عدنان أزرقان
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 00:50
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
تتشكل السياسات اللغوية داخل الدولة الحديثة بوصفها أحد أهم مجالات إعادة إنتاج السلطة، حيث لا تُفهم اللغة كأداة تواصل محايدة، بل كنسق رمزي تتقاطع فيه الاعتبارات السياسية بالتاريخية والهوياتية. وفي الحالة المغربية، يبرز سؤال الأمازيغية باعتباره مدخلًا كاشفًا لطبيعة هذا التشابك، خاصة حين تنتقل اللغة من فضاء الذاكرة الجماعية والصراع الرمزي إلى فضاء التدبير المؤسساتي، بما يرافق ذلك من إعادة تعريف لوظيفتها وحدودها داخل الدولة.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم مسار التعريب باعتباره مجرد اختيار تقني في السياسة العمومية، بل بوصفه امتدادًا لبنية رمزية أعمق، تشكلت في تقاطع الديني بالسياسي. فقد ارتبطت العربية منذ البدايات الأولى للإسلام بالنص المؤسس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾¹، وهو ارتباط لم يُقرأ في كثير من السياقات بوصفه توصيفًا لغويًا فحسب، بل كإشارة إلى مركزية لسان بعينه داخل تصور أوسع للهوية. وقد تعزز هذا التداخل من خلال مسار طويل من التأويل الفقهي، حيث لم تعد العربية مجرد وعاء للنص، بل تحولت تدريجيًا إلى امتداد معياري له، كما يظهر في تفاسير مثل تفسير ابن كثير².
ضمن هذا الأفق، برزت تصورات فكرية ربطت بين اللغة والدين ربطًا بنيويًا، وهو ما يظهر في بعض المرويات المرتبطة بمجال الإمامة وتنظيم السلطة³⁴، حيث تداخلت المرجعية الدينية مع البناء الاجتماعي والسياسي. ومع تراكم هذا التصور، لم يعد التعدد اللغوي يُفهم كمعطى طبيعي، بل كمرحلة انتقالية داخل مسار يُفترض أن ينتهي إلى نوع من الوحدة اللغوية. وفي هذا السياق، يلاحظ محمد الطنجي أن العربية لم تبق مجرد لغة دينية، بل تحولت إلى حامل لرؤية قومية وهوية جامعة⁵.
غير أن هذا المسار لم يتشكل دفعة واحدة، بل عبر تراكم تاريخي طويل ساهمت فيه أنماط من التأويل الديني التي أعادت إنتاج مركزية العربية داخل المجال الاجتماعي. فالتعريب، بهذا المعنى، لم يكن قرارًا سياسيًا حديثًا فقط، بل نتيجة تداخل بين المعرفة الدينية وبنية السلطة، حيث أصبحت اللغة أداة ضمن آليات الضبط الرمزي، لا مجرد وسيلة للتعبير.
ومع الانتقال إلى مرحلة الدولة الحديثة، أعيد توظيف هذا الرصيد الرمزي داخل سياق جديد. فالنخب الوطنية التي تبنت التعريب بعد الاستقلال لم تتحرك دائمًا بدافع إقصائي مباشر، بل ضمن تصور يسعى إلى توحيد المجال الوطني والخروج من آثار الاستعمار. غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من دوافع توحيدية، أعاد إنتاج نفس البنية السابقة دون تفكيكها، فاستمر التعريب كأداة لبناء الوحدة، لا كخيار ضمن تعددية ممكنة.
وتتضح ملامح هذا التصور بشكل أكثر صراحة في بعض الكتابات الفكرية التي دافعت عن التعريب بوصفه مشروعًا شاملًا، كما عند علال الفاسي⁶، أو في الطرح الذي يدعو إلى تعميم العربية على مختلف مجالات الحياة كما عند الجابري⁷، حيث لم تُطرح اللغات الأخرى، بما فيها الأمازيغية، باعتبارها مكونات قابلة للتعايش داخل نسق تعددي، بل كعوائق مؤقتة ينبغي تجاوزها في مسار بناء وعي موحد. وهو ما يجعل التعدد اللغوي يُعاد تفسيره داخل منطق أحادي، حيث يتحول الاختلاف إلى مرحلة، لا إلى بنية دائمة.
