سعيد مبشور
الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 18:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا دراماتيكيا في القصف الإسرائيلي على لبنان، وصف بأنه الأكثر كثافة في العامين الأخيرين، بل والأكثر عنفا وقسوة منذ اجتياح بيروت عام 1982، وتأتي هذه الضربات، التي أسفرت عن استشهاد المئات من اللبنانيين وإصابة مئات آخرين، في سياق انطلاق المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، بالشكل الذي يبدو معه الطرف الإسرائيلي راغبا أكثر في فرض استراتيجيته العسكرية، بديلا عن أي تهدئة محتملة، حتى لو كان ذلك على حساب تعريض هذه المحادثات للخطر والمضي في تدمير بلد مثل لبنان.
ويثير هذا الوضع أسئلة من قبيل : ما هي الأهداف الحقيقية لإسرائيل؟ وما هي الآثار التي ستخلفها هذه الأعمال العدائية على المنطقة وعلى التوازنات الدولية؟ وهل تنجح المفاوضات في إصلاح ما أفسدته الحرب ؟
إسرائيل والولايات المتحدة : حرب من أجل التدمير في غياب استراتيجية للبناء :
تبرر إسرائيل غاراتها على لبنان بضرورة تحييد حزب الله الذي يبدو أنه أعاد بناء قواته على الرغم من العمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة، وهو ما فتئت إدارة نتنياهو تعتبره تهديدا وجوديا للدولة العبرية ينبغي القضاء عليه، وبالتالي استمرار العمليات العسكرية في الداخل اللبناني، وهذه المرة ليس في الجنوب وحده، المعقل الرئيسي لحزب الله، بل إن الجيش الإسرائيلي مستعد هذه المرة للوصول إلى كل نقطة في التراب اللبناني، من أجل تحقيق هذا الهدف، ولو أدى ذلك إلى تغيير الحقائق على الأرض، وفرض وجود إسرائيلي دائم على الأراضي اللبنانية ولو تحت ذريعة تشكيل حزام أمني يمنع حزب الله من تهديد الكيان.
وإلى جانب ذلك، تهدف هذه الاستراتيجية أيضا إلى تعزيز موقف إسرائيل الدبلوماسي استعدادا للانخراط في أي مفاوضات قادمة، سواء عبر الالتحاق بتلك الجارية حاليا في إسلام آباد، أو أي مفاوضات رأسية مع لبنان، إسرائيل التي طالما استغلت الأعمال العسكرية لتشكيل غطاء للمفاوضات، دون أن تأبه للتكلفة الإنسانية الهائلة لعمليات جيشها في بلد مثل لبنان، المنهك بفعل الأزمات الاقتصادية والسياسية، والغارق باستمرار في الفوضى، ولا تأبه حتى للتكلفة السياسية، حيث صور الدمار والمعاناة الإنسانية التي تبث على نطاق عالمي تلطخ صورة إسرائيل، مما يثير انتقادات متزايدة ضدها على الساحة الدولية.
أما على الصعيد الداخلي، فيواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحديات سياسية كبيرة، حيث لا زالت تداعيات الثغرات الأمنية التي سمحت لهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 تواجه نتنياهو، فضلا عن قضايا الفساد المرفوعة ضده، ومع اقتراب ولايته من نهايتها، فإنه يسعى إلى الحفاظ على استراتيجية الاستمرار في التصعيد الإقليمي لتجنب أن تصبح هذه القضايا أسلحة سياسية ضده، على الرغم مما تنطوي عليه هذه الاستراتيجية من تبعات، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن احتمالية أن تقرر الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل، الحد من دعمها للكيان، وما يعنيه ذلك من عزلة قد يجد نتنياهو نفسه فيها، ولعل الارتباك في التصريحات الأمريكية بشأن الهدنة الحالية، قد يعكس التوترات المتزايدة بين واشنطن وتل أبيب، التي تفاقمت بسبب الخلافات الاستراتيجية حول أهداف الحرب، والضغوط الداخلية على إدارة ترامب في الولايات المتحدة.
