ضرغام عبد الرحمن الجابري
الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 20:44
المحور:
الادب والفن
الشخصية:
شمس : امرأة في عقدها الثالث لا ترتدي ملابس عادية بل تلف جسدها بأوراق مخطوطات قديمة مصفرة مخيطة بأسلاك شائكة وجهها ملطخ بغبار فضي لامع وعيناها تتسعان بذهول دائم وكأنها ترى ما لا يُرى
الخطاب المسرحي :
فضاء سيريالي غرائبي ليس غرفة ولا سجناً ولا مسرحاً تقليدياً. والمكان هو غابة من الألسنة البشرية العملاقة المتحجرة تخرج من أرضية مغمورة بسائل أحمر, ألسنة ضخمة ترتفع كالأشجار متشابكة وملتوية بعضها مقطوع وبعضها مثقوب. السماء فوقها عبارة عن جفن عين عملاق يرمش ببطء شديد يغلق ويفتح كل فترة ليغير الإضاءة من الأحمر الدموي إلى الظلام الدامس, صوت خرير السائل الاحمر الثقيل يُسمع طوال الوقت
(تبدأ المسرحية وشمس تتسلق أحد الألسنة الحجرية بصعوبة وكأنها تحاول الهرب من السائل الذي يغطي كاحليها تتشبث بنتوءات اللسان الحجري وتصرخ بصوت مبحوح موجه للجفن العملاق في السماء)
شمس: هنا في مقبرة الكلام المجهض حيث تتيبس الكلمات قبل أن تولد وتتحول الى نصب تذكارية للخيبات أبحث عن مخرج أو ربما أبحث عن مدخل جديد للجحيم لا يهم الاتجاه فالبوصلة هنا تشير دائماً إلى الداخل إلى النخاع الشوكي للعدم انظروا إلي أنا العالقة بين لسانين من حجر أحدهما لسان سياسي كاذب من القرن السابع عشر والآخر لسان عاشق خائن مات قبل أن يعتذر والسائل تحتي يغلي كأفكاري السامة أنا شمس التي انطفأت مجراتها ولم يبق منها سوى ثقب أسود يبتلع الضوء ويمضغ الورق لماذا جئت بي إلى هنا أيتها الآلهة الصامتة هل لأكتب روايتي الأخيرة نعم الرواية التي ستكون المسمار الأخير في نعش المنطق البشري سأكتب وأنا معلقة هكذا كخفاش مذعور في كهف التاريخ لن أكتب عن البشر فهم مستهلكون ومكررون كنسخ رديئة من جريدة صفراء سأكتب عن الكائنات التي تعيش في الفراغات بين الثواني
(تقفز بخفة مجنونة لتستقر فوق قمة لسان حجري وتخرج ريشة معدنية حادة تغمسها في جرح بذراعها وتبدأ الكتابة على سطح اللسان الحجري)
اسمعوا طقوس الولادة المتعسرة البطل في روايتي لن يكون له جسد سيكون فكرة نعم فكرة هاربة من رأس فيلسوف مجنون قرر أن ينتحر الفكرة اسمها قلق هذا هو اسم بطلي السيد قلق الذي استيقظ صباحاً فوجد نفسه قد تحول إلى نغمة موسيقية نشاز في سيمفونية الكون المتناغمة زوراً وبهتاناً كيف يعيش النشاز في عالم يدعي الكمال هنا تبدأ الحبكة يا سادة يا من تجلسون في مقاعدكم المخملية وتظنون أنكم تملكون زمام أموركم أنتم لستم سوى كومبارس في مسرحية رديئة الإخراج يخرجها القدر الأعمى بطلي السيد قلق يقرر أن يشن حرباً على الصمت في الفصل الأول سيتسلل إلى أحلام الديكتاتوريين ويسرق نومهم سيتحول إلى أرق مزمن يسكن تحت جفونهم المترهلة هل تدركون عبقرية الفكرة الكتابة ليست رص كلمات منمقة بل هي فعل تخريب منظم للواقع أنا إرهابية الحروف أفخخ الصفحات بالأسئلة التي لا إجابة لها
(تتوقف فجأة وتنظر للسائل الاحمر أسفلها وهو يرتفع قليلاً)
السائل يرتفع إنه الوقت السائل الذي لا يرحم يريد أن يغرقني قبل أن أنهي المخطوطة تبا لهذا العالم الذي يحارب الحقيقة لماذا نكتب ونحن نعلم أن الورق سيصفر وأن الحبر سيبهت وأن القارئ سينسى اسم البطل بمجرد أن يغلق الكتاب إنها لعنة سيزيف لكن صخرتي ليست حجراً بل هي رأس مليء بالضجيج
الفصل الثاني تطور درامي خطير السيد قلق يكتشف أنه ليس وحيداً يكتشف أن العالم كله مصاب بمرض عضال اسمه التوقع الناس يمشون في الشوارع لا يرون بعضهم بل يرون صوراً مسبقة الصنع في رؤوسهم الزوج لا يرى زوجته بل يرى الوظيفة التي تؤديها
الأم لا ترى ابنها بل ترى امتداداً لأناها المتضخمة المدير لا يرى الموظف بل يرى ترساً في ماكينة الربح الرأسمالية المتوحشة بطلي سيقوم بتكسير المرايا كلها في المدينة في يوم واحد سيستيقظ الناس ولا يجدون انعكاساتهم سيبحثون في الماء وفي الزجاج وفي عيون بعضهم فلا يجدون سوى الفراغ وهنا تكمن الفلسفة المرعبة حين تفقد صورتك هل تفقد وجودك هل نحن موجودون حقاً أم أننا مجرد انعكاسات لوعي جماعي مريض
(تدور حول نفسها فوق اللسان الحجري بحركات راقصة هستيرية وشعرها يتطاير كالأفاعي)
يا للنشوة هذا هو السرد الذي يفتت العظام لا أريد وصفاً للطبيعة ولا حوارات رومانسية بليدة أريد نصاً يشبه المشرط يشق الجلد ليريك العفن تحته مجتمعنا هذا المجتمع الذي يقدس الجلاد ويلعن الضحية هذا القطيع الذي يسير خلف أي راع يحمل عصا غليظة ويعدهم بعشب لا ينبت أبداً كيف أكتب عنه دون أن أتقيأ أحشائي بطلي قلق سيقرر في الفصل الثالث أن يؤسس مدينة للعرايا ليس عري الجسد فتلك تفاهة بل عري الروح
مدينة يُحظر فيها الكلام المنمق يُحظر فيها المجاملة والكذب الأبيض والأسود والرمادي من يريد أن يقول أكرهك سيقولها في وجهك دون تردد ومن يريد أن يسرق سيسرق تحت ضوء الشمس مدينة الفضيلة فيها هي الصدق المتوحش تخيلوا هذا العالم هل سيتحمل البشر حقيقتهم العارية كلا سيأكلون بعضهم بعضاً ستتحول المدينة إلى مسلخ بشري كبير لأن الحضارة يا سادتي ليست سوى طبقة رقيقة من الطلاء تخفي تحتها وحشاً كاسراً اسمه الغريزة
(تصرخ بألم وتمسك رأسها وكأن الأفكار تضغط على جمجمتها لتكسرها)
رأسي يتمدد يكاد ينفجر الكلمات تتكاثر كالخلايا السرطانية الشخصيات تتمرد علي السيد قلق يرفض أن يظل مجرد فكرة يريد جسداً يطالبني بجسد من أين آتي لك بجسد أيها الوغد هل تأخذ جسدي هل تريد أن تلبس جلدي وتتركني أنا فكرة عارية في مهب الريح
هذا هو مصير الكاتب أن تأكله شخوصه أن يتحول هو إلى حبر وتتحول هي الى دم ولحم انظروا إلى يدي إنها تذوب وتتحول الى حروف أصابعي أصبحت فواصل وأظافري علامات تعجب أنا أختفي تدريجياً لصالح النص
هذه هي التضحية القصوى القربان الذي لا يفهمه النقاد الذين يكتبون تحليلاتهم الباردة في مكاتبهم المكيفة وهم يحتسون القهوة لا يعرفون رائحة الاحتراق الذاتي الفصل ما قبل الأخير الثورة
(تنزل بحذر وتلمس سطح السائل بطرف إصبعها ثم ترفعه لتتذوقه وتضحك بجنون)
طعمه مر كالحقيقة
في هذا الفصل بطلي سيقود ثورة الصمت سيجعل الناس يفقدون القدرة على الكلام فجأة ستخرس الخطب الرنانة وستتوقف الأغاني الهابطة وسيعم صمت مطبق ثقيل كثافة هذا الزئبق تخيلوا عالماً بلا ضجيج بلا وعود كاذبة بلا شتائم بلا تبريرات واهية فقط العيون تتخاطب لغة العيون التي لا تعرف الكذب ماذا سيحدث ستسقط الأقنعة سيكتشف الحاكم أنه عار وسيكتشف الكاهن أنه لا يؤمن وسيكتشف العاشق أنه كان يحب صورته في عين حبيبته فقط
الانهيار الكبير الحضارة المبنية على الثرثرة ستنهار ليعود الانسان الى بدائيته الأولى إلى الكهف حيث كان المعنى واضحاً كالسكين
(تتسلق الى أعلى نقطة في الغابة الحجرية وتقف بتوازن قلق جداً وهي تلهث)
وصلت الى القمة والى الخاتمة النهاية يجب أن تكون صادمة لا تصالح ولا أمل كاذب ولا نهايات سعيدة تشبه أفلام هوليوود المخدرة للشعوب
النهاية يجب أن تكون بترا حادا لعنق الوهم شمس الكاتبة ستدخل في الرواية نعم سأقتحم النص سأقابل السيد قلق وجهاً لوجه وسأخبره أنني أنا من صنعته وأنا من سأدمره
صراع الخالق والمخلوق الأبدي هو يريد الخلود وأنا أريد الخلاص هو يريد أن تستمر الحكاية وأنا أريد أن أغلق الكتاب لأنام النوم الأبدي الذي لا أحلام فيه سأكتب السطر الأخير الآن بدمي المتبقي
(ترفع يدها وكأنها تمسك خنجراً وهمياً وتهوي به على الهواء بحركة عنيفة)
النهاية
انفجر السيد قلق وتحول إلى ثقب أسود ابتلع المدينة وابتلع الصمت وابتلع القراء وابتلع الكاتبة
لم يبق شيء
لا صفحة ولا حبر ولا ذاكرة
عاد الكون إلى سيرته الأولى
هباءً منثوراً يسبح في فضاء بارد
فراغ
فراغ
فراغ
(تتجمد شمس في مكانها وتتحول بشرتها تدريجياً إلى لون الحجر الرمادي لتصبح هي نفسها مجرد لسان حجري آخر يضاف إلى الغابة بينما يغلق الجفن العملاق في السماء ببطء شديد ليعم الظلام الدامس)
انتهت
2025 ليلة ولادة ابنتي شمس
للتواصل مع الكاتب:
واتساب: 07806066228
فيس بوك: ضرغام أبو آصف
#ضرغام_عبد_الرحمن_الجابري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