أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عمر الخطاط - مجرد وقت وسيمضي، لكنك باق!














المزيد.....

مجرد وقت وسيمضي، لكنك باق!


عمر الخطاط

الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 02:50
المحور: سيرة ذاتية
    


في مطلع التسعينيات، تشابكت خيوط مصائرنا تحت سماء مثقلة بالترقب والخطر. كان شاكر الناصري، ذلك المنفي من قلب الناصرية، قد فر مع نخبة من رفاق الدرب الشيوعيين، بعد أن كشفت أجهزة القمع البعثية عن خيوط نشاطهم السري.
کنت أنا و زوجتي و ابني حینهـــا ساکنین في بیت طیني في أحد أحيـــاء السليمانية الشعبية، البیت الطیني کان متواضعا؛ غرفتــــان للنوم، ومطبخ ضيق، وسقف يحمي أجسادا لا تملك سوى إيمانها بالغد. حين طرق بابنا رفيق حزبي، طالبا أن نؤوي رفاق هربوا من الأجهزة القمعية البعثیة من الجنوب، لم يكن القبول بالطلب خيارا، بل كان قانونا أخلاقيا وسياسيا في آن واحد. وفي المساء، دقت الخطى، و دخل شاكر الناصري و عمار شريف. لم يكونا ضيفين عابرين، بل صارا لحمة من نسيج حياتنا اليومية، يتقاسمان معنا الخبز الجاف، والدفء الإنساني، ونضال الحزب كجسد واحد لا يقبل التجزئة.
لم يلبث الزمن أن أتى بأم ديار، رفيقة شاكر، و اطفالهما ديار و طيف، فتغيرت معادلة المكان. اقتضت الضرورة المادية وحاجات الأسرة الناشئة أن ينتقل الرفاق إلى مسكن آخر، منفصلين عن بيـــــتنا.
ثم جاءت الرياح العاتية، فأخرجتـــنا من الوطن، وشتتنــــا على خريطة المنفى؛ استقر بي المقام في النرويج، وحط شاكر وعائلته رحالهم في الدنمارك، بينما واصل عمار رحلته نحو كندا. لكن البعد الجغرافي، ذاك الوهم البصري، لم يفلح في تمزيق الخيط العضوي الذي يربطنا؛ ظلت الأفراح والأحزان تتدفق بيننا كدماء في جسد واحد، يتنفس بروح صداقة و بوحدة النضال والذاكرة المشتركة.
قبل بضع سنين، تسلل المرض الخبيث إلى جسده. شعرت، في أعماقي، أن الورم قد استعمر جسدي أيضا، فكل ألم يصيب الرفيق هو جرح في ذاكرتنا المشتركة. لم ينقطع الوصل الهاتفي، كان نبضنا يتقاطع عبر الأسلاك، حارسا الأمل من السقوط. وقبل عام، قررت أنا وعمار أن نلم الشمل، فشددنا الرحال إلى الدنمارك. استقبلتنا الأسرة بروح لم تكسرها السنين ولا المرض، وكان شاكر، رغم إدراكه لوطأة الداء، يواجهه بصمود من يعرف أن الجسد فان، لكن القضية باقية، وأن المواجهة الحقيقية عنده لم یکن في إنكار الموت، بل في تحويل الوقت المتبقي إلى فعل واع وشهادة حية.
وفي خضم هذه المعركة الجسدية، حول شاكر قلمه إلى مترس أخير. أصدر «مجرد وقت وسيمضي - يوميات السرطان»، ثم «أطياف تشرين/ يوميات الاحتجاج العراقي ٢٠١٩»، متتبعا نبض الثورة الشعبية في سجل الذاكرة، رافضا اختزال الحراك في وقائع عابرة، ومثبتا إياه كحقيقة تاريخية مستمرة. وأعقبهما بـ«كوابيس سيرة النحس»، ذلك العمل الذي ليس استرجاعا باردا للوقائع، بل هو ديالكتيك مؤلم بين الذات والتاريخ، محاولة جادة لـ«إنسنة الزمن» وترميم ما شظته القسوة. وفي مواجهة العجز والألم المادي، رفع قلمه كسلاح روحي، معلنا في مفتتحه: «أكتب لأنجو، ولكي لا يموت من مات مرتين». وختم مسيرته الأدبية بـ«كتاب الغائبين... ما لم يدون في سجلات الغياب والنسيان»، شاهدا على ما حاولت السلطة والأقدار محوه من وجود. لم يكن شاكر سياسيا شيوعيا محنكا فحسب، بل كان مفكرا يقرأ الواقع بعين ثاقبة، ويصوغ الألم إلى أدب يحمل في صميمه نضالا من أجل الكرامة، المساواة، و رفض كل استغلال أو خرافة تقدس القهر أو تبرره.

واليوم، برحيل شاكر، انكسر أحد أضلاع ثالوث الصداقة الذي ترسخت جذوره في أرواحنا قبل أن تتجذر في التراب. سنفتقدك يا عزيز الدرب، كما نفتقد الحرية التي لم تكتمل بعد، وكما يفتقد الجسد نبضه حين يسكن. أرقد بسلام يا عزيز الروح، فقد بذلت الجسد في سبيل المعنى، وحفظت التاريخ بالقلم، ورفعت راية الإنسانية في وجه القهر والنسيان. لروحك المجد، ولقناعتنا الاستمرار، فأن من مات مرتين لن ينسى، ومن كتب لينجو، قد منحنا نحن سببا للحياة.



#عمر_الخطاط (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية الشيخ مقصود: تجربة مقاومة شعبية- عسكرية في مواجهة ال ...
- الجذور الخفية للفاشية البعثية.
- رد علی تساؤلات یساري تقلیدي!
- مدخل الی ثنائیة رأس المال والسلطة في کردستان.
- المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العمالي العراقي ، خطوة إلی ...
- الاجدى تقوية أتحاد المجالس والنقابات العمالية وقيادته!...ملا ...
- الصور الكامنة خلف الإعدام


المزيد.....




- -لُبيت-.. كلمة من محمد بن زايد يكشفها أحمد الشرع لحظة تقديمه ...
- مجتبى خامنئي -مشوّه ويواجه صعوبة في الكلام-.. مراسلة نيويرك ...
- الألغام بمضيق هرمز وأمر ترامب بضرب أي زورق إيراني يزرعها.. م ...
- رئيس الحكومة الإسبانية: الأزمة التي أفرزتها الحرب غير الشرعي ...
- من رحم الإبادة وخيام النزوح.. أطفال غزة يتألقون في مسابقة لل ...
- لماذا نشعر بالتعب دائما؟ تفسير الإرهاق في العصر الحديث
- شكوك إسرائيلية بنوايا طهران.. دعوة لاستمرار القتال
- الاستهداف الديناميكي.. خطة أميركية لضرب دفاعات إيران في هرمز ...
- محادثات لندن.. نقاش حول -مهمة تأمين مضيق هرمز-
- من كييف.. -دعوة خاصة- من الأمير هاري إلى فلاديمير بوتين


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عمر الخطاط - مجرد وقت وسيمضي، لكنك باق!