ضرغام عبد الرحمن الجابري
الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 13:22
المحور:
الادب والفن
الشخصيات:
آدم: رجل يرتدي ملابس بيضاء تماماً (أو رمادية محايدة)، لا يظهر عليه عمر محدد. يبدو كأنه موظف، أو جراح، أو مجنون هارب. حركته تتراوح بين الهدوء والهستيريا.
الخطاب المسرحي:
- فضاء فارغ يغلب عليه السواد.
- مصدر اضاءة قوي مسلط في منتصف المسرح.(سبوت لايت)
- شماعة ملابس طويلة، معلق عليها قطع قماش سوداء مقصوصة بأشكال بشرية (هذه هي الظلال).
- مقعد خشبي وحيد.
- مقص كبير يتدلى من رقبته أو يمسكه بيده
الظل الاول:
(يفتح الستار على آدم واقفاً تحت بقعة الضوء، يمسك بقطعة قماش سوداء طويلة (ظل)، ويتفحصها بدقة كما يتفحص التاجر بضاعة ثمينة. الصمت يطول لثوان، يتنفس بعمق، ثم ينظر للجمهور بعيون واسعة كأنه اكتشف وجودهم فجأة)
آدم:(بصوت بائع محترف، لكن بنبرة حزينة) اقتربوا.. لا تخافوا من العتمة، فالعتمة هي البضاعة الوحيدة الصادقة هنا. أهلاً بكم في متجر الظلال المستعملة.
أعرف ما تبحثون عنه. لقد جئتم لأنكم تشعرون بالخفة، أليس كذلك؟ تشعرون أنكم تسيرون في الشارع ولا تتركون أثراً. الشمس تشرق فوق رؤوسكم، لكن الأرض تحتكم ترفض أن تعترف بوجودكم.
أنتم بلا ظلال.
(يضحك بسخرية)
لا بأس, لا بأس، انها جائحة العصر. الناس يبيعون ظلالهم مقابل الشهرة، مقابل المال، أو أحياناً, ينسونها في المقاهي مع عشاق لم يعودوا يحبونهم.
(يمشي نحو الشماعة، يلمس الأقمشة السوداء بحنان)
لدينا كل المقاسات هنا.
انظروا الى هذا (يسحب ظلاً طويلاً جداً)
هذا ظل ديكتاتور. نعم، انه ضخم، يغطي مدينة بأكملها. من يرتديه يشعر بالعظمة، يشعر أنه اله. لكن مشكلته الوحيدة أنه بارد, بارد جداً. من يرتديه سيموت وحيداً في سرير من ذهب، ولن يجد من يغلق عينيه.
هل يريده أحد؟
(ينتظر اجابة، يرميه جانباً بقرف)
توقعت ذلك. بضاعة كاسدة.
(يسحب ظلاً صغيراً، مهترئ الأطراف)
وماذا عن هذا؟
هذا ظل موظف حكومي قضى ثلاثين عاماً يختم الأوراق. انظروا, الظل محني الظهر تلقائياً. فيه رائحة الحبر الرخيص والقهوة الباردة والخضوع.
من يشتري هذا الظل سيحصل على ميزة رائعة: الأمان. لن يلاحظك أحد، لن يلومك أحد، ستعيش وتموت كأنك لم تكن.
(يهمس للجمهور)
السعر رخيص جداً, السعر هو.. هو حلمك. أعطني حلمك، وخذ هذا الظل وارقد بسلام.
(يتحرك بتوتر حول المقعد)
لماذا تنظرون الي هكذا؟
تظنون أنني مجنون؟
أنا لست مجنوناً, أنا المنقذ. أنا الذي يجمع ما يسقط منكم حين تركضون خلف الحياة.
تخيلوا لو لم أكن موجوداً؟ لكانت ظلالكم تملأ الشوارع، تتعثرون بها، تدوسون على ذكرياتكم. أنا أنظف العالم من بقاياكم السوداء.
الظل الثاني :
(يجلس على المقعد، يخرج مقصاً كبيراً ويبدأ بقص الهواء حول ظل وهمي، كأنه يفصله بدقة)
آدم: هل سألتم أنفسكم يوماً, مما يُصنع الظل؟ الفيزيائيون الأغبياء يقولون انه غياب الضوء.
