أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غياث المرزوق - ٱلْمُسْنَدُ إِلَيْهِ: تَأَدِّيَاْتُ ٱلْتَّأْوِيْلِ وَتَعَدِّيَاْتُ ٱلْتَّعْوِيْلِ (2)















المزيد.....



ٱلْمُسْنَدُ إِلَيْهِ: تَأَدِّيَاْتُ ٱلْتَّأْوِيْلِ وَتَعَدِّيَاْتُ ٱلْتَّعْوِيْلِ (2)


غياث المرزوق
(Ghiath El Marzouk)


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 20:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ٱلْمُسْـنَدُ إِلَيْهِ لَا يُـــوغِلُ فِي ٱلْاِنْقِسَـــامِ
/... أَوِ ٱلْاِنْشِطَارْ
إِلَّا حِينَمَا يَسْتَوْغِلُ فِي ٱلْكَلَامِ مِنْ إِطَارٍ
/... إِلَى إِطَـــارْ!
جاك لاكان

(2)

كَمَا نُوقِشَ في القِسْمِ الأَوَّلِ، مِنْ كَيْفِيَّةِ التَّرَادُفِ النفسانيِّ-الإنسانيِّ فَحْوًى بينَ مَاهِيَّةِ القَسِيمِ الذاتيِّ للأنا (الشاهدةِ) في إطارِ تمثيلِهَا اللاواعي، تَمْيِيزًا عَنْ مَاهِيَّةِ القَسِيمِ الموضوعيِّ لِهٰذِهِ الأنا في إطارِ تمثيلِهَا الواعي، وبينَ هُوِيَّةِ ذلك الشخصِ المُفْرَدِ والمُحَدَّدِ بِاتِّصَافِهِ تعميمًا أو تجريدًا مُشَارًا إليهِ في التنظيرِ اللاكانيِّ بِاصْطِلاحِ «المُسْنَدُ إليهِ» The Subject، يَبْرُزُ هٰذا الاصْطِلاحُ «المُعَلَّى» إِثْرَ مِسَاسِهِ الاِسْمِيِّ وَ/أَوِ الصُّورِيِّ بِطَرَفٍ مُكَوِّنٍ مِنْ طَرَفَيْ تلك الثُّنَائِيَّةِ الطِّبَاقِيَّةِ حَدًّا وحَسْبُ في التنظيرِ الفرويديِّ، ألَا وهي: ثنائيةِ «الذاتِ-الموضوعِ»، في مقابلِ كلٍّ من ثنائيةِ «اللذَّةِ-اللالذَّةِ» وثنائيةُ «الفاعلِ-المنفعلِ». فمن ثنائيةِ «الذاتِ-الموضوعِ» Subject-Object هذهِ، إذن، يقصدُ فرويد ذلك التفاعلَ المتعدِّدَ الأشكالِ بينَ الأنا (الشاهدةِ) وبينَ مَا يُسَمِّيهِ بـ«اللاأنا (الحاضرةِ)»، على النقيضِ – فيدلُّ بفَحْوَاءِ القصدِ على تَوَازٍ مفهوميٍّ بينَ الأنا (الشاهدةِ) والذاتِ، أي ذاتُ المُسْنَدِ إليهِ، من طرفٍ أوَّلَ، وعلى تَوَازٍ مفهوميٍّ بينَ اللاأنا (الحاضرةِ) والموضوعِ، أي موضوعُ العَالَمِ الظاهريِّ، من طرفٍ آخَرَ. وعلى حدِّ تعبيرِ فرويد، فإنَّ الثنائيةَ الطِّبَاقِيَّةَ هذِهِ «يتمُّ إقحامُهَا بالإكْرَاهِ في [دخيلةِ] الفردِ أو المُتَعَضِّي في أَمَدٍ مُبَكِّرٍ»، فيُصَارُ من ثَمَّ إلى «إبقائِهَا، فوقَ كلِّ شيءٍ، مُهَيْمِنَةً على نشاطِنَا الفكريِّ» في أَمَدٍ مُتَأَخِّرٍ، فِيمَا يتبدَّى[1]. وهكذا، من الأرجَحِ أن يكونَ الطابعُ الازدواجيُّ للمسندِ إليهِ، بِإِزَاءِ تمثيلِهِ في شكلٍ تفاضُليٍّ لثنائيةٍ طباقيةٍ، ومن جَرَّاءِ وِضْعَتِهِ النظريةِ غيرِ المبتوتِ في أمرِهَا في مؤلفاتِ فرويد، من الأرجَحِ أن يكونَ باعثًا رئيسيًّا على أن يحتلَّ الاصطلاحُ مكانَ صَدَارَةٍ في مؤلفاتِ لاكان. وفي هذِهِ القرينةِ، فإنَّ مُبْتَنَى المسندِ إليهِ عندَ هذا الأخيرِ يَتَّسِمُ بدئيًّا بِسِمَةِ الكَائِنِ «الشخصيِّ» Personal، وذاك خلافًا لِلْمُبْتَنَى المُنْجَلِي عَنْ سِمَةِ الكَائِنِ «اللاشخصيِّ» Impersonal والمُبْتَنَى المُنْطَوِي على سِمَةِ الكَائِنِ «اللامُعَرَّفِ» Undefined (أو «اللامُسَمَّى» Anonymous). ومن حيثيةِ الرأيِ الذي ارتآهُ لاكانُ بأنَّ «المسندَ إليهِ [مَأْخُوذًا على سَجِيَّتِهِ] لنْ يكونَ أكثرَ مِنْ كائنٍ مُفْتَرَضٍ فِيمَا يَمَسُّ بتلك السَّجِيَّةِ»[2]، تُطرحُ هٰهُنَا مسألةٌ منطقيةٌ بوصفِهَا «مغالطةً جديدةً» New Sophism بُغْيَةَ السَّعْيِ إلى شَرْحِ كُلٍّ مِنَ المُبْتَنَيَاتِ الثلاثةِ، هكذا – يدعو سَجَّانٌ سُجَنَاءَ ثلاثةً مِنِ اختيارِهِ، ثُمَّ يعلنُ لَهُمْ إخلاءَ سَبِيلِ أحَدِهِمْ ضمنَ اختبارٍ يَقْتَضِي أنَّ قرصًا واحدًا «مجهولًا» يُتَوَخَّى من بينِ أقراصٍ خَمْسَةٍ «معلومةٍ» مُتَمَاثِلَةٍ لا تختلفُ إلَّا باللونِ (ثلاثةٍ بَيْضَاءَ واثنَيْنِ أسودَيْنِ)، لِكَيْمَا يُثَبَّتَ بينَ كَتِفَي كلٍّ مِنَ السُّجَنَاءِ الثلاثةِ وَاقِعًا خَارِجَ مَجَالِ الرؤيةِ المُبَاشِرَةِ، إِذْ إِنَّ أوَّلَ سَجِينٍ يستطيعُ الاستدلالَ على لونِ قرصِهِ سيفيدُ مِنْ قرارِ إطلاقِ السَّرَاحِ. فقامَ السَّجَّانُ بتثبيتِ كلٍّ مِنَ الأقراصِ البَيْضَاءِ الثلاثةِ بينَ كَتِفَي كلٍّ مِنَ السُّجَنَاءِ الثلاثةِ، وبعدَ أنْ تأمَّلُوا بَعْضَهُمْ بَعْضًا لـِ«زمنٍ مُحَدَّدٍ»، شَرَعُوا جميعًا في الإِدْلَاءِ ببرهانِ المسألةِ المنطقيةِ، هكذا – «إِنَّ لَوْنَ قرصِي أبيضُ، وإليكَ كيفيةَ استدلَالِي: بِمَا أَنَّ لَوْنَي قُرْصَي صَاحِبَيَّ أبيضَانِ، زعمتُ لنفسِي أَنَّهُ لَوْ كانَ لَوْنُ قرصِي أسودَ لكانَ بِوُسْعِ كلٍّ مِنْهُمَا أنْ يستنتجَ مَا يلي: ‹لَوْ كانَ لَوْنُ قرصِي أسودَ أيضًا، لأدركَ الآخَرُ بلا تردُّدٍ أنَّ لَوْنَ قرصِهِ أبيضُ بالضَّرُورَةِ›. و[لَوْ كانَ لَوْنُ قرصِي أسودَ أيضًا]، لَشَرَعَ الاِثنانِ مَعًا وهُمَا على يقينٍ مِنْ أَنَّ لَوْنَي قُرْصَيْهِمَا أبيضَانِ. وبِمَا أَنَّهُمَا لَمْ يقومَا بهذا الفعلِ، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يكونَ لَوْنُ قرصِي أبيضَ كَلَوْنَي قُرْصَيْهِمَا. وهٰكذا، شَرَعَ [السُّجَنَاءُ] الثلاثةُ في آنٍ واحدٍ مُحَصَّنِينَ بدواعي الاستنتاجِ ذاتِهَا»[3].

