أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود علي - دور الشيخ مودبو عاليم غمبي في الحلقات التعليمية التقليدية بأدماوا كاميرون















المزيد.....



دور الشيخ مودبو عاليم غمبي في الحلقات التعليمية التقليدية بأدماوا كاميرون


محمود علي

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 17:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مشكلة الدراسة: ما هي مساهمات "مودبو عاليم غمبي" في خدمة اللغة العربية وأدبها في الكاميرون؟
أهداف الدراسة: إبراز شخصية "مودبو عاليم غمبي" وتبيين مساهمته في مجال اللغة العربية وتوضيح جهوده في نشر الأدب العربي.
أهمية الدراسة: تكمن أهمية الدراسة في تسجيل شخصية من علمائنا في التاريخ لحفظها من الضياع، وإظهار جهوده في خدمة اللغة العربية وأدبها.
نتائج الدراسة:
- كان "مودبو عاليم غمبي" شخصية كبيرة من العلماء؛
- ساهم بشكل فعال في نشر اللغة العربية وأدبها.


ملخص البحث
"مودبو عاليم غمبي" (Modibbo Alim Gombé)
مولده ونشأته
ولد في نيجيريا (Nigeria ) عام: 1911 م بقرية "ميساو" Misau من ضواحي محافظة "ميدوغوري" Maiduguri.
خروجه للتعلم
فخرج من قريته ونزل مدينة "غمبي" Gombé. فتعلم عند علمائها.
هجرته إلى الكاميرون
أنهى من التعلم فبقي له كتاب واحد سافر للبحث عنه في قرية (موتوم بيو) Mutum Biyu على حدود نيجيريا مع الكاميرون. فاقترح عليه أن يدخل في الكاميرون للاكتشاف. فدخله عن مدينة "كنشا" (Kontcha ) وأقام في الكاميرون حتى الممات.
انتقالاته في الكاميرون
بعد إقامته في "كنشا" (Kontcha ) سنتين، انتقل إلى مدن وقرى كثيرة حتى وصل إلى "غالدي" ( Galdi) من ضواحي "نغاونديري" ( Ngaoundéré) وهي آخر مكان أقام فيه حتى توفي رحمه الله.
تعليمه
هو مهتم بالتعليم كغيره من العلماء. فلا يقيم في مكان إلا وله فيه حلقة.
تلاميذه
مع كثرة التلاميذ لم يبق منهم إلا خمسة.
انتاجه العلمي
ينحصر ذلك في تلاميذه فحسب. وكان يدرس كتب اللغة والأدب عموما.
دور حلقاته
لحلقاته دور كبير في نشر اللغة والأدب.
وفاته :
توفي رحمه الله إثر حادث سيارة بين قرية "غالدي" (Galdi) و "نغاونديري" (Ngaoundéré) في عام: 1969 م / 1390 هـ.

الكلمات المفتاحية
"عاليم غمبي" - الحلقات - مساهمات - اللغة - الأدب المقدمة:
الحلقات جمع حلقة. ويجمع أيضا على "حِلق" بكسر الحاء وفتح اللام. والحلقة: جماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيرها. (ابن منظور، اللسان، 10/ 62)
وقد نسبت إلى "التعليم" ومعناه معلوم. وإلى "التقليد" وأصله مضعفا قلّد يقلد تقليدا. يقال: قلَّده الأمر: ألزمه إياه. وتقليد البدنة: أن يجعل في عنقها عُروة مزادة، أو حلق نعل فيعلم أنها هدى. (ابن منظور، السابق، 3/367)
وله معنى التناوب، يقال: يتقالدون الماء: أي يتناوبون. (ابن منظور، السابق، 3/365) .
وقلَّده أيضا: تبعه فيما يقول أو يفعل من غير حجة ولا دليل. وقلده: حاكاه.
والتقاليد: العادات المتوارثة التي يقلد فيها الخلف السلف. (المجموعة العربية، 2/754) .
ولعل هذا المعنى الأخير هو الموافق للمقصود "بالتقليدية" في العنوان.
الحلقات التعليمية المعتادة التي توارث فيها الخلف عن السلف، غالبها أنها ليست لها غرف خاصة وإنما تكون في أفنية متاحة داخل منازل أو خارجها أو مداخلها. أو تحت أشجار، أو في غرف واسعة كالدهاليز . وقد تكون في مساجد أو في أفنيتها. ( مؤمن إبراهيم: 10)
تعريف وجيز لدولة الكاميرون
الكاميرون أو الكمرون، وتدعى رسميا: "جمهورية الكاميرون" دولة تقع في منطقة وسط الغرب الإفريقي. تحدها نيجيريا من الغرب والتشاد من الشمال الشرقي، ومن الشرق جمهورية إفريقيا الوسطى، ومن الجنوب "غينيا" الاستوائية والجابون وجمهورية الكنغو. وتقع سواحل الكاميرون على خليج البوني. وهي جزء من خليج غينيا والمحيط الأطلسي. وعاصمتها: "ياوندي" (Yaoundé) (ويكيبيديا، 23-9-2023م).
وأما "أدماوا" فهي أولى ولاية من الولايات الشمالية بالكاميرون، للقادم من الجنوب، ومركزها "نغاونديري" (Ngaoundéré)، وتحتها خمس محافظات، وهي: جيريم (Djerem)؛ فارو وديوو (Faro et Déo)؛ مايو بنيو (Mayo Banyo)؛ مبيري (Mbéré)؛ فينا (Vina). (ويكيبيديا، 23-9-2023م) .
نشأة الحلقات التعليمية التقليدية:
يمكن القول بأن نشأتها قديمة. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتحلقون حول الرسول صلى الله عليه وسلم ليتعلموا القرآن وتفسيره، ويتعلموا الأحكام والآداب.
كما كان لكثير من الصحابة جلسات للتعليم كابن عباس وغيره. وهكذا توالى وجودها في العصور الإسلامية وعهودها كلها. فصارت حلقات لتعليم العلوم العربية كلها. سواء ما كان لغة أو حديثا أو تفسيرا ... الخ
فقد لعبت الحلقات التعليمية التقليدية دورا كبيرا في نشر العلوم العربية والعلوم اللغوية خصوصا في العالم الإسلامي كله. من ذلك العهد إلى الوقت الحاضر.