ولم يعد يخفى على أحد من المراقبين، حجم التناقضات والثغرات الاستراتيجية التي أضحت تتسم بها مواقف الولايات المتحدة، خاصة خلال الصراع الحالي، فلا وجود لخط متسق ينضبط إليه سير الموقف الأمريكي، ما يجر على إدارة ترامب، انتقادات داخلية وخارجية كثيرة تتهمها بالافتقار إلى الكفاءة والتقلب المستمر في التصريحات والمواقف، في غياب خط استراتيجي منتظم، بل إن الانتقادات امتدت حتى إلى طريقة إدارة ترامب للمفاوضات مع إيران، التي يقودها المقربون من الرئيس، والتي يقول بعض المحللين إن الجزء الأكبر من نواياها مرتجلة ومدفوعة بمصالح شخصية بدلا من رؤية استراتيجية واضحة.
يحدث هذا بينما يواجه الدعم المقدم لإسرائيل، الذي كان في السابق ركيزة أساسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، معارضة متزايدة، بما في ذلك داخل الحزب الجمهوري، بل حتى حركة ماغا MAGA (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، التي كانت في السابق من أشد المؤيدين لترامب، أضحت منقسمة حول هذه القضية، حيث يتهم بعض أعضائها إدارة ترامب بالتضحية بالمصالح الأمريكية لصالح إسرائيل، فيما تتزايد أصوات أخرى من داخل المجتمع الأمريكي معبرة عن رفضها للانخراط الأمريكي المكلف للغاية وغير المشروط في دعم إسرائيل، وهو ما ينذر بتفاقم الانقسام الداخلي وبالتالي إضعاف موقف الولايات المتحدة على الساحة الدولية على الخصوص، مع فقدان الإدارة الأمريكية لمصداقيتها حتى لدى الكثير من أصدقائها في أوربا الذين اختار أغلبهم الحياد في الحرب الحالية.
إيران: استراتيجية "الفسيفساء" في مواجهة آلة الفتك :
لطالما أبهر فن الفسيفساء الإيراني العالم، هذه الزخارف الهندسية الممتدة عبر تاريخ فني كبير تفوقت على المفاهيم الرومانية التقليدية في العمارة، ويبدو كما لو أن إيران قد استلهمت في الحرب الحالية جزءا من هذا التراث العريق، ففي مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي، تبنت إيران استراتيجية تشبه هندسة ”الفسيفساء“، ففي الوقت الذي ظلت فيه طهران، طوال عقود، محافظة على استمرار وجود حلفاء إقليميين دائمين، في العراق واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين، وحتى في بعض دول الخليج، بالشكل الذي يحيل إلى تنوع أحجار وقطع الزخارف الفسيفسائية، و يستحضر الباحث الفرنسي جيل كيبل هذا العنصر في تحليله للصراع الحالي، مع قيام إيران خلال هذه الحرب بتوزيع مراكز قيادتها وقدراتها العسكرية في نقط عديدة وغير محددة داخل التراب الإيراني، للحد أولا من أضرار الضربات الإسرائيلية والأمريكية، ثم توهيم مواقع منصات إطلاق الصورايخ والآليات المضادة للطائرات في استغلال تام للمساحات الشاسعة للأراضي الإيرانية.
وعلى الرغم من الخسائر التي تكبدتها إيران جراءا العداون، فإن أيا من خطط الولايات المتحدة وإسرائيل في القضاء على النظام الحاكم في طهران لم تنجح، على الرغم من فداحة الفتك العسكري للعداون، وعلى الرغم من الوضع الحالي للاقتصاد الإيراني، الذي يعاني بالفعل من أزمة، ولضغوط شديدة بسبب تفاقم الصراع وتوالي سنوات العقوبات الدولية التي تؤدي إذا ما اقترنت بسوء الأوضاع الداخلية، إلى تفاقم ظروف معيشة السكان، بالشكل الذي ينتج عنه تزايد حالات الاحتجاج الشعبي في ظل استمرار حالة الحرب أو التأهب الدائم للحرب، لكن شيئا من هذا لم يبرز بشكل واضح، ما نتج عنه تخبط كبير بين نوايا الحرب الأمريكية الإسرائيلية في أيامها الأولى، وعبثية الاستمرار في ضرب بلد يبدو أنه لا يزداد إلا تماسكا أمام وطأة الضربات.