كذب.
الظل ليس غياباً, الظل هو النسخة الحقيقية منكم, اللحم والعظم؟
هذا مجرد غلاف، بدلة نرتديها لنخدع بعضنا.
لكن الظل؟
انظروا الى ظلالكم حين تغضبون, تكبر، تتوحش.
انظروا اليها حين تبكون, تنكمش.
الظل لا يكذب. الجسد يبتسم نفاقاً للمدير، لكن الظل على الأرض يرغب في خنقه.
أنا هنا أبيع الحقيقة.
(يقفز فجأة كأنه تذكر شيئاً مؤلماً)
أتذكر أول ظل بعته.
كان لامرأة جميلة, جميلة حد اللعنة.
جاءتني تبكي، قالت: ظلي يذكرني به.. كلما مشيت، رأيت ظلي يمسك يد ظل آخر غير موجود. أريدك أن تقصه.
قلت لها: يا سيدتي، قص الظل مؤلم أكثر من بتر الساق. ستفقدين توازنك.
أصرت.
فأمسكت المقص, هكذا. (يمثل الحركة ببطء)
سمعتُ صوت تمزق القماش، لكنه لم يكن قماشاً, كان صوت تمزق الروح.
فصلتُ ظلها عنها.
خرجت من هنا خفيفة، سعيدة، ترقص.
لكنني رأيتها بعد شهر..
كانت شفافة, الناس يمرون من خلالها. لم يعد لها ثقل في هذا العالم. طارت مع أول هبة ريح كالريشة.
(يصرخ)
نحن نحتاج أثقالنا لنثبت على الأرض, نحتاج خطايانا، نحتاج سوادنا لنبقى بشراً.
(تتغير الاضاءة الى اضاءة صفراء، يبدأ آدم في الحركة بعصبية، يخرج من جيبه خيطاً طويلاً غير مرئي، ويبدأ في تمثيل عملية خياطة الظلال ببعضها البعض)
آدم: (بلهثة، وهو يتحرك كمن يحاول الامساك بشيء يهرب منه) الوقتُ يضيق.. والضوءُ وقحٌ جداً اليوم
كلما زاد الضوء، فُضحت العيوب. انظروا الى هذه الثقوب في الظلال.. (يمسك ظلاً قماشياً ويرفعه للضوء)
أترون هذه الثقوب؟ هذه ليست تمزقات.. هذه خيبات أمل.
حين يخيب أملك في شخص ما، ينثقب ظلك. يمر الضوء من خلالك ليحرق قلبك مباشرة، ولا تجد ما يحميك.
مهمتي هي الرتق. أنا خياط الثقوب السوداء.
(يبدأ في الدوران حول نفسه وهو يشد الخيط الوهمي، يربط الهواء بالشماعة، يربط قدمه بالمقعد، كأنه ينسج شبكة عنكبوت حول نفسه)
آدم: أتعرفون ما هو أصعب ظل قمت برتقه؟ ظل رجل وحيد.
كان ظلاً رقيقاً كقشرة البيض، شفافاً لدرجة أنك ترى الحزن يسبح بداخله كالجنين.
جاءني وقال: يا آدم، ظلي يتألم..... كلما مررتُ بجانب شخص، يشتبك ظلي بظله، وأضطر لانتزاعه عنوة
قلت له: ظلك يبحث عن ونيس، انه أذكى منك......لكنه أصر أن أفصله عن العالم.
خيطت حواف ظله بابرة الصمت، حتى صار مغلقاً على نفسه مثل الشرنقة.
(يتوقف فجأة عن الحركة، ينظر ليديه)
أتعرفون ماذا حدث؟ ....... مات الرجل خنقاً بظله..... نعم.. الظل حين لا يجد من يعانقه، يعود ليعانق صاحبه حتى الموت.
(يصرخ في الفراغ)
أرأيتم؟ حتى السواد يحتاج الى رفيق! فما بالكم بقلوبكم التي تدّعي البياض؟
(يسقط على ركبتيه، يبدأ في نبش كومة من الظلال الملقاة على الأرض، يخرج منها قطعة قماش صغيرة جداً، يضمها)
آدم: (بصوت هامس، طفولي) يا الهي..... ظل طفل؟ ..... من الذي يجرؤ على بيع ظل طفل؟
(يتحسس قطعة القماش بحنان)
هذا الظل لا يزال تنبعث منه رائحة الحلوى............. وصوت ضحكة سقطت في بئر..... الظلال الصغيرة لا تحجب الضوء، بل تلونه........... صاحب هذا الظل لم يبعه...... لقد ضاع منه وهو يركض خلف فراشة....... بقي الطفل يركض في الشمس بلا حماية...... وبقي الظل هنا، يبكي في دكاني.
(يقف بغضب، يتوجه للجمهور)
أين أنتم من أطفالكم؟
تأخذونهم للمدارس، للمتنزهات، للمستشفيات.. لكن هل تتفقدون ظلالهم؟
هل تلاحظون متى ينطفئ السواد تحت أقدامهم ويتحولون الى مجرد أجساد آلية؟
أنا أحتفظ بكل الظلال الضائعة............ لعل طفلاً يكبر يوماً ويأتي ليبحث عن براءته هنا.
ولكني أخشى..........(يصمت طويلاً بخوف) أخشى أن ينسى كيف يرتديها.
(تبدأ الموسيقى في التصاعد..... يبدأ آدم في تمثيل صراع جسدي مع الظلال المعلقة، كأنها تهجم عليه)
ماذا تريدون مني؟ (يدفع الهواء) ابتعدوا..... أنا لم أسرقكم..... أنتم من تخليتم عن أصحابكم.
(يتصارع مع "ظل" ضخم معلق، يلتف حول رقبته) هذا ظل الندم....... أعرفه. انه ثقيل كالجبل.
صاحبه ألقاه عندي لأنه لم يعد يقوى على الوقوف مستقيماً.
والآن يريد أن يكسر عنقي أنا؟
(يسقط على الأرض، يتدحرج، يحاول التحرر من الظل الوهمي)
لن تأخذني..... أنا لست وعاء لخطاياكم.........أنا مجرد بائع.. بائع بسيط يحب الوضوح...
(يصل الى حالة من الهستيريا الحركية، يركض في أرجاء المسرح، يصطدم بالجدران، يسقط وينهض)
(فجأة، تتوقف الموسيقى، تسكن الحركة تماماً. يظل آدم ملقى على الأرض بوضعية الجنين. صمت طويل لا يقطعه الا صوت أنفاسه المجهدة)
آدم: (وهو لا يزال على الأرض، يكلم التراب) في البدء....... كان هناك الضوء. وكان الضوء وحيداً، يشعر بالملل من شدة سطوعه.
فخلقنا نحن.. لكي نمنحه الظل.
نحن هدايا الضوء للعتمة، أو هدايا العتمة للضوء....... لم أعد أفرق.
كل ما أعرفه هو أنني تعبت من كوني الوسيط.
(ينهض ببطء شديد، كأنه يحمل صخرة على ظهره)
كلما رتقتُ ظلاً لغيري، انفتق جزء من روحي.......أنا الآن عبارة عن رقعة كبيرة من ذكريات غريبة عني.
يداي تحملان بصمات لم ألمسها.......وعيناي تريان كوابيس لم أحلم بها.
(يمشي نحو المقعد الخشبي، يجلس بانهاك تام)
أريد أن أستقيل.
لكن........ كيف يستقيل من صار هو نفسه المكان؟ ....... اذا رحلت أنا..... من سيحرس أحزانكم؟
من سيمسح الغبار عن سوادكم لكي يبقى لامعاً حين تقررون العودة اليه؟
(يأخذ مقصه من الأرض، يفتحه ويغلقه ببطء، صوته المعدني يصبح هو الايقاع الوحيد)
أنا الساعة التي تضبط وقت النسيان.
(ينظر الى الجمهور بعمق، نبرة صوته تتغير لتصبح أكثر حدة وصدقاً)
أتعرفون لماذا أطلتُ الحديث معكم اليوم؟.........لأنني أسمع وقع أقدام في الخارج.........ليست أقدام زبائن........ بل أقدام الفراغ.......الفراغ قادم ليمسح هذا الدكان، ليمسحني، ويمسحكم.
وقبل أن يحدث ذلك.......(يقف بصلابة مفاجئة)......سأريكم أغلى ظل في مجموعتي......الظل الذي لم أجرؤ على عرضه في المزاد أبداً.
(يتوجه الى زاوية مظلمة جداً في المسرح، يسحب صندوقاً صغيراً مخفياً، يفتحه ببطء، فيخرج منه شعاع ضوء عكس المتوقع. ينبهر هو بالضوء الخارج من الصندوق)
هذا.. هو ظل الأمل.......انه الظل الوحيد الذي يضيء في العتمة.....صاحبه كان مجنوناً...... أو ربما كان القديس الوحيد بيننا.
باعه لي مقابل لحظة يقين....قال لي: خذ ضوئي، وأعطني ثباتاً.
والآن...... (يرفع يده بالصندوق نحو الجمهور)
من منكم يجرؤ على ارتدائه؟........ من منكم يملك الشجاعة ليكون ظله أبيض في عالم أسود؟
الظل الثالث:
(يبدأ في الدوران حول نفسه، يكلم الظلال المعلقة كأنها أشخاص حقيقيون، حالة من الانفصام تبدأ بالظهور)
آدم:(يخاطب ظلاً) أنت.... توقف عن الصراخ... أعرف أن صاحبك انتحر، لكنك الآن ملكي.
(يخاطب ظلاً آخر)
وأنت.. كفاك رقصاً. صاحبتك صارت عجوزاً لا تقوى على المشي، احترم شيخوختها.
(يتوجه للجمهور بانهيار، صوته يتهدج)
المشكلة ليست في البيع.. المشكلة في التخزين.
أتعرفون ماذا يحدث في هذا الدكان ليلاً حين ترحلون؟
الظلال تستيقظ.
نعم.. انهم يمثلون حياتكم السابقة.
ظل القاتل يعيد تمثيل الجريمة.
ظل العاشق يعانق الهواء.
ظل الطفل يركض ويبحث عن أمه.
وأنا.. أنا وحدي هنا وسط هذه الضوضاء الصامتة
أسمع وقع أقدامهم التي لا تملك أقداماً.
يحاولون سرقة جسدي.
يريدون وعاءً.. يريدون العودة الى الحياة من خلالي.
(يخلع سترته البيضاء بعنف، يظهر تحته قميص رمادي مبلل بالعرق)
أنا متعب.. متعب من حمل تواريخكم.
كل واحد منكم يرمي سواده ويمضي، وأنا أتلوث.
انظروا الى يدي.. (ينظر ليديه بهلع)
بدأتُ أتحول الى ظل. لوني يبهت.
أمس، حاولت أن أمسك كوب الماء، فمرت يدي من خلاله.
أنا أتلاشى
بسببكم.. لأنكم لا تملكون شجاعة مواجهة جانبكم المظلم، فرميتموه علي.
الظل الرابع:
(يذهب الى منتصف المسرح، تحت البقعة الضوئية تماماً. ينظر الى الأرض.. يكتشف شيئاً مرعباً. يدور حول نفسه ببطء)
آدم: (بصوت يملؤه الرعب) أين.. أين هو؟
(يبحث تحت قدميه، يركع على الأرض ويتحسسها)
أين ظلي؟
أنا أبيع الظلال للجميع.. لكن، أين ظلي أنا؟
(يضحك ضحكة هستيرية تتحول لبكاء)
يا للمزحة الكونية.
بائع الأحذية حافي القدمين، وبائع الظلال بلا ظل.
هل بعته؟ هل نسيته؟ أم أنني لم أكن موجوداً أصلاً؟
ربما أنا مجرد فكرة في رأس أحدكم؟
ربما أنا الظل الذي قصه أحدهم وتركه هنا وذهب ليعيش حياته؟
(يتحسس وجهه، صدره، ذراعيه بعنف)
هل أنا حقيقي؟ هل هذا اللحم حقيقي؟ أم أنه مجرد كثافة وهمية للظلام؟
(يقف، يمسك المقص ويوجهه نحو صدره)
اذا كنتُ ظلاً، فالمقص لن يؤذيني.
واذا كنتُ بشراً، فالمقص سيحررني.
في الحالتين.. أنا رابح.