فبالنظرِ إلى برهانِ المسألةِ المنطقيةِ، يَسْتَبِينُ أنَّ ثَمَّةَ حركتَيْنِ مُرْجَأَتَيْنِ اثنتَيْنِ تُمَكِّنَانِ السُّجَنَاءَ الثلاثةَ مِنَ الاستدلَالِ المنطقيِّ، فَلْنُسَمِّ هٰؤلاءِ السُّجَنَاءَ الثلاثةَ مجازًا جَبْرِيًّا بـ«المسندِ إليهِمْ آ، ب، ج» على هكذا ترتيبٍ. فأَمَّا الحركةُ الأولى، فَتَتَمَثَّلُ في اِسْتِدْلالٍ كانَ المسندُ إليهِ آ سَيَعْزُوهُ إمَّا إلى المسندِ إليهِ ب وإمَّا إلى المسندِ إليهِ ج، لَوْ كانَ قرصُ المسندِ إليهِ آ أسودَ: فلَوْ كانَ قرصُ المسندِ إليهِ ب أسودَ أيضًا، لاستطاعَ المسندُ إليهِ ج رؤيةَ قرصَيْنِ أسودَيْنِ أمَامَهُ، ولأدركَ أَنَّ قرصَهُ أبيضُ بلا تردُّدٍ. إِنَّ مَا يحدِّدُ الحركةَ الأولى، إذن، إنَّما هو «إِخْيَارٌ» بينَ تَرَدُّدَيْنِ متقاطعَيْنِ يُمْكِنُ توصيفُ أَيٍّ مِنْهُمَا بـ«التَّرَدُّدِ الإِخْيَارِيِّ». وأَمَّا الحركةُ الثانيةُ، فَتَتَمَثَّلُ في اِستدلالٍ كانَ المسندُ إليهِ آ سَيَعْزُوهُ إلى «المسندِ إليهِمَا ب، ج»، لَوْ كانَ قرصُ المسندِ إليهِ آ أسودَ: فَلَوْ أدركَ «المسندُ إليهِمَا ب، ج» أَنَّ قرصَيْهِمَا أبيضَانِ بالاستنادِ إلى الحركةِ الأولى، لاستدلََّ الاِثنانِ مَعًا وبلا تَرَدُّدٍ. إِنَّ مَا يحدِّدُ الحركةَ المُرْجَأَةَ الثانيةَ، إذن، لَهُوَ «إِعْطَافٌ» بينَ تَرَدُّدَيْنِ مُتَوازِيَيْنِ يُمْكِنُ توصيفُ كُلٍّ مِنْهُمَا بـ«التَّرَدُّدِ الإِعْطَافِيِّ» هذِهِ المرَّةَ. وبمَا أَنَّ المسندَ إليهِمْ جميعَهُمْ كَانُوا قَدْ أدْرَكوا أَنَّ أقراصَهُمْ بيضاءُ إِثْرَ تأمُّلِهِمْ بعضَهُمْ بعضًا لـِ«زمنٍ مُحَدَّدٍ»، فإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كانَ قَدْ مَكَّنَتْهُ الحركتانِ المُرْجَأَتَانِ مِنَ الاستدلالِ المنطقيِّ. وهكذا، يَبْدُو أَنَّ الحركتَيْنِ المُرْجَأَتَيْنِ هٰتينِ قَدْ أَدَّتَا وظيفةَ مَا يُمْكِنُ تحْدِيدُهُ بـ«الدَّالِّ التَّيْهَائِيِّ» Aporetic Signifier (نسبةً إلى التَيْهَاءِ)[4]، أو حتى وظيفةَ مَا يُسَمَّى في علمِ البَصَرِيَّاتِ بـ«النقطةِ العَمْيَاءِ» Blind Spot، لِأَنَّ الاستدلالاتِ المتزامنةَ التي استدلَّ بِهَا كُلٌّ مِنَ المسندِ إليهِمْ أولئكَ لَمْ تُبْنَ على أسَاسِ مَا رَأَوْهُ حَقًّا (أي الأقراصُ البيضَاءُ الثلاثةُ)، بَلْ بُنِيَتْ على أسَاسِ مَا لَمْ يَرَوْهُ حَقِيقًّا (أي القرصَانِ الأسودانِ). وبالتالي، تَتَجَلَّى ثَلَاثُ تَوَافُقِيَّاتٍ باحتمالاتِهَا المنطقيةِ، (●●○، ●○○، ○○○)، وتَتَفَرَّدُ منهَا تَوَافُقِيَّتَانِ اثنتانِ، (●●○، ●○○)، تانك التَّوَافُقِيَّتَانِ اللتانِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وُجُودٌ سِوَى «وُجُودِ» دَالَّيْنِ تَيْهَائِيَّيْنِ، أو نقطتَيْنِ عَمْيَاوَيْنِ، ولٰكِنَّهُمَا مَعَ ذلك حَدَتَا بالمسندِ إليهِمْ إلى الاستدلالِ المنطقيِّ على التَّوَافُقِيَّةِ الوحيدةِ، والوحيدةِ فقط (○○○)، بوصفِهَا مُعْطًى من المُعْطَيًاتِ القَبْليَّةِ[5]. وبالنظرِ إلى الحركتينِ الاِثْنَتَيْنِ كَدَالَّيْنِ تَيْهَائِيَّيْنِ، أو كَنُقْطَتَيْنِ عَمْيَاوَيْنِ، يتبيَّنُ أَنَّ ثَمَّةَ لحظاتٍ برهانيةً ثلاثًا تَحْدُو بالمسندِ إليهِ (أَيًّا كانَ) إلى الاستنتاجِ المنطقيِّ، إِذْ إِنَّ القِيَمَ المُثْلَى لِهذِهِ اللحظاتِ تَنْطَوِي على مُبْتَنَيَاتٍ تَبَايُنِيَّةٍ وتَرَاتِيبَ تَصَاعُدِيَّةٍ. فأَمَّا اللحظةُ الأولى، فيُحَدِّدُهَا اِستدلالٌ يقومُ على التَّوَافُقِيَّةِ الأولى، (●●○)، بوصفِهَا بيانًا شرطيًّا احتماليًّا، نَحْوَ: «إِنْ رَأَى أَحَدُهُمْ قُرْصَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، فَسَيَعْلَمُ أَنَّ قُرْصَهُ أَبْيَضُ»: فهكذا بَيَانٌ يَدُلُّ على مَعْنَى «الاستثناءِ المنطقيِّ» بمَعْنَى أَنَّ التَّوَافُقِيَّةَ الافتراضِيَّةَ، (●●●)، مُسْتَثْنَاةٌ منطقيًّا لأسبابٍ بَدَهِيَّةٍ. تَتَمَثَّلُ اللحظةُ الأولى، إذن، فيمَا يُسَمَّى بـ«لحظةِ الإِرْمَاقِ»، لأَنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ كَمُعْطًى قَبْلِيٍّ، «إِنْ رَأَى أَحَدُهُمْ قُرْصَيْنِ أَسْوَدَيْنِ»، يَتِمُّ تَحْوِيلُهَا إلى جَوَابِ الشَّرْطِ كَمُعْطًى بَعْديٍّ، «فَسَيَعْلَمُ أَنَّ قُرْصَهُ أَبْيَضُ». ووفقًا لذلك، فَإِنَّ مَنْ يَتَبَنَّى جَوَابَ الشَّرْطِ إِنَّمَا يُلْمِعُ إلى المسندِ إليهِ «اللاشخصيِّ» في عِبَارةٍ تَبْعِيضِيَّةٍ لاتشخيصيَّةٍ، نَحْوَ: «يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ [عِلْمًا بِالذَّاتِ] أَنَّ...». وأَمَّا اللحظةُ الثانيةُ، فيُعَيِّنُهَا اِستدلالٌ يَسِيرُ على التَّوَافُقِيَّةِ الثانيةِ، (●○○)، بِصِفَتِها بيانًا شرطيًّا امتناعيًّا، نَحْوَ: «لَوْ كَانَ قُرْصُ أَحَدِهِمْ أَسْوَدَ، لَعَلِمَ الآخَرَانِ أَنَّ قُرْصَيْهِمَا أَبْيَضَانِ»: وهكذا بَيَانٌ يَدُلُّ على فَحْوَى «معرفةٍ حَدْسِيَّةٍ» بِفَحْوَاءِ شيءٍ لا يَنْتَمِي إلى المُعْطَيَاتِ الحقيقيةِ، كَرُؤْيَةِ قرصَيْنِ أبيضَيْنِ ضِمْنَ التَّوَافُقِيَّةِ المُتَمَاثِلَةِ، (○○). تَتَجَسَّدُ اللحظةُ الثانيةُ، إذن، فيمَا يُدْعَى بـ«لحظةِ الإِدْرَاكِ» مُحْتَوِيَةً على لحظةِ الإِرْمَاقِ، لأَنَّ كُلًّا مِنَ الآخَرَيَنِ ذَوَيِ القرصَيْنِ الأبيضَيْنِ سَيَرَى أَمَامَهُ قرصًا أسودَ وقرصًا أبيضَ ضِمْنَ التَّوَافُقِيَّةِ المُتَغَايِرَةِ، (●○)، وسَيَعْلَمُ مِنْ ثَمَّةَ أَنَّ قرصَهُ أبيضُ استنادًا إلى تَرَدُّدِ شَبِيهِهِ الآخَرِ. وتبعًا لذلك، فَإِنَ مَنْ تُرْجِىءُ استنتاجَهُ سببيