي. تحقيق إحسان عباس. ص: 164). وقيل كان ابن اخته بالبحرين أيضا. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:516). وقد ورد في بعض الأبيات الشعرية أن قبر الماجد أي النعمان بن المنذر بالزارة (كتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني. ص:89) قرب البحرين. وفي جؤاثا بالبحرين كذلك تم تعيين ابنه المنذر الملقب بالمغرور ملكا. وكان المنذر بن ماء السماء وضع ابنا له يقال له مالك عند زرارة بن عدس، وكان أصغر بنيه. (أيام العرب في الجاهلية، تأليف محمد احمد جاد المولى، علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم. ص:102).
نستنتج من كل ما سبق أنه من المرجح جدا أن النعمان شب يتيما مثل النبي محمد، وتربى في البادية وكان له اخ من الرضاعة هو سعد القرقرة من هجر. فالنعمان قد يكون استرضع في هجر، أو في بني يربوع لأن عدي بن زيد الذي رباه كان لا يؤثر على بلاد بني يربوع مبدى من مبادي العرب، ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم، وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر، وكانت إبله في بلاد بني ضبة وبلاد بني سعد، ولا يجاوز هذين الحيين بإبله. (كتاب الأغاني لأبي الفرح الأصفهاني، تحقيق: د. احسان عباس. د.ابراهيم السعافين. ذ: بكر عباس. دار صادر.2/68). لذلك فإن النعمان قد يكون ربي في حي من هذه الأحياء، ربما في بلاد بني سعد.
3) الدليل الثالث:
نَسَبُ النبي محمد كما ورد في السير هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ..الخ، ولكن القرشيين كانوا يطلقون عليه لقب غلام عبد المطلب، وقد أشار صاحب السيرة الحلبية الى ذلك في رواية عن أبي طارق رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وخلفه رجل له غديرتان» أي ذؤابتان «يرجمه بالحجارة حتى أدمي كعبه يقول: يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب، فسألت عنه، فقيل إنه غلام عبد المطلب، فقلت ومن الرجل الذي يرجمه؟ فقيل هو عمه عبد العزى يعني أبا لهب». (السيرة الحلبية، الطبعة: الثانية - 1427هـ. (ج2/ص3).
وذُكر في رواية أخرى باسم غلام بني هاشم: "عن طارق بن عبد الله قال: "إنِّي بسوق ذي المجاز إذْ مرّ رجل شاب عليه حُلَّة من برد أحمر وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفِلحوا»، ورجل خلفه قد أدمى عرقوبيه وساقيه يقول: يا أيُّها الناس، إنَّه كذاب فلا تطيعوه. فقلت: من هذا؟ قال: غلام بني هاشم الذي يزعم أنَّه «رسول الله» وهذا عمه عبد العُزَّى". (حياة الصحابة. محمد يوسف بن محمد إلياس بن محمد إسماعيل الكاندهلوي. حققه، وضبط نصه، وعلق عليه: الدكتور بشار عوّاد معروف. الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان. الطبعة: الأولى، 1420 هـ -1999م. (ج1/ص124).
النبي كان يطلق عليه غلام عبد المطلب وغلام بني هاشم، وكان يقال له كذلك يَتِيمُ ‌أَبِي ‌طَالِبٍ. (أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير. المحقق: علي محمد معوض -عادل أحمد عبد الموجود. الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. 3/313). بل هناك حديث غريب يسير في نفس الاتجاه مفاده أن العباس بن عبد المطلب قال: "قلت يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض". (البداية والنهاية. ابن كثير. المحقق: علي شيري. الناشر: دار إحياء التراث العربي. الطبعة: الأولى 1408، هـ -1988 م (ج2/ص315).
غير ان أكبر تحد لأصل محمد ونسبه يكمن في التساؤل على لسان عمر عندما قال له: "يا رسول الله مالك افصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟" قال: «كانت لغة إسماعيل قد دَرَست، فجاء بها جبريل، فحفظتها». (مقدمة في التاريخ الآخر، نحو قراءة جديدة للرواية الإسلامية. د. سليمان بشير. القدس 1974. ص:160. ومسند الفاروق لابن كثير. المحقق: إمام بن علي بن إمام.ج1/ص58).
وكان يقول أيضا: «‌خَرَجْتُ ‌مِنْ ‌نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي». (المعجم الأوسط للطبراني، للطبراني. ج5/ص80، الرقم 4728. والشريعة للآجري. ج3/ ص1417. الرقم957).
 أما النعمان بن المنذر فقد ذكر ابن إسحاق أنه من سلالة ربيعة بن نصر، وقاله أكثر الناس. كما روى ابن إسحاق أن امير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جُبير بن مُطْعِم عنه ممن كان، فقال: من أشلاء قُنُص بن معد بن عدنان. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان، ومعلوم أن ربيعة بن نصر كان ملك اليمن. (البداية والنهاية لابن كثير. ج2.ص: 413 و415). وقال بعض الرواة: لم يبق لقنص بن معدّ عقب. وكان ‌النعمان ‌بن ‌المنذر، من تميم، ونسب إلى لحم، وأنّ عمر بن الخطاب أتي بسيف النعمان، فأعطاه جبير بن مطعم وقال له -وكان نسّابة -ممن كان النعمان؟ فقال: من قنص بن معدّ. واحتج من روى هذا بقول النابغة الذّبياني:
فإن يرجع النعمان نفرح ونبتهج … ويأت معدّا ملكها وربيعها
(انساب الأشراف للبلاذري.ج1ص23)
فهل كان النعمان بن المنذر يمنيا قحطانيا أم من معد بن عدنان؟
وذكر الجاحظ أن النعمان بن المنذر إمّا من أشلاء قصيّ بن معد، وإما من عرض لخم. وأضاف أن أمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ، وهو يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ كان نجله لفعل غير محمود. (كتاب الحيوان للجاحظ 4/442 و443). وقد هجا مالك بن نويرة اليربوعي الملك النعمان بن المنذر لما أراد هذا الأخير أن يسند له منصب الردافة، فرفض مالك وهرب وهجاه بقوله:
قد قال نعمان قولا ما قنعت به ... أَردِفْ ورائي عند العجز والذَّنَب
فقلت لا أَردفُ الأعجاز قد علموا ... خلف حمراء لم يُسمع له بأب
لن يُذهب اللؤمَ تاجٌ قد حُبيت به … من الزبرجد والياقوت والذهب
ولا ثياب من الديباج تلبسها … هي الجياد وما في النفس من دبب
حمراء او ابن حمراء يقصد به النعمان بن المنذر. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:435.).
وجاء في ديوان جرير:
فقلت لا أردف الأعجاز قد علموا … خلف ابن حمراء لم يسمع لا بأب
(ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب. الناشر: دار المعارف، القاهرة – مصر. ج1ص 262.)
يقال إذا سبّت العرب أحد الموالي، قالت: يا ابن حمراء العجان، أي يا ابن الأَمة. كلمة تقولها في السبّ والذمّ. والعرب تسمّي الموالي: الحمراء. (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي. الناشر: دار الساقي.ج8 ص188. وتاج العروس "3/ 158").
وقد ورد خبر غريب مفاده أن عطية الصائغ والد سلمى أم النعمان بن المنذر من العجم من أهل فارس، وقع الى تيماء فاتخذها دارا، وأقام بها، وبها وُلِدَتْ سلمى بنت عطية أم النعمان. (نهاية الارب في أخبار الفرس والعرب. لمؤلف مجهول. تصحيح: محمد تقي دانش. ص:399). أي أن عطية الصائغ وبنته سلمى من الموالي، وبالتالي ينطبق على النعمان لقب ابن حمراء. ولكن ابن عساكر يقول إن سلمى ليست فارسية وإنما غسانية. (تاريخ دمشق لابن عساكر، دراسة وتحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ج40 ص126 ال رقم4663).
وفي رواية أن عمر بن عبد العزيز قال في مجلسه: "مَن أم النعمان بن المنذر؟ فقال روح بن الوليد بن عبد الملك: سلمى بنت عقاب، قال: إنه ليقال ذلك. يا حاجب أحسن اذنه. ولا ندري لماذا سأل الخليفة عمر بن عبد العزيز هذا السؤال، هل كان في إطار مناقشة، أو محاورة؟ (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:519، والبيان والتبيين للجاحظ، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت. ج3ص165).
كما نسب النعمان بن المنذر الى "معد" في بيت شعري لعلباء بن أرقم قاله في مدح النعمان:
وأي مليك، في معد، علمتم ... يعذب، عبدا ذي جلال، وذي كرم.
(تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:416)
4) الدليل الرابع:
 قال ابن إسحاق: قال الأشعث بن قيس: "يا رسول الله: نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار". قال: "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وكان العباس وربيعة رجلين تاجرين وكانا إذا شاعا في بعض العرب، فسئلا ممن هما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكا. ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النضر ابن كنانة، لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا".
(سيرة ابن هشام لعبد الملك بن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. الطبعة: الثانية، 1375 هـ - 1955 م. ج2. ص585. انظر كذلك: البداية والنهاية لابن كثير. طبعة ابن كثير ج2/ص478).
 لما سمع الأصمعي قصيدة الحارث بن ظالم التي هجا فيها النعمان بن المنذر والتي تتضمن البيت التالي:
حسبت، أبا قابوس، أنك قادرٌ ... ولما تصب ذلاً، وأنفك راغم
قال (الأصمعي): إن هذا البيت ليس منها، وذلك أن المقتول ابن عمرو بن الحارث، جد النعمان الذي كان يكنى أبا قابوس. والمقتول الغلام عم أبي قابوس. (الاختيارين المفضليات والأصمعيات. الأخفش الأصغر. المحقق: فخر الدين قباوة. الناشر: دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، دار الفكر، دمشق – سورية. الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م. ص: 194).
وذكر هشام بن محمد الكلبي أن المنذر بن امرئ القيس تزوج ابنة الحارث بن عمرو المقصور بن حجر ‌آكل ‌المرار، فولدت للمنذر: عمرو بن المنذر، والمنذر بن المنذر، ومالك بن المنذر، وقابوس بن المنذر. (شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. الناشر: دار المعارف [سلسلة ذخائر العرب]. الطبعة: الخامسة. الصفحة:115).
ومعلوم أن المنذر بن المنذر هو والد النعمان بن المنذر أبي قبيس، يعني أن الحارث بن عمرو الكندي هو والد هند أم المنذر والد النعمان (أبو قابوس). أكد هذا القول صاحب كتاب أدب الخواص بقوله: وعمرو بن هند هو عم أبي ‌قابوس النعمان بن المنذر، لأن هنداً ولدت للمنذر ابن امرئ القيس عمراً أبا المنذر ووالد النعمان. (أدب الخواص. الوزير المغربي. الناشر: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض.عام النشر: ١٤٠٠ هـ -١٩٨٠ م. ص147). وهند هذه هي بنت الحارث بن عمرو الكندي، وهي التي يقول فيها المثل: "يا ليث هندا ولدت ثلاثة"، فولدت "هند" ثلاثة متتابعين: عمرو بن هند، مضرط الحجارة، وقابوسا، قينة العرس، والمنذر بن المنذر (كتاب المعارف لابن قتيبة الدينوري. ج1/ص648) والد النعمان أبي قبيس.
فالحارث بن عمرو المقصور بن حجر ‌آكل ‌المرار الكندي إذاً هو جد امرئ القيس الشاعر الكبير والملك الضليل، ووالد هند جدة النعمان بن المنذر.
5) الدليل الخامس:
 كان النبي فقيرا لا مال له (ووجدك عائلا فأغنى) رغم أنه حفيد سيد مكة عبد المطلب، ولكن أحواله المادية تغيرت إلى الأحسن بعد زواجه من السيدة الثرية خديجة، وكان يبلغ من العمر خمسا وعشرين سنة.
 نفس الشيء بالنسبة للنعمان بن المنذر، الذي وإن كان من سلالة ملكية، إلا أنه كان فقيرا لا مال له ولا أثاث ولا ما يصلح لملك، ربما لأن أمه كانت سبية، ولم يكن مقررا له أن يتولى الحكم. ولما أراد عدي بن زيد التوسط له لدى كسرى للحصول على الملك، صحبه عند رجل غني هو الأسقف جابر بن شمعون من اهل الحيرة الذي أقرضه ما يحتاج إليه من مال. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص: 740. المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. (5/ 264 و265). كذلك: المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية. (أبو البقاء الحلي). ص:505).
وذكر صاحب كتاب الأغاني أن عدي بن زيد لما قدم على النعمان صادفه لا مال عنده ولا أثاث ولا ما يصلح لملك، وكان آدم إخوته منظرا وكلهم أكثر مالا منه. (كتاب الأغاني لأبي الفرح الأصفهاني، تحقيق: د. احسان عباس. د. ابراهيم السعافين. ذ: بكر عباس. دار صادر. ج: 20/ص:74).
6) الدليل السادس:
 حياة النبي محمد قبل بعثته لا نعلم عنها إلا النزر اليسير جدا، ومما يعرف عنه أنه كان يتاجر في مال خديجة، والتي تزوجها فيما بعد. وأشار برنار لويس إلى إمكانية ان يكون محمد قد عمل بالتجارة مع أن ذلك غير مؤكد. (مقدمة في التاريخ الآخر، نحو قراءة جديدة للرواية الإسلامية. د. سليمان بشير. القدس 1984. ص:159. عن:) B. Lewis, The Arabs in History, London 1980.p :38)
هناك حديث يعود للنبي محمد يقول فيه: إن الله ‌لم يبعثني ‌تاجرًا، ولا زراعًا"، وإن شر الناس يوم القيامة التجار والزراعون. (الثاني من منتقى فوائد أبي القاسم الآزجي، م ظ، مجموع 31 ص105. انظر: مقدمة في التاريخ الآخر، نحو قراءة جديدة للرواية الإسلامية. د. سليمان بشير. القدس 1974. ص:200. حاشية رقم:51. انظر كذلك: النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، أبو أحمد القصاب.ج4/ص214).
ولعل صفة التاجر التي ألصقت بالنبي هي نتيجة مطالبته الناس بمبايعته واتباعه. للمزيد طالع المقال المعنون ب: هل كان النبي تاجرا؟ على الرابط التالي:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=863943
 أما بالنسبة للنعمان بن المنذر فنحن لا نعرف شيئا عن طفولته وشبابه كذلك، خصوصا وأنه ابن جارية أو سبية، فربما كان يمارس التجارة في صغره، خصوصا وأن مملكة المناذرة قامت في الأصل لحماية الطرق التجارية خاصة بعد ضعف البارثيين، فأصبحت مركزا تجاريا ومروريا للقوافل التجارية، ما حقق كسبا ماديا كبيرا لهم، فأصبح جل معاشهم وأكثر ما يصيبونه من الأرباح في التجارات، مما وجه أنظار حكام الحيرة الى الاهتمام بالتجارة والتجار بشكل خاص، والعمل على توفير أقصى حد ممكن من الراحة والأمان لهم، وانفتحوا بشكل براغماتي على كل التجار من دون تمييز، سواء كانت الدولة التي يحمل جنسيتها التجار عدوة أم صديقة. (تاريخ مملكة المناذرة (268-634م). د. يوسف فيصل صقر. دار النفائس. ص:231). وبالتالي ليس مستبعدا أن ينخرط النعمان في شبابه في بعض الأعمال التجارية، كاستخلاص المكوس أو الضرائب أو حل النزاعات بين التجار، أو مرافقة القوافل.