أريد أن أعرف.. أريد أن أرى دماً أحمر قانياً يثبت أنني لست مجرد بقعة سوداء على رصيف العالم.
(يمد يده في الهواء، ينظر الى الشماعة.. يرى ظلاً واحداً يتحرك بفعل تيار هواء خفي)
انظروا.. ذلك الظل يشبهني.
نفس انحناءة الكتف.. نفس انكسار الرقبة.
انه هناك....... ينتظرني أن أرتديه.
أو ربما ينتظر أن يرتديني؟
الظل الخامس:
(يرمي المقص على الأرض، يُحدث صوتاً معدنياً رناناً يكسر الصمت. يمشي ببطء شديد وتثاقل نحو الشماعة، يختار الظل الذي يشبهه)
آدم: (بهدوء ) لقد فهمت الآن.
نحن لا نملك الظلال.. الظلال هي التي تملكنا.
هي جذورنا في الأرض. بدونها، نحن مجرد بالونات هيليوم تافهة تطير نحو الفراغ.
أنتم تهربون من أحزانكم، من ذكرياتكم السيئة، من أخطائكم، وتسمونها ظلالاً وتريدون التخلص منها.
لكن.. هل يوجد انسان بلا خطيئة؟ هل يوجد دخان بلا نار؟
(يفك الظل من الشماعة، يلفه حول جسده كأنه يرتدي عباءة أو كفناً)
سأرتديه.
سأقبلُ سوادي. سأقبلُ كل لحظة ضعف، كل كذبة، كل خيانة، كل وجع.
هذا الثقل هو الذي يجعلني انساناً.
(يلتفت للجمهور نظرة أخيرة، وعيناه تلمعان بالدموع)
لا تشتروا النسيان.. لا تبيعوا ظلالكم.
فالرجل الذي يمشي بلا ظل، هو رجل مات وهو لا يزال يتنفس.
أما أنا.. فسأعود الى الزحام.
سأكون الرجل الوحيد الذي يمشي ورأسه للأسفل، لا خجلاً.. بل ليتأكد أن صديقه الأسود لا يزال يمسك بيده.
(يبدأ بالانسحاب للخلف ببطء، بينما يقل الضوء تدريجياً، يبقى صوته يتردد في الظلام).
يا سادة.. تفقدوا ما تحت أقدامكم قبل المغادرة.
تأكدوا أنكم لم تتركوا شيئاً من أرواحكم هنا.
المتجر مغلق........ للأبد.
الظل السادس:
(تخفت الاضاءة تماماً الا من سبوت واحد مسلط على آدم وهو جالس في منتصف المسرح على الأرض. يحيط نفسه بمجموعة من الظلال المعلقة التي أنزلها ووضعها حوله في دائرة، كأنه في جلسة استجواب أو محاكمة)
آدم: (بصوت هامس....يرتجف) لقد انتهت اللعبة........الآن، حين ينام العالم وتصمت أصوات المآذان وأجراس الكنائس وصراخ الباعة........ هنا، في هذا الفراغ، لا يتبقى الا أنا....... وهؤلاء.
(يلتفت الى الظلال حوله) لماذا تنظرون الي هكذا؟.........أنا لم أسرق حياتكم، أنا فقط استقبلت ما رفضتموه أنتم.
(يمسك ظل رجل عجوز) أنت..... ألم تكن تشتكي من ثقلك؟ ألم تكن تقول ان ذكرياتك تطاردك كأشباح جائعة؟ لقد حررتك منها...... فلماذا تطالبني الآن بردها؟..........العدل؟ (يضحك بمرارة)
العدل هو أن نحمل أوزارنا بأنفسنا، لا أن نلقيها في متجر على رصيف العمر ونمضي.
(يقف ببطء، يبدو كأنه شاخ فجأة، يده ترتعش وهو يمسك المقص)
لقد كنتُ أعتقد أنني ذكي......... أجمع آلام الناس وأحولها الى بضاعة.......لكنني اكتشفت أن كل ظل دخل هذا الدكان، ترك في قلبي ثقباً...... أنا لست آدم....... أنا مصفاة للوجع البشري.
