جمال براجع
الأمين العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي - المغرب
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 23:47
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
يناضل حزب النهج الديمقراطي العمالي، من أجل إنجاز برنامجه الاستراتيجي، المتمحور حول مهام التحرر الوطني والديمقراطية والاشتراكية، عبر أربع سيرورات مترابطة جدليا فيما بينها هي: سيرورة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة، سيرورة بناء وتقوية التنظيمات المستقلة للجماهير، سيرورة بناء جبهة الطبقات الشعبية وأخيرا سيرورة بناء أممية ماركسية.
وتشكل هذه السيرورات الأربعة خريطة الطريق السياسية للحزب الموجهة لممارسته الفكرية والسياسية والنضالية الميدانية. وتجد هذه الخريطة سندها العلمي الموضوعي في تحليل واقع الصراع الطبقي في المغرب والتناقضات التي تحركه في ارتباط جدلي بالقراءة النقدية العلمية التي قام بها الحزب لتجربته الخاصة كامتداد فكري وسياسي للحركة الماركسية اللينينية المغربية، وخصوصا تجربة إلى الأمام، وللتجربة التاريخية للشعب المغربي وحركته اليسارية والديمقراطية ولتحولات المحيطين الإقليمي والدولي وخصوصا منها ماعرفته منطقتنا من سيرورات ثورية اندلعت سنة 2011 وتجسدت مغربيا في حركة 20 فبراير المجيدة.
-في ترتيب التناقضات الطبقية المحددة للصراع الطبقي في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية المغربية:
من خلال تحليل التناقضات الطبقية المتحكمة في الصراع الطبقي الذي يخترق التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية المغربية ويتحكم في تطورها يمكن التمييز بين:
-التناقض الأساسي بين قوة العمل المنتجة لفائض القيمة والرأسمال المستغل والسارق لفائض القيمة، وبمعنى آخر التناقض بين الطبقة العاملة بمختلف مكوناتها والطبقة البرجوازية السائدة بمختلف مكوناتها. وهذا التناقض يتم حله عبر الثورة الاشتراكية التي تقودها الطبقة العاملة المنظمة في إطار حزبها السياسي المستقل. وهي المهمة التي يشتغل عليها حزب النهج الديمقراطي العمالي. وهي مهمة جميع الماركسيين/ات اللينينيين/ات المغربية.
-التناقض الرئيسي بين مجموع الطبقات الشعبية المكونة من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وفئات الكادحين في القرى والمدن وفئات البرجوازية الصغرى والمتوسطة، هذا بالإضافة إلى جزء من البرجوازية غير الاحتكارية المتضررة من الريع والاحتكار والاستبداد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الكتلة الطبقية السائدة ( البرجوازية الكومبرادورية وملاك الأراضي الكبار والمافيا المخزنية) ونظامها المخزني والامبريالية وخصوصا الفرنسية التي ما زالت شركاتها تحتكر جزءا هاما من الاقتصاد الوطني رغم تقلص نفوذها السياسي والاقتصادي مؤخرا لصالح الامبريالية الامريكية والكيان الصهيوني. وحل هذا التناقض الرئيسي يتم تحت قيادة جبهة الطبقات الشعبية على أرضية برنامج التغيير الوطني الديمقراطي الشعبي. وبالنسبة لنا، كحزب ماركسي لينيني، يجب أن يكون حل هذا التناقض تحت قيادة الطبقة العاملة حتى يكون منفتحا على الأفق الاشتراكي.
-وهناك تناقضات ثانوية وسط الكتلة الطبقية السائدة حسب استفادتها من الريع وتوزيع فائض القيمة والثروة وموقعها من مركز القرار السياسي والاقتصادي. ويقوم النظام المخزني بتدبير العلاقات فيما بينها. كما أن هناك تناقضات ووسط الطبقات والفئات الشعبية حسب موقعها الطبقي ومدى استفادتها من نظام الإنتاج السائد. وتعد الطبقة العاملة والفئات الكادحة الأكثر تضررا من هذا النظام. وتخترق هذه الطبقات والفئات تعبيرات سياسية ومدنية متعددة تعبر إلى هذا الحد أو ذاك عن مصالح ومطامح كل منها.
فبناء الأدوات السياسية لحل هذه التناقضات يستند، إذن، على فهم وترتيب هذه التناقضات حسب طبيعتها وأولوياتها.
-جبهة الطبقات الشعبية ضرورة تاريخية للتغيير الوطني الديمقراطي الشعبي:
كما قلنا سابقا مهمة جبهة الطبقات الشعبية هي مهمة استراتيجية ثورية تهدف إلى حل التناقض الرئيسي عبر التخلص من المخزن باعتباره العائق الرئيسي أمام تحرر شعبنا من الاستبداد والتبعية والقهر الطبقي وبناء النظام الوطني الديمقراطي الشعبي حيث السيادة والسلطة للشعب. فجوهر هذا المشروع إذن هو انتزاع السلطة السياسية من الكتلة الطبقية السائدة واستبدالها بالسلطة الشعبية. مما يجعل من بناء هذه الجبهة عملية صعبة ومعقدة وطويلة تفرض تضحيات كبيرة. ومن المؤكد أن عملية بناءها ستعرف فترات مد وجزر، وستواجه تحديات كبيرة وكثيرة في سيرورة الصراع الطبقي ضد عدو طبقي شرس لن يتم هزمه بسهولة. إذ سيبذل كل ما في وسعه، وبكل الوسائل، من أجل الحيلولة دون بناء هذه الجبهة بما فيها ذلك توظيف العناصر الرجعية والانتهازية وسط الطبقات الشعبية، وخصوصا وسط البرجوازية الصغيرة، وقواها السياسية والنقابية والجمعوية، و تسعير التناقضات الثانوية التي تخترق هذه الطبقات والقوى. وهذا ما يتطلب من القوى الثورية والديمقراطية بناء تصوراتها للتحالفات السياسية والنضالية على قاعدة المصالح الفعلية للطبقات الشعبية وطموحاتها في التغيير الوطني الديمقراطي الشعبي بعيدا عن المصالح الفئوية الانتهازية. وبناء على هذا التصور فإنه لا بديل لهذه القوى عن النضال الجماعي المشترك والتنسيق فيما بينها في كافة واجهات الصراع الطبقي السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية.
إن الانخراط الجماعي للقوى الثورية والديمقراطية والحية في الحراكات والنضالات الشعبية المختلفة والتنسيق الميداني فيما بينها لإنجاح هذه الحراكات والنضالات وتدبير العلاقات والتناقضات فيما بينها بالطرق الديمقراطية وفق رؤية جماعية واضحة مبنية على خدمة المصالح والمطامح الفعلية للطبقات الشعبية يعد شرطا ضروري للتقدم في توفير شروط بناء جبهة الطبقات الشعبية.
إن الوضوح النظري والسياسي للتناقضات الطبقية وترتيبها بين ما هو أساسي ورئيسي وثانوي ضروري للصياغة السديدة لمسألة التحالفات وتحديد ما هو استراتيجي منها وما هو مرحلي. والمرحلي هنا ليس بمعناه الانتهازي بل بمعناه الموضوعي كضرورة تفرضها الشروط الموضوعية للصراع الطبقي في كل مرحلة من مراحله، مما يكسبه بعدا استراتيجيا من خلال مساهمته في تراكمات سيرورة التغيير الثوري.
وبناء على ما سبق نميز في حزب النهج الديمقراطي العمالي بين نوعين من الجبهات التي تقود إلى بناء جبهة الطبقات الشعبية، وهذا التمييز هو فقط منهجي، لأن كلاهما يندرجان ضمن نفس السيرورة ويتوخيان تحقيق نفس الهدف ألا وهو تجميع جميع الطبقات والقوى المناهضة للمخزن في جبهة شعبية واسعة من أجل إسقاطه كخطوة نحو الانتقال إلى الديمقراطية. وهذين النوعين هما:
- الجبهات الميدانية: " تنسق العمل النضالي الميداني في كافة مجالات وساحات الفعل النضالي، وتهتم بالحراكات الشعبية وغيرها، وتراكم المكتسبات وتساعد على بناء علاقات التعاون المشترك حول قضايا النضال الميداني." والجبهات الميدانية هي جبهات تكتيكية مرنة ومنفتحة للنضال المشترك قد تجمع بين قوى سياسية ومجتمعية ذات مرجعيات فكرية وسياسية مختلفة، لكن ما يجمعها هو الأهداف المشتركة موضوع النضال المشترك. كما هو الشأن مثلا بالنسبة للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، والجبهات الميدانية المحلية حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشعبية وغيرها.
وقد شكلت حركة 20 فبراير تجربة تاريخية غنية لهذا النوع من الجبهات، حيث اندمجت فيها قوى سياسية واجتماعية مختلفة تحت شعار" إسقاط الاستبداد والفساد ومن أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية". وقد بينت هذه التجربة إمكانية النضال المشترك بين التعبيرات السياسية والنقابية والجمعوية للطبقات الشعبية رغم اختلافاتها في المرجعية. ومن شأن الاستفادة من دروسها الغنية تطوير وتقوية النضال المشترك وسط الطبقات الشعبية بهدف توحيد نضالاتها وحراكاتها والارتقاء بذلك سياسيا إلى مستوى صياغة برنامج التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي للحسم مع النظام المخزني والكتلة الطبقية السائدة. وكلما نجحت الجبهات الميدانية في الانغراس وسط الجماهير الشعبية المتضررة من الأوضاع القائمة والدفاع عن مطالبها ومصالحها وفي تحقيق أهدافها، ولو نسبيا، كلما استعادت الجماهير الثقة في نفسها وفي أهمية وحدتها، واقتنعت أن النضال هو وحده هو السبيل للدفاع عن مكتسباتها وانتزاع حقوقها، بالإضافة إلى استعادة ثقتها في العمل السياسي والنقابي والجمعوي الجاد والمناضل.
فالجبهات الميدانية بهذا المعنى تتوقف على إرادة وقدرة القوى السياسية والمجتمعية المختلفة المناهضة للمخزن على توحيد الحركة النضالية الجماهيرية في مختلف المجلات والقطاعات والمناطق في سيرورة التغيير الديمقراطي الحقيقي ومنحها البعد السياسي من خلال بلورة الشعار السياسي المناسب لكل مرحلة من مراحل الصراع الطبقي لإضعاف سلطة المخزن والكتلة الطبقية السائدة والنفوذ الامبريالي والصهيوني ببلادنا. ومن شروط بناء وإنجاح الجبهات الميدانية هو فتح الحوار العمومي بين مختلف مكونات الصف المناضل حول قضايا وإشكالات وسبل التغيير الديمقراطي. ومن شأن ذلك تقريب وجهات النظر وتحقيق توافقات بشأن القضايا الخلافية أو المختلف حولها وإرساء أجواء الثقة فيما بينها وبلورة قواعد مشتركة للتدبير الديمقراطي للعلاقات فيما بينها بما يقوي الحركة النضالية للجماهير ويخدم أهدافها.
-الجبهة الديمقراطية:
فإذا كان بناء الجبهات الميدانية وتقويتها وتطويرها ضروريا لخلق الدينامية النضالية في ساحات النضال الشعبي ضد الاستبداد المخزني والاستغلال الرأسمالي والقهر الطبقي فإن بناء الجبهة الديمقراطية يعد من الشروط الضرورية لإعطاء الجبهات الميدانية الدينامية النضالية والأفق السياسي المفتوح على التغيير الديمقراطي الحقيقي، لأن هدف هذه الجبهة ليس فقط إسقاط المخزن بل بناء النظام الديمقراطي الوطني الشعبي. مما يجعل منها أداة سياسية استراتيجية في قيادة الجبهة الجبهات الميدانية وتوحيدها وتوجيهها في أفق بناء جبهة الطبقات الشعبية.
وتضم الجبهة الديمقراطية كافة القوى والفعاليات والتيارات اليسارية و الديمقراطية النقابية والحقوقية والمدنية التي تؤمن وتناضل من أجل مغرب متحرر وديمقراطي. ويبقى دور القوى اليسارية الثورية والديمقراطية أساسيا في بناء هذه الجبهة ونجاحها. لذلك لابد لهذه القوى من توحيد صفوفها وخوض النضال الوحدوي على قاعدة برنامج نضالي حد أدنى. وهذا ما يحتم عليها التقييم النقدي لتجاربها الخاصة وللتجارب الوحدوية السابقة وتطوير تصوراتها لمسألة التحالفات بناء على الإجابة العلمية على التناقضات الطبقية الموضوعية وقضايا الصراع الطبقي ومتطلبات التغيير الديمقراطي، وليس على التصنيفات والأحكام الأيديولوجية المسبقة والخاطئة وتغليب منطق الخلاف والاختلاف على منطق النقد والنقد الذاتي والحوار الديمقراطي البناء والهادف.