ولما أصبح ملكا بفضل دهاء ومكر عدي بن زيد، امتلك كثيرا من القوافل التجارية التي كان يرسلها الى الحجاز واليمن والشام، وهي التي تعرف باسم لطائم النعمان، واللطيمة وعاء المسك وقيل هي العير التي تحمله. منها لطيمة النعمان السنوية، وهي قافلة كانت تحمل تجارة ثمينة من مسك وجواهر وأشياء ذات قيمة كانت تدر أرباحا طائلة على مرسلها، لذلك كان النعمان يوفر لقافلته حماية من سادات أقوياء يتعهدون بإمرارها عبر أراضيهم إلى السوق لأن سلطانه لا يصل إلى كل مكان. (الكامل في التاريخ ج1/ص:358. وتاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:213 و253). وقيل إن النعمان كان يرسل كل سنة الى سوق عكاظ لطيمة فتباع هناك ويشترى بثمنها العصب البرود والأدم وغير ذلك. كما ورد بكتاب الاغاني خبر حول صلة النعمان بالتجارة مع بلاد الشام، وكان صديقا له ذلك التاجر الرومي وهو سرجون بن توفيل من اهل الشام حيث كان حريفا للنعمان، يعني سرجون يبايعه، وكان أديبا حسن الحديث والمنادمة اثناء الشرب. وقد وصف لبيد بن ربيعة العامري موكب لطائم النعمان بقوله:
على الصرصرانيات في كل رحلة ... وسوق عِدالٌ ليس فيهن مائل
تُســــــــاق وأطفال المصيف كأنها ... جوانٍ على أطلائهن مطافل
حقائبــــــــهم راحٌ عتيــــــقٌ ودَرِمَكٌ ... وريط وفاثورية وسلاســل
وما نسجــــــــت أسراد داود وابنَه ... مضاعفةٌ من نسجه إذْ يُقابلُ
(تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:254).
لا بأس أن أذكر هنا علاقة النعمان المالية بيثرب، فلدينا أحد النصوص يوضح أن خراج ملوك الحيرة امتد ليشمل المدينة المنورة في احدى الفترات، وقد ظلت الحرب بين اليهود والخزرج والأوس حتى دخل عمرو بن الإطنابة الخزرجي على النعمان بن المنذر فملكه المدينة، وقد هجاه إثر ذلك ثابت والد الشاعر حسان بن ثابت:
أَلِكْني إلى النعمان قولاً مَحَضْتُهُ ... وفي النصح للألباب يوما دلائلُ
بعثْتَ إلينا بعضنا وهو أحمق ... فياليته من غيرنا وهو عاقلُ
(تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:247).
ويروى أن المعارك بين المتخاصمين (بين اليهود والأوس والخزرج) كانت مستمرة، ولم يستقم لهم أن يستبد بهم ملك الى أن دخل الى النعمان بن المنذر ملك الحيرة عمرو بن الإطنابة الخزرجي فملكه على المدينة، ويبدو أن تعيين عمرو من قبل النعمان كـ (ملك)، يعني في الحقيقة انه ممثل للحيرة وجابي ضرائب على المدينة. (الحيرة ومكة وصلتهما بالقبائل العربية، تأليف م. ج. كستر ترجمة د. يحيى الجبوري. ص:12و13و14).
كان القياصرة البيزنطيون (أو واحد منهم على الأقل)، يصفون ملوك الحيرة بالتجار، فقد ورد عن القيصر يوسطين (جوستنيان) أنه عير أحد مبعوثي الملك عمرو بن هند، بالسراقيني ونعته بالدكاكيني ووصفه بأنه تاجر مراب. وتضيف نينا فكتوروفنا بيغوليفسكايا: أنه قد قصد عمرو بن هند بهذا السباب. (العرب على حدود بيزنطة وفارس. نينا فكتوروفنا بيغوليفسكايا ص 142).
هناك تفسير ثان لمعنى التجارة له علاقة بكلمة دهقان، فإذا كان النعمان يعتبره الساسانيون دهقانا، أي رئيس القرية وكان عضوا في طبقة الأشراف الإقطاعية في بلاد فارس، الذي كانت سلطته تمتد على الأراضي التي تأتيه بطريق الوراثة، فهو تاجر صاحب ضياع، لقول ياقوت الحموي: إن الدهقان هو "التاجر صاحب الضياع". وكان الدهاقنة يشكلون طبقة هامة ويمثلون الحكومة لدى الفلاحين وكانت مهمتهم الرئيسية جباية الضرائب. (توما من مرجا ص108 حاشية رقم2. انظر كذلك: معجم البلدان لياقوت الحموي. ج2/ص492).
أكد هذا المعنى ابن سيده بقوله: الدِّهْقَانُ والدُّهْقانُ: التَّاجِر، فَارسي مُعرب، وهم الدَّهاقِنَةُ والدَّهاقِينُ، قَالَ:
إِذا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهاقِينُ قَرْيَةٍ … وصَنَّاجَةٌ تَجْذُو عَلى كُلِّ مَنْسِمِ
(المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده. ج4/ص457).
هناك تفسير ثالث حول نسبة التجارة إلى النعمان، الذي يرتبط اسمه بأزهار شقائق النعمان. فيقال إن هذه الأزهار نسبت إلى النعمان، لأنها حمراء اللون مثل الدم الأحمر أو الأرجواني، أي أن النعمان هو أدونيس الإله الذي عُبِد في جبيل بلبنان، في فينيقيا التي ينتسب اليها الفينيقيون الذين سموا بهذا الاسم في الغالب نسبة إلى (فوينيكس) بمعنى ارجواني، الدال على خاصية التجارة الفينيقية، وقد نشأت كلمة (فوينيكس) ربما من كلمة (فوينوس) التي تعني أحمر. وقد تم الاعتراف بأن (فوينيكس) مشتق من (فوينوس) (فون- إيو- س) التي تعني: قاتل، دموي، أحمر كالدم، المشتقة من (فونوس) التي تعني: جريمة قتل. (دراسات قدمس(6): أصل الاسم (سورية). كنعان، فينيقيا، أرجوان. حول أصل اسم العرب في اللاتينية. فيليب العربي والمسيحية، أباطرة وشيوخ رومان من سورية. قدمس للنشر والتوزيع. ص21).
وكما هو معلوم فإن فينيقيا توجد بأرض كنعان، وحسب رأي مَزار، فإن اسم كنعان يعني "تاجر"، والاسم الاثني (كنعاني) يدل على بلد التجار. وقد فسر مزار كلمة (كنع) أو (كنعا) على انها (تجارة). والاحتمال الأقوى هو أن اسم (كنعان) الاثني ما لبث ان اكتسب معنى (التاجر) في العبرية التوراتية بسبب اشتهار الفينيقيين بالنشاطات التجارية. (دراسات قدمس(6): اصل الاسم (سورية). كنعان، فينيقيا، أرجوان. حول أصل اسم العرب في اللاتينية. فيليب العربي والمسيحية، أباطرة وشيوخ رومان من سورية. قدمس للنشر والتوزيع. ص19).
من هنا اعتبر النعمان تاجرا لأنه تقمص شخصية أدونيس، الذي عُبد في فينيقيا بلاد الفينيقيين التجار، والذي يعني اسمهم اللون الأحمر الأرجواني مثل أدونيس/ النعمان. وتقع فينيقيا بدورها بأرض كنعان التي تحمل بين طياتها معنى التجارة.
7) الدليل السابع:
كان النبي محمد يطلق عليه في الجاهلية لقب الأمين، والغريب أن أحد الجبلين المطلين على مكة اسمه أبي قبيس، وهو لقب حمله النعمان بن المنذر، وذكر الإخباريون أن هذا الجبل كان يسمى الأمين في الجاهلية. (معجم البلدان لياقوت الحموي:1/122. انظر كذلك: الجبال والأمكنة والمياه. أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (ت ٥٣٨ هـ). المحقق: د/ أحمد عبد التواب عوض المدرس بجامعة عين شمس. الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع - القاهر. عام النشر: ١٣١٩ هـ - ١٩٩٩ م. ص:47).
8) الدليل الثامن:
 (ووجدك ضالا فهدى). ورد في كتاب الاصنام للكلبي أن النبي كان على دين قومه، فقد روي عنه انه قال: "لقد اهديت للعزى شاة عفراء وانا على دين قومي". [كتاب الأصنام لابن الكلبي تحقيق ذ.أحمد زكي.ص:19]
كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، قتلها خالد بن الوليد وأخبر النبي بذلك فقال: "تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب، أما إنها لن تعبد بعد اليوم". [كتاب الأصنام لابن الكلبي، تحقيق ذ. أحمد زكي.ص:25]
وأورد ابن سعد في طبقاته أن رسول الله لقى زيد بن عمرو بن نُفيل بأسفل بَلْدَح، وذلك قبل أن ينزلَ عليه الوحيُ، فَقَدَّمَ إليه رسول الله سُفْرَة فيها لحم فأبَى أن يأكل منها ثمّ قال: إني لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل ممَّا لم يُذْكَر اسم الله عليه. [الطبقات الكبرى لابن سعد - ط الخانجي. المحقق: الدكتور علي محمد عمر. الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة – مصر. الطبعة: الأولى، 1421هـ، 2001 م.3/ 353].
 كان النعمان بن المنذر في البداية وثنيا، متمسكا بدين الحنوفية، يعبد الكوكب المعروف بالزهرة ويذبح الذبائح للأصنام. [Patrologia Orientalis. Tome XIII- Histoire Néstorienne (Chronique de seert) 2éme partie. Texte Arabe publié par :S.G.ADDAÏ SHER. Avec le concours de Robert Griveau. 1983.p : 2/468/469].
ورد في أحد المصادر النسطورية: "آنذاك حتى النعمان فيلارخ الاسكينيين الأعداء، ذلك الوثني اللعين النجس الذي كان يحرق الناس بيده قربانا لأصنامه، قبِل التعميد المقدس فألقى في النار بتمثال أفروديت المصنوع من الذهب الخالص، وقاد شعبه كله إلى طاعة الله." وبطبيعة الحال فإن المقصود بتمثال أفروديت إنما هو صنم العزى التي كانت تقدم لها القرابين البشرية. [العرب على حدود بيزنطة وإيران، من القرن الرابع الى القرن السادس الميلادي. نينا ڤكتورڤنا ݒيغوليڤسكيا. نقله عن الروسية: صلاح الدين عثمان هاشم. أشرف على طبعه: قسم الثراث العربي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.ص:145]
قد يكون "الضيزنان" اللذان كان يستسقي بهما جذيمة الأبرش، و"الغريان" في أيام المنذر بن ماء السماء، هما العزى والنسر. [تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر ص473]. ولذلك نجد شعرا لعمرو بن عبد الجن يربط فيه بين العزى والنسر:
أما ودماء مائراتٌ كأنها ... على قلة العزى أو النسر عندما
[المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية، أبو البقاء الحلي، الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة، عمان، الطبعة: الأولى، 1984م، ص:102].
9) الدليل التاسع:
 قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. قال: فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. [السيرة النبوية لابن هشام. تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. الطبعة: الثانية، 1375هـ -1955 م. (1/ 235م.ش)].
 هذه الرواية هي رجع الصدى لما ورد عن خروج النعمان الاصغر الى الصيد في أصحابه ومعه عدي بن زيد العبادي، ولما مروا بشجر قال عدي للنعمان: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا، قال: تقول:
رب ركبٍ قد أناخو عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
بأبـــــاريق عليــــــها قدم ... وجياد الخيل تعدو في الجلال
عصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذلك الدهر حالاً بعد حالِ
قال: ثم مروا بمقبرة فقال له عدي: أيها الملك أتدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا، قال: تقول:
ايها الركب المغذون؟ ... على الارض يجدون
كما أنتم كنـــــــــــــا ... وكما نحن تكونـــــون
فقال النعمان لعدي: إن الشجرة والمقبرة لم تتكلما، وقد علمت أنك إنما أردت عظتي فما السبيل الذي ندرك به النجاة؟ فقال: تدع عبادة الاوثان وتدين بدين المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، فتنصر النعمان. [المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية. أبو البقاء الحلي. ص: 266].
النعمان بن المنذر كلمته الشجرة والحجارة (المقبرة) مثل النبي محمد.
10) الدليل العاشر:
 كان النبي يتحنف في غار حراء، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ماذا أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابا. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء.
خافت خديجة أن يكون زوجها قد مسه الشيطان، فقالت له: أي ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى، قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس على فخذي اليمنى، قالت: فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاجلس في حجري، قالت: فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قال: فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: لا، قالت يا بن عم، اثبت وأبشر، فو الله إنه لملك وما هذا بشيطان. قال ابن إسحاق: وقد حدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا لملك وما هو بشيطان. [السيرة النبوية لابن هشام. المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (ت ٢١٣هـ). تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. الطبعة: الثانية، ١٣٧٥هـ -١٩٥٥ م (1/ 237. 239)].
وذكر الطبري أن جبريل عندما قال في الثالثة: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" إلى قوله: «علم الإنسان ما لم يعلم»، قال (النبي): فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتابا. قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إن الأبعد -يعني نفسه- لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبدا! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن، قال، فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل. [تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (أبو جعفر ابن جرير الطبري)2/ 301].
وعندما سأل الحارث بن هشام رسول الله بقوله: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله-ص-أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس-وهو أشده على-فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا، فيكلمنى، فأعى ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد ‌عرقا. [الروض الأنف في شرح السيرة النبوية. المؤلف: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (ت ٥٨١هـ). الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ-2/ 412)].
هكذا كانت القطيعة بين النبي وبين معتقدات قومه، وبدأ ينشر رسالة ربه، التي تدعو الى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام، التي أمر بتكسيرها عند فتح مكة، فتنكرت له العرب آنذاك.
 أما بالنسبة للنعمان بن المنذر الذي كان في الحيرة (حراء؟؟)، فقد سكن فيه الشيطان وصار يصرعه في كل يوم، واستعان بالمعزمين وخدم "صنمه" فلم يقدروا على شفائه، ولما عاين العجز دعا النصارى إليه وطلب منهم المعونة والشفاء، فتدخل كل من شمعون اسقف الحيرة وايشوع زخا الراهب وسبريشوع اسقف لاشوم وأعانوه بالصلاة، فشفي من مرضه، وسألوه عما رأى في وقت برئه، قال: رأيت عشرة من أجناد الملائكة أتوا إلي وأنا طريح، وقالوا للشيطان اخرج منه يا ملعون ولا تعمل فيه أذية، فخرج مني شيء أسود مثل عبد اسود راسه يبلغ السطح العالي وانفلت في مكانه وضرب صدر الدار وشقه هذا الشق الذي ترون. لما برأ النعمان كسر الأصنام فتنكرت له العرب عند ذلك. [تاريخ الحيرة عارف عبد الغني 482/483. والمناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية. أبو البقاء الحلي. ص: 269. واخبار فطاركة كرسي المشرق. من كتاب المجدل. تأليف عمرو بن متى. ص:48].
ديانة النعمان كانت في اول عهده الوثنية، حيث كان يعبد العزى، وما لبث ان دخل النصرانية بسبب اصابته بالوسوسة ورغبته بالاستشفاء لدى أسقف الحيرة شمعون بن جابر وايشوع زخا الراهب، فانتفع بهما فغير دينه وتنصر، حوالي سنة 593م.
