رنده محمد سليمان الرواشدة
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 22:59
المحور:
الادارة و الاقتصاد
يشهد العالم تطورات تكنولوجية متسارعة في جميع مجالات الحياة لم يسبق لها مثيل، وقد بات الحديث عن التكنولوجيا وتأثيراتها الاقتصادية حديث الساعة. فالعالم اليوم يعيش ثورة تقنية غير مسبوقة، تمثلت في ثورة المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي الشامل، مما أدى إلى ولادة ما يُعرف بـ "الاقتصاد الرقمي". هذا الاقتصاد الجديد لم يعد حكرًا على الدول المتقدمة، بل امتد ليشمل الدول النامية، ومن بينها الأردن، الذي سعى -ولم يتأخر كثيرًا- للحاق بركب العلم والتكنولوجيا.
يهدف هذا المقال إلى تحليل أثر هذه التكنولوجيا على حياة الإنسان الاقتصادية في الأردن، متناولًا مظاهر التحول الرقمي، والتحديات، والفرص التي واكبت هذا التغيير.
أولاً: التطور التكنولوجي العالمي والاقتصاد الرقمي: لقد برز هذا التطور في:
• إنترنت الأشياء (IoT): ربط الأجهزة بالإنترنت لتبادل البيانات.
• الذكاء الاصطناعي (AI): توظيف الآلات لأداء مهام كانت تحتاج عقلًا بشريًا.
• البيانات الضخمة (Big Data): تحليل كميات هائلة من البيانات لاتخاذ قرارات اقتصادية دقيقة.
• تقنية البلوك تشين (Blockchain): أساس العملات الرقمية والتمويل اللامركزي.
نتج عن هذه التطورات انتقال العالم إلى الاقتصاد الرقمي الذي يتميز بـ:
• التجارة الإلكترونية (E-commerce): شراء وبيع السلع والخدمات عبر الإنترنت.
• التسوق الإلكتروني: استخدام منصات رقمية بدل الأسواق التقليدية.
• الشمول المالي (Financial Inclusion): إتاحة الخدمات المالية للجميع عبر الهواتف المحمولة والمحافظ الرقمية.
• التمويل الرقمي: القروض، والاستثمار، والمدفوعات دون الحاجة للفروع البنكية التقليدية.
ثانياً: واقع التكنولوجيا والتحول الرقمي في الأردن: لم يقف الأردن مكتوف الأيدي أمام هذه الثورة، بل أطلق العديد من المبادرات والاستراتيجيات الوطنية، أبرزها:
• استراتيجية الأردن للتحول الرقمي (2020-2025): تهدف إلى رقمنة الخدمات الحكومية والاقتصادية.
• رؤية التحديث الاقتصادي (2022-2033): جعل الأردن مركزًا إقليميًا للرقمنة والابتكار.
• إطلاق منصة "سند" الحكومية: لتقديم الخدمات الحكومية إلكترونيًا.
• شبكات الجيل الخامس (5G): بدأ تشغيلها تجاريًا لتعزيز سرعة الاتصال.
كما تم إنشاء وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة (سابقًا) وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات لتوفير بيئة تشريعية داعمة.
ثالثاً: تأثير التكنولوجيا على الحياة الاقتصادية للأردنيين
1. التجارة والتسوق الإلكتروني: لقد شهد الأردن طفرة في منصات التجارة الإلكترونية المحلية مثل "أمازون.الأردن" (موزع محلي)، و"OpenSooq"، و"MarkaVIP"، و"Waslah". . ووفقًا لتقرير غرفة تجارة الأردن، ارتفعت قيمة معاملات التجارة الإلكترونية من حوالي 200 مليون دينار عام 2019 إلى أكثر من 600 مليون دينار عام 2023. كما سهل التسوق الإلكتروني على المستهلكين المقارنة السعرية والوصول لمنتجات لم تكن متوفرة محليًا، لكنه أثر سلبًا على المحلات التقليدية الصغيرة.
2. الشمول المالي والمدفوعات الرقمية: قفزت نسبة الأردنيين الذين يمتلكون حسابات مالية رقمية من 33% عام 2018 إلى 57% عام 2023 (بيانات البنك المركزي الأردني). وهناك تطبيقات الدفع عبر الهاتف مثل "eFAWATEERcom" (الفواتيركوم) أصبحت وسيلة رئيسية لدفع الفواتير، وتحويل الأموال، وشراء الرصيد.
إلى جانب ذلك برزت المحافظ الإلكترونية مثل "Orange Money" و"Zain Cash" التي مكنت شريحة كبيرة من غير المتعاملين مع البنوك (العمالة الوافدة، والأسر محدودة الدخل) من إجراء معاملات مالية آمنة. كما انخفض استخدام الشيكات والنقد الورقي بنسبة ملحوظة، خاصة بعد جائحة كورونا التي كانت حافزًا كبيرًا للتحول الرقمي.
