ضرغام عبد الرحمن الجابري
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 22:50
المحور:
الادب والفن
تنويه:
(ممكن ان يكون صوت فويز اوفر)
الى الجمهور: لا تغادروا المكان.
الى الممثل : لاتمثل. هذه حقيقة لا تحتاج الى تزويق حركي.
الى المخرج: لا نحتاجك. مع التقدير.
الى القارئ والمتفرج: انت البطل.
هذا النص ليس مجرد خيال مسرحي بل هو نبش في ذاكرة الوجع العراقي وتوثيق لفترة حكم نظام صدام البائد التي كانت فيها الألوان تقرر مصائر البشر لم تكن البطاقة الحمراء مجرد وثيقة ورقية بل كانت وصمة أمنية تضعها السلطة البعثية على ملفات المغضوب عليهم أو المشكوك في ولائهم لتتحول حياتهم وحياة عوائلهم الى سجن كبير مفتوح بلا قضبان يطارد بسببه الانسان في رزقه وأمنه وحتى في حقه بالمشي في الشوارع دون خوف كان صاحب البطاقة الحمراء يعيش حالة اعدام مدني وتهميش وجودي يجعله غريباً في وطنه ومستهدفاً في كل لحظة كتبت هذه المسرحية لتكون صوتاً لأولئك الذين سحقهم الحبر وحولتهم جرة قلم الى حطب في مواقد الحروب والنسيان
الشخصيات :
س : رجل في العقد الخامس يرتدي ملابس رثة مغبرة بيده ملف ورقي أصفر مهترئ.
الخطاب المسرحي :
غرفة ضيقة تشبه قاعات الانتظار في الدوائر الحكومية القديمة كرسي خشبي مكسور ومروحة سقفية تدور ببطء وتصدر صوتا مزعجا
يدخل س يجر قدميه وكأنهما مكبلتان بسلاسل غير مرئية ينظر الى الملف بيده ثم يرفعه الى الضوء الشحيح
س: هل رأيتم يوما لونا يزن جبلا؟ هل جربتم ان تحملوا لوناً في جيوبكم فيثقل خطواتكم حتى تغوصوا في الاسفلت؟ انه مجرد لون, احمر, يقولون ان الاحمر لون الحب لون الورد لون الحياة التي تجري في العروق لكنه عندي لون التوقف, ليس توقف السيارة في الاشارة الضوئية لا, توقف الزمن, توقف الهواء في الرئة قبل ان يخرج, توقف النظرة في عين الجار قبل ان يسلم, توقف العمر.
(يجلس على الكرسي ويتحسس الورقة)
تخيلوا ان حياتك كلها طفولتك ضحكاتك دراستك ركضك خلف الكرة احلامك بان تشتري بدلة جديدة للعيد كلها يختصرها موظف, موظف بائس يشرب الشاي البارد بملل, لا يعرفك, لم يرك من قبل, وربما كان يتشاجر مع زوجته في الصباح, يمسك الختم, تلك الاسطوانة الخشبية الصغيرة التي اسفلها مطاط, يغمسها في الحبر, صوت الختم وهو يضرب الاسطمبة.
(طرقة)
(صوت يشبه صوت المطرقة)
ثم يهوي بيده على اسمك.........بوم...........انتهى.
لم يعد اسمك فلانا ابن فلان, صار اسمك مؤشر عليه, صار اسمك احمر, تخرج من الغرفة وانت تشعر ان جبهتك تحترق.
س: ( بتحول بسيط ) و هنا تذكرت حجي العريف شنيشل بالوحدة العسكرية جان يباوع بوجهي ويضحك ضحكة صفره يكلي ولك انتو جماعة الاحمر لحمكم رخيص انتو حطب مال تنور يخلونه بالواجهة بالهجوم يكلك ذوله اذا ماتوا الدولة ما تخسر شي لا راتب تقاعدي ولا قطعة ارض ولا حتى فاتحة زينة جنه خرفان مذبوحة كبل العيد بس محد ياكل لحمها تظل مشمورة بالشمس للجلاب تاكل بيها احنا ولد الخايبة اللي نركض والعشا خباز
س: (يعود) تظن ان الناس يقرأون ما في الملف, تمشي في الشارع وتتحسس وجهك هل طبع الختم هناك, لماذا يبتعد عني بائع الخضار, لماذا يغير صديق الطفولة طريقه حين يراني؟ هل انا اجرب؟ هل بي مس؟
لا انا بي لون.
انا مصبوغ بدمي قبل ان ينزف
( يقوم ويدور حول الكرسي )
يقولون لي لماذا لا تعمل, اضحك حتى تدمع عيني, اعمل, كيف يعمل الشبح؟ انا شبح يمشي بينكم, اذهب للتعيين يقلبون الاوراق بيضاء بيضاء بيضاء ثم يصلون الى تلك الصفحة, تتغير الملامح, يغلق المدير الملف, بهدوء مرعب, يقول لي: اترك رقمك وسنتصل بك. اعرف هذه الجملة, هي الترجمة المهذبة ل اذهب الى, الجحيم ولا تعد, الجحيم ليس نارا فقط, الجحيم هو الانتظار, ان تنتظر ان يرضى عنك الحبر, ان يزول اللون
وهل يزول؟
حاولت ان احكه بظفري, حاولت ان امزق الورقة, لكنني اكتشفت ان اللون لم يكن على الورق....... اللون تسرب, نزل من الورقة الى اصابعي الى ذراعي الى صدري, صار قلبي يدق بلون احمر مختلف, ليس دم الحياة بل دم الخوف, خوف يجعلك تشك في ظلك, تجلس في المقهى وتتحدث مع نفسك:هل يسمعون افكاري؟ ,هل الحائط خلفي يكتب تقريرا الان؟ هل هذه الذبابة التي تحوم حولي ذبابة حقيقية ام جهاز تنصت صغير؟
س: ( بتحول بسيط ) تدرون شني المصيبة؟ المصيبة مو بالورقة المصيبة بالخوف اللي زرعوه بينا, صرنا نشك بروحنا حتى من نحلم, اني مرات افز من النوم عركان اكول خاف حلمت حلم ممنوع خاف حجيت وانا نايم والمخدة سجلت الصوت, صرنا نخاف من الحيطان من عيون المختار مال المنطقة حتى من نضحك نتلفت ورانا نكول الله يستر لا يحسبوها علينا فرحة زايدة ونروح بيها برجلين.
س: ( يعود ) تصبح فيلسوفا رغما عن انفك, تسأل ما معنى الوطن, هل الوطن هو هذه الارض التي امشي عليها؟ ام هو ذلك الختم الذي يمنعني من المشي؟ هل انا مواطن ام مجرد رقم في سجل المغضوب عليهم؟
( يتوقف وينظر الى الجمهور مباشرة )
انتم
انتم الذين تملكون ملفات بيضاء, نظيفة, هل تعرفون نعمة ان تكون لا شيء؟ ان تكون نكرة, ان تكون غير مرئي, نحن المحظوظون باللعنة, نحن المختارون للفناء البطيء, نحن وقود الحروب التي لا نؤمن بها, يقولون لك انت مؤشر امنيا, اذا اذهب الى الساتر, اذهب الى الموت, لانك رخيص,لان موتك يحل مشكلة, ويغلق الملف نهائيا, يصير الملف ابيض بفضل الموت, كم هو ساخر هذا العالم, يجب ان تموت لكي تنظف سيرتك, يجب ان تفنى لكي يرضى عنك الارشيف, كنت اريد ان اتزوج, قالت لي امها نحن ناس دراويش نمشي جنب الحائط, وانت يا بني, انت الحائط نفسه الذي سيقع علينا, تركتني, لم تتركني لانها تكرهني, تركتني لانها تخاف العدوى, عدوى سوء الطالع, عدوى اللون الاحمر
س:( بتحول بسيط وابتسامة حزينة ) مشيت لبيتهم دكيت الباب طلع ابوها لابس دشداشتة الكالبها عند الخياط البارحة, كال عمي احنا ناس نمشي ويه الحايط مالنة شغلة بالمشاكل, بنتي تريد واحد ملفه ابيض مثل دشداشتي هاي, روح ابني استر علينا وعليك, سد الباب بوجهي حسيت الباب انطبع على كصتي صرت اني والباب واحد, خشب يطك بخشب, ظليت واكف بالشارع مثل التيل لا ضوه يضوي ولا ظل يفيي بس واكف وانتظر رحمة الله.