وورد في الحولية السريانية أن النعمان أخا هند ومارية لما أحب المسيح أن يهديه مثل أختيه لأنهما كانتا مؤمنتين قبل أخيهما، وكان النعمان يعبد الأوثان ويذبح الذبائح للزهرة، وكان مع ذلك قتالا سفاكا للدماء، لا يحتمل أن يسمع باسم المسيح أو بشيء من أمور البيعة، وكان مار شمعون أسقف الحيرة يديم الصلاة والمسألة للمسيح أن يجتبى النعمان. فمحنه بمحنة "ثلاث سنين"، وهي أنه كان إذا أراد النوم بعد الأكل والشرب تراءى له صورتان مختلفتان. أحدهما صورة فتى جميل الصورة حلو المنطق طيب الرائحة واقف بين يديه، والآخر صورة حبشي قبيح المنظر قائم خلفه. والفتى الجميل الصورة يقول: ان كنت مسيحيا فهو خير لك ليعظم ملكك ويرثك مع الملك الباقي الملك الزائل. فيقول له: حاشا لي أن أترك سيدتي العزى الالهة المدبرة الساكنة في السماء واكون نصرانيا وأسجد لرجل صلبته اليهود. فاذا قال ذلك صرعه الفتى الحبشي الذي من ورائه. وكان هذا الحبشي كريه الصورة، مفزع المنظر، منتن الرائحة، يخرج من فيه الرغوة النجسة. فلا يزال من صرعته مغشيا عليه لا يعقل لأمره، فإذا كان من الغداة سكن عليه. ولم يزل يقاسي ذلك وألوانا كثيرة ... الى أن قال لشمعون أسقف الحيرة: الصواب أيها الفاضل ان اكتب الى كسرى بن هرمز أعلمه ما علمت عليه من الاعتقاد لمذهب النصارى وأن أعتمد. لما وافق كسرى، عمل الأسقف سهراً طول ليلته وأعمده وأولاده وامرأته وكل أهل بيته والوجوه من عسكره". [Patrologia Orientalis. Tome XIII- Histoire Néstorienne (Chronique de seert) 2éme partie. Texte Arabe publié par :S.G.ADDAÏ SHER. Avec le concours de Robert Griveau. 1983.p : 478].
وبالمقابل روي أن النبي محمدا سحر كذلك، فقد روى البخارى بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله «ص» ‌سحر حتى كان يرى أنه يأتى النساء، ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا. فقال يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتانى فيما استفتيته فيه؟ أتانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى، فقال الذي عند رأسى للآخر. ما بال الرجل؟ قال مطبوب «المطبوب: المسحور» قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن أعصم، رجل من بنى زريق حليف اليهود، وكان منافقا، قال: وفيم؟ قال: فى مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال: فى جف طلعة ذكر تحت رعوفة فى بئر ذروان. قالت: فأتى البئر، حتى استخرجه. فقال: هذه البئر التى أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين. [الروض الأنف في شرح السيرة النبوية. المؤلف: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (ت ٥٨١هـ). الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ (4/ 400حاشية1)].
11) الدليل الحادي عشر:
- النبي كان يعتبره أتباعه محمدا بينما يعتبره أعداؤه مذمما.
اسم محمد حتما لم يطلق عليه منذ الولادة، فهنالك روايات تذكر ظهوره في سياق اهانات قريش لمحمد وتسميتها إياه مذمما، مشيرة الى أن ظهور هذا الاسم جاء كردة فعل لتلك الاهانات. إذ يرفع البخاري الى ابي هريرة عن الرسول قوله: "يا عباد الله انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم: يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد. وفي بيت منسوب لحسان بن ثابت إشارة غريبة الى كون الأنصار هم الذين البسوا الرسول "اسما ما له مثل". [مقدمة في التاريخ الآخر، نحو قراءة جديدة للرواية الإسلامية. د. سليمان بشير. القدس 1974. ص: 163. والسيرة النبوية لابن هشام. تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. ج2/ ص556].
- أما النعمان بن المنذر فقد انقسمت الآراء حوله إلى قسمين:
الذين يكرهونه كانوا يذمونه، ويقولون إن إخوته يسمون الأشاهب لحسنهم وجمالهم، بينما كان النعمان من بينهم قصيراً أحمر أبرش، وأمه بنت صائغ من فدك. [الطبري 2/194. انظر كذلك نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب لابن سعيد الأندلسي. المحقق: الدكتور نصرت عبد الرحمن ص 282]. وقال عنه أبو البقاء الحلي: كان النعمان أحمر أبرش قصيراً ذميماً قاسياً عاتياً سفاكاً باغياً، وكان له عشرة أخوة كلهم أجمل منه، وكانوا يسمون الاشاهب لجمالهم. [المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية أبو البقاء هبة الله محمد بن نما الحلي ص: 146]. وذكر الطبري [تاريخ الطبري.2/ 195] أن كسرى لما دخل عليه النعمان رأى رجلا ذميما. وورد في كتاب الحيوان للجاحظ أن ‌النعمان كان أزرق، أقشر، أحمر العينين، أحمر الحماليق. وفيه يقول أبو قردودة حين نهى ابن عمار عن منادمته:
إني نهيت ابن عمّار وقلت له … لا تأمنن أحمر العينين والشّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم … تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا … ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
وقال يونس: لم أر قرشيّا قطّ أحمر عروق العينين إلا كان سيّدا شجاعا. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان أشكل العينين ضليع الفم. [كتاب الحيوان للجاحظ، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت. الطبعة: الثانية، ١٤٢٤هـ. (5/178و179)].
أما الذين يمجدون النعمان فلم يقولوا إنه كان ذميم الخلقة، أو أحمر، أو أبرش، أو قصيرًا، بل على العكس من ذلك. فقد ورد في "كتاب نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب" أن المنذر لما مات جعل كسرى يميز بين ولده من اجل ان يختار من يخلفه على ملكه، فلم تقع خيرته الا على النعمان، لجماله ورويته وعقله وشدة قلبه وحسن منطقه وجودة فهمه، وكان كذلك وسائر اخوته أيضا ذوي جمال وكمال، وكانوا يسمون الشهوب لجمالهم، ولم يكن لأحد منهم مثل ما للنعمان من هذه الخصال. [نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب لمؤلف مجهول ص: 398]. يؤكد هذا الكلام ما ذكره كسرى ابرويز نفسه لابنه شيرويه قبيل مقتله حيث قال:" اعلم ان خروج الملك عنا قد دنا، ومصيره في ايدي العرب، ولم آمن ان يكون النعمان المتولي لذلك لعقله وادبه ولطاعة العرب له، فاعتللت عليه لذلك ووليت مكانه اعرابيا جلفا جافيا لا علم له ولا أدب عنده، هو اياس بن قبيصة الطائي." [نهاية الارب في معرفة اخبار الفرس والعرب. مؤلف مجهول. ص436].
هناك خبر فريد ورد في كتاب نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب، مفاده ان المنذر بن المنذر هو الذي اختار ابنه النعمان ليملك من بعده، ونسب اليه شعر قاله ذكر فيه تفضيله إياه على اخوته، ووصفه بالجمال والعقل والخبرة واللسان، عكس ما تم الترويج له في كتب الإخباريين:
إن ظني بمن رجوت لأمري ... حسن ان أعانت الأذنان
باستماع وما ظفرت بشيء ... ان نبا معولي عن النعمان
قد تفرست في بني وفيه ... فإذا الأمر ليس بالمتداني
فله الفضل والجمال وفي العقل ... وحظ من مخبر ولسان
فلئن تمّ ما أؤمــــــل فيـــــه ... ما له في بني الملوك مداني
[نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب. لمؤلف مجهول. تصحيح: محمد تقي دانش. ص:398].
إضافة إلى ذلك فالذين يمجدون النعمان كانوا يصفونه بالمحمد والماجد، فقد مدحه الأعشى قائلا:
إليك أبيت اللعن كان كلالها ... إلى الماجد الفرع الجواد المحمد
[لسان العرب لابن منظور. الناشر: دار صادر – بيروت. الطبعة: الثالثة - 1414 هـ (3/ 157). انظر كذلك: تاريخ الحيرة عبد الغني ص:457].
النعمان كان يقال له أبيت اللعن، ومعناه: "أبيتَ أن تأتي ما تُلْعَنُ عليه"، [مرآة الزمان في تواريخ الأعيان. «سبط ابن الجوزي». 2/470]، أي: "أنت أيها الملك، بما تأتي من مكارم ومحامد، جعلت الناس يبتعدون من لعنك"، [ديوان عمرو بن كلثوم، جمعه وحققه وشرحه: د.اميل بديع يعقوب. الناشر: دار الكتاب العربي. ص:33]. ولذلك استحق أن يطلق عليه لقب المحمد.
ويروي أهل الأخبار شعرًا زعموا أن "عدي بن زيد" قاله لأهل بيت النعمان، يصف فيه النعمان بالماجد:
فلا يمينًا بذات الودع لو حدثت … فيكم، وقابل قبر الماجد الزارا
يعني بالماجد النعمان بن المنذر. [المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. ج5/ص:272].
حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الكرم مدح النعمان ووصفه بالماجد كذلك:
ألا مَن مُبْلغ النعمان عني … بأنك سيّد ملكٌ همام
جوادٌ طيّب الأخلاق سَمْحٌ … كريم كلما غشى المدام
خرجنا نحوه نبغي نَدَاه … وكان الغيث ليس به اكتتام
فزدتَ على الذي كنا نُرَجِّي … وأنت الماجد العضب الحسام
فقد أبنا بذلك شاكراه … فلما أنساه ما سَجَعَ الحمام
جزاه الله خيرا من مليك … ولاقته التحيّة والسلام
(الأنساب للصحاري. ص115).
فالذين يذمون النعمان كانوا يسمونه "مذمما"، أما الذين يجلونه ويبجلونه فكانوا يسمونه "محمداً". ومن هنا نعلم أن لفظة محمد ليست اسما وانما صفة أو لقب، حمله النبي ضدا في الذين ينادونه مذمما. فمحمد من فعل حمِد، والحمد نقيض الذم. ولذلك قيل ان الناس لم يجدوا مطعنا في النعمان الا الصائغ فسبوه به. (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للبكري. ج1/ص53).
لفظة "محمد" للمدح توافقها كلمة "نِعْمَ"، والموصوف بها "نعمان"، أي أن محمدا هو نعمان. وعكسها كلمة "بئس" "للذم"، والموصوف بها "مذمم".
من الصفات الحميدة للنعمان بن المنذر العدل والوفاء، والدليل على ذلك قول النابغة الذبياني:
أَبى الله: إِلَّا عدله ووفاءه … فَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع
أَي: مَا يُرِيد الله إِلَّا عدل النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَإِلَّا وفاءه، فَلَا يَدعه أَن يجور وَلَا أَن يغدر، فَلَا النكر يعرفهُ النُّعْمَان وَلَا الْجَمِيل يضيع عِنْده. (خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لعبد القادر البغدادي. تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون. ج2/ص468).
12) الدليل الثاني عشر:
- كان النبي في كنف أبي طالب، فهو الذي رباه وكان يحميه من الأعداء، فلما مات اجترأت قريش عليه، فخرج من مكة يطلب الحماية والمساعدة.
- مات أو قتل عدي بن زيد مربي النعمان بن المنذر وحاميه، فندم النعمان على موته، واجترأ أعداء عدي عليه، وهابهم النعمان هيبة شديدة، (تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري. الناشر: دار التراث – بيروت. الطبعة: الثانية -1387 هـ). (ج2/ص:201) فخاف على نفسه وخرج من الحيرة يطوف على القبائل لحمايته ومساعدته.
13) الدليل الثالث عشر:
- أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ‌وتملكوا ‌بها ‌العرب وتذل لكم العجم. (الطبقات الكبرى لابن سعد، الناشر: دار صادر – بيروت، ج1/ص216). ولكن لم يجد آذانا صاغية الا ما كان من ميسرة بن مسروق من بني عبس، (البداية والنهاية لابن كثير تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي (3/178) ثم احتضنه الأوس والخزرج ابنا حارثة.
- أما النعمان بن المنذر فكان يجمع زعماء القبائل العربية في الحيرة، وربما كان يتم ذلك في المواسم، ويحضهم على الوحدة ونبذ خلافاتهم، ويمنيهم بأنهم إن فعلوا فسيحكمون العرب ويقضون على ملك العجم، وهو ما أشار له زيد بن عدي عندما قال للنعمان في مجلس كسرى: "ألست القائل إنك تسلب العجم ملكها، ويفضي اليك سلطانها"؟ (كتاب: أنساب العرب، تَارِيخِ العَوْتَبِي. المؤلف: أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري العوتبي (ص268).
وأخبرنا المؤرخون أنه طاف أيضا على القبائل ولكنها رفضته، الا ما كان من بني عبس الذين عرضوا عليه المساعدة، ثم احتضنه الأخوان أوس وسعد ابنا حارثة، وربما حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج كما سنرى فيما بعد.
14) الدليل الرابع عشر:
- لما غادر النبي مكة بات مكانه، أو نام على سريره ابن عمه علي بن ابي طالب.
- لما غادر النعمان الحيرة حل محله، أو جلس على سرير ملكه اياس بن قبيصة الطائي، الذي أصبح ابن عمه في السيرة النبوية، تأسيا بابن عم زرادشت "ميتوماه" الذي كان أول من آمن به.
15) الدليل الخامس عشر:
- هاجر النبي الى يثرب عند أخواله الذين ناصروه ووقفوا إلى جانبه كما هو معروف، فالأنصار هم الأوس والخزرج ابنا حارثة، ويقال لهم بنو قيلة من غسان.
- أما النعمان بن المنذر فقد ناصرته جهتان:
الأولى: لما أحس بالخطورة التي وصلت إليها علاقته بكسرى ابرويز، وبأن أمورا خفية تحاك ضده في العاصمة الفارسية، قام بسجن عدي بن زيد، يعني أنه شك وربما تيقن من عدم إخلاصه له لأنه كان مقربا من كسرى، فتخلص منه. وتقرب من أسرة أخرى كانت بالحيرة، هي أسرة آل بقيلة التي يمثلها الشخص الداهية عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة، وكانوا فرعا من الغساسنة يسكنون الحيرة أو ضواحيها. وفي ذلك يقول عدي بن زيد:
ألا من مبلغ النعمان عنـــــي ... فبينا المرءُ أغربَ إذ أراحا
أطعـــــت بني بقيلة في وثاقي ... وكنا في حلوقهم ذباحــــا
منحتهم الفرات وجانبيـــــــــه ... وتسقينا الاواجن والملاحا
الذباح: مرض يصيب الحلق. الأواجن: الماء المتغير الطعم واللون. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص:598).
نلاحظ التشابه بين كلمتي: "بنو قيلة وآل بقيلة"، وكلاهما من غسان، واحتمال أن يكون حسان بن ثابت ينتمي إلى هذه الأسرة التي ناصرت النعمان. وهو القائل:
مَنَعْنَا رَسُولَ اللهِ إذْ حَلّ وَسْطَنَا … عَلَى أَنْفٍ رَاضٍ مِنْ مَعَدّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَــــــــاهُ لَمَا حَلّ بَيْنَ بُيُوتِنَا … بِأَسْيَافِـــــنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَـــــالِمِ
بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِـــــــزّهُ وَثَرَاؤُهُ … ‌بِجَابِيَةِ ‌الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَــــــاجِمِ
الثانية: لما هرب النعمان من الحيرة عاصمة ملكه، قد يكون التجأ إلى فدك أو كلب أو يثرب عند أخواله مثل النبي محمد، وقد ورد شعر لعمرو بن كلثوم التغلبي وقيل لأخيه مرة في هجاء النعمان بن المنذر بأن خاله ينفُخ الكيرَ بيثرب:
لحا اللهُ أدنانا إلى اللؤم زُلْفَــــةً ... وألأَمَنا خـــــــالاً وأعجَــــزَنا أبا
وأَجْدَرَنا أن ينفُخ الكيرَ خــــالُهُ ... يصوغُ القروطَ والشُّنُوفَ بيثربا
(الأب لويس شيخو، شعراء النصرانية قبل الإسلام. الطبعة الرابعة. دار المشرق.ص:203. وكذلك: تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر.ص425.).
الكير: جلد ينفخ به الحداد. القروط: جمع القُرط، وهو ما يعلق في شحمة الأذن من لؤلؤة أو درة أو نحوهما. الشنوف: جمع الشَّنف، وهو حلية تعلق بالأذن. وفي هذا البيت يُعَرّض الشاعر بخال النعمان، وكان حدادا بيثرب، وكانت العرب في الجاهلية تعير أصحاب المهن لأنهم ليسوا أهل حرب يقتنصون أرزاقهم بالقوة والحرب لا بالصناعة. (ديوان عمرو بن كلثوم، جمعه وحققه وشرحه: د. اميل بديع يعقوب، الناشر: دار الكتاب العربي. الطبعة الأولى:1411هـ/1991م. ص: 25.حاشية رقم:5).
وذكر ابن الكلبي أن سلمى (والدة النعمان)، والرابعةَ، والشموس، وهندُ، هن بنات وآئل بن عطية الخزرجيّ. (نسب معد واليمن الكبير. لابن الكلبي. الطبعة: الأولى، ١٤٠٨هـ -١٩٨٨م. 2/563). لذلك قد يكون النعمان اختار يثرب مثلا، لبعد المسافة عن المدائن، ولوعورة الطريق، خصوصا وأن الطبيعة الصحراوية المحيطة بالمكان ستحول دون مغامرة كسرى بإرسال جيوش كبيرة هناك، وبالتالي سيكون بمنأى عن أي خطر من الدولتين القوتين، وهناك التحق به أتباعه وأنصاره وكل من كان يعادي الفرس والبيزنطيين، وتمكن من تكوين جيش قوي، وأسس دولته الجديدة.
وقد ورد خبر في بعض كتب الأدب نلمح فيه التشابه بين الأوس والخزرج ابني حارثة اللذين ناصرا النبي، وبين أوس وسعد ابني حارثة اللذين ناصرا النعمان.
ذكر الإخباريون أن النعمان لما التجأ إلى قبيلة طيء رفضته وهددته بالقتل، وهذه ليست هي الحقيقة الكاملة. أي أن قبيلة طيء لم ترفض كلها استقباله، فبعضها رفض وهم الغوث، وبعضها وافق وهم جديلة، وكان زعيما جديلة أوس وسعد ابني حارثة. هذه المعلومة وردت في بعض كتب الأدب كالأغاني للأصفهاني وشعراء النصرانية للويس شيخو، تقول هذه المعلومة: إن النعمان لما وصل جبلي طيء، قال له أوس بن سعد: "أنا أدخلك بين جبلي طيئ حتى يدين لك أهلهما، فبلغ ذلك حاتما (الطائي) فقال:
ولقد بغى بجلاد أوسٍ قومُهُ ... ذلاًّ وقد علمت بذلك سنبس
حاشا بني عمرو بن سنبس اِنهم ... منعوا ذمار أبيهم ان يدنسوا
وتواعدوا وِرد القرية غُدوة ... وحلفتُ بالله العزيز لَنُحْبَسُ
والله يعلم لو اَتى بسُلافهم ... طَرْفُ الجريض لظلَّ يومٌ مُشْكِسُ
كالنار والشمسِ التي قالت لها ... بِيَدِ اللُّوَيْمِسِ عالماً ما يلمِسُ
لا تطعَمَنَّ الماءَ اَنْ أوْرَدْتَهُمْ ... لِتمام طَمْيِكُمْ ففوزوا واحبِسوا
اَو ذو الحصين وفارسٌ ذو مِرَّة ... بكتيبة مَن يدركوه يَغرس
ومُوطَّأُ الاَكناف غيرُ مُلَعَّن ... في الحي مَشَّاءٌ اِليه المَجْلِسُ
(الأب لويس شيخو، شعراء النصرانية قبل الإسلام. الطبعة الرابعة. دار المشرق.ص:114. انظر كذلك: ديوان حاتم الطائي. دار صادر بيروت. ص:65).
فمن هو أوس بن سعد الذي أراد إدخال النعمان بين جبلي طيء حتى يدين له أهلهما؟
الجواب: لا يوجد شخص بهذا الاسم، والمقصود: أوس وسعد، وهما أخوان: أوس بن حارثة بن لأم، وسعد بن حارثة بن لأم صهرا النعمان، ذلك أن فرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عند النعمان بن المنذر، وقد ولدت له رجلا وامرأة، وكانت أيضا عنده زينب بنت أوس بن حارثة. (تاريخ الرسل والملوك للطبري (2/ 205م).
استقبل النعمان عند جبلي طيء من طرف صهريه ابني حارثة بن لآم الطائيين، فأنصار النعمان هنا هما اوس وسعد ابني حارثة بن لأم.
من خلال الأبيات الشعرية السابقة لحاتم، والصعبة الفهم لأنها ناقصة بكل تأكيد، يبدو أنه يتحدث عن الظلم الذي تعرض له أوس من قومه، وهو دليل على أن حاتم كان معتزلا الحرب أو في صف أوس بن حارثة. وتحدث عن معركة أو حصار في منطقة سماها القرية، أو في أحد شعاب جبلي طيء. حيث أقسم بالله العزيز ليُحبس هو ومن معه، وفي هذا دليل على إمكانية حدوث حصار في الشعب. أما البيت الأخير: "ومُوطَّأُ الاَكناف غيرُ مُلَعَّن ... في الحي مَشَّاءٌ اِليه المَجْلِسُ"، فيشير حتما الى النعمان فهو غير الملعن أي هو الذي يقال له أبيت اللعن، ومعناه: "أبيتَ أن تأتي ما تُلْعَنُ عليه". أي: "أنت أيها الملك، بما تأتي من مكارم ومحامد، جعلت الناس يبتعدون من لعنك". (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان. «سبط ابن الجوزي». 2/470).
من جهة أخرى ذكر محقق ديوان حاتم الطائي بأن اوس بن حارثة هو الظالم لقومه، أي ان أوسا أراد أن يخون قومه حين قال للنعمان بن المنذر: أنا أدخلك بين جبلي طيء حتى يدين لك أهلهما. فبلغ ذلك حاتما فاستفظع ما اقترفه سعد في حق قومه، وما أراد أن ينزل بهم من الذل. (ديوان شعر حاتم بن عبد الله الطائي وأخباره. صنعة: يحيى بن مدرك الطائي. رواية هشام بن محمد الكلبي. دراسة وتحقيق د. عادل سليمان جمال. ص:37).
وقد ورد صدر البيت الأول من أبيات حاتم في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (ج17/ص:279) على الشكل التالي: "ولقد بغى بخلاد أوسٌ قومَه". وأصبحت كلمة خلاد تعني مكانا ببلاد طيء، وليست بجلاد أي بحرب، وأصبح الظالم هو أوس. مع العلم أن صدر البيت الأول ورد في ديوان حاتم الطائي، دار صادر، (ص:65) وفي كتاب شعراء النصرانية قبل الإسلام للأب لويس شيخو، (ص:114) بصيغة: "ولقد بغى بجلاد أوسٍ قومُهُ"، أي أن أوسا هو المظلوم.
محاربة الغوث لجديلة عند جبلي طيء وربما محاصرتهم، قد يكون هو ما روته كتب الأخبار عن حصار الشعب، شعب بني هاشم الذي قيل إنه دام ثلاث سنوات. ولعل محاصرة النعمان في الشعب وحرمانه من الماء هو ما ذكره الطرماح بن حكيم حين قال:
هم منعوا النعمان يوم رؤية ... من الماء في نجم من القيظ حانف
(معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للبكري. ج2/ص624).
ويروى البيت على الشكل التالي:
‌همُ ‌منعوا ‌النعمان يوم رُؤَيَّةٍ ... من الماءِ في نجمٍ من الحرِّ حاتنِ
(شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، نشوان الحميري. ج3/ص1331).
وقيل ان هذا البيت قيل في بني شيبان وليس في طيئ، يقول الطرماح:
فوارس من شيبان ألف بينهم … تقى الله نزالون عند التزاحف
هم ‌منعوا ‌النعمان يوم رؤية … من الماء في نجم من القيظ جانف
(شعر الخوارج لإحسان عباس. ص:238).
يبدو أن الأبيات المنسوبة لحاتم الطائي غير تامة، ويشوبها كثير من الاضطراب، وبالتالي فإن فهم معناها على الوجه الأكمل صعب جدا.
كان بنو حارثة بن لأم الطائيين أصهارا للنعمان بن المنذر، مع العلم أن أخت النعمان اسمها سعدى، وكانت أم أوس بن حارثة تحمل نفس الاسم، ولكن لا نعرف العلاقة بين المرأتين. وكان النعمان يفضل بني حارثة بن لأم، ولذلك كان قد منحهم ربع الطريق طعمة لهم، وهي ضريبة تدفع مقابل المرور من حدود منطقة معينة. (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:256).
إذا كانت منازل الأنصار الأوس والخزرج ابني حارثة في المدينة/ يثرب، فإن منازل ابني حارثة بن "لام" بالجبلين إلى المدينة، وينزلون أكثر أوقاتهم مدينة يثرب، ثم كثروا، وتفرقوا، فافترقت بطونهم من حارثة بن لام، وابنه أوس. (المنتخب في ذكر نسب قبائل العرب. عبد الرحمن بن حمد بن زيد المغيرى.ص 41).
وكما كان الأنصار ابنا حارثة بن ثعلبة من اليمن (تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي. ج5/ص524)، كذلك كان بنو لأم بن حارثة بن ثعلبة الطائيين الذين ناصروا النعمان من اليمن، وكانت منازلهم من المدينة الى الجبلين وينزلون في أكثر أوقاتهم مدينة يثرب (العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، لابن خلدون ج2/ص305). بنو لأم بن حارثة الطائيون ينتسبون الى ثعلبة من اليمن وكانوا ينزلون المدينة مثل الأنصار.
من المحتمل إذاً أن يكون النعمان وابني حارثة استقروا في المدينة لمنعتها وبعدها عن ملك الفرس، وقد يكون ذلك تم بالتوافق مع هرقل عظيم الروم، حيث ورد خبر يقول إن هرقل سمح للنبي بالمقام بيثرب. (Essai de chronographie byzantine pour servir à l’examen des annales du bas-empire et particulièrement des chronographes slavons de 395 à1057. Par Eduard de Muralt. p :285).
16) الدليل السادس عشر:
- بنو النجار هم أخوال النبي، سُمِّى النَّجَّارُ بهذا الاسم لأَنَّهُ اخْتَتَن بالقَدُومِ، وَهُو مِنْ بَنِي ‌جَدِيلَةَ، وجَدِيلَةُ أُمُّهُم، وأَبُوهُم مُعَاويةُ بنُ عَمْرو، والنَّجَّارُ هُو الَّلاتُ بنُ ثَعْلَبةَ بنِ عَمْرو بنِ الخَزَّرَجِ (المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة. (ابن منده عبد الرحمن بن محمد). المقدمة، ص:127). بينما ذكر صاحب كتاب تاج العروس: "وبَنو النَّجَّار، كشَدَّاد: قبيلةٌ من الْأَنْصَار وَهُوَ تَيْمُ اللهِ بن ثَعْلَبةَ بن عَمْرُو بن الخَزْرَج، وإنّما سُمِّي النَّجَّارَ لأنّه ‌نَجَرَ وَجْهَ إنسانٍ، يُقَال لَهُ العِتْر، بقَدُومٍ فَقَتَله. وهم، أَعنِي بني النَّجَّار، أخوالُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، من قِبَلِ جَدِّه عبد المُطَّلَب" (تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي.14/181).
فالنَّجْرُ هو الْقَطْعُ، وَمِنْه ‌نَجْرُ النَّجار، وَقد ‌نَجَرَ الْعُودَ نَجْراً. (تهذيب اللغة للأزهري. المحقق: محمد عوض مرعب. الطبعة: الأولى، 2001م. (11/30). وكذلك: لسان العرب لابن منظور. 5/193).
- سيراً على نفس المنوال أقول: خاصم حاتم الطائي سعد بن حارثة بن لأم الطائي صهر النعمان بن المنذر، فضربه بالسيف فنجر أنفه، أي أطار أرنبة أنفه، وقال:
وددت وبيت الله لو أن أنفه … هواء كما مت المخاط عن العظم
ولكنما لاقاه سيف ابن عمه … فآب ومر السيف منه على الخطم
(أسواق العرب في الجاهلية والإسلام لسعيد الأفغاني. ص:383. وديوان حاتم بن عبد الله الطائي وأخباره. صنعة: يحيى بن مدرك الطائي. رواية هشام بن محمد الكلبي. دراسة وتحقيق د. عادل سليمان جمال. ص:50. وأشعار الشعراء الستة الجاهليين للأعلم الشنتمري. ص: 116).
والخطم: الأنف.
فهل سمى حاتم الطائي نجارا لأنه نجر وجه إنسان؟ مع العلم أن سعد بن حارثة الذي نُجِر أنفه ينتمي الى جديلة مثل جد الأنصار أخوال النبي، لأن جديلة اسم قبيلة من طيء وقبيلة من الأنصار ومن قيس (معجم البلدان لياقوت الحموي. 2/115). وكان جد حاتم الطائي يسمى الحشرج، فهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، وفي ذلك يقول:
أورتني المجد بناة المجد ... أبي وجدي حَشْرَج ذو الوفد.
نلاحظ التشابه بين كلمتي الخزرج والحشرج الذي هو جد النجار، أقصد جد حاتم الطائي الذي نجر أنف سعد بن حارثة بن لأم من جديلة.
17) الدليل السابع عشر:
- ذهب النبي الى يثرب وانتهت الحروب بين الأوس والخزرج، وكان يومُ ‌بُعَاث -وبُعَاث موضعٌ بالمدينة -كانت فيه وقعةٌ عظيمة قُتل فيها خلقٌ كثير من أشرافِ الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبقَ من شيوخهم إلا القليل. وقد روى البخاري في صحيحه عن عُبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يوم ‌بُعَاث يومًا قدَّمَهُ الله لرسوله، فقدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق مَلَؤهم، وقُتلَتْ سَرَواتُهم. (البداية والنهاية لابن كثير. طبعة دار ابن كثير. 3/398).
وحول موضع بعاث ذكر صاحب كتاب العين أنه على ميلٍ من المدينة، قريبٌ من صريا. وورد في الحاشية رقم3 من نفس الكتاب: لم نهتد لهذا الموضع في جميع كتب البلدان والمواضع. (كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي. 4/402).
- نفس الشيء حدث للنعمان بن المنذر الذي ذهب إلى جبلي طيء، حيث وقعت معركة كبرى، قُتل فيها خلقٌ كثير من أشرافِ الغوث وجديلة من طيء، ويسمى هذا اليوم بيوم اليحاميم، وهو آخر يوم من حروب الفساد، والتي دامت أكثر من مائة وثلاثين سنة. (التنبيه والإشراف للمسعودي. ص:207).
انتهت حروب الفساد بين الغوث وجديلة من طيء بعد قدوم النعمان إلى الجبلين، وكان يوم اليحاميم آخر يوم من أيام الفساد. وانتهت الحروب بين الاوس والخزرج بعد قدوم النبي الى المدينة، وكان يوم بعاث آخر يوم من أيام أو حروب الأوس والخزرج (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. 7/140).
الخليل بن أحمد الفراهيدي ذكر يوم بعاث باسم يوم بغاث (كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي. 4/402. والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم. لابن الجوزي.5/214. والآثار الباقية عن القرون الخالية للبيروني.ص:111)، وأنكر عليه ذلك البعض واعتبروه تصحيفا. فماذا لو كان اسم بغاث هو الصحيح وليس بعاث، وأصله "بغاة" بالتاء المربوطة من فعل بغى أي ظلم وجار، فيصبح البغاة هم الفجار، أي أن حروب الفجار هي حروب البغاة. ونجد إشارة للبغاة في شعر حاتم الطائي الذي لما سمع بأن أوسا يريد ادخال النعمان بن المنذر الى جبلي طيء قال:
ولقد بغى بجلاد أوس قومُهُ ... ذلاًّ وقد علمت بذلك سنبس
وصف حاتم الطائي قوم أوس بالبغاة أي الظالمين والفجار الذي بغوا وظلموا أوسا، أي أن يوم اليحاميم هو يوم البغاة أو بغاة (بغاث) والتي تحولت إلى بعاث بين الأوس والخزرج. مع العلم أن الحروب بين جديلة والغوث الطائيين تسمى الفساد أو الفُسّاد بضم الفاء، فيصبح لها معنى البغاة والفجار أيضا.
18) الدليل الثامن عشر:
- هناك اختلاف في عدد أبناء النبي، ولكن أغلب الروايات تقول: كان له ولدان وأربع بنات، كلهم أبناء امرأة حرة هي خديجة، هم: القاسم، وعبد الله، وفاطمة، وأم كلثوم، وزينب، ورقية (السير والمغازي. لمحمد بن إسحاق. ص: 245). وله ابن آخر هو إبراهيم بن الأمة مارية القبطية. وذكر ابن قتيبة الدينوري أنه ولد لرسول الله-صلى الله عليه وسلم من «خديجة»: القاسم-وبه كان يكنى-والطيّب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأمّ ‌كلثوم. ومن «مارية القبطية»: إبراهيم (المعارف لابن قتيبة الدينوري. ج1 ص141). وقيل كان للنبي أربعة أبناء ذكور هم: القاسم وعبد الله والطاهر وإبراهيم (كنز الدرر وجامع الغرر، أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري. ج3/ص53).
- أما النعمان بن المنذر فلا نعرف عدد أبنائه بالتحديد، فيقال إن له ولدين وأربع بنات مثل النبي محمد، هم: الحسن، والمنذر (Patrologia Orientalis. Tome XIII- Histoire Néstorienne (Chronique de seert) 2éme partie. Texte Arabe publié par :S.G.ADDAÏ SHER. Avec le concours de Robert Griveau. 1983.p : 2/468/469)، وهند، وحرقة، وحريقة، وعنفقير (عنقفير)، وهند هي البنت الوحيدة التي نعرف عنها شيئًا من بنات النعمان (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:210. انظر كذلك: المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. (5/286)). وأضاف البعض ولدين آخرين هما المحرق (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء للآمدي. ص:243) وحريق (خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي. ج7/ص67. وتاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. 582). وفي حريقة واخته حرقة يقول هانئ بن مسعود (نهاية الارب في أخبار الفرس والعرب. لمؤلف مجهول. تصحيح: محمد تقي دانش. ص:419):
آليت بالله أن أسلم الحلقة ... ولا حريقة واخته حرقة
حتى يظل الرئيس مجندلا ... وتكدم البيض وقعة الدرقة
19) الدليل التاسع عشر:
كسرى أبرويز يأمر صاحب اليمن بالقبض على النبي وابنه شيرويه يلغي الأمر: كتب كسرى ابرويز لحاكم اليمن يأمره بالمسير بخيله الى تهامة والقبض على النبي الذي ظهر، وبعث الكتاب مع رجل وقال له: اجعل طريقك على مدينة يثرب، وادخل على هذا الرجل الذي يزعم انه رسول الله، فادعوه الى المسير معك لتسأله عن أمره، واعرف كنه شأنه، فإن أقبل معك فدع المضي الى باذان، واقبل معه، وإن أبى ذلك فصر الى باذان بكتابي ليسير اليه فيحاربه. فذهب الرجل والتقى النبي الذي أخبره أن كسرى قد سلط الله عليه ابنه شيرويه عشية أمس. فكذب رسول كسرى الخبر وذهب عند باذان وأخبره بما قال له رسول الله، فطلب منه المكوث عنده الى ان يتضح الأمر. فلم يكن الا قليلا حتى ورد كتاب شيرويه بن كسرى الى باذان بن خرة مفاده: "من شيرويه بن كسرى الى باذان بن خرة، أما بعد فان الملك كسرى هلك، وقد أفضى الأمر إليّ وأنت مقر في عملك. وقد كان أبونا كتب اليك مع أبانويه يأمرك بالمسير بخيلك ورجلك الى هذا الرجل الذي بتهامة يزعم أنه رسول الله، فدع ما أمرك به أبونا من ذلك، وإياك أن تهيج ذلك الرجل، أو تتعرض له إلا بخير والسلام (نهاية الارب في أخبار الفرس والعرب. لمؤلف مجهول. تصحيح: محمد تقي دانش. ص:427).
شيرويه لما تولى الملك عفا عن النبي من الملاحقة والطلب، بل وعفا عن كل الذين كان أبوه غاضبا عليهم، وأطلق سراح جميع من كان بالسجون. فهل تم العفو عن النعمان أيضا، إذا كان لا يزال على قيد الحياة؟ يبدو أن الأمر كذلك، فقد وصلنا شعر للأخطل يمدح فيه قبيلة بني عبس التي ساندت النعمان لما كان هاربا من كسرى أبرويز، وعطفت عليه إلى أن جاء البشير بعطف صاحب التاج، يقول الأخطل:
بنو عـبس فوارس كل يـــوم … يكاد الهام من خشيتهم يطيـر
هم عطفوا على النعمان حتى … اتاه بعطف ذي التاج البشير
فجازوه بنعمـــاه عليهــــــــم … غداة له الخورنق والسديـــر
(المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية (أبو البقاء الحلي) الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة، عمان. الطبعة: الأولى، ١٩٨٤م.ص400)
كسرى أبرويز كان ناقما على النعمان بن المنذر ويود قتله، ولكن قبيلة بني عبس عطفت عليه وساندته إلى أن جاء البشير حاملا رسالة تتضمن عفو وعطف صاحب التاج أي كسرى، ولكن ليس أبرويز، وإنما ابنه شيرويه الذي ثار على أبيه وقتله، وعفا عن كل الذين كان أبوه يريد قتلهم، فأخرجهم من السجون وأطلق سراحهم، ومن ضمنهم النعمان بن المنذر.
20) الدليل العشرون:
درع النبي ودروع النعمان:
- يقال إن النبي محمدا توفي ودرعه عند يهودي، فقد ثبت في "الصحيح": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه ‌مرهونة عند يهودي على آصع من شعير(مرآة الزمان في تواريخ الأعيان. لشمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي». (4/277)). وعن ابن عبّاس قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرعه ‌مرهونة ‌عند ‌يهودي، بثلاثين صاعًا من شعير لأهله (صحيح سنن النسائي لناصر الدين الألباني. (3/ 962)).
- النعمان لما هرب من الحيرة ترك دروعه ‌مرهونة عند هانئ بن مسعود الشيباني، الذي نجهل عقيدته، هل كان نصرانيا ام يهوديا أم غير ذلك، رغم أني أرجح أنه كان يهوديا، وعلينا أن نتذكر كذلك دروع امرئ القيس المرهونة عند السموأل اليهودي.
21) الدليل الواحد والعشرون:
الحرب في الشهر الحرام:
- قتل المسلمون عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ في الشهر الحرام، فَرَكِبَ وَفْدُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النبي بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: أَتُحِلُّ القتال في الشهر الحرام؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ: قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. (الآية:217 من سورة البقرة) (دلائل النبوة للبيهقي. أبو بكر البيهقي. (3/18)).
- أرسل النعمان جيشا إلى بني عوف في الشهر الحرام، وهم آمنون فقتل ونهب، وفي ذلك يقول المخبل السعدي:
وإذ فتك النعمان بالناس مُحرِما ... فمُلِئَ من عوف بن كعب سلاسله
(تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:284).
22) الدليل الثاني والعشرون:
- ورد في صحيح البخاري أن النبي قال: "نُصِرْتُ ‌بِالرُّعْبِ ‌مَسِيرَةَ شَهْرٍ". (صحيح البخاري. طبعة دار التأصيل. (1/ 485). رقم الحديث442).
- هذا الأمر ينطبق على النعمان الذي كان قتالا سفاكا عاتيا، فما إن تظهر راية جيشه حتى يدب الخوف في النفوس ولذلك قال الشاعر:
لما رأوا راية النعمان مقبلة ... قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن
(تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص:284).
وقال ابن الصعق:
فان يقبض عليك أبو قبيس … تلط بك المعيشة في هوانِ
(المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية. أبو البقاء الحلي.ص145).
وقال الأعشى يذكر ‌النعمان:
وخَرّتْ تَميمٌ لأذقانِها … سجوداً لذي التاجِ في المَعمَعة
(جمهرة أشعار العرب. أبو زيد القرشي. ص20).
23) الدليل الثالث والعشرون:
حادثة الإفك:
- اتهمت السيدة عائشة في شرفها مع صفوان بن المعطل، الذي كان يتصف بالوسامة والجمال، فنزلت سورة من القرآن تبرئ ساحتها.
- اتهمت احدى زوجات النعمان (يقال إن اسمها المتجردة) بارتكاب المعصية مع النابغة الذبياني، فخاف هذا الأخير وهرب الى الشام، وكتب إلى النعمان:
حلفت فلم أترك لنفســـك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لان كنت قد بُلَّغْتَ عني خيانة ... فمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
لما تأكد النعمان بن المنذر من براءته، عفا عنه، وعاد الى الحيرة (نهاية الارب في معرفة اخبار الفرس والعرب، مؤلف مجهول. ص401). مع العلم انها اتهمت مع شخص آخر هو الشاعر المنخل اليشكري الذي يقال إنه كان من أجمل العرب.
24) الدليل الرابع والعشرون:
غضَبُ النبي على كعب بن زهير والنعمان على النابغة واستئمانهما:
غضِب النبي على كعب بن زهير لأمر بلغه عنه فأهدر دمه، فخاف كعب وهرب. ثم بعد ذلك كتب بجير أخوه إليه يخبره بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجلا ممّن كان يهجوه، وأنّه لم يبق من الشعراء الذين كانوا يؤذونه إلا ابن الزّبعرى السهمىّ وهبيرة بن أبى وهب المخزومى، وقد هربا منه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فأقدم عليه، فإنّه لا يقتل أحدا أتاه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج بنفسك. فلمّا ورد عليه الكتاب ضاقت عليه الأرض برحبها (الشعر والشعراء لابن قتيبة. ج1/ص142). فقدم الى المدينة عند رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة والذي توسط له عند النبي فأمنه بعد أن سمع قصيدته التي مطلعها:
‌بانت ‌سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم أثرها لم يفد مكبول
فوهب له النبي صلى الله عليه بردة، فتوارثها ولده، فهي التي في أيدي بني العباس اليومَ (المصون في الأدب، أبو أحمد العسكري، ص204). ويقال وهب له بردته، فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم. وقال العتبي بعشرين ألفاً، وهي التي يتوارثها الخلفاء يلبسونها في الجمع والأعياد تبركاً بها (العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لابن رشيق القيرواني.ج1/ص24).
أما النابغة الذبياني فاختلف في سبب غضب النعمان عليه، فيقال إنه رأى زوجته "المتجردة" يوماً على حين غرة، فسقط نصيفها عن وجهها فاستترت بيدها وذراعها، فقال فيها قصيدته:
أمن آل أمية رائح أو مغتدي … عجلان ذا زاد وغير مزود
فامتلأ النعمان غضباً وأوعد النابغة فهرب. وقيل: غضب النعمان عليه لأن أحد خصوم النابغة وهو عبد القيس التميمي ومرة بن سعد السعدي نظما هجاء في النعمان على لسان النابغة وأنشد النعمان أبياتاً منها:
قبح الله ثم ثنى بلعن … وارث الصائغ الجبان الجهولا
من يضر الأدنى ويعجز عن ض … ر الأقاصي ومن يخون الخليلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو … ثم لا يرزأ العدو فتيلا
وكانت أم النعمان بنت صائغ من فدك -بلدة قريبة من المدينة - فنبر النابغة من ذلك الشعر، ولكنه خاف على نفسه فهرب إلى الشام (أشعار الشعراء الستة الجاهليين. الأعلم الشنتمري. ص28).
وقيل ان سبب غضب النعمان على النابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري جالسين في مجلس النعمان ومعهم زوجته المتجردة، فقال النعمان للنابغة: صفها في شعرك، فوصفها في الشعر الذي يقول فيه:
لو أَنَّها عَرَضَتْ لأَشْمَطَ راهبٍ … يدعو الإلَهَ، صَرورَةٍ، مُتَعَبِّدِ
لَصَبَا لَبَهجتِها وطِيْبِ حَديثها … ولَخَالَهُ رُشْداً، وإنْ لم يَرشُد
ثم وصف جميع محاسنها، وبالغ في الوصف كثيرا، فقال المنخل اليشكري: ما يقول هذا إلا من جرب ورأى؛ فوقع ذلك في نفس النعمان، وكان له بوابٌ يقال له عصام، وكان صديقاً للنابغة، فأخبره الخبر، فهرب إلى ملوك غسان، وهم آل جفنة (جمهرة أشعار العرب. أبو زيد القرشي. ص77).
سمع كعب بن زهير ان النبي قتل بعض الشعراء وهرب الباقون الذين كانوا يهجونه، نفس الشيء قد يكون حدث للنابغة الذبياني الذي سمع بأن النعمان قتل بعض الشعراء مثل المنخل اليشكري، وعبيد بن الأبرص وعدي بن زيد (كنز الدرر وجامع الغرر. أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري، الناشر: عيسى البابي الحلبي. ج2/ص350)، وابن عمار الذي كان قد نصحه ابن قردودة بعدم الدخول عليه بقوله:
إني نهيت ابن عمّار وقلت له … لا تأمنن أحمر العينين والشّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم … تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا … ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
بعد ذلك قرر النابغة القدوم الى الحيرة، فقدم وأجاره منظور بن أبان والربيع بن زياد العبسي، فكلما النعمان في شأنه، حتى أمنه (انساب الأشراف للبلاذري. ج13/ص 108) وأمر له بمائة بعير. ويقال إن النابغة علم بمرضه فلم يملك صبره وسار إليه فألفاه في مرضه فمدحه. ثم عوفي النعمان فأمنه وأقام عنده. وقد مدحه النابغة بالقصيدة التي مطلعها:
يادار ‌مية ‌بالعلياء فالسند … أقوت وطال عليها سالف الأبد
فخلع عليه النعمان خلع لرضى، وكنّ حبرات خضرا مطّرقّة بالجوهر (نهاية الأرب في فنون الأدب. شهاب الدين النويري. ج3/ص262)، كما خلع النبي على كعب بن زهير بردته.
يقال إن النعمان لما سمع قصيدة النابغة يا دار مية قال: هذا شعر علوي، هذا شعر النابغة. ثم قبل شعره وعفا عنه واكرمه (ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ، الطبعة الثانية، دار المعارف. ص:29).
هناك تشابه كذلك بين بعض الابيات الواردة في قصيدة كعب التي مطلعها: "‌بانت ‌سعاد فقلبي اليوم متبول"، ومثيلاتها الواردة في قصيدة النابغة التي مطلعها: "يادار ‌مية ‌بالعلياء فالسند".