إن الوحدة النضالية للقوى اليسارية من شأنها تقوية التنظيمات المستقلة للجماهير التي تناضل في إطارها، وخصوصا المنظمات النقابية كأدوات للطبقة العاملة لخوض الصراع الطبقي ضد البرجوازية في حقله الاقتصادي . فمن بين العوائق الرئيسية التي تعترض الحركة العمالية والجماهيرية هي ضعف وتشتت النقابات وتحييدها عن الصراع الطبقي من طرف القيادات البيروقراطية المتنفذة في معظمها. وهذا ما فوت ويفوت فرص التغيير الديمقراطي الحقيقي ببلادنا كما حدث أثناء اندلاع حركة 20 فبراير، ويجرد الطبقة العاملة من أهم أداة طبقية في مواجهة المخططات الطبقية المخزنية الجهنمية التي يتم تمريرها بدون مقاومة تذكر. لكن القوى اليسارية نفسها تعاني من الضعف والتشتت والانتظارية والعزلة عن الجماهير والصراعات الذاتية. فمنها من لايزال يجتر أوهام التوافقات مع المخزن رغم العواقب الخطيرة لهذه السياسة في عرقلة وتحريف الصراع الطبقي، ومنها من لا يزال يجتر الممارسات الانعزالية أو الفوضوية التي تشوش على حركة النضال الجماهيري وتعزله عن مجرى الصراع الطبقي. كما أن التباطؤ الملحوظ في مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة الذي أعلن عنه حزب النهج الديمقراطي العمالي في مؤتمره الوطني الخامس في صيف 2022 يساهم بدوره في تأخر مهمة بناء الجبهة الديمقراطية ويصعب مهمة بناء الجبهات الميدانية أيضا.
إن تجربة الجبهة الاجتماعية مثال بارز على فشل القوى اليسارية والديمقراطية في بلورة الفعل السياسي والنضالي المشترك. لقد عقدت آمال كبيرة على تأسيس هذه الجبهة لخوض النضال الوحدوي اليساري والديمقراطي في مواجهة الاستبداد المخزني والهجوم الرأسمالي على حقوق ومكتسبات الطبقة العاملة وعموم الشعب المغربي، ولتأطير وتوجيه الحركة النضالية الجماهيرية. لكن غياب الإرادة لدى بعض مكوناتها تسبب في تجميدها وتحييدها عن مجريات الصراع الطبقي.
إن التقييم الموضوعي الجماعي لهذه التجربة من شأنه توفير شروط أفضل لتقوية أدوات النضال الوحدوي وفرز أشكال تنظيمية وحدوية أرقى تتجاوز سلبيات تجارب الماضي وتفتح آفاقا لتجارب جدية أكثر تقدما وفعالية وتأثيرا في الصراع من أجل التغيير الديمقراطي بشرط توفر الإرادة السياسية المتبادلة بين قوى الصف اليساري والديمقراطي.
خلاصة عامة:
إن منظور حزب النهج الديمقراطي العمالي لمسألة الجبهات يندرج ضمن تصوره العام لاستراتيجية التغيير الوطني الديمقراطي الشعبي ذي الأفق الاشتراكي. فالجبهات سواء الميدانية أو الديمقراطية هي أدوات سياسية يتمفصل بناؤها وتقويتها مع سيرورة بناء وتقوية التنظيمات المستقلة للجماهير ومع سيرورة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة.
وإذا كانت مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة من مسؤولية الماركسيين/ات اللينينيين/ات فإن مهمة بناء الجبهات والتنظيمات المستقلة للجماهير هي مسؤولية كل اليساريين/ات والديمقراطيين/ات، مما يفرض عليهم/ن خوض الحوار الجماعي للإجابة على متطلبات التغيير وبلورة برامج العمل المشترك وخوض النضال الوحدوي في قلب النضالات والحراكات العمالية والشعبية في أفق تحرر شعبنا وبناء النظام الوطني الديمقراطي الشعبي.
جمال براجع
المرجع
اطروحات المؤتمر الوطني الخامس لحزب النهج الديمقراطي العمالي
#جمال_براجع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