(يضم الملف الى صدره وكأنه طفل)
هذا الملف هو ابني, هو تاريخي, هو الذي ورثته وسأورثه, لم اترك مالا ولا بيتا, تركت ختما, سيلاحق اولادي, سيقال لهم ابوكم كان, وكان ماذا, لم احمل سلاحا, لم اقتل نملة, لم اشتم احدا, انا فقط, فقط فكرت, او ربما حلمت, او ربما كان ابن عم جار خالي قد قال نكتة سمجة في اعوام الثمانينات, فدفعت انا الثمن, سلسلة من المصادفات العبثية تصنع قدري, انا بطل تراجيدي في مسرحية لم يكتبها احد, مسرحية رديئة الاخراج, بطلها ورقة, وجمهورها مخبرون سريون
والنهاية
النهاية مفتوحة
مثل جرح لا يندمل
(يجلس مرة اخرى ويضع الملف على الارض ويدوس عليه بقدمه)
اتعلمون؟
احيانا اشتاق له, للضابط الذي ختم الورقة, اريد ان اسأله:
هل غسلت يدك بعد ان قتلت مستقبلي؟
هل تعشيت بامية ورز ونمت قرير العين؟
هل خطر ببالك ان تلك الحركة البسيطة بيدك, حركة النزول والصعود, قد قصمت ظهر عائلة كاملة؟
لا اظنه يذكرني, انا مجرد معاملة, مجرد رقم, مجرد خطأ مطبعي في كتاب الدولة العظيم
انا السطر الذي شطبوه
( يضحك س ضحكة مكتومة تتحول تدريجياً إلى صرخة صامتة، يفتح الملف ويخرج الورقة التي عليها الختم، يبدأ بمخاطبة "الختم" كأنه كائن حي) أمام الجمهور:
أنت, نعم أنت أيها الدائري الصغير, يا من تملك سلطة الله على الأرض في نظرهم, من أعطاك الحق أن تأكل عمري؟, تخيلوا, قطعة مطاط واسطمبة حبر، تتحكم بموعد نومي، ونوع أكلي، وبأي عين ينظر لي ابني حين يكبر,أنت لست حبراً, أنت جدار من الكونكريت بنيته بيني وبين العالم,أريد أن أسألك: هل تشعر بالحرارة حين تلمس جلودنا؟ أم أنك بارد مثل قلوبهم؟
(يدور حول الورقة الموضوعة على الأرض كأنه يرقص رقصة المذبوح)
س: ( بتحول بسيط) ولك صرت أخاف حتى من اللون الأحمر بالرجي, أخاف من القلم الأحمر بايد المعلم بالمدرسة من يصحح دفتر ابني, عبالي راح يأشر عليه ويطردوه مثل ما طردوني, صرت أشوف الدنيا كلها إشارات ضوئية واكفة على الأحمر, وماكو أخضر, العمر كله خلص والاشارة مكسورة والشرطي ميت والسير واكف, والناس تدك هورنات بگلبي وتريدني أمشي, وين أمشي؟ والشارع مسدود بختم؟
س: ( يعود) يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون,كذب, "والعباس ابوفاضل جذب", التاريخ يكتبه الموظفون الخائفون في الغرف المظلمة, بجرة قلم واحدة، يشطبون مدينة، ويمحون عائلة، ويزورون حقيقة, نحن لسنا ضحايا حرب, الحرب تنتهي بصلح أو هزيمة, نحن ضحايا الاجراءات الاحترازية, ضحايا الخوف من ربما و قد يكون, نحن الذين قتلنا لأن شخصاً ما، في مكتب ما، قرر أننا "لا نصلح", لأن دمنا ليس باللون الذي يحبه القائد, لأن أحلامنا لم تكن على مقاس البدلة الزيتونية.
(يمسك الورقة ويرفعها أمام وجهه كأنها مرآة)
انظروا جيداً, هذا ليس حبراً, هذا وجهي الحقيقي الذي سرقوه مني, كلما حاولت أن أبتسم، يشدني هذا الختم من زاوية فمي ليقول لي: اذكر مكانك. أنا لست بشراً, أنا معاملة لم تكتمل. أنا "يُرجى المراجعة" إلى أبد الآبدين. لكنهم نسوا ان الحبر لا يزول, السطر المشطوب يظل مقروءا اكثر من باقي الصفحة, نحن المشطوبين, نحن الحقيقة الوحيدة في هذا الكذب الكبير, نحن البطاقة التي لا يملكها الحكم, لاننا نحن الملعب ونحن الكرة ونحن الذين نتلقى الركلات.
(يخرج من جيبه قلما احمر اللون وينظر اليه برعب ثم يضحك بهستيريا)
احمر
كل شيء احمر
حتى الامل
احمر
(يقف س ببطء شديد، ينفض الغبار عن ملابسه بهدوء غريب، يطوي الملف بعناية فائقة كأنه يطوي كفنه، ثم يضعه تحت إبطه. ينظر إلى الجمهور نظرة طويلة، يتفحص الوجوه واحداً واحداً)
(بصوت هامس لكنه مسموع جداً)
أنتم تنظرون الي الآن وتظنون أن المسرحية انتهت, تظنون أن البطاقة الحمراء ماتت مع صاحبها, أو أنها دفنت في سراديب الأرشيف القديم..
واهمون..
الحبر لا يجف، الحبر يغير شكله فقط, أحياناً يختبئ في شاشة هاتف, أحياناً يظهر على شكل "لايك" أو "بلوك", أحياناً يطل من عين مديرك وهو يقرأ سيرتك الذاتية, كلنا نحمل "بطاقات حمراء" مخفية في مكان ما, كلنا مُعلّقون بانتظار قرار لا نملكه.
س: ( بتحول بسيط وانكسار) تدرون شنو الوجع الصدكي؟ الوجع مو بالظلم اللي عشناه بزمن صدام,
الوجع انك تطلع من سجن وتدخل بسجن أكبر, سجن الذكريات اللي ما تروح( يبتسم ) صرت أحياناً أحن لهذا الملف, تدورون ليش؟ لأن على الأقل جان عندي عدو أعرفه, ختم ولون, بس هسه, صرنا نخاف من الهوه, صرنا نخاف من الضحكة لا تطلع غالية ونفع ثمنها بعدين, صرنا نختم على وجوهنا بادينا قبل ما نطلع للشارع.
س: ( يعود بحدة ) أنا لست ممثلاً يؤدي دوراً, أنا الشاهد الذي نسي القاضي أن يعدمه, أنا البقية الباقية من وطن سقط في بحيرة من الاختام والبطاقات الحمراء. (وكأنه ينهي المسرحية)
لا تصفقوا, التصفيق صوت يشبه صوت الختم حين يهوي على الورق, وهذا الصوت, يؤلمني.
(يخرج س من المسرح ببطء نحو جهة الجمهور وليس الكواليس، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، تاركاً القلم الأحمر وحيداً في منتصف الخشبة تحت بقعة ضوء ضيقة يظلم المسرح تدريجيا ويبقى الضوء مسلطا على القلم الاحمر)
اظلام
السماوة
كتب النص بعد حوار مسائي
دار بيني وبين المخرج فاضل ماهود
حول مأساته كونه من اصحاب البطاقة الحمراء
للتواصل مع الكاتب
واتساب: 07806066228
فيس بوك: ضرغام ابو اصف
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