3. التوظيف وسوق العمل
• فرص جديدة: نشوء وظائف تكنولوجية بحتة كمطوري التطبيقات، محللي البيانات، خبراء الأمن السيبراني، ضمن شركات التكنولوجيا المحلية والدولية التي لجأت للأردن كمركز لخدماتها (مثال: مراكز الاتصال والتطوير لشركات مثل أمازون، وشركة "إكستنسيا").
• العمل عن بُعد: أتاحت التكنولوجيا للأردنيين العمل لحساب شركات خارج البلاد، مما وفر عملة صعبة وزاد الدخل الفردي.
• تحديات البطالة: بالرغم من الفرص الجديدة، إلا أن التحول الرقمي أدى إلى استغناء بعض القطاعات التقليدية (كالصرافة اليدوية، والمحاسبة الورقية) عن العمالة غير المؤهلة رقميًا. بلغت نسبة البطالة في الأردن عام 2023 حوالي 22%، مع تفاقم الفجوة الرقمية بين العمالة الماهرة وغير الماهرة.
4. ريادة الأعمال والشركات الناشئة: صُنف الأردن كواحد من أكثر الدول العربية ابتكارًا في قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech). وبرزت شركات ناشئة مثل "Abwab" للتمويل الجماعي، و"Liwwa" للإقراض الرقمي للشركات الصغيرة، و"Visa" الأردن لمنصات الدفع.
وشهد الأردن سهولة تأسيس الشركات إلكترونياً عبر منصة "سجل" التي قللت التكاليف والوقت. وهناك مراكز الإبداع مثل "Kingtonics" و"The Tank" التي دعمت رواد الأعمال التقنيين.
5. التحديات التي واجهها الأردن
• الفجوة الرقمية: تفاوت في الوصول للتكنولوجيا بين المدن والقرى والأرياف، ونقص في المهارات الرقمية لدى كبار السن وضعيفي التعليم.
• الأمن السيبراني والاحتيال: تزايدت حالات الاحتيال المالي الإلكتروني، وسرقة البيانات البنكية، مما أثار مخاوف المواطنين.
• البنية التحتية: رغم التحسن، لا تزال سرعات الإنترنت في بعض المناطق متواضعة مقارنة بالدول المتقدمة.
• التشريعات: تأخر بعض القوانين مثل قانون حماية البيانات الشخصية، وقانون تنظيم العملات المشفرة، مما سبب حالة من عدم اليقين للمستثمرين.
رابعاً: دراسة حالة - تأثير الشمول المالي على الفئات المهمشة: على سبيل المثال، العاملات في المنازل أو أصحاب المحال الصغيرة في عمان والزرقاء، استفادوا من المحافظ الإلكترونية لتلقي رواتبهم أو لدفع ثمن البضائع دون حاجة لحمل مبالغ نقدية خوفًا من السرقة. كما سهلت منصة "دكانك" على أصحاب البقالات إدارة مشترياتهم إلكترونيًا. هذا أدى إلى رفع مستوى معيشتهم وتقليل الوقت والجهد المبذول في المعاملات المالية.
خامسة: نظرة مستقبلية وتوصيات: لا يزال الطريق طويلاً أمام الأردن لمواكبة التكنولوجيا العالمية بشكل كامل، لكنه على المسار الصحيح. للتغلب على التحديات وتعزيز الأثر الإيجابي، نقترح الآتي:
1. تعزيز التثقيف الرقمي: برامج إلزامية في المدارس ومحو الأمية الرقمية للكبار.
2. دعم ريادة الأعمال التكنولوجية: حوافز ضريبية للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية.
3. تطوير البنية التحتية: توسيع شبكات الألياف الضوئية إلى المناطق النائية.
4. إقرار تشريعات حديثة: قانون حماية بيانات، وقانون للعملات الرقمية لمنع الغش وجذب الاستثمارات.
5. التركيز على الوظائف الخضراء والرقمية: إعادة تأهيل العمالة المتأثرة بالتحول الرقمي عبر مراكز التدريب المهني.
ختاماً، التكنولوجيا ليست رفاهية بل ضرورة اقتصادية للأردن في عالم اليوم الرقمي. أثبت الأردن جدارته في السعي للحاق بركب التطور، وظهر هذا جليًا في نجاح منصات الدفع الإلكتروني وانتشار التجارة الإلكترونية والشمول المالي. لكن التحديات مازالت قائمة، وأبرزها الفجوة الرقمية والبطالة الهيكلية. إن تبني استراتيجية شاملة تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير المهارات، وحماية المستخدمين، يمكن أن يجعل من التكنولوجيا قوة دفع حقيقية لتحسين حياة الأردنيين الاقتصادية، وليس مجرد أداة للتحديث الشكلي. وكما قالوا: "في قلب كل تحدٍ تقني، تكمن فرصة اقتصادية عظيمة".
#رنده_محمد_سليمان_الرواشدة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