وقد وجد هذا الأسلوب من التعليم في البلاد منذ تأسيس إقليم أدماوا التابع لدولة "عثمان ابن فوديو في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي (Ki-zerbo, 1972 :363) وظل يحافظ على مناهجه وأساليب تدريسه محافظة شديدة بحيث لم يحدث – منذ تأسيسه إلى وقتنا الحاضر – أي تغيير فيها أو تطوير. هذه المحافظة الشديدة أحدثت في هذا التعليم جمودا ملحوظا جعله ثابتا في مكانه وغير قادر على التحرك أو مسايرة الحاضر بشكل فعلي، وتلبية نداء المستقبل، الأمر الذي جعل الأجيال المتأخرة تحيد وتميل تدريجيا إلى التعليم العربي الحديث، مما أدى إلى تقلص أعداد كبيرة من هذه المدارس في مدن البلاد وأريافها حتى صارت شبه معدومة اليوم. (مؤمن إبراهيم، سابق:1)
أهمية الحلقات التعليمية التقليدية
للحلقات التعليمية التقليدية دور كبير في نشر اللغة العربية خصوصا وفي التعليم والتربية عموما، في دولة الكاميرون ولا سيما في المقاطعات الشمالية للدولة.
ولهذه الحلقات رجال قاموا عليها. وهم علماء وأدباء ضحوا بأوقاتهم، وبذلوا جهودهم لإقامتها ولإنجاحها. فمنهم من كانوا يدرسون فيها طول النهار، ومنهم من اكتفوا بالتدريس في جزء من النهار أو في جزء من الليل، حسب الظروف والفرص المتاحة. فمن هؤلاء الكنز الدفين، وهو "مودبو عاليم غمبي". الذي أردت إبرازه للقراء بشيء من التفصيل في النكات التالية المتعلقة بسيرته التعلمية والتعليمية. ومعلوم بأن الكنز الدفين كلما أبرز تكون الاستفادة منه.
الشيخ: مودبو عاليم غمبي" (Modibbo Alim Gombé)
اسمه ونسبه:
اسمه: "علي" ويعرف بـ"عاليم" واسم أبيه: أبوبكر، وأمه: مريم. ولم يعرف من نسبه إلا اسم أبيه واسم أمه. ويعرف بعد تعلمه واستيطانه في الكاميرون ب: "مودبو عاليم غمبي" (Modibbo Alim Gombé). أضيف إلى مدينة "غمبي" المعروفة في "نيجيريا" لأنها موضع تعلمه والمركز الإداري للقرية التي ولد فيها. كما يعرف أيضا بـ" مودبو عاليم تنيير" (Modibbo Alim Tignére) وهي المدينة التي يعرف بها في الكاميرون لطول مدة إقامته فيها. (عثمان علي، 29 – 5 – 2024 م) .
مولده ونشأته
أ‌- ولد في قرية أو مدينة: "ميساو" (Misau) محافظة من محافظات "غمبي" (Gombé) سابقا، وماي دوغوري (Maiduguri) حاليا، في: 2 من يناير 1911 م ويوافق: 1 محرم 1329 هـ.
ب‌- نشأ نشأة عادية في بيت أبيه كما ينشأ الأولاد في بيوت آبائهم. وفقد أمه وهو صغير. فأساءت ضرة أمه معاملته ولحقته منها أضرار كثيرة، كما هو عادة كثير من النساء اللاتي لا دين ولا أخلاق لهن في بيوت أزواجهن مع الأولاد الذين فقدوا أمهاتهم إما بموت أو بطلاق. على العكس من بعض النساء صاحبات الدين والخلق.
وله من الإخوة ثمانية وهو التاسع. وكلهم إخوة لأب إلا واحدة منهم فهي شقيقته الوحيدة. وتوفيت في سنها المبكر. (زينب آبو، / 29-5-2024 م) .
خروجه للتعلم
خرج صغيرا متجها إلى مدينة "غمبي" (Gombé) بعد ما اشتد ما يلحقه من الأضرار من ضرة أمه. فأخذ إبرته وآنيته وبطانيته. وليس له غير ذلك من الأدوات والأساس مما يدل على أنه نشا في بيت فقر وعدم.
فجاء إلى "غمبي" (Gombé) صغيرا فقيرا فاقدا للمأوى. فوفقه الله بامرأة عجوز ترحمت عليه فآوته وأعطته غرفة يسكنها بناحية المدينة آنذاك وتسمي ب"كوندولوم" (kundulum)، إلا أنها الآن صارت داخل المدينة. (عائشة، / 30-5-2024 م) .
شيوخه
وأشهر شيوخه في "غمبي" (Gombé):
- "مودبو تجاني القاضي بللو" (Modibbo Tidjani Alkali Bello)، وهو خال لأبناء أخيه الأكبر "مودبو محمد" (Modibbo Mohammad). وقد هاجر إلى الكاميرون أيضا وأقام فيه حتى الممات.
ومما يذكر من اجتهاده واهتمامه بالعلم: أن الدبابيس زرعت في جدار الدهليز المعقودة فيه الحلقة. فكل تلميذ يأتي بكتابه ويعلقه على دبوس خاص على الترتيب. فمن سبق وعلق كتابه على الأول منها، هو الذي يبدأ الشيخ بالتصحيح له أولا ثم التالي فالتالي ... إلخ. فكان شيخنا يقوم من الساعة الثالثة آخر الليل ليسبقهم جميعا في تعليق كتابه. (عائشة، السابقة) .
يقول صاحب المقالة: ولم يُرْو له من شيوخه إلا هذا المذكور. إلا أنه ربما يكون له شيوخ غيره، حسب عادة طلاب العلم. قلما يكتفون بشيخ واحد عند تعددهم في المكان. ولأن "مودبو محمد المهدي" (Modibbo Mohammad Al mahdi) زامله عند الشيخ نفسه. فربما هو أيضا زامله عند شيخه: "وجيري تجاني" (Wadjiri Tidjani) و"مالم حسن" و"مودبو اُودُوبُو" (Modibbo Udubu). فكلهم من شيوخ "محمد المهدي" في "غمبي". فهم أصحاب الحلقات المشهورون في "غمبي" آنذاك.
هجرته إلى الكاميرون وسببها
بعد ما أنهى نقل الكتب التي يدرسها شيخه إلا كتابا واحدا. فقال له شيخه: "اذهب إلى فلان" (أحد المشايخ)، ليعيرك نسخة من الكتاب، فسافر إليه في قرية: "متوم بيو" (Mutum biyu) باللغة الهوساوية ومعناه: "شخصان اثنان". وهي على حدود الكاميرون و"نيجيريا" (Nigeria) بناحية "كونشا" (Kontcha). فوصل إليها فوجده قد سافر. فأقام فيها منتظرا له. فاستعد للرجوع بعد طول الانتظار. فقيل له لوجوده قرب الكاميرون: "ينبغي أن تصل إليه اكتشافا". فدخله من ناحية "كونشا" (Kontcha) وبقي فيها لمدة سنتين (زينب، السابقة، 29-5-2024 م) فواصل السير إلى "مبامتي" (Mbamti) ضاحية من ضواحي مدينة "بنيو" (Banyo). فولد له في هذه القرية ثاني أولاده "عبد الله عليو" (Abdoullahi Aliyou) من زوجته الأولى التي قدمت معه من نيجيريا.
ثم واصل سيره إلى قرية "جيم" (Jem) بين "سمبولبو" (Sambo labbo) و"غاليم تنيير" (Galim Tignére).
وعند ذلك، جاءه أحد إخوة زوجته قادما من "نيجيريا" (Nigeria) للبحث عنه وإعادته إلى "نيجيريا" (Nigeria) فعثر عليه في هذه القرية، فأنجبت له ثالث أولاده وهي: "زينب آبو" (Zaïnab Abou) وقد صارت زوجة لأحد أعضاء الأسرة المتولية للإمارة بمدينة "نغاونديري" (Ngaoundéré)، وأنجبت له أولادا كثيرين بين ذكور وإناث. فبقي في هذه القرية لمدة سنتين أيضا.
وهكذا رجع الباحث عنه غير مصاحب له، لأمور:
1- كون زوجته حاملا للبنت المذكورة؛
2- كون الأنهار مليئة بالمياه؛
3- عدم التمكن من بيع بقراته التي حصل عليها لمصادفة الموسم. موسم منع الحكومة من بيع الأبقار فيه. (عثمان علي، سابق، 29 – 5 – 2024 م) .
قدومه مدينة مقره الأساسي في الكاميرون
فواصل السير من "جيم" (Jem) مرورا ب"غاليم تنيير" (Galim Tignére) إلى مدينة "تنيير" (Tignéré) واستضاف عند "سركي هوساوا" (Sarki Hausawa) آنذاك. ولم يشعر به الأمير حتى قيض الله سببا لاكتشاف أمره، وهو أنهم قد حصلوا على كتاب من السعودية . ولم يتمكنوا من قراءة اسمه لضعف مستواهم في العلم. فأخبرهم مضيفه المذكور بأن له ضيفا يظهر أنه عالم. فجيئ به. فذكر لهم اسم الكتاب. وقال لهم جهلتم اسمه فكيف لكم باستبيان ما في داخله؟ فقالوا له: "أنت الذي تعلمنا إياه".
ومن هنا بدأت العلاقة تتقوى بينه وبين الأمير المتوج آنذاك، وهو الأمير "جالو" (Jaalo). فقد توج عام: 1919 م قبل قدوم الشيخ مدينة "تنيير" (Tignéré) بمدة طويلة .
وعند ذلك عينه الأمير قاضيا له. فجمع بين وظيفتين مهمتين عظيمتين، وهما: التدريس والقضاء. (عثمان علي، السابق، 29 – 5 – 2024 م) .

مهارته في التوريث
لقد حكي أن هناك رجلا اسمه: "أرطو بكري كَلْبا" (Ardo Bakari Kalba) قدِم من "راي بوبا" (Ray Bouba). فجمع بقرات كثيرة فمات. فقسم الشيخ تركته بين ورثته فلم يعجب الحاشية تقسيمه لإرادتهم الاستيلاء عليها فأعادوا التقسيم دونه. فحصل خلاف ونزاع.
وقد كان هناك "غربي" له النفوذ من أفراد رجال الاستعمار فأخبر بالقضية، فأرسل المسألة إلى "يولا" (Yola) فصار تقسيمهم موافقا لتقسيم الشيخ. فألزمهم بتطبيقه وتنفيذه، وأصدر قرارا ليلقب الشيخ بـ"ماي غسكيا" باللغة الهوساوية. (عثمان علي، السابق، 29 – 5 – 2024 م). فأضيف هذا اللقب من ذلك الحين إلى اسمه المعروف. وتمامه: "مالم عاليم ماي غسكيا" (Malam Alim maï gaskiya) كما ذكر معناه. وهذا كله في عهد الأمير "جالوا" (Jaalo)، فتوفي عام: 1953 م فتوج الأمير "هماييرو" (Hamayero) في العام نفسه. (عثمان علي، السابق، 29 – 5 – 2024 م) .
محاولته الانتقال من تنيير
لقد حصلت له مضايقات من الحاشية – على عادتهم المعروفة - فاضطر إلى المغادرة طلبا للمأوى في أماكن مناسبة. فجاء إلى "نغاونديري" (Ngaoundéré) مع زوجاته وأولاده. فكان ناويا أن يستقر في: "نغاونديري" (Ngaoundéré)، فلم يتحقق له ذلك لأجل مضايقة حصلت بينه وبين المنتسبين إلى الأسرة الآمرة، لمصاهرته بأحد منهم وهو: "ييريما عمر" (Yerima Oumarou) المتزوج ببنته "زينب"، زعما منهم – كما هو عادتهم – أنه أتى به من "تنيير" ليعمل له شعوذة ليكون متوجا دونهم.
فاضطر إلى السفر إلى مدينة "ميغنغا" (Meiganga) مع إحدى زوجاته واثنين من أبنائه، طلبا لمأوى آخر مناسب. فوجدوا في "تنيير" أنهم لا استغناء لهم منه، فأرسل الأمير "هماييرو" (Hamayero) مبعوثا له، وهو: "عاليم سيبوري" (Alim seeboré)، فأعاده له مع زوجة أخرى من زوجاته أيضا. فلما استقر في بيت جديد له بعد احتراق بيته السابق، أرسل الأمير نفس المبعوث إلى "نغاونديري" (Ngaoundéré) استقداما لبقية أسرته له. ("آمنة نيوا" (Aminatou Newa) 29-5-2024 م) .
وهذا كله حصل في عهد الأمير "هماييرو" (Hamayero) المتوج في عام: 1953 م والمتوفي: 1982م.
انتقاله النهائي من تنيير
بعد ما أعيد إلى "تنيير" بطلب من الأمير "هماييرو" (Hamayero) أقام فيها لمدة سبع سنوات تقريبا. ولم تتوقف المضايقات عليه من نفس الجهات (الحاشية والحساد والمنافسين) فاضطر إلى انتقال نهائي من "تنيير". فجمع أسرته كلهم فجاء بهم إلى "نغاونديري" (Ngaoundéré) بحثا عن المكان الذي يأوي إليه مطمئن البال مع راحة النفس. فسمع به أهالي قرية "غالدي" (Galdi) ضاحية من ضواحي "نغاونديري" (Ngaoundéré)، وتقع جنوب "نغاونديري" (Ngaoundéré) بستين كيلو، فطالبوه بأن يرحل إليهم فوافق. فأقام فيها مدرسا ومفسرا ومفتيا، لمدة خمس سنوات تقريبا، إلى أن وافته المنية رحمة الله عليه إثر حادث سيارة كانت تنقله إلى "نغاونديري" (Ngaoundéré) مما سيذكر في موضعه. ("آمنة نيوا"، السابقة، ، 29-5-2024 م) .

ملاحظة: الأمير "هماييرو" (Hamayero) كان تلميذا له قبل تتويجه للإمارة. ولكن مع ذلك لم ينج الشيخ من مضايقات حواشيه. مما يدل على أنهم يغلبون أمراءهم ويقنعونهم فيما أرادوه وفي تنقيذ مكايدهم. إلا أن المسؤولية والمؤاخذة على عواتق الأمراء أنفسهم، وهكذا.
حياته التعليمية
يستنتج مما سبق أن الشيخ قد عقد حلقات تعليمية في مدن وقرى متعددة. أهمها وأشهرها:
1- مدينة "كونشا" (Kontcha)، فقد قيل إنه درس فيها لمدة سنتين. وكما قيل إنه عمل فيها إماما وقاضيا (زينب، سابقة، ، 29-5-2024 م، الساعة: 14 h 15) ؛
2- قرية "مبامتي" (Mbamti)، ضاحية من ضواحي "بنيو" (Banyo)، كما سبق ذكره درس فيها أيضا لمدة سنتين تقريبا؛
3- قرية "جيم" (Jem)، الكائنة من ضواحي "بنيو(Banyo) " (عثمان علي، سابق، 29 – 5 – 2024 م)؛
4- مدينة "تنيير" (Tignére)، وفيها عقد حلقته الأساسية. ودرس فيها سنوات عديدة. مدة بقائه فيها.
5- قرية "غالدي" (Galdi)، ضاحية من ضواحي "نغاونديري" (Ngaoundéré)، كما سبق ذكره. وحلقته فيها، هي الثانية في الشهرة والأهمية وطول المدة وكثرة التلاميذ، بعد حلقته في مدينة "تنيير" (Tignére).
وهو في جميع هذه المدن والقرى تكون له حلقة لتفسير القرآن في رمضان، كما هو عادة المشايخ سابقا ولاحقا في الكاميرون وفي "نيجيريا" ("آمنة نيوا"، سابقة) . ويحفظ صاحب المقالة أنه كان يحضر حلقته للتفسير في قرية "غالدي" (Galdi)، أحيانا.
وزيادة على ما ذكر فقد كان يشرف على كُتاب من الكتاتيب في بيته يتولى التعليم والتصحيح فيه زوجاته. وأشهرهن في ذلك: زوجته "آمنة نيوا" (Aminatou Newa)، ثم عائشة المشهورة ب"شار بوتو" (Cha rubutu)، كما ذكر سابقا.
والشيخ نفسه كان يصحح فيه أحيانا. وقد كان – لشدة اهتمامه لبيان معاني الآيات وتفسيرها – إذا سمع بعض الآيات من الأولاد يقف ويبين معناها وتفسيرها. وهكذا مما يدل على أنه مهتم جدا بالاستماع إلى القرآن ومستمتع به .
تلاميذه
له تلاميذ كثيرون. ولكن أكثرهم توفوا ولم يبق منهم إلا القليل، وهم خمسة:
1- "إبراهيم لوان" (Ibrahim Lawan)، نائب لإمام جامع الحاج أبو عثمان، نغاونديري؛
2- "مال يايا جيلا" (Maala Yaya Djayla)، نغاونديري؛
3- "هموا مباوَّا" (Hamoa Mbawwa)، "طيبي نغاونديري" (Dibi Ngaoundéré)؛
4- "مودبو موسى" (Modibbo Moussa)، ابن عم للأول، "بتووا" (Batoua)؛
5- "مال موسى" (Maala Moussa)، أخ أكبر للمعروف ب"ببوا الجنه" (Bobbo Aljannah)، "نغاونديري"؛ ("إبراهيم لوان" ، 13-6-2024 م) .
