أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير السباح - ذاكرة الصوت والسمع














المزيد.....

ذاكرة الصوت والسمع


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 18:33
المحور: الادب والفن
    


مية مية حلوة يا مية... قهوة قهواي... قهوة قهواي... صوتان كانا يترددان في أسواق دير البلح على امتداد شارع الشهداء طيلة فترة الحرب. أينما كنت تتجه في الزحام سوف تتعثر بهما، فقد حملا بصمتين ولحنين جديدين في فن إلقاء أحد عناصر الأدب الشفهي الذي يردده الباعة المتجولون. يبدو أن الحرب صنعت أنغامًا جديدة، اختُصر فيها الكلام، وتغلبت فيها الرغبة في الحياة على الموت، ونفضت الغبار عن الركام، وجعلتها وسيلة من وسائل الترويج الإبداعية التي لم تُدرس، بل خلقتها الظروف المعقدة، كمصدر من مصادر قوة التغلب الذاتي على الأزمات، بأن تقتنص الرزق وتستخلصه من فم المعجزات.
لم يكونا هذان الصوتان لوحدهما يصارعان في الوجود السمعي وسط ضجيج الناس والمدافع، ولكنهما الأكثر تأثيرًا، والأوضح في الظهور.
هناك الكثير من الأصوات التي كانت تزاحم، ولكن لم تترك الأثر خلفها، وكأنها طارئة أو عابرة سبيل، أو على الأقل لم تتقن الفن الذي يثير انتباهي. فأنا أتحدث عن الأدب الشفهي الذي ينشأ في حالة الاختلاط الشعبي والتدافع الاجتماعي.
السقّاء، صاحب النداء الأول، شاب عشريني يافع، جميل، دمث الخلق، يقابل الناس بالابتسام، وبصوته الممتلئ بالعزة يخترق الزحام، فينادي ويكرر طقطوقته التي اخترعها ورددها بنغمة لافتة تثير الانتباه. وفي ظل القيظ والجَوّ الحار، وفي زمن الجوع والخوف والحصار، كان لا بد أن تعطش، وريقك ناشف مما تراه أو تسمعه، وما تشعر به أكبر من الوصف، ففمك طيلة الوقت ممتلئ بالشتيمة وبالغبار، فلا يحليه ماء الكون ولو اجتمع، فيطل هذا الجميل بمحياه وصوته الأبح، وبأدبه وخجله الملح، وكأنه يقول: هذا ليس عملي ولا هذه صنعتي، ولكن صوته الصادح المتحدي يغدو على قلبك أعذب من الماء، وأبرد من الندى على أوراق الأشجار في فلق الصباح.
أما صبّاب القهوة، فكان يردد كلمتين في صلب عمله، لا يزيد عليهما ولا ينقص: قهوة قهواي... قهوة قهواي... يمشي وفي يده الترمس الأبيض وبعض الكاسات الورقية، وينظر في عين كل من يقابله مبتسمًا، مرددًا تلك الكلمات، ينتظر أي إشارة من أي ماشٍ في الطريق، ليلبي النداء.
وعلى هذا النحو ظل الاثنان؛ ربما كانا جنبًا إلى جنب، أو تقاطعا مرة أو أكثر في الطريق، أو سبق أحدهما الآخر بالصوت. غير أن صوتيهما، دون الأصوات الأخرى، أثّرا في سمعي وأثارا اهتمامي، حتى صرت أُنغِّم فيما يرددان، وأضيف على ما يقولان من عندي، وقد خرجت بأغنية لكل واحد منهما، وقررت أن أعطي كلًّا بما يخصه من صنعته، تلك التي استُحدثت بعد الخروج من تحت الركام.
كنت قد تدخلت بدافع أن يكون لهؤلاء الغلابة أثر، ولو على بساطته، فسوف يدر عليهم بالمنفعة إذا ما اشتهروا في الميديا أو في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أعطت الحرب فرصًا كثيرة لكثير من المسحوقين المغمورين، وطمست كثيرًا من المشهورين والبارزين. هكذا هي الحياة، مرة لك ومرة عليك.
والأهم من ذلك أن تلك الأصوات التي تنطلق في المكان تبعث فينا الحياة، وتكسر الصمت، وتنصرنا على الخوف، ثم إنها تحاكي طفولتنا وتنعش ذاكرتنا؛ ابتداءً من “ثياب خربان للبيع”، مرورًا بـ“حلب يا حبايب”، إلى “عنبر الشام يا ولد”، لتبقى بعد ذلك تسري في ذاكرة ووجدان هذا الشعب الذي يصر على البقاء، رافضًا ومتصدّيًا لكل أدوات القتل والفناء.
فأما الذي كان يصب القهوة، فغدا صبّابًا كبيرًا للشاي، يمشي في الأسواق يردد جملته التي بالكاد حفظها: الشاي الشاي الشاي... أوصف لك يا حبيبي الشاي. ويردد أطفال الدير جميعًا خلفه الكورال: تارا را را را. أيقونة شعبية أرضية.
وأما سقّاء الماء، برغم خفته وكدّه وجدّه وحفظه، فقد صعد بأيقونة الماء إلى السماء. قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زغردى يا ام الجدايل
- الم واجل
- سيرة ادبية
- فى يوم اللغة العربية ( زى اقلام)
- اكنت انت
- كيف تصبح منافقا


المزيد.....




- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة بر ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع م ...
- لقاءات بجاية السينمائية: سينما الأمس لإضاءة سينما اليوم
- فنانة مصرية قديرة تعتزل الفن وتطالب الفنانين بعدم الاتصال به ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد فرع جامع ...
- كيف تُبنى بيئة فنية متجددة في الشرق الأوسط؟
- بين الفن والبرلمان وذكرى رامز.. روزينا لاذقاني تروي حكاية مر ...
- داخل منزل يتحول إلى متحف حي للثقافة والإبداع في قلب أبوظبي
- كيف يبرز -كونغرس العربية والصناعات الإبداعية- مستقبل اللغة ا ...
- الموسيقى تتصدر نقاشات منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير السباح - ذاكرة الصوت والسمع