ويمتد المشهد الفسيفسائي، إلى أبعاد هذه الحرب وتداعياتها المتعددة، إذ لا تقتصر أطوارها على المواجهات العسكرية، فهي تدور أيضا في أسواق الأوراق المالية العالمية ومحطات الوقود في كل مكان على الكوكب، وحتى صناديق الاقتراع، ليس في الولايات المتحدة وحدها، حيث تعاني إدارة ترامب من تناقص شعبيتها بسبب الأزمات الداخلية المتزايدة، ولكن أيضا في كل الدول التي لفحتها نيران ارتفاع الأسعار وشح الموارد النفطية، وهكذا تعكس تقلبات أسعار النفط والتوترات في الأسواق المالية والنقاشات السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا التأثير العالمي لهذا الصراع.
إنهاء الحرب، من أجل الاستعداد لحرب أخرى !
تظهر المفاوضات الجارية حاليا في باكستان مدى التعقيد الجيوسياسي المحيط بها، فالكثير من المراقبين يصفون الموقف الأمريكي خلال هذه المفاوضات بالمهتز وغير المستند إلى استراتيجية واضحة، بينما تقدم إيران، التي تتمتع بموقف قوة نسبي، خطة من 10 نقاط من شأنها تعزيز سيطرتها على مضيق هرمز، وهو ممر بحري استراتيجي للتجارة العالمية، وهو الاقتراح، الذي ينظر إليه على أنه ”ابتزاز“، يسلط الضوء على طموحات طهران الإقليمية، وبالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن قبول هذه الشروط يعني تعزيز القوة الإيرانية، وهو ما سينظر إليه على أنه هزيمة استراتيجية، ولذلك تسارع الإدارة الأمريكية، بل وترامب نفسه، إلى النفي المتكرر لموافقة الولايات المتحدة على أي من النقاط العشر الواردة في المقترح الإيراني، ومع ذلك، فإن استنفاد الموارد العسكرية والضغوط السياسية الداخلية تحد من خيارات إدارة ترامب، ويزيد من تعقيد موقفها الداخلي تنامي الشكوك حول الفساد وتضارب المصالح داخل الإدارة الأمريكية، مما يغذي الانتقادات حول جدوى الانخراط في الحرب ضد إيران، ومدى تبعية إدارة ترامب للجانب الإسرائيلي.
وفي انتظار نتائج مفاوضات إسلام آباد، فقد بات مؤكدا أن الحرب الحالية ضد إيران، قد أبانت عن محدودية الاستراتيجيات العسكرية والدبلوماسية للولايات المتحدة وإسرائيل، بينما قد تنجح إيران في كسب أوراق جديدة في معركتها من أجل تثبيت وضعها كقوة إقليمية محورية في المنطقة.
وإذا كان تدمير حزب الله يشكل بالنسبة لإسرائيل، هدفا ذا أولوية في الوقت الراهن، فإن التمادي في العملية العسكرية في لبنان قد يؤدي إلى كارثة إنسانية شبيهة بما حدث في حرب الإبادة في غزة، ما قد يزيد من تدهور صورة إسرائيل على المستوى الدولي، أما الولايات المتحدة، فمأزقها يتمثل اليوم، في صعوبة إيجاد صيغة تمكن إدارة ترامب من التوفيق بين مصالحها الاستراتيجية والواقع السياسي الداخلي، فيما تواجه إيران تحديات آثار الحرب على بنياتها التحيتية الأساسية، ومرافقها الحيوية، وتفاقم الأوضاع الاجتماعية التي قد تؤدي إلى تحولات لا يمكن التنبؤ بمداها في الوقت الحاضر، ليبقى السؤال قائما، ما الذي سيحدث بعد هذه الحرب ؟ خاصة وأن السياسات التي تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، بعيدة عن منطق التهدئة الدائمة، وقد تمهد الطريق لأزمات جديدة، سواء في الشرق الأوسط أو على الصعيد العالمي.
#سعيد_مبشور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