والمشهورون من المتوفين، هم:
1- "مودبو جبدي" (Modibbo Djobdi)، "بيليل إواري" (Belel Iwaré)؛
2- "مودبو إسماعيل" (Modibbo Ismaïla)، أخ للأول، "سمبو لبو" (Sambo Labbo)؛
3- "مودبو آدمو كورمجي" (Modibbo Adamou Kouroumdji)، "نغاوندال" (Ngaoundal)؛
4- "مودبو عثمان طان يا" (Modibbo Ousmanou Dan Ya)، "نغاونديري"؛
5- "مودبو بكري يايا بوندانغ" (Modibbo Bakari Yaya Boundang)، "نغاونديري"؛
6- "مال علي" (Maala Ali)، "تنيير؛
7- "مال ياوا" (Maala Yaou)، إمام "تنيير" سابقا، "تنيير"؛
8- "يريما أجوجي" (Yerima Adjoudji)، "سركي هوساوا" (Sarki Hausawa)، "تنيير"؛
9- "هما ييروا" (Hamayero)، أمير "تنيير"؛
10- "إمام موسى" "غالدي" (Imam Moussa Galdi)، "غالدي" (Galdi)؛
11- "مودبو سلي" (Modibbo Souley)، قرب "غالدي" (Galdi)؛
12- "جورو باري" (Djaouro Bari)، أب لـ"ببو الجنة" المعروف؛
13- "ببو عبد الله" (Bobbo Abdoullahi)؛
(عثمان علي، سابق، 29 – 5 – 2024 م)
14- "مودبو سعدو" (Modibbo Sadou)؛
15- "مال أبَّا" (Maala Abba، أخ لـ"مودبو سلي" السابق؛
16- "مودبو حَسَنَا جبي" (Modibbo Hassana Djabé)؛
17- "الحاج صالح" (Alhadji Salé)، إمام "غالدي" (Galdi)، سابقا؛
18- "مودبو همجوطه" (Modibbo Hamadjoda)، وكان يأتي من مدينة "ميغنغا" (Meiganga)، ويقيم في "غالدي" شهرين مثلا للتعلم، ثم يعود ... إلخ
19- "مودبو بابيتيل" (Modibbo Baa Petel) ...
وكثير من هؤلاء يأتون من البادية للتعلم أيضا. (تلميذه "إبراهيم لوان النائب " ("إبراهيم لوان" ، 13-6-2024 م)
وهؤلاء يمكن أن يعتبروا من إنتاجه العلمي. بمعنى أنهم شاركوا في نشر علمه وكان لهم بعده دور كبير في نشر اللغة العربية نحوا وصرفا وأدبا وبلاغة وعروضا، وغيرها من العلوم التي كان يعلمهم إياها.
أشهر الكتب اللغوية والأدبية التي كان يعلمها:
1- متن الآجرومية
2- ألفية ابن مالك
3- ملحة الإعراب
4- مختار الشعر الجاهلي
5- القصائد العشريات
6- متن العشرينية
وغيرها في موادها وفنونها.
وأما غير كتب اللغة، فقد كان يدرس مثل:
1- رسالة أبي زيد؛
2- الموطأ للإمام مالك؛
3- مختصر خليل؛
4- تفسير الجلالين؛
5- كتاب التحفة في القضاء. ونحوها أيضا.
("إبراهيم لوان" (Ibrahim Lawan)، 13-6-2024 م،)
وهذا مما يدل على أن حلقته كغيرها من حلقات كبار المشايخ التقليديين، تعتبر جامعة علمية. وصاحبها يعتبر موسوعة علمية، أيضا.
أسلوبه في التعليم
له أسلوب في التعليم يكاد يكون خاصا به عن غيره من أصحاب الحلقات التعليمية.
- معلوم أن غالب الحلقات عندنا، كل تلميذ يدرس كتابه على انفراد. فمن سبق في وضع كتابه هو الذي يكون له حق البدئ به أولا، ثم من يليه في وضع كتابه أيضا. ولو كان هناك من يشارك الأول في كتاب واحد. وهذا هو العادة الغالبة. إلا أن الشيخ، فكل كتاب بدأ به، لا يتوقف عنه إلى كتاب آخر إلا إذا كمل مع أصحاب الكتاب نفسه، مع اختلاف الأبواب والمواضع. ولو كان دوره متأخرا.
- وكان أيضا يعرف أين يبدأ مع تلميذه مع تعدد كتبهم ومواضع البدئ مع كل منهم. ولذا يفتح كل كتاب لهم تلقائيا وبدون تكلف وبحث.
كان لا يوقف التلميذ إلا إذا توقف بنفسه. وربما يقول لمن يطيل منهم: "أتريد أن ندخله التاكسي"؟ ممازحا له. ((إبراهيم لوان"، السابق، 13-6-2024 م)


حياته الاجتماعية
كان تحته ثلاث زوجات، توفي عنهن جميعا. تزوج بالأولى واسمها "فاطمة" وتعرف ب"غغو" (Goggo) ومعناه: "العمة" ، تزوج بها أثناء إقامته للتعلم، في "غمبي" (Gombé)، وهي التي هاجر معها إلى الكاميرون. وهي بنت أخ لقاضي أمير "غمبي" (Gombé)، المسمى بـ"هاشم" آنذاك. وهي سيدة مطيعة لله ثم لزوجها. وأنجبت له كثيرا من الأولاد ذكورا وإناثا.
وأما الذكور، فهم:
1- عبد الله علي، وهو أكبر أولاده الذكور؛
2- سعيد علي، وقد كان موظفا أمينا للصندوق في بلدية "تنيير" (Tignére). كلاهما توفيا بعد وفاة أبيهما بمدة طويلة.
3- "محمد علي". يقيم حاليا في "باريس" (Paris). وقد أنهى دراسته الأكاديمية بالفرنسية هناك، وأخذ الجنسية الفرنسية وتزوج بامرأة ألمانية. وقد تخصص في اللغة الفلاتية على لهجات مختلفة. وكان يترجم كتب القصائد إلى الفلاتية. ويبدو أنه تقاعد الآن.
4- "أبو بكر صديق علي"، يقيم حاليا في "نغاونديري" (Ngaoundéré). وكان قد نال المنحة الدراسية في ألمانية وتخصص في تربية المواشي.
وأما الإناث من أولادها، فهن:
1- عائشة وتعرف عندنا بـ"أدا غمبي" (Adda Gombé). وأدا بالفلاتية معناه: الأخت الكبرى. وهي الأولى من أولاده؛
2- "زينب آبو" وقد تزوج بها أحد أعضاء الأسرة المتولية للإمارة بمدينة "نغاونديري" (Ngaoundéré)، وهو "ييريما عمر" (Yerima Oumarou) كما سبق ذكره؛
3- "حواء" تزوج بها رجل هوساوي، اسمه "الحاج أباشي" ؛
4- "خديجة". هي كسابقتها في الزواج واسم زوجها "الحاج ياؤو تنيير" (Alhadji Yaou Tignére) وهي والأولى والثالثة كلهن توفين بعد وفاة الشيخ؛
5- "حفصة"، وهي متزوجة الآن في "كانو" من رجل هوساوي أيضا (Kano)؛
6- "آمنة"، وقد توفيت قبل وفاة الشيخ بزمن طويل؛
7- "رقية" ولقبت بـ"جوما " (Joùma)، توفيت في حادث سيارة مع أبيها "الشيخ" كما سيبين عند إيراد القصة.