(يصرخ في الجمهور بصوت يملؤه التحدي والكسر)
أتعرفون من أنا؟.........أنا الشيء الذي تخجلون منه في أنفسكم......أنا تلك اللحظة التي تطفئون فيها النور وتغطون وجوهكم باللحاف، هرباً من فكرة أنكم...... لاشيء.........نحن جميعاً لاشيء لولا تلك المساحة السوداء التي تتبعنا.
الظل هو الدليل الوحيد على أننا نحجب ضوءاً، على أننا نشغل حيزاً، على أن لنا وزناً في نظر الله.
(يبدأ في نزع قميصه ببطء ..... تحته قميص داخلي رقيق)
أريد أن أتخفف.....أريد أن أخلع هذا الوجود المستعار.
(يتجه الى المرآة -أو اطار مرآة فارغ-) انظروا...... أنا لا أرى وجهي.......أرى وجوهكم أنتم.
أرى ذلك الرجل الذي ضرب زوجته بالأمس...... أرى تلك المرأة التي خانت حلمها من أجل الأمان............. أرى ذلك الشاب الذي يبيع وطنه مقابل تأشيرة سفر.
كلكم هنا...... في ملامحي........لقد أكلت الظلال وجهي الأصلي.....
(ينهار أمام المرآة الوهمية، يلمس الهواء بيديه)
أين ذهبت أنا؟.........أين آدم الذي كان يحب رائحة المطر قبل أن يتعلم كيف يبيع ظل الغيوم؟
(يسود صمت طويل جداً، يكتفي فيه الممثل بالتحديق في الجمهور بعينين دامعتين، صمت ثقيل يُشعر المشاهد بالارتباك)
آدم:(بصوت منكسر جداً، يقترب من حافة المسرح) أتدرون ما هو البرزخ الحقيقي؟ ليس هو ما بعد الموت.......البرزخ هو أن تعيش بين رغبتك وخوفك......أن تظل واقفاً في المنتصف، لا أنت تملك شجاعة الضوء، ولا أنت تملك سلام العتمة.
أنا عالق في البرزخ............. بين كوني بشراً وبين كوني مخزناً للأرواح الضائعة.
(يمسك المقص ويوجهه لظله الذي بدأ يظهر بضعف تحت اضاءة خافتة)
هل أقصه؟ اذا قصصت ما تبقى مني........ هل سأتحرر؟.........أم أنني سأصبح هباء منثوراً، تذروه رياح الحكايات؟
(يبدأ في الغناء أو الهمهمة بلحن جنائزي حزين، وهو يجمع الظلال حوله ويحضنها كأنها أطفاله).
ناموا..... ناموا أيها المتعبون...صاحبكم لم يعد يريدكم، وأنا........ أنا سأكون كفنكم الأخير.
(يستلقي في وسط الدائرة، يغطي نفسه بالأقمشة السوداء حتى يختفي تماماً تحتها)
سأنام تحتكم.......ربما اذا نمت طويلا....... سأستيقظ في مكان لا يوجد فيه ظل ولا ضوء......مكان يوجد فيه نحن فقط....... دون أقنعة، دون صفقات، دون ندم.
(صوته يخفت ويخفت)
يا أيها المارون.......اذا وجدتم ظلاً وحيداً يبكي في الشارع......لا تدهسوه......ربما يكون هذا كل ما تبقى من انسان كان يظن يوماً.......... أنه حي.
الظل الأخير:
(تلاشي تدريجي للاضاءة، مع بقاء سبوت لايت واحد يضعف ببطء شديد على كومة القماش التي ينام تحتها آدم. في هذه اللحظة، يُسمع صوت تسجيل صوتي لمجموعة من الهمسات المتداخلة -أصوات زبائن يطلبون استعادة ظلالهم- ثم يرتفع صوت "قطار" يقترب من بعيد.. يقترب.. يقترب.. ثم يتوقف فجأة بصوت مكابح حاد يملأ القاعة)
(يخرج آدم يده من تحت كومة الظلال....يمدها نحو الفراغ كأنه يحاول الامساك بآخر خيط للحياة، ثم ترتخي اليد وتسقط ببطء على الأرض)
اظلام
2020 تركيا
للتواصل مع الكاتب:
واتساب:07806066228
فيس بوك: ضرغام ابو آصف
#ضرغام_عبد_الرحمن_الجابري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