قال كعب بن زهير يمدح النبي:
أنبئت ان رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت عني الأقاويل
قال النابغة يمدح النعمان:
‌أنبئت ‌أن ‌أبا ‌قابوس أوعدنى … ولا قرار على زار من الأسد
مهلا، فداء لك الأقوامُ كلّهم … وما أُثَمِّرُ من مال ومن ولد
لا تقذفنّى بركن لا كفاء له … وإن تأثّفك الأعداء بالرّفد
25) الدليل الخامس والعشرون:
كانت الوفود تاتي النبي فيهبها ويحبوها، نفس الشيء بالنسبة للنعمان الذي كانت تاتيه الوفود فيحبوها. ويقال ان وفدا قدم عند النعمان يوما وفيهم رجل من بني عبس يقال له شقيق، فمات عنده، فلما حبا النعمان الوفود بعث بحبائه الى اهله، فقال النابغة في ذلك:
أبقيتَ في العبسي فضلاً ونعمة ... ومحمدة من باقيات المحامد
حباء شقيق عند أحجار قبره ... وما كان يُحبى قبله قبرُ وافد
اتى اهلَه منه حِباء ونعمة ... ورب امرئ يسعى لآخر قاعد
(ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية، دار المعارف.ص:189. ونهاية الارب في فنون الادب للنويري ج3/ص32).
26) الدليل السادس والعشرون:
كان حسان بن ثابت شاعر الرسول، يمدحه ويهجو معارضيه، وكان يمدح كذلك النعمان بن المنذر وينادمه ويأكل معه، وأصاب منه مالا كثيرا. (كتاب الأغاني لأبي الفرح الأصفهاني، تحقيق: د. احسان عباس. د.ابراهيم السعافين. ذ: بكر عباس. دار صادر. ج11 ص26).
27) الدليل السابع والعشرون:
- كان النبي عليه الصلاة والسلام خطيبا مفوها، والدليل على ذلك خطبته في حجة الوداع، التي قال فيها: "أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ... أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطؤا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ... وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ (السيرة النبوية لابن هشام. تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. الطبعة: الثانية، 1375هـ - 1955م. ج2 ص603).
- كان النعمان بن المنذر محبًّا للشعر والشعراء، والخطب والخطباء، وقد جعله الأخباريون من خير خطباء زمانه (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي. 5/279م.ش). وخير دليل على ذلك الخطبة التي ألقاها في مجلس كسرى لما كان عنده وفود ملك الصين، ووفود ملك الهند، ورسل ملك الأتراك، وأخو قيصر ملك الروم، حيث افتخروا بأقوامهم وبلدانهم وبقوة ملوكهم وكثرة جنودهم و... إلخ. فتكلم النعمان وافتخر عليهم بالعرب وكرمها وجودها وشرفها وبحبوحة دارها وحسن وجوهها ورصانة عقلها وحكمتها في أشعارها، ولم يُثْنِ على (؟؟؟) ولا بأهل مملكته. [لم يثن على كسرى]. فأخذت العزة كسرى، الذي بدأ يذكر مكانة الصينيين والهنود والأتراك والروم، ويقلل من شأن العرب ويذكر مثالبهم وعيوبهم. فقال النعمان: أيها الملك، إن عندي جوابا لكل ما نطق به الملك من غير تكذيب له ولا رد عليه، فإن آمنني من غضبه تكلمت. فقال له كسرى: انطق بما بدا لك.
قال النعمان: أما أمّتك ومملكتك، فلا تُنازع لموضع الفضل الذي هو فيهم، وما هو فيه من فروسيتهم وأحلامهم وسطوتهم، وما كنفهم الله به من ولايتك وولاية آبائك من قبل عليها. وأما سائر الأمم التي ذكرت أيها الملك، فأية أمة تقربها للعرب، إلا كان لها الفضل عليها. فقال كسرى: لماذا؟ (قال النعمان:) لعزها، ومنعتها، وحسن وجوهها، وصفاء ألوانها، وفروسيتها، وخلوص أنسابها، وفضل سخائها، وكثرة حكمتها في أشعارها، وغزارة عقولها، وشدة بأسها، وفضل نجدتها، وجرأة قلوبها، وغلظ أكبادها، وأنفها من الضيم، وتمسكها بما هو عليه من دينها. فأما عزها ...الخ
لما انتهى النعمان من خطبته تعجب كسرى من رصانة عقله، وإدلائه بالصواب في قوله، واستحلى حسن لفظه، وأعجبه جرأة مقدمه، وحسن مجاورته، فقال له: يا ابن المنذر، إنك لأهل لما أنت فيه من الرئاسة على قومك، والفضل الذي هو فيك على عشائرك، ولقد صدقت في جميع ما قلت ...الخ.
لا بأس أن أضيف هنا بعض المعلومات التي تبين مكانة النعمان بين زعماء القبائل العربية، ودوره في تمجيد العرب والإعلاء من شأنهم أمام كسرى والعجم.
لما عاد النعمان الى الحيرة جمع خطباء العرب المرموقين والمفوهين، وقصّ عليهم مقالات كسرى وما ردّ عليه؛ فقالوا: أيها الملك، وفّقك الله، ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به؛ فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت.
كان رؤساء الوفود الذين لبوا نداء النعمان (وأرسلهم الى كسرى) يمثلون خيرة حكماء العرب وخطبائها وممن امتازوا بحسن الكلام ورجاحة العقل، مثل أكتم ‌بن ‌صيفي وحاجب بن زرارة والحارث بن عباد وقيس بن مسعود والحارث ابن ظالم وغيرهم. هذا الجمع في الحقيقة يمثل الحالة الجديدة التي أصبحت عليها الحيرة إزاء توحيد القبائل العربية تحت رايتها، أو على الأقل القضاء على الخلافات والمشاكل والتي كثيرا ما كانت تحدث بينهم والتي لا يستفيد منها سوى الأعداء. لذلك عمد النعمان الى اصلاح ما خربته الأيام بين الحيرة والقبائل العربية، لأن النعمان أيقن بأن وجوده مرتهن بوجود العرب وقوتهم، وهو ما اعترف به صراحة أمام زعماء الوفود الذين كان ينوي ارسالهم الى كسرى حيث قال: "إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانتكم، وما يتخوف من ناحيتكم، وليس شيء أحب الي مما سدد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم، والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، وتنطلقوا الى كسرى، فإذا دخلتم عليه نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه، ... ولا تنخذلوا له انخذال الخاضع الدليل. (العقد الفريد لابن عبد ربه. ج1/ص279 وما بعدها. وانظر كذلك: مجلة التربية والعلوم-المجلد:18، العدد:4، ص73. لسنة2011. كذلك: طبيعة العلاقة بين مملكة الحيرة والدولة الساسانية خلال فترة حكم النعمان بن المنذر(585-602م). د.ابراهيم محمد علي الجبوري قسم التاريخ/ كلية التربية. جامعة الموصل.).
سار الوفد الى كسرى، وتكلم كل واحد منهم أمامه وأجاد في الكلام. لما سمع كسرى ما نطقوا به، امتلأ من ذلك رعبا، وقال لمن حوله من وزرائه ورؤساء مرازبته: "ما خفت العرب قط كخوفي منهم اليوم، وإني لأحسب الأمر الذي كنا نتوكفه من إفضاء الملك إليهم، قد دنا" (نهاية الارب في معرفة اخبار الفرس والعرب مؤلف مجهول ص:403. والعقد الفريد لابن عبد ربه. الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت. ج1/ص275).
وبذلك مثل كلام الوفد اول خنجر عربي يدق في نعش الدولة الساسانية، وشكل لقاء النعمان مع هذا الوفد ما يشبه قاعدة لتحالف واسع، او على الأقل تفاهم واسع على أمور كثيرة من أهمها نبذ الخلافات الجانبية وتوحيد الجهود من اجل تحرير العراق من الاحتلال الساساني. (مجلة التربية والعلم-المجلد:18، العدد:4، لسنة2011. طبيعة العلاقة بين مملكة الحيرة والدولة الساسانية خلال فترة حكم النعمان بن المنذر(585-602م). د.ابراهيم محمد علي الجبوري قسم التاريخ/ كلية التربية. جامعة الموصل. ص:74).
من الحِكَمِ المنسوبة للنعمان بن المنذر قوله فيمن يلح في السؤال: "من سأل فوق حقه استحق الحرمان، ومن ألحف في مسألته استحق المطل. والرفق يمن، والخرق شؤم، وخير السخاء ما وافق الحاجة، وخير العفو مع القدرة". (العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي. ج2/ص354).
28) الدليل الثامن والعشرون:
- تزوج النبي عددا كبيرا من النساء، ولما مات ترك تسع نسوة.
- تزوج النعمان بن المنذر عدة نساء، يقال إن عددهن عشرة، حتى بعد تنصره.
(أمراء غسان للمستشرق ثيودور نولدكه. نقلها الى العربية وأضاف اليها تصحيحات مؤلفها الأخيرة. د. بندلى جوزي ود. قسطنطين زريق. بيروت1933. ص: 31 حاشية79. وكتاب المحاسن والأضداد. أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفى: 255هـ). الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت. عام النشر: 1423 هـ. (ص276)).
29) الدليل التاسع والعشرون:
علامة في الجسد:
- كان بين كتفي النبي خاتم النبوة، وكان عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَجُلا أَحْمَر، بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، سَبْطَ الشَّعَرِ، كَثِيرَ ‌خِيلَانِ ‌الْوَجْهِ (سيرة ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، ج1/ص:400). وأفاد الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه انه لم يبعث الله نبيا إلا وقد كانت له شامة النبوة في يده اليمنى الا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فان شامة النبوة بين كتفيه. (اخبار الدول وآثار الأول في التاريخ. ابي العباس احمد بن يوسف بن احمد الدمشقي الشهير بالقرماني. ص83).
- أما النعمان بن المنذر فلم يذكر أحد من الإخباريين أنه كانت له شامة أو علامة في جسده، ولكنهم ذكروا بالمقابل أنه كان أحمر أبرش قصيرا ذميما. والبرش، محركة، والبرشة، بالضم، في شَعر الفَرَس: نكت صغار تخالف سائر لونه، كما في الصحاح، وقيل: هو من اللون نقطة حمراء وأخرى سوداء أو غبراء، أو نحو ذلك (تاج العروس من جواهر القاموس، للزبيدي. ج17 ص71). وفي حديث الطرماح: «رأيت جذيمة الأبرش قصيرا أبيرش» هو تصغير ‌أبرش. والبرشة لون مختلط حمرة وبياضا، أو غيرهما من الألوان (النهاية في غريب الحديث والأثر. مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير. الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م. ج1 ص118)، ولذلك قيل إن الشام سميت بهذا الاسم لشامات بها حمر وسود (كتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني. تحقيق يوسف الهادي. عالم الكتب. ص:143). أي أن كلمة "أبرش" التي أطلقت على النعمان تعني صاحب الشامات، أي الذي بجسده نقط حمراء وسوداء مثل الشام.
وبما أن النعمان حمل لقب أبي قبيس كدلالة على انتمائه إلى الكيانيين أصحاب المجد الإلهي أو المجد الكياني الذي كان لملوك الفرس. فإن الكيانيين كانوا يُعْرَفون بشامة تظهر على أجسادهم، تسمى العلامة الكيانية، وردت هذه المعلومة في كتاب الشاهنامة للفردوسي (الشاهنامة للفردوسي ترجمها نثرا الفتح بن علي البنداري.قارنها بالاصل وصححها وعلق عليها واكما ترجمتها في مواضع . د.عبد الوهاب عزام الطبعة الأولى. ص:75/192/206)، حيث ورد في مدخل الكتاب الصفحة 75 مايلي: "الملوك الكيانيون كانت في اجسامهم شامة يعرفون بها". وفي ج1/ الصفحة 206: " الشامة على شكل نقط عنبر تلوح على الورد الأحمر." ومرة أخرى ص: 192:" شامة سوداء كنقطة من المسك على عمود من الكافور."
وقد ربط الشعراء في أشعارهم بين الخيلان وشقائق النعمان، المرتبطة أشد الارتباط بالنعمان بن المنذر، من هذه الأشعار: (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان. المحقق: إحسان عباس. ج3/ص502):
لم يحوِ ذاك الخد خالاً أسودا ... إلا لنبت شقائق النعمان
وكذلك:
ومهفهف من شعره وجبينه ... أمسى الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء
وقول آخر:
ان الشقيق رأى محاسن وجهه ... فأراد أن يحكيه في أحواله
فأفاد حمرة لونه من خده ... وأفاد لون سواده من خاله.
30) الدليل الثلاثون:
رؤيا السوارين: قال رسول الله: بينا أنا نائم رأيت في يدي ‌سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي، فهذا أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة. (دلائل النبوة للبيهقي. ج5/ص334).
- قدم أبو عمرو النّخعي على النبي وقال: رأيت – في المنام-‌النّعمان ‌بن ‌المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال النبي: ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيّه وبهجته (العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي. ج1/ص296).
المسكتان السواران، وَمِنْه الحَدِيث فِي امرأة أَتَت النَّبِي عليه السلام وحليها ‌مسكتان من ذهب (غريب الحديث - لابن قتيبة. ج1/ص511).
31) الدليل الواحد والثلاثون:
أماكن في مكة والمدينة تحمل اسم النعمان والتنعيم وناعم ونعيم:
ما سبب تواجد كثير من الأماكن التي تحمل أسماء مثل النعمان والتنعيم وناعم ونعيم في مكة والمدينة؟ فالتنعيم على ثلاثة اميال او أربعة من مكة المشرفة، وهو أقرب أطراف الحل الى البيت الشريف، سمي به لأن على يمينه جبل نعيم، كزبير، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نعمان بالفتح. ونعمان كسحبان: واد وراء عرفة بين مكة والطائف يصب في ودان، وقيل لهديل على ليلتين من عرفات، وهو نعمان الأراك، لأنه ينبته (تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي. ج33/ج518).
أما نعمان الغرقد فموضع بالمدينة، ويقال له نعمان الأصغر، كما يقال لنعمان الأراك بمكة الأكبر. ونعمان جبل بمكة بين مكة والطائف، وهو غير الوادي الذي تقدم ذكره، ويقال له: نعمان السحاب، كما في حديث ابن جبير، وأضافه الى السحاب لأنه ركد فوقه لعلوه (تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي. ج33/ج526).
يمكننا أن نلاحظ كذلك بعض التشابه بين:
- معرة النعمان بالشام والتي سميت على اسم جبل النعمان المطل عليها، حيث يوجد بهذه المدينة قبر كل من شيت بن آدم ويوشع بن نون (المسالك والممالك للبكري. ج1/ص459).
- وبين مكة التي يطل عليها جبل ابي قبيس وهو لقب النعمان بن المنذر، والذي يوجد به غار الكنز الذي دفن فيه آدم صلوات الله وسلامه عليه (الجبال والأمكنة والمياه للزمخشري.ص284).
32) الدليل الثاني والثلاثون:
زواج النبي بزينب بنت جحش والنعمان بالمتجردة:
من الأخبار التي نلمس فيها نوعا من الشبه أيضا زواج النبي بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة الكلبي، وزواج النعمان بن المنذر بالمتجردة زوجة شخص تضاربت الآراء حول اسمه.
ذكر صاحب المحبر أن ماوية المتجردة الكلبية بنت المنذر بن الأسود تزوجت (جلم) وهو أسود بن المنذر بن حارثة الكلبي ثم طلقها، فتزوجها (المنذر) بن المنذر بن حارثة الكلبي، ثم طلقها فتزوجها (المنذر) بن المنذر، ثم خلف عليها ابنه (النعمان) بن المنذر اللخمي. (المحبر لابن حبيب، رواية ابي سعيد الحسن بن الحسين السكري الناشر دائرة المعارف العثمانية حيدر اباد الهند. ص:437)
وذكر صاحب الأغاني أن المتجردة اسمها ماوية وقيل هند بنت المنذر بن الأسود الكلبية، كانت عند ابن عم لها يقال له حلم، وهو الأسود بن المنذر بن حارثة الكلبي، وكانت أجمل أهل زمانها، فرآها المنذر بن المنذر الملك اللخمي فعشقها، فبدأ يتحايل على زوجها ليطلقها ويزوجه زوجته سلمى، فصدقه حلم وطلق زوجته فتزوجها المنذر بن المنذر ولم يسمح له بالزواج من سلمى، فقال النابغة الذبياني:
قد خادعوا حلما عن حرة خرِدٍ ... حتى تبطنها الخدّاع ذو الحُلُم
ثم مات المنذر بن المنذر فتزوجها النعمان بن المنذر (كتاب الأغاني للأصفهاني. تحقيق احسان عباس. ود. إبراهيم السعافين. وذ. بكر عباس. دار صادر. ج21/ص5و6).