ثم تزوج بثنتين في الكاميرون،
إحداهما: "عائشة" الملقبة بـ"شا ربوتو" (Cha rubutu)، كما ذكر سابقا. وهي هوساوية. تزوج بها في "تنيير" وهي امرأة هادئة ومطيعة لله ثم لزوجها أيضا. وقد أنجبت له ثمانية أولاد من ذكور وإناث.
أما الذكور، فهم:
1- "عمر" وتوفي صغيرا؛
2- "أحمد تجاني علي"، وقد كان موظفا في المالية؛
3- "جعفر علي"، متخصص في الهندسة والبناء؛
4- "صالح علي"، يقيم حاليا في "بوركينا فاسو" (Burkina Faso)؛
5- "يوسف علي"، كان متخرجا في المعهد الثانوي للشيخ "محمد علي ديوا، بـ"نغاونديري.
وأما الإناث، فهن:
1- "سعادة علي"، تقيم حاليا في "تنيير"؛
2- "حبيبة" الملقبة بـ"إيانغا" ( Iyanga) بالهوساوية ، وهي أيضا مقيمة حاليا في: "تنيير"، كانت متزوجة من هوساوي ايضا ؛
3- "آمنة علي"، وهي كسابقتها في موضع الإقامة.
ثانيتهما: "آمنة" الملقبة بـ"نيوا " (Néwa)، وقد تزوج بها بعد ما توفيت أختها الكبرى تحته.
وهي امرأة ملتزمة مهتمة بالدين كضرتيها. كما تهتم بتعليم أولادها وأولاد الجيران. والتعليم هو وظيفتها، قبل أن يكبر سنها. وأنجبت له ستة أولاد ذكورا وإناثا.
أما الذكور، فهم:
1- "إبراهيم علي" ويحمل الدكتوراه في التخصص في الزراعة. وقد كان أمينا عاما في منظمة "ابيس" (APESS) ولكنه تقاعد الآن ويقيم في "نغاونديري". وبيان ذلك:
Il est Docteur-Ingénieur du Génie rural.
Coordinateur régional de l’APESS (Cameroun Centre-Afrique et Nigéria) de 1996 à 2008
Secrétaire Général de l’APESS (14 pays) de 2008 à 2020 avec siège à Ouagadougou au Burkina Faso
APESS = Association pour la Promotion de l’Elevage au Sahel et en Savane.
2- "عثمان علي"، كان موظفا في "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي" (Caisse Nationale de Prévoyance Sociale – CNPS)
ولكنه الآن متقاعد. ويقيم في "نغاونديري" أيضا.
3- "محمود علي"، درَس منذ الصغر في الحلقات التعليمية التقليدية. وقد تخرج بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام: 1414 هـ الموافق ل: 1993 م. والآن يعد رسالة الدكتوراه في اللغة العربية، بجامعة "ماروا" (Maroua)، ويقيم حاليا في "نغاونديري" وهو صاحب المقالة؛
4- "سعد علي"، وقد تخرج بالجامعة الإسلامية أيضا في كلية الشريعة. ويقيم حاليا في "ياوندي" (Yaoundé)، ويعمل مندوبا للحجاج.
وأما الإناث، فهن:
1- "فاطمة علي" تقيم مع والدتها في "نغاونديري"؛
2- "راضية العدوية علي"، وتقيم مع والدتها أيضا مثل أختها.
وهؤلاء هم أولاد الشيخ. ومجموعهم "25". توفي ثلاثة منهم في حياته، كما ذكر سابقا. ومات عن "22" فتوفي منهم أربعة كما ذكر أيضا، ذكران وأنثيان. وكل من هؤلاء له أولاد بين مقل ومكثر. فهناك من له: "31" ولدا بين ذكور وإناث. مما يدل على أنه قد بورك له (الشيخ) في حياته. فقد قيل: "كثرة المال رزق وكثرة الأولاد بركة".
ويمكن أن نجعل له لغزا في زوجاته وأسمائهن، ألا وهو: هناك من جمع في زواجه لنسائه بين اسم والدة النبي صلى الله عليه وسلم (آمنة) وبين اسم بنته (فاطمة) وبين زوجته (عائشة) فمن هو؟ وهكذا.
معاناته:
فقد عاني الشيخ بصعوبات كثيرة ومشقات وأضرار في حياته:
- أضرار وأذيات لحقته من ضرة والدته. فكانت سببا لخروجه للتعلم فصارت خيرا له؛
- ما لحقه من حاشية الأمراء في "تنيير" ومن المنافسين له والحساد. فكان ذلك سببا لانتقاله من "تنيير "؛
- ما كان يعانيه من ضيق العيش أحيانا. وكثيرا ما كان يقول لأسرته أحيانا: "اليوم أصبحت وليس لي ما أطعمكم منه".
- كما عانى بالفقر والشدة عند بداية إقامته في "غمبي" للتعلم، حتى اضطر إلى التسول ليجد لقيمات يقمن صلبه ويسد بها رمقه، كما يفعله من يسمون بـ"الماجري " (Almâjiri)، في "نيجيريا. إلى أن يسر الله حاله فقيض له رجلا ثريا فأحبه وقربه وآواه. وهو الذي تكلف بكلفة زواجه لزوجته الأولى.
أخلاقه:
هو دمث في الأخلاق ومتسامح. ويدل على ذلك أنه لم يذكر له نزاع مع أحد من أفراد أسرته ولم يعرف صدور غلظة على أحد منهم. ومما يؤكد ذلك أيضا، تقريبه لأبنائه الصغار للتحدث معهم، مثل ابنه "عثمان علي"، فقد كان يتحدث معه عن كل شيء يريده مع أنه كان عند ذلك بين ثمانية وعشر من عمره. كما أنه كان يمازح تلاميذه أحيانا. ولا يوقف أحدا منهم أثناء التعلم منه والتصحيح. وقد أثنى عليه تلميذه إبراهيم لوان بحسن الخلق معهم. (عثمان علي، سابق، 29 – 5 – 2024 م و إبراهيم لوان"، السابق، 13-6-2024 م) .
زهادته:
لقد عرف منه الزهادة. ومن ذلك أنه في غالب أحواله مقتنع بقليل مما يجد من قوته، ولا يتكلف. وليس له هم إلا حلقته وكتابه. (عثمان علي، السابق، 29 – 5 – 2024 م) .
كما أنه لا يهتم بادخار شيء من المال. فقد كان يُتصدق عليه ببقرة أو بقرات أحيانا ويبيعها كلها أو يكْفُلها عند بعض تلاميذه ولا يتفقدها ولا يراجعهم فيها. مما يدل على أنه غير مهتم بعرض من الدنيا. (إبراهيم لوان"، سابق، 13-6-2024 م) .
ديانته
فهو مسلم كما هو معلوم. ومتمسك بالطريقة التجانية من الطرق الصوفية، كما هو غالب أحوال مشايخنا القدامى قبل انتشار الحركة الوهابية للدعوة إلى التمسك بالسنة. فقد كانوا لا يعرفون إلا هذه الدعوة الوحيدة، وهي الدعوة إلى التمسك بالطرق الصوفية، للتقرب إلى الله بها. فيجدون أنفسهم مضطرين إلى التمسك بها رغبة منهم للتقرب إلى ربهم سبحانه. فصار الأمر كما يقال بالمثل الفلاتي: "سيد دادا مسني ماما" (soyndé daada moussini maama)، ومعناه: "عدم وجود الأم لزمت الرضاعة من الجدة". وربما يوافقه ما يلي في المعنى: "
1- "الجود بالموجود"؛ (د. سعيد علي)
2- "يسير موجود خير من كثير مفقود"؛
3- قاعدة أصولية، وهي: "ما لا يدرك كله لا يترك جله". (د. مؤمن إبراهيم).
حكايات متعلقة به:
هناك حكايات ينبغي أن تذكر عنه. منها:
- أنه قد جاءه شخص فطلب منه أن يذكر له ما يحفظه من السحر. فأمره بثلاثة أمور:
• أن يؤمن بالله ويستسلم له ويطيعه؛
• أن يمتنع من الظلم؛
• أن لا يسحر غيره. (آمنة نيوا، سابقة، 29-5-2024 م)
- قد مر ذات يوم بهوساوي يعلم فجلس عنده، ولم يكترث به، فجاء في كلمة "منكم" فقرأه "منَكَم" بفتح النون والكاف فبين له. فعظموه وقربوه وأهابوه. فقالوا له: "غا فتا مالم" (gaa fatta maalam). (عثمان علي، سابق، 29 – 5 – 2024 م) .
- كان في أول إقامته في "غالدي" (Galdi) قد وجد عدم توفر الطعام فيها حتى صار الناس لا يجدون بعض وجباتهم اليومية. فخرج ذات يوم على عادته، فشكوا له قلة الطعام – الحالة المعتادة عندهم – فدعا الله لهم بتوفر الطعام. فاستجاب الله دعاءه. فأبدل لهم البأساء بالسراء. فصار التجار يشحنون شاحناتهم وعربياتهم بالطعام لحطها كلها في "غالدي" (Galdi). فصار الطعام متوفرا فيها من ذلك الحين إلى الآن. (إبراهيم لوان، سابق، 13-6-2024 م) .
- جاء إليه شخص فقال له: "ما ذا أفعل ليكف أولادي عن الشتم". فقال له: "انتظر حتى أدعو بعض أولادي"، فدعاهم، فقال: "سبوا واشتموا" – مما يعبر بالفلاتية: "لاكي" (laaké)، فلم يعرفوا ما هو، فلزموا السكوت . فقال للشخص: "أرأيت؟ لعلهم عرفوا السبَّ والشتم منكم. فعليكم أن تكفوا.
- كان لا يوقف التعليم في حلقته لأجل دعوة صاحب جاه، أميرا كان أوغيره، إلا بعد فراغه منه، مما يدل على أن التعليم هو مهمته الأساسية وعلى أنه معتز بنفسه.
- كان يقول لزميله "مودبو محمد المهدي" (Modibbo Mouhammad Al Mahdi): "لا تشدد يا مهدي"، وذلك في جلسة لهم في "تنيير" (Tignére)، وقد مر بهم السيد Sous-Préfet آنذاك، للسلام عليهم مصافحة. فمد يده إليهم جميعا فصافحوه كلهم إلا "مودبو المهدي" (Modibbo Al Mahdi)، فامتنع من مصافحته زعما منه أنه لا يصافح غير مسلم. فعاتبه الشيخ قائلا له: "دع التشديد يا مهدي" كما سبق. مما يدل على أنه متسامح.
وفاته:
يحكي صاحب المقالة قصة وفاته والعينان تنهمران دمعا. إذ أنها قصة يرثى لها، وهي:
أن هناك حفيدا من أحفاده مرض. ومعلوم كيف يبلغ حب الأجداد لأحفادهم، وكيف يكون مدى ترحمهم عليهم. والحال تتطلب تقديمه إلى المستشفى العام بمدينة "نغاونديري". فطلب تلميذه إمام القرية أن يقدمه بنفسه نيابة عن جد المريض الشيخ. ولكن ما قدر الله فعل. فساقه القدر إلى أن يجهز السفر لتقديمه بنفسه، ليأتي إلى أرض يموت فيه. كما ساق القدر أيضا بنته رقية الملقبة بـ"جوما" كما سبق –-. فألحت وأصرت على أبيها باكية أن تصاحبه وترافقه، مع أنها قد كانت آنذاك لم تتجاوز العشر من عمرها. فلم يرفض الشيخ إلحاحها ترحما عليها لتأتي أيضا إلى أرض يقضى عليها فيه. فوصلت السيارة إلى جسر لنهر "فينا" (Vina) بينه وبين نغاونديري 17 كيلو تقريبا. فوقفها السائق وسط الجسر فنزل لطرد قطيعة من الأبقار كانت عليه. فكانت هناك شاحنة أو صهريج غادرت من "نغاونديري" فبوصولها إلى النزلة المطلة على الجسر تفلتت من قائدها، فنزلت باندفاع شديد، فصدمت السيارة الواقفة – والله المستعان – فبلغ عدد الضحايا ستة أنفار بينهم الشيخ وبنته المرافقة، رحمة الله عليهما وعلى غيرهما من الضحايا. فنقل الجميع إلى "نغاونديري".
فجهز الشيخ وبنته في بيت "القاضي إبراهيم" (Alkali Ibrahima)، ودفنا في مقبرة حي "جوليسوار" (Joli soir). اللهم اغفر لهما وارحمهما. وكان ذلك بتاريخ ميلادي: 1969م. وهذا آخر كل حي: "وما تدري نفس بأي أرض تموت" و "كل نفس ذائقة الموت" و "إنك ميت وإنهم ميتون".
وبعد وفاته رثاه أحد من تتلمذوا عليه وهو "مودبو آدمو كورمجي" (Modibbo Adamou Kouroumdji)، المذكور سابقا، بتسعة أبيات، رثاه وعزى بها أهل "غالدي" (Galdi). وهي:
1- إن الأمور جرَت في قدرةِ اللهِ *** ما شاءه كان يا اَللَّهُ لِلَّهِ
2- نَدْعُوكَ يا غافرَ الأوزار أَجْمعِها *** فَاغفِرْ إِلهي عليًّا عابدَ اللهِ
3- الأمرُ في يدِك المولى فلا أحدٌ *** يدعوك يَرْجُوكَ إِلاَّ الخيرُ آتاهُ
4- بِجَنَّةِ الخُلدِ فاجْعَل سُكنَ سيدنا *** بِجَاهِ خير الورى المختارِ يا اللَّهُ
5- لا حولَ حقًّا إلينا قُل وَقُوَّتَهُ *** يقولُ كلُّ جميع الأمرِ للهِ
6- هَوِّنْ إليه جَميعَ الأمر يا ربي *** ثبِّتْ لِسَانَ عَلِيٍّ فيكَ يا اللَّهُ
7- وَابْدِلْهُ دَارًا وأهلاً منك يا ثِقَتِي *** خَيرًا بما عندَهُ أَضْعافَك اللهُ
8- يا أهْلَ غَالْدِي ومن سُكْناهُ فُرْجَاهُ *** عُزِيتُمُ بوفاة البَدْرِ شمساهُ
9- بَدْرِ الطَّرِيقةِ شمْس الْعِلمِ يا اللَّهُ *** أَلْبِسْ إِلَهِي عَلِيَّا ثَوْبَ رِضْوَاهُ
الخاتمة
- من جد واجتهد في طلب العلم ورُزق ذكاء وفهما يمكن له أن يحصله في سن مبكر كما حصل لـ"مودبو عاليم غمبي" (Modibbo Alim Gombé). فإنه صار عالما في سن مبكر. مما يدل على أنه قد جد واجتهد ورزق ذكاء وفهما. ولذا يوصي صاحب المقالة طلاب العلم أن يجدوا ويجتهدوا في تحصيله.
- تبين من المقالة أن أصحاب الفضل محسودون. وليس هناك من يرزق فضلا إلا ويحسد. وعلى هذا فعلى صاحب الفضل أن يستعد ليعرف كيف يتصرف مع الحاسدين.
- للحلقات التعليمية التقليدية إيجابيات كثيرة مما يحمل طالب العلم على الاهتمام بها. ومنها:
1- عدم الجمع بين الفنون في آن واحد، مما يسهل الإتقان ويساعد عليه، قبل الانتقال إلى فن آخر. ومثل هذا نقول في الكتب أيضا، بحيث يساعد على إتقان كتاب ثم إلى كتاب آخر؛
2- بيئتها بيئة تحمل الملتحقين بها على التأدب والتهذب أكثر من غيرها.
ولا شك أن كل ما له إيجابيات فلا يخلو من سلبيات أيضا. ومن ذلك:
1- الجمود على حالة واحدة لا تتغير ولا تتطور مع تغير الأحوال وتطورها؛
2- صعوبة التخاطب والحوار فيها بالعربية لعدم التعود عليها.
- الأفضل لطالب العلم الجمع بين الأسلوب التقليدي والأسلوب النظامي في طلبه للعلم قدر الإمكان ليكمل كل منهما نقص الآخر.
- مع كثرة الإيجابيات في الحلقات التعليمية التقليدية، فقد تقلصت. وعلى هذا فعلى كافة المهتمين بالعلم ولا سيما العاملين في مجاله أن يعيدوا النظر في شأن تلك الحلقات لإنعاشها والسعي في توفيرها وإنجاحها.
- الحلقات التقليدية بصفتها في تعليم الفنون كلها إلى حد الإتقان يمكن لها أن تخرج علماء متفننين، ولا سيما فيما يتعلق باللغة والأدب. لآن الفنين أهم ما يدرس ويعلم فيها.
قائمة المصادر والمراجع
1- إبراهيم لوان، تلميذ الشيخ؛
2- ابن منظور، لسان العرب، ط: أولى، دار الفكر، ت: 1410 هـ - 1990م؛
3- آمنة "نيوا"، زوجة الشيخ؛
4- حبيبة، بنت الشيخ؛
5- الدكتور "سعيد علي"، رئيس قسم اللغة والثقافة العربية بجامعة نغاونديري؛
6- الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور عبد الحليم المنتصر وغيرهما بإشراف حسن علي عطية ومحمد شوقي أمين، المجموعة العربية، ط: الثانية، دون؛
7- الدكتور مؤمن إبراهيم، "المدرسة التقليدية العربية في الكاميرون بين البقاء والانقراض"؛
8- المصادر الالكترونية: المعجم الشامل؛
9- زينب "آبو"، بنت الشيخ؛
10- عائشة، زوجة الشيخ؛
11- عثمان علي، ابن الشيخ؛
12- مال عيسى، المقيم في "غاليم"؛
13- ويكيبيديا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب خدعه
- انها الفوبيا هي من تَحكم يا صديقي


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود علي - دور الشيخ مودبو عاليم غمبي في الحلقات التعليمية التقليدية بأدماوا كاميرون