جمال براجع
الأمين العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي - المغرب
الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 23:55
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
يشهد العالم حاليا تصاعدا للنزعة العدوانية الامبريالية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في إطار سعيها لتكريس هيمنتها على العالم في سياق دولي يتميز بتعمق الأزمة البنيوية للرأسمالية في المراكز الامبريالية والتي تلقي بظلالها على العالم أجمع. كما يشهد أيضا تحولات جيواستراتيجية عميقة تهدد استمرار هذه الهيمنة مما يزيد من احتمالات توسع التوترات والصراعات والحروب عبر العالم.
ولابد من التذكير أن هذا التغول أو النزعة العدوانية والعنف الامبريالي يعكس جوهر الرأسمالية، فهو مكون بنيوي متأصل في طبيعة وبنية الرأسمالية. فنشاة نمط الإنتاج الرأسمالي وتوسعه واستمراره قامت على العنف والاستغلال المكثف للطبقة العاملة وللموارد الطبيعة واستعمار البلدان واستغلال شعوبها ونهب ثرواتها الطبيعية. فالرأسمالية لن تستطيع أن تعيش وتستمر إلا بالاستغلال والعنف والحروب والتوسع دافعها في ذلك هو الربح ولا شيء غير الربح. فالرأسمال "يقطر دما وقذارة من كل مسامه من الرأس إلى أخمص القدمين" كما وصفه كارل ماركس.
ويتصاعد النزوع الامبريالي نحو العنف والحروب أكثر مع هيمنة الرأسمال المالي الاحتكاري في ظل سيادة النيوليبرالية المتوحشة التي أخذت تسود العالم منذ ثمانينيات القرن 20 وتصاعدت مع انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في شرق أوربا منذ بدية التسعينات من نفس القرن ليدخل العالم مرحلة القطبية الأحادية تحت الهيمنة المطلقة للولايات م أ. هذه الأخيرة أصبحت القطب الذي يدبر تناقضات المنظومة الرأسمالية الغربية تحت هيمنته، وينظم التنافس بين دول هذه المنظومة من حيث المنافع و الأسواق ومصادر الطاقة والموارد الاقتصادية حسب القواعد التي يضعه هو لتنظيم العلاقات بين الدول الامبريالية الموالية مما كرس تبعيتها له وخاصة من خلال تحكمه في أدوات الهيمنة المالية والاقتصادية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، أو العسكرية من خلال حلف " الناتو".
وفي خضم هذا التوسع الرأسمالي واكتساحه لأسواق جديدة ( المنظومة الاشتراكية السابقة) ظهرت تناقضات جديدة داخل المنظومة الرأسمالية بظهور أقطاب اقتصادية جديدة مثل الصين وروسيا، استفادت من العولمة ومن قاعدتها الإنتاجية والبشرية التي ورثتها عن التجربة الاشتراكية وطورتها على كافة المستويات حتى أصبحت تمتلك مقومات منافسة القوى الرأسمالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بل وتتفوق عليها في عدة ميادين، وتمكنت من اكتساح الأسواق العالمية كما هو الشأن بالنسبة للصين، وأسست لنفسها فضاء مستقلا للتعاون الاقتصادي هو مجموعة" لبريكس" التي وضعت في جدول أعمالها إزاحة الهيمنة المالية والاقتصادية للولايات المتحدة من خلال اعتماد بدائل للدولار و نظام "السويفت" و للمؤسسات المالية الدولية.
وبالفعل بدأت الولايات المتحدة تفقد تدريجيا هيمنها المطلقة داخل المنظومة الرأسمالية وخاصة في ظل تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية العميقة التي انفجرت على الخصوص منذ 2008 والتي انتقلت الى باقي البلدان الرأسمالية وخصوصا المرتبطة والتابعة لها وما سببته وتسببه من ركود اقتصادي دائم وتضخم بنيوي وأزمة مديونية متراكمة وعجز مالي ضخم غير مسبوق يتم التخفيف منه عبر صنع المزيد من الأوراق النقدية/ الدولار مما يعمق التضخم والعجز والركود الاقتصادي. فالاقتصاد الأمريكي يختنق في دوامة أزمة بنيوية عميقة تتجاوز تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية المدمرة الولايات المتحدة إلى مختلف بلدان المركز الرأسمالي ومحيطه.
وإذا كانت الامبريالية الأمريكية في مرحلة القطبية الواحدة والهيمنة المطلقة تستعمل في الغالب وسائل الهيمنة الناعمة من خلال فرض سياساتها عبر الأدوات المالية والاقتصادية التي تتحكم فيها مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي و الديون فإنه الآن في ظل تراجع هيمنتها واحتدام التناقضات وسط المنظومة الرأسمالية، وفي ظل صعود اليمين الأكثر فاشية بقيادة ترامب حاشيته من رموز الرأسمال المالي الاحتكاري المتعفن مغتصبي الأطفال وآكلي لحوم البشر إلى السلطة والتحكم في مصير العالم، انتقلت الى استراتيجية التغول أو الغطرسة المكشوفة عبر الحروب والعدوان المباشر بمختلف الأشكال: العسكرية إما مباشرة أو عبر أدواتها كالكيان الصهيوني والمليشيات الإرهابية ( حرب الإبادة في فلسطين- غزو واحتلال سوريا وتغيير نظامها- العدوان على فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته– الحرب على إيران-لبنان- السودان...) أو الاقتصادية والجمركية ( تشديد وتعميم العقوبات الاقتصادية والحرب الجمركية على الدول بما فيها الدول الموالية او الصديقة لها).
وكلما تعمقت أزمتها وتراجعت هيمنتها وضعفت قدرتها على منافسة الأقطاب الاقتصادية الصاعدة إلا وازدادت الامبريالية الأمريكية شراسة في عنفها وغطرستها ولجأت إلى وسائل القوة العسكرية السافرة متحدية المؤسسات والقوانين الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي فقدت دورها وفعاليتها في استتباب السلم والأمن في العالم وفي معالجة الازمات الدولية وفي تعزيز التعاون بين الدول والشعوب بل وتحولت في الكثير من الأحيان، تحت الضغط الأمريكي والغربي، إلى أداة لتكريس الظلم والعدوان على الشعوب والدول مثل قرار مجلس الأمن الأخير ضد حق إيران في الدفاع عن نفسها والسكوت عن العدوان الأمريكي الصهيوني عليها في اطار سياسة الكيل بمكيالين. إذن قلت كلما تعمقت أزمتها وتراجعت هيمنتها إلا وازدادت غطرسة وعدوانا وهو ما تعكسه " استراتيجية الأمن القومي الجديدة" التي تهدف الى إعادة الهيمنة الامريكية على العالم وخاصة في النصف الغربي للكرة الأرضية لإزاحة النفوذ الصيني، وعدوانها العسكري على إيران في يونيو 2025 أو العدوان الحالي الذي يهدف إلى اسقاط النظام الإيراني والقضاء على القدرات العسكرية لإيران وبرنامجهاالنووي واسقاط نظامها والسيطرة عليها وتحويلها الى دولة فاشلة مقسمة طائفيا، و تنصيب نظام عميل وخاضع كما جرى في سوريا، والسيطرة على مواردها الطاقية والمعدنية الهائلة والمتنوعة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي والقضاء نهائيا على محور المقاومة الذي تعد إحدى ركائزه الأساسية ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية نهائيا ( حرب الإبادة الجماعية+ مجلس السلام كأداة لفرض انتداب استعماري جديد على فلسط ين) وإعادة هندسة الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط تحت الهيمنة الامريكية والصهيونية تنفيذا للمخطط الامبريالي الأمريكي الصهيوني "الشرق الأوسط الجديد"، وإزاحة القوى المنافسة من المنطقة، وخصوصا الصين، لأن من يتحكم في منطقة الشرق الأوسط يتحكم في العالم. فهي المصدر الأساسي للطاقة في العالم ومحور المواصلات البحرية الدولية المتحكمة في شرايين الاقتصاد العالمي.
لكن يظهر أن هذا المخطط الامبريالي الأمريكي الصهيوني قد اصطدم بصخرة صمود إيران التي تمكنت من امتصاص الضربة الأولى وشن هجوم مضاد قوي على القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وعلى الكيان الصهيوني وتكبيد الولايات المتحدة والكيان خسائر عسكرية ومادية وبشرية هائلة في إطار استراتيجية حرب استنزاف قاسية تظهر المؤشرات مدى الاعداد الإيراني الجيد لهذه الحرب وخاصة على المستوى الاستخباراتي والقدرات العسكرية الصاروخية. فيظهر أن الحرب ستكون طويلة ومؤلمة للعدو الأمريكي الصهيوني، وخاصة مع انخراط حزب الله في الحرب وإغلاق مضيق هرمز الذي يعتبر أحد الشرايين الرئيسيين لنقل الطاقة على الصعيد العالمي مما سيشعل أسعار الطاقة ويدخل الاقتصاد العالمي في أزمة ركود تضخمي غير مسبوقة وخاصة بالنسبة للبلدان الصناعية غير النفطية في أوربا وأسيا. فديون الولايات المتحدة فاقت 41 تريليون دولار مما سيفاقم عجز الميزانية ويدفع بنك الاحتياط المركزي الأمريكي الى المزيد من طبع الدولار مما سيفاقم التضخم والركود الاقتصادي أكثر. ونسبة النمو في أوربا تكاد تكون صفرية. وسيكون لهذا الوضع تداعيات كارثية على الطبقة العاملة والشعوب سواء في دول المركز الرأسمالي أو دول المحيط. وسيتضخم الفقر والبطالة والهشاشة والإقصاء الاجتماعي والفوارق الطبقية وخاصة في البلدان التابعة. وحدها الطغمة المالية الاحتكارية والمركب النفطي العسكري، وخاصة الأمريكي، المتحكم في الاقتصاد العالمي من سيستفيد من هذه الأزمة. مما سيزيد من التغول الامبريالي والاستغلال الرأسمالي.
-إن التغول الامبريالي الأمريكي والصهيوني يشكل تهديدا حقيقيا للبشرية ولاستمرار الحياة على وجه الأرض بحكم الترسانة النووية الرهيبة التي تمتلكها الولايات م أ . وحلفاءها وطبيعة الطغمة المالية الاحتكارية الفاسدة التي تتحكم في القرار السياسي والعسكري الأمريكي. واستمرار هذا التغول سيقضي نهائيا على المكتسبات التي حققتها الإنسانية في مسارها النضالي الطويل والمرير بقيادة حركاتها الثورية والتحررية والتقدمية ومساهمة الدول الاشتراكية في مرحلة القطبية الثنائية والتي تجد حدودها الدنيا في قواعد القانون الدولي الإنساني وضمنها الشرعة الدولية لحقوق الانسان والمنظمات الإنسانية المنبثقة عن الأمم المتحدة رغم محدودية دورها في مواجهة الظلم والتغول الذي تتعرض له الشعوب من طرف قوى الامبريالية والصهيونية والاستبداد. والأخطر من ذلك هو لجوء الولايات المتحدة إلى بدائل خارج الأمم المتحدة لإدارة القضايا الدولية تحت سلطتها وتحكمها كما حدث مؤخر بتأسيس ما يسمى ب " مجلس السلام" والحقيقة هي أنه مجلس للحرب للقضاء على المقاومة الفلسطينية وتصفية القضية وفرض انتداب استعماري جديد على فلسطين.
-إن صمود إيران وانتصارها في وجه هذه الحرب الإمبريالية سيخلق موازين قوى جديدة في المنطقة بصفة خاصة وفي العالم بصفة عامة مما سيسمح بإعادة صياغة الخريطة السياسية للمنطقة لمصلحة الشعوب والقضية الفلسطينية وبما يسرع بانهيار المشاريع الامبريالية بالمنطقة وفي قلب ذلك انهيار المشروع الاستعماري الصهيوني وباقي الأدوات الوظيفية للإمبريالية.
-إن مختلف هذه التحولات والتطورات الجيواستراتيجية والجيوسياسية تجعل العالم يدخل في مرحلة رمادية من تاريخه. إننا نشهد بداية نهاية نظام القطبية الأحادية بزعامة الو م أ الذي يلفظ أنفاسه تدريجيا، لكنه يصارع بشراسة من أجل البقاء، وولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، طبعا داخل نفس المنظومة الرأسمالية. وهي ولادة عسيرة ستسبب للإنسانية والشعوب آلاما كبيرة، وهو حال جميع المراحل الانتقالية المفصلية في تاريخ البشرية. لكنها ستفتح للشعوب آفاقا أفضل للتحرر من القهر والاستبداد والاستغلال والتبعية إن تحملت القوى التحررية والثورية والتقدمية مسؤوليتها وقادت شعوبها في الصراع ضد التحالف الرأسمالي الامبريالي الصهيوني الرجعي.
فما العمل إذن أمام هذا الواقع الصعب والمعقد؟
إن الإجابة ترتبط بالضرورة بتحديد التناقض الرئيسي الذي يتحكم في الصراع على الصعيد العالمي. نحن في حزب النهج الديمقراطي العمالي نعتبر أن التناقض الرئيسي على الصعيد العالمي في ظل المرحلة الحالية هو بين المنظومة الامبريالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وأدواتها الوظيفية وفي مقدمتها الكيان الصهيوني من جهة، والطبقة العاملة والشعوب وقواها الوطنية التحررية والثورية والتقدمية والدول الوطنية ذات القرار السيادي المستقل من جهة أخرى. مما يستوجب بناء أوسع جبهة عالمية ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية مع التركيز على العدو الأكثر شراسة حاليا وهو الامبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني وتوابعهما، وتعزيز وتوسيع التضامن الأممي بين الشعوب وخاصة مع الشعب الفلسطيني والشعب الإيراني والشعب اللبناني والشعب السوداني وشعوب فنزويلا وكوبا وكولومبيا ... من أجل عالم أكثر عدلا يوفر للشعوب العيش بكرامة والحق في تقرير مصيرها.
ونعتبر أن التنسيق والنضال المشترك بين القوى التحررية والتقدمية والثورية على صعيد كل بلد وكل منطقة وعلى الصعيد العالمي مسألة أساسية في توفير أدوات الصراع ضد التحالف الإمبريالي والصهيوني الرجعي ومن أجل التحرر الوطني والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. كما نعتبر أن تحرر الإنسانية من الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد بجميع أشكاله والحروب لن يتحقق إلا في إطار المجتمع الاشتراكي حيث تمكن علاقات الإنتاج الاشتراكية المنتجين الأحرار من التحكم في مصير إنتاجهم وتوجيهه لتلبية الحاجات الحقيقية للمجتمع.
#جمال_براجع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