وذكر صاحب المناقب المزيدية أنها سميت المتجردة لفرط جمالها، وقيل إنها ابنة خالد بن جعفر بن كلاب، وقيل بل كانت امرأة من بقايا جرهم وهو الصحيح. وكانت تحت رجل جرهمي من قومها يقال له جلم بن الضهياء أو الضحياء نزل بها على النعمان جارا، فرآها النعمان فهويها، وغلب عليه حبها، فلم يدر كيف يحتال على زوجها في أمرها ... فجعل يدعو جلما، وينادمه ويسقيه حتى يسكر، ويضع عليه من يخدعه عن المتجردة ليطلقها، فلم يزل كذلك حتى ظفر منه ببعض القول، فتزوجها وافتتن بها. (كتاب المناقب المزيدية في اخبار الملوك الأسدية، أبو بقاء الحلي. ص:147 و148).
وحكى الهيثم بن عدي عن الكلبي قال: كان ملك النعمان أربعين سنة لم ير منه في ملكه سقطةً غير هذه: وذلك أنّه ركب يوماً فنظر إلى امرأةٍ خارجةٍ من الكنيسة فأعجبه جمالها وحسنها وهيئتها فقال: عليّ بعدي بن زيد، وكان كاتبه وخاصّته فقال له: يا عدي، قد رأيت امرأةً لئن لم أظفر بها إنّه هو الموت. فلا بدّ في أن تتلطّف في الجمع بيني وبينها. قال: ومن هي؟ قال: قد سألت عنها فقيل لي امرأة حكم بن عوف، رجلٌ من أشراف أهل الحيرة. قال: فهل أعلمت بذلك أحداً؟ قال: لا، قال: فاكتمه، فإذا أصبحت فجد بكلّ كرامةٍ لنزيلك، يريد حكم بن عوف.
فلمّا أذن للنّاس بدأ به وأكرمه وأجلسه معه على سريره. فأعجب النّاس حاله، وتحدّثوا به. فلمّا أمسى فأذن للنّاس بدأ به فأكرمه وأجلسه معه وكساه وجمّله. ففعل به ذلك أيّاماً. ثمّ قال له عدي: أيّها الملك عندك عشر نسوةٍ فطلّق أقلّهنّ عنك منزلةً ثمّ قل له فليتزوّجها. ففعل. فلمّا دخل عليه قال له: يا حكم إنّي قد طلّقت فلانةً لك فتزوّجها. فقال حكم لعدي: ما صنع الملك بأحد ما صنع بي ولا أدري بما أكافئه؟ فقال له عدي طلّق امرأتك كما طلّق امرأته. ففعل. وحظي عدي بها عند الملك: وعلم الرّجل أنّه مكر به في امرأته. وفيها يقول بعض أهل الحيرة:
ما في البرّيّة من أنثى تعادلها … إلاّ التي أخذ النّعمان من حكم
(كتاب أخبار النساء لابن الجوزي. الناشر: دار مكتبة الحياة، بيروت – لبنان. ص:193. انظر كذلك كتاب: المحاسن والأضداد للجاجظ، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت. ص: 276)
وقيل ان المتجردة كانت تحت رجل من جرهم، وكانت جميلة فانتزعها النعمان من زوجها. (كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، حققه وقدم له: سهيل زكار - رياض زركلي. الناشر: دار الفكر – بيروت. ج13/ص110)
وفي جلم زوج المتجردة يقول النابغة الذبياني:
تسفهوا جُلما عن طفلة رُؤُدٍ ... حتى تقمّمها الكرّاز ذو الحلم
ما كان من جلم في معصد ... محرب بيت الغنى ومورث العدم
(ديوان النابغة الذبياني، طبعة مصر. ص:185)
33) الدليل الثالث والثلاثون:
- قيل إن النبي مات متأثرا بالسم الذي ناولته إياه المرأة اليهودية.
- أما النعمان بن المنذر فتضاربت آراء الاخباريين حول مصيره، فابن بلخي ذكر أن أبرويز أرسل جنودا ألقوا القبض عليه وسط البادية وجاؤوا به الى العاصمة حيث تم رميه تحت أرجل الفيلة (فارسنامه لابن بلخي ص 95). وقيل إنه استسلم طائعا ومات تحت أرجل الفيلة، وقيل إنه مات بالطاعون، وقيل مات مسموما. تضارب هذه الروايات يؤكد عدم معرفة الاخباريين بالمصير الحقيقي الذي آل اليه النعمان بن المنذر في آخر حياته.
34) الدليل الرابع والثلاثون:
- توفي النبي قبل أن يحقق مشروعه الرامي إلى توحيد العرب كلهم وامتلاك كنوز كسرى وقيصر.
- توفي النعمان بن المنذر كذلك دون أن يحقق مشروعه الرامي الى توحيد العرب، وتكوين دولة مستقلة تقف في وجه الفرس والبيزنطيين.
35) الدليل الخامس والثلاثون:
- مات النبي وارتدت القبائل ما عدا أهل مكة والطائف والمدينة.
- مات النعمان أو قتل فعصى سائر العرب في مملكتي الفرس والروم وركب كل منهم هواه، وأصبحت الفوضى عارمة، وثار جميع العرب التابعين للامبراطوريتين الفارسية واليونانية" (AL-ḤĪRA ET SES CHRETIENS DANS LES GUERRES ROMANO-PERSES. Par: Simon BRELAUD. page :6).
- يقول خريم بن أوس بن حارثة بن لام الطائي: كانت الردة، فما ارتد أحد من طيئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الإسلام، فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طليحة بن خويلد وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا:
جزى الله عنا طيئا في ديارها ... بمعترك الأبطال خير جزاء
هم أهل رايات السماحة والندى ... إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
هم ضربوا قيسا على الدين بعدما ... أجابوا منادي ظلمة وعماء
(البداية والنهاية ابن كثير، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1418هـ - 1997م (7/ 202)).
ومعلوم أن خريم صاحب هذا الحديث هو ابن أوس بن حارثة بن لأم الطائي الذي قرر حماية النعمان بن المنذر لما التجأ الى جبلي طيء، والذي ذكره حاتم الطائي في شعره: "ولقد بغى بجلاد أوس قومه ..".
36) الدليل السادس والثلاثون:
 هاجر النبي الى المدينة والتي تسمى طيابا، قال وهب بن منبه: إني لأجد في بعض الكتب أن مهاجر النبي الأمي العربي إلى بلد يقال لها طيابا، وتفسير ذلك أنها طويت بالبركة، وقدس هواءها، وطيب ترابها، فيها مهاجره، وموضع قبره، ومن مشى بالمدينة شم بها عرقا طيبا. (البلدان لابن الفقيه الهمذاني ص:80).
من الواضح أن الصحيح هو طيايا وليس طيابا، والدليل أن طيايا سميت بهذا الاسم لأنها طويت بالبركة حسب وهب بن منبه نفسه.
 أما النعمان بن المنذر فهاجر هو الآخر الى بلاد اسمها طيايا، أي بلاد طيء، قال ابن الكلبي: سمي طيء طيئا لأنه أول من طوي المناهل، ويقال: طويتُ الشيءَ أطويه طيا. وكذلك طويتُ البئر أطويها بالحجارة وبه سميت الطوي، واسم طيئ جلهمة، وانما سمي طيئا لأنه أول من طوى المناهل. (الأنساب للصحاري. ص:102).
كما سميت المدينة أيضا بأسماء أخرى مثل: طاب وطيبة، والغريب أن هذه الأسماء تطلق على أماكن أخرى غير المدينة أي يثرب، فيقال: طاب: قرية بالبحرين (معجم البلدان لياقوت الحموي، ج4/ص3). أما طابة فموضع في أرض طيء، قال زيد الخيل:
سقى الله ما بين القفيل فطابة ... فما دون إرمام فما فوق منشد
(معجم البلدان لياقوت الحموي، ج4/ص4).
كما توجد بمصر مدينة قديمة مقدسة اسمها طيبة.
37) الدليل السابع والثلاثون:
- كان بمكة قينتان يقال لهما الجرادتان مشهورتان بحسن الصوت والغناء، (تاريخ الحيرة في الجاهلية والإسلام. عارف عبد الغني دار كنان للطباعة والنشر. ص523)، عند فتح مكة أمر رسول الله بقتلهما لأنهما كانتا تغنيان بهجائه. (السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي. ج2/ص410).
- كان للنعمان بن المنذر مغنيتان تغنيان بين يديه فماتتا، فأمر بدفنهما. (نهاية الارب في فنون الادب للنويري ج1/ص387).
38) الدليل الثامن والثلاثون:
من الأحداث التي نرى فيها نوعا من التشابه بين سيرة كل من النبي محمد والنعمان بن المنذر، طريقة زواج النبي بالسيدة خديجة بنت خويلد، وعدي بن نصر بأخت جذيمة الابرش، وعدي بن زيد بهند بنت أو أخت النعمان بن المنذر.
أ- زواج عدي بن نصر بأخت جذيمة الابرش:
كان لجذيمة الابرش أخت مكينة عنده يقال لها رقاش أم عمرو، وكان أخص خدمه وأقربهم من لخم، يقال له عدى بن نصر بن الساطرون صاحب الحضر بأرض الجزيرة ملك السريانيين. فعشقته رقاش أخت جذيمة وحملت منه، فلما خافت الفضيحة قالت لعدي بن نصر أخطبني من الملك إذا سكر، ففعل ذلك فزوجه ودخل بها، فلما صحا جذيمة ندم، فأمر بعدي فضرب عنقه ويقال هرب، وظهر الحمل برقاش فقال لها جذيمة:
حدثيني رقاش لاتكذبيني ... أبحر زنيت ام بهجين؟
أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
فأجابته رقاش:
أنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين
ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون
ولدت رقاش عمرو بن عدي فتبناه جذيمة وعطف عليه، فلما نشأ استهوته الجن فتاه في الأرض فجعل جذيمة لمن أتى به حكمه، فخرج في طلبه رجلان يقال لأحدهما مالك والآخر عقيل ولم يزالا يطلبانه حتى أتيا به، فقال لهما جذيمة احتكما فقالا ننادمك ما عشت فنادماه أربعين سنة...
وكان لعمرو طوق من ذهب صيغ له في صباه فلما ردوه همت أمه أن ترد عليه الطوق فقال جذيمة: شب عمرو عن الطوق فذهب كلامه مثلا. (البدء والتاريخ. المطهر بن طاهر المقدسي (المتوفى: نحو 355هـ). الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، بور سعيد. عدد الأجزاء: 6 (3/198). انظر مروج الذهب للمسعودي ج2/ص 73).
ب- زواج عدي بن زيد بهند اخت/ بنت النعمان:
كان للنعمان بن المنذر ملك العرب بنت اسمها هند، ويقال اخته (المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية. أبو البقاء هبة الله محمد بن نما الحلي. (ص:469))، خرجت في يوم الفصح وهو عيد للنصارى فرأت عدي بن زيد العبادي، وهو فتى مديد القامة حلو الشمائل حسن العينين نقي الخد، فـأغرمت به وقالت لجاريتها مارية ان تتوسط لها في الزواج به. فذهبت الجارية عند النعمان وطلبت منه أن يزوج هندا بعدي بن زيد وأخبرته انها تحبه. ثم ذهبت عند عدي وطلبت منه ان يصنع طعاما ويدعو الملك اليه، فإذا أخذ منه الشراب يخطبها منه فإنه لا يمتنع. فقال عدي: أخاف أن يغضبه ذلك ويكون سببا للعداوة بيننا. وبعد ثلاثة أيام طلب النعمان من عدي ان يتغذى عنده، فوافق في الحال. ثم ذهب اليه النعمان فلما أخذ منه الشراب قام عدي وخطبها منه، فأجابه بالقبول وزوجه إياها. وبعد ثلاث سنين غضب عليه النعمان وقتله، فوجدت عليه هند وجدا عظيما، ثم انها بنت ديرا في ظاهر الحيرة وترهبت فيه وجلست تندبه وتبكيه حتى ماتت (ألف ليلة وليلة: حكاية هند بنت النعمان مع عدي بن زيد).
ذكر د.جواد علي أن النعمان غضب على عدي وطلب منه الافتراق منها (هند) وتطليقها بعد ما غضب عليه وألقاه في السجن. (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي5/291)، ثم قتله فيما بعد.
قصة زواج عدي برقاش اخت الملك جذيمة تتطابق مع رواية زواج عدي بأخت الملك النعمان بن المنذر. بل أكثر من ذلك، فكما وُجِدَ عمرو بن عدي بن نصر جد المناذرة في الغابة وحُمِل الى خاله الملك جذيمة، كذلك الشأن بالنسبة لزيد بن عدي، ويقال عمرو بن عدي وهو ابن أخت النعمان، وكان يترجم الكتب لكسرى (تاريخ اليعقوبي. ص: 262)، وجده النعمان حينما خرج يوما للصيد، فقربه وأعطاه وحباه، ثم أرسله إلى كسرى، وكتب معه كتاب توصية رقيقة يشير فيه إلى منزلة عدي منه وإلى خسارته بوفاته وإلى عظم المصيبة، ويوصي كسرى بالولد خيرًا. (المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي. الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. (5/267)).
ج- زواج النبي محمد بالسيدة خديجة بنت خويلد:
قصة زواج النبي محمد بالسيدة خديجة بنت خويلد مشابهة تماما لزواج كل من عدي بن زيد ببنت النعمان او اخته، وزواج عدي اللخمي برقاش اخت جزيمة الأبرش.
كما توسطت مارية جارية هند بنت أو أخت النعمان بن المنذر في زواج هذه الأخيرة بعدي بن زيد العبادي، توسطت نفيسة بنت منبه جارية خديجة بنت خويلد لهذه الأخيرة للزواج بالنبي محمد، كيف ذلك؟
قالت نفيسة بنت منبه رضي الله تعالى عنها: كانت خديجة وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا: أي وأحسنهم جمالا، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة. وفي لفظ: كان يقال لها سيدة قريش، لأن الوسط في ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضيل، يقال: فلان أوسط القبيلة: أعرقها في نسبها، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وذكروا لها الأموال فلم تقبل، فأرسلتني دسيسا: أي خفية إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاية ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ بكسر الكاف لأنه خطاب لنفيسة. قلت: بلى وأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا وكذا، فأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فزوّجه أحدهم: أي وهو أبو طالب على ما يأتي. وقال في خطبته: وابن أخي له في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، فقال عمرو بن أسد: هذا الفحل لا يقدع أنفه: أي بالقاف والدال المهملة: أي لا يضرب أنفه لكونه كريما، لأن غير الكريم إذا أراد ركوب الناقة الكريمة يضرب أنفه ليرتدع، بخلاف الكريم، وكون المزوّج لها عمها عمرو بن أسد قال بعضهم هو المجمع عليه. وقيل المزوّج لها أخوها عمرو بن خويلد. وعن الزهريّ أن المزوّج لها أبوها خويلد بن أسد وكان سكرانا من الخمر، فألقت عليه خديجة حلة وهي ثوب فوق ثوب، لأن الأعلى يحل فوق الأسفل، وضمخته بخلوق: أي لطخته بطيب مخلوط بزعفران فلما صحا من سكره قال: ما هذه الحلة والطيب؟ فقيل له: لأنك أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها فأنكر ذلك، ثم رضيه وأمضاه: أي لأن خديجة استشعرت من أبيها أنه يرغب عن أن يزوجها له، فصنعت له طعاما وشرابا، ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا، فلما سكر أبوها قالت له: إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه، فزوّجها، فخلقته وألبسته، لأن ذلك: أي إلباس الحلة وجعل الخلوق به كان عادتهم أن الأب يفعل به ذلك إذا زوّج بنته، فلما صحا من سكره قال: ما هذا؟ قالت له خديجة: زوجتني من محمد بن عبد الله، قال: أنا أزوّج يتيم أبي طالب؟ لا لعمري، فقالت له خديجة: ألا تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبرهم أنك كنت سكرانا؟ فلم تزل به حتى رضي. (السيرة الحلبية، إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون. علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، أبو الفرج، نور الدين ابن برهان الدين. لناشر: دار الكتب العلمية – بيروت. الطبعة: الثانية -1427هـ. عدد الأجزاء: 3 (1/199 و200)).
أما الطبري فأورد في تاريخه الرواية التالية: قال الواقدي: ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي -ص-تدعوه إلى نفسها -تعني التزويج-وكانت امرأة ذات شرف، وكان كل قريش حريصا على نكاحها-قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل، ونحرت بقرة وخلقته بخلوق، وألبسته حلة حبرة، ثم أرسلت الى رسول الله –ص-في عمومته، فدخلوا عليه، فزوجه، فلما صحا قال: ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله، قال: ما فعلت، أنَّى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش؟ (تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري. المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر. الطبري (المتوفى: 310هـ). (صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ). الناشر: دار التراث – بيروت. الطبعة: الثانية -1387 هـ (" 2/282)).
*لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن ابن إسحاق لم يدون سيرة النبي محمد في مكة أو المدينة حيث عاش النبي محمد، وإنما دَوَّنَها في مدينة الحيرة، أي مدينة النعمان بن المنذر، والتي كانت تسمى حيرة النعمان، وكان يستقي أخبار النبي من سكان الحيرة وضواحيها (!!!). وذكر د. جواد علي في مفصله أن مدينة "الحيرة" عرفت في مؤلفات بعض المؤرخين السريان، بـ "الحيرة مدينة العرب"، "‌حيرتا دي طياية"، كما عرفت بأسماء بعض ملوكها مثل "النعمان"، فورد "حيرتو د نعمان دبيث بورسويي"، أي: "حيرة النعمان التي في بلاد الفرس". ويلاحظ أن تعبير "حيرة النعمان" "‌حيرتا دي نعمان"، تعبير شائع معروف في العربية كذلك، ولابد أن يكون لاشتهار "الحيرة" باسم "النعمان" سبب حمل الناس على نسبة هذه المدينة إليه.
(المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي، الناشر: دار الساقي. الطبعة: الرابعة 1422هـ/ 2001م. ج5/ ص156)
خاتمة:
النعمان بن المنذر الملقب ب: أبي قبيس أو أبي قابوس هو من وحد العرب ورفع من شأنهم وزرع في نفوسهم الرغبة في التحرر والاستقلال عن القوتين الكبيرتين آنذاك الفارسية والبيزنطية، ولذلك يعتبر بحق مخلص العرب ومحررهم من ربقة التبعية للقوى العظمى.
ولمزيد من التوضيح أشير إلى أن المناذرة اللخميين أواخر القرن السادس الميلادي امتلكوا قوة عسكرية هائلة فتحت لهم باب الحلم بالاستقلال عن الفرس وتكوين دولة خاصة بهم، فهم ليسوا أضعف أو أقل شأنا من الفرس أو البيزنطيين، خصوصا وانهم، هم والغساسنة، كانوا يخوضون حروبا كثيرة بالوكالة عنهم. فالمناذرة أصبحوا يحسون بأنهم مساوون من حيث القوة لكل من الفرس والبيزنطيين، لذلك كان يقال إن المنذر وابنه عمرو بن هند كانا أكثر ميلا الى اتباع سياسة مستقلة وانهما كانا يتطلعان الى ان يشغلا وضعا على قدم المساواة مع كل من ايران وبيزنطة. [نينا ڤكتورڤنا ݒيغوليڤسكيا: العرب على حدود بيزنطة وايران، من القرن الرابع الى القرن السادس الميلادي. نقله عن الروسية: صلاح الدين عثمان هاشم. اشرف على طبعه قسم الثراث العربي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.ص:140]
ازدادت القوة العسكرية للخميين أكثر في عهد النعمان بن المنذر الملقب ب: "ابي قبيس أو أبي قابوس"، فقوي أمره وعلا شأنه، وأصبح يطمح إلى أمر عظيم يتجلى في تأسيس وتكوين دولة مستقلة عن القوتين الكبيرتين الساسانية والبيزنطية. هذا الأمر أثار أعداءه فأصبحوا ينتقذونه ويحتقرونه، فقالوا إنه كان ذميم الخلقة، وقالوا، إنه كان أحمر، أبرش، قصيرًا، وكان يقال له ابن سلمى لتحقيره لأن أمه هي "سلمى بنت وائل بن عطية بن كلب"، أو "سلمى بنت عطية الصائغ". وقالوا إنها من فدك، وزادوا في ذلك أنها كانت أمَة للحارث بن حصن بن ضمضم ابن عدي بن جناب من كلب من دومة الجندل. فهي بنت صائغ من فدك على رواية بعض، وأمَة من دومة الجندل على رواية بعض آخر. وهي في كلتا الحالتين من طبقة وضيعة لا تليق بأسرة مالكة، ولعلها من أصل يهودي، إذ كان أكثر أهل فدك من اليهود، وكانوا يحترفون الحرف ومنها الصياغة. وذكر نولدكه أن أبا قابوس (النعمان بن المنذر) آخر ملوك الحيرة كان يمت بقرابة –ولو بعيدة جدا- الى أهل المدينة. [أمراء غسان للمستشرق ثيودور نولدكه وهي رسالة أمراء غسان من آل جفنة التي نشرتها أكاديمية العلوم البروسيانية في برلين. نقلها الى العربية وأضاف اليها تصحيحات مؤلفها الأخيرة.د. بندلى جوزي ود. قسطنطين زريق. بيروت1933.ص:5].
وينسب للشاعر عمرو بن كلثوم هجاء لاذع في حق النعمان وأمه، حيث وصف خاله بأنه ينفخ الكير، ويصوغ القروط بيثرب، أي أنه كان من صاغة تلك المدينة، وهو مما يؤيد روايات الإخباريين في أصل أمه. [المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام. الدكتور جواد علي (المتوفى: 1408هـ). الناشر: دار الساقي 5/263].
ومع ذلك كان النعمان قوي الشكيمة سفاكا للدماء، فلقب بالصعب [المعاني الكبير في أبيات المعاني لابن قتيبة الدينوري. المحقق: المستشرق د سالم الكرنكوي. (ج2/ص:878)] والصعب ذي القرنين، إلا ان البعض يشكك في كونه النعمان الذي نتكلم عنه.
كان النعمان يطمح للاستقلال عن الفرس وتكوين دولة قوية على غرار الدولتين الفارسية والبيزنطية، ولذلك بدأ يعمل على تحسين علاقاته مع القبائل العربية، وخصوصا تلك التي كانت متحالفة مع الغساسنة وخاضعة لسلطة البيزنطيين. ما يؤكد هذا التوجه، أنه لما غضب من بعض تصرفات كسرى، أرسل الى بني عمومته من معد، فخربوا وسبوا مناطق عديدة من بلاد الفرس حتى بلغوا عروب، أي النواحي الواقعة على المجرى الأسفل لدجلة وهي بيت عربايه. [نينا ڤكتورڤنا ݒيغوليڤسكيا: العرب على حدود بيزنطة وايران. ص:146] كما حسن علاقته مع آل بقيلة وهي أسرة غسانية كانت متواجدة بالحيرة.
ويقال إنه لم يحرك ساكنا تجاه مهاجمة القبائل العربية التي كانت تسكن على حدود الدولة الساسانية والتي اتخذت لها من الصحراء عمقا دفاعيا وهجوميا في آن واحد، حيث استحال الأمر على الساسانيين متابعتهم او التقليل من هجماتهم خاصة وأنهم ينسحبون الى الصحراء والتي تتغير معالمها بفعل الرياح بين فترة وأخرى، ولا يعلم مجاهلها الا أهلها.
انتهج النعمان بن المنذر سياسة جديدة تختلف عمن سبقه من ملوك الحيرة تجاه القبائل العربية، فقد سعى الى توحيد العرب لمواجهة كل من الفرس والروم، وذلك من خلال دعواته المستمرة للاجتماع بهم في الحيرة ودعوتهم لتوحيد مواقفهم، ونبذ خلافاتهم الجانبية، والتي لا يستفيد منها سوى الأعداء. وهو ما أثار مخاوف الساسانيين الذين بدأوا يشعرون بقوة العرب التابعين لهم ورغبتهم في الاستقلال، نرى ذلك واضحا من خلال جواب كسرى أبرويز على رسالة كان قد وجهها له ابنه شيرويه لما عزله عن العرش، ووجه له اتهامات منها أنه تسبب في ضعف الإمبراطورية بسبب عزله للنعمان بن المنذر وتعيين اياس بن قبيصة مكانه، حيث قال: "إن النعمان واهل بيته واطؤوا العرب، واعلموهم توكفهم خروج الملك عنا إليهم، وقد كانت وقعت إليهم في ذلك كتب، فقتلته، ووليت الأمر أعرابيا لا يعقل من ذلك شيئا". [مجلة التربية والعلم-المجلد:18، العدد:4، لسنة2011. طبيعة العلاقة بين مملكة الحيرة والدولة الساسانية خلال فترة حكم النعمان بن المنذر(585-602م)د.ابراهيم محمد علي الجبوري قسم التاريخ/ كلية التربية. جامعة الموصل.ص:71].
النعمان بن المنذر لم يكن يهدف إلى الاستقلال عن الفرس وتكوين دولة قوية فقط، بل كان يهدف إلى القضاء على حكم الساسانيين والاستيلاء على ملكهم، يؤكد ذلك الرواية التالية: لما كان النعمان بحضرة كسرى، قال زيد بن عدي: ايها الملك ان هذا الملك (يقصد النعمان) إذا جلس على سرير ملكه، ووضع التاج على رأسه، ودعا بِشَرابِهِ، لا يظن ان لك سلطانا ولا ملكا. ثم التفت إلى النعمان، فقال له: "ألست القائل انك تسلب العجم ملكها، ويفضي اليك سلطانها"؟ [كتاب: الأنساب، أنساب العرب، تَارِيخِ العَوْتَبِي. المؤلف: أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري العوتبي. ص268)].
كسرى كان يعرف نوايا النعمان الهادفة إلى الاستقلال عن الفرس، فأراد امتحانه، ولذلك أرسل زيد بن عدي وشخصا آخر لخطبة إحدى بناته أو قريباته، لما عادا قالا لكسرى: "أيها الملك ان الكلب الذي قد بعثتنا اليه قد سمن وتعدى طوره، ولا ينبغي للملك ان يغضي عنه". [نهاية الارب في أخبار الفرس والعرب. لمؤلف مجهول. تصحيح: محمد تقي دانش. ص:417].
وصف رسولا كسرى النعمان بالكلب الذي سمن، أي أن النعمان أصبح يمتلك من القوة ما جعله لا يخاف ولا يأبه بكسرى، فتأكد الأخير أنه لم يعد خاضعا أو تابعا له، ولم يعد يأتمر بأوامره، بل وتجرّأ على رفض طلبه. فغضب وقال: "رب عبد أراد ما هو اشد من هذا ثم صار أمره إلى الثباب". [المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية. أبو البقاء الحلي. (ص:394)].
كسرى يقصد أن النعمان برفضه السماح له بالزواج من إحدى قريباته دليل على رفضه الطاعة والخضوع له، بل وطموحه في الحصول على شيء كبير جدا، فما هو هذا الشيء ان لم يكن تكوين دولة كبرى مستقلة، تستطيع الوقوف في وجه كل من الفرس والروم؟
هذه الأمور مجتمعة زرعت الرعب في قلب الملك الساساني خصوصا حين اجتمع بوفد القبائل العربية الذي بعثه النعمان بن المنذر اليه، حيث قال بعد مغادرة الوفد للدولة الساسانية لمرازبته وكبار مستشاريه: "ما خفت من العرب قط كخوفي منهم اليوم". فعمد الساسانيون الى اغتيال النعمان بن المنذر، لعلهم يغيرون من الأمر شيئا، لكن النتيجة جاءت على أسوأ مما كانوا يتوقعون. [طبيعة العلاقة بين مملكة الحيرة والدولة الساسانية خلال فترة حكم النعمان بن المنذر (602-585م). مجلة التربية والعلم -المجلد (18) العدد (4)، لسنة 2011. (د.إبراهيم محمد علي الجبوري قسم التاريخ /كلية التربية جامعة الموصل. ص71. انظر كذلك: نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب.ص:410].
النعمان بن المنذر (أبي قبيس) لم يهدف الى ان يكون مجرد ملك أو حاكم لعرب الفرس فقط، بل أراد أن يكون مخَلِّصا ومنقذا للعرب كلهم سواء التابعين للفرس او الروم، ولذلك سعى جاهدا إلى أن يجمعهم تحت راية وكلمة واحدة، لمواجهة القوتين الكبيرتين في ذلك الوقت، فكان يقول لهم بأنهم إن تبعوه سيملكون كنوز كسرى وقيصر. وهكذا بدأ يتعاطف مع القبائل العربية، وصار يوثق علاقاته مع زعمائها، حين دعاهم للاجتماع به في الحيرة من أجل توحيد الموقف لإنهاء السيطرة الفارسية. فقد شعر النعمان بالأفول التدريجي للدولة الساسانية وتدهورها في نهاية القرن السادس الميلادي، حيث الفوضى الداخلية والتي تتمثل في النزاع على السلطة، ثم الحروب بينهم وبين بيزنطة. [طبيعة العلاقة بين مملكة الحيرة والدولة الساسانية خلال فترة حكم النعمان بن المنذر (602-585م). مجلة التربية والعلم -المجلد (18) العدد (4)، لسنة 2011. (د.إبراهيم محمد علي الجبوري قسم التاريخ /كلية التربية جامعة الموصل. ص71. انظر كذلك: نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب.ص:72].
لقراءة البحث بالمراجع في أسفل الصفحة يرجى النقر على الرابط:
https://drive.google.com/file/d/1huLzwhC9csIUSBthk3K1DaSeKxGJUiSu/view?usp=sharing



#شريف_عبد_الرزاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النعمان ابو قابوس والحق الإلهي في الحكم
- هل كان النبي محمد تاجرا؟-
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للإسلام
- المعنى الحقيقي لكلمة عرب
- العصر العباسي الأول هو نفسه العصر الساساني الأخير
- التاريخ المبكر للاسلام كما لم تقرأه من قبل


المزيد.....




- رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج ...
- وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ ...
- إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران ...
- أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس ...
- قائد حرس الثورة الإسلامية في طهران الكبرى العميد -حسن حسن ز ...
- فرنسا: الحبس الاحتياطي لتونسي خطط لهجمات تستهدف متحف اللوفر ...
- حرس الثورة الاسلامية يراقب بدقة وحزم كافة التحركات في المنطق ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلّقة انقضاضيّة آليّ ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أرفع أسمى آيات الشكر للدعم ال ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شريف عبد الرزاق - مقارنة بين سيرة النبي محمد وما وصلنا من سيرة النعمان بن المنذر