غير أن اختزال هذا المسار في الفاعل السياسي الحديث وحده يبقى غير كافٍ، إذ يكشف التحليل أن التعريب لم يكن دائمًا نتيجة إرادة إدماجية صرفة، بل ارتبط أيضًا بإعادة تشكيل التوازنات داخل المجتمع. فبعض السياسات اللغوية ساهمت في إعادة توزيع فرص الصعود الاجتماعي، وضبط العلاقة بين النخب، كما يشير بيير فيرمرن⁸، وهو ما يجعل اللغة تدخل ضمن آليات أوسع لإعادة إنتاج السلطة.
وفي هذا السياق، يبرز تحليل يربط بين التعريب وإعادة تنظيم الحقل التعليمي والاجتماعي، حيث لم يكن الهدف فقط توحيد اللغة، بل أيضًا التحكم في مسارات إنتاج النخب وتوجيهها. وهو ما يفسر استمرار بعض الازدواجيات داخل النظام التعليمي، حيث ظلت لغات معينة مرتبطة بمجالات النفوذ والامتياز، في حين ارتبطت العربية بمجالات أخرى، ما أنتج توازنًا غير معلن بين اللغات داخل نفس البنية.
لكن هذا المسار يكشف في الآن ذاته مفارقة أساسية: ففي الوقت الذي يُقدَّم فيه التعريب كعملية طبيعية أو حتمية تاريخية، نجد في بعض النصوص دعوات صريحة إلى تعميمه بشكل شمولي، بل وإلى إزاحة اللغات الأخرى من الفضاء العام. هذا التوتر بين “الطبيعي” و“الإرادي” يدل على أن المسألة لم تكن مجرد تطور تلقائي، بل مشروعًا لإعادة تشكيل المجال اللغوي وفق تصور محدد للهوية.
عند هذه النقطة، يصبح من الضروري إعادة إدخال البعد التاريخي بشكل أكثر تدرجًا. فالأمازيغية، رغم قرون من الضغط الرمزي، لم تختفِ، لا دائمًا بفعل مقاومة واعية، بل أيضًا نتيجة توازنات داخل بنية السلطة نفسها، التي لم تكن تسعى بالضرورة إلى إدماج كامل قد يهدد استقرارها. كما أن الاستعمار، رغم توظيفه للاختلاف، لم يكن منشئًا للتعدد بقدر ما كان كاشفًا له ومؤطرًا ضمن مصالحه.
هذا التعقيد يزداد وضوحًا في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث استمر التعدد اللغوي داخل المجتمع رغم سياسات التوحيد، وهو ما تكشفه المعطيات السوسيولوجية الحديثة⁹، ما يبرز أن الواقع الاجتماعي أكثر مقاومة للاختزال من التصورات الإيديولوجية.
وهنا يبرز تحول نوعي مع بداية الألفية الثالثة، حين تمت إعادة إدراج الأمازيغية داخل الفضاء المؤسساتي، خاصة مع خطاب أجدير¹⁰، الذي شكل لحظة مفصلية في إعادة تعريف موقع الأمازيغية داخل الدولة، تلاه مسار مؤسساتي تعزز بخطاب أكادير المرتبط بهيئة الإنصاف والمصالحة¹¹.
غير أن هذا التحول ظل في كثير من جوانبه محكومًا بإطار رمزي، حيث لم يواكبه دائمًا تفعيل مؤسساتي يعكس نفس العمق. ومع دستور 2011 ¹²، الذي أقر الطابع الرسمي للأمازيغية، بدا أن هناك انتقالًا نحو الاعتراف القانوني، إلا أن هذا الاعتراف ظل بدوره مرتبطًا بإيقاع بطيء في التنزيل، ما جعل المسافة قائمة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية.
وفي المراحل اللاحقة، ومع ظهور سياسات وبرامج تنفيذية مثل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح¹³، اتجهت المقاربة نحو إدماج الأمازيغية ضمن منطق تدبيري قائم على المؤشرات والأرقام، أكثر من كونه مشروعًا لإعادة بناء التوازن اللغوي.
وفي هذا الإطار، يمكن استحضار تحليل محمد الساسي حول صراع الشرعيات¹⁴، الذي يبرز كيف أن البنية السياسية نفسها قد تحد من فعالية الفاعلين والمؤسسات، وهو ما ينعكس أيضًا على تدبير القضايا اللغوية.
كما يكتسب الطرح الذي يقدمه محمد بودهان أهمية خاصة¹⁵، إذ يربط بين الإقصاء اللغوي والإقصاء السياسي، معتبرًا أن الاعتراف الثقافي لا يكون كافيًا ما لم يُواكَب بإعادة نظر في البنية السياسية التي تحدد موقع اللغة داخل الدولة.
وعليه، فإن اختزال الأمازيغية في بعدها الإداري يثير إشكالًا أعمق، يتعلق بتحويل الهوية من تجربة حية إلى موضوع للتدبير. فاللغة، في هذا المستوى، لا تُختزل في وظيفتها التواصلية، بل تتجاوز ذلك لتصبح حاملة للذاكرة الجماعية وبنية للوعي التاريخي. ومن ثم، فإن حضورها داخل المؤسسات لا يكتسب معناه إلا بقدر ما يعكس قدرتها على الاستمرار كقوة فاعلة داخل المجال العام.
في ضوء ذلك، لا يبدو سؤال الأمازيغية سؤالًا لغويًا صرفًا، بل سؤالًا حول كيفية إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع، وحول إمكانية الانتقال من منطق الوحدة المفروضة إلى منطق التعدد المُدبَّر. وهو انتقال لا يتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر إعادة النظر في البنية العميقة التي حكمت تصور اللغة والهوية عبر التاريخ.
وأمام هذا الأفق، يظل السؤال مفتوحًا: هل يمكن للسياسات اللغوية أن تتحول من أداة لإعادة إنتاج نفس التوازنات إلى مجال لإعادة بنائها؟ أم أن إدماج الأمازيغية سيبقى محكومًا بسقف البنية التي أنتجت إقصاءها في الأصل؟
المراجع والهوامش:
¹ القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية 2.
² ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، سورة يوسف، الآية 2.
³ صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش، حديث رقم 6721.
⁴ صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 1818.
⁵ محمد الطنجي، "لغة القرآن والقومية العربية"، مجلة دعوة الحق، العدد 20، موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.
⁶ علال الفاسي، "فعالية اللغة العربية"، مجلة اللسان العربي، العدد 3، ص 8–26.
⁷ محمد عابد الجابري، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، دار النشر المغربية، 1985، ص 146–147.
⁸ بيير فيرمرن، تاريخ المغرب الحديث، ترجمة عبد الرحيم حزل، دار إفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 2014، ص 156–157.
⁹ المندوبية السامية للتخطيط، نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024.
¹⁰ خطاب أجدير، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2001.
¹¹ الخطاب الملكي لتنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة، أكادير، 2004.
¹² دستور المملكة المغربية 2011، الفصل الخامس.
¹³ المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030.
¹⁴ محمد الساسي، "صراع الشرعيات"، مجلة وجهة نظر، العدد 19–20، 2003.
¹⁵ محمد بودهان، في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية، منشورات تاويزا، السلسلة 7، الطبعة الأولى، 2019، ص 25–29، 49–56، 298–315.
#عدنان_أزرقان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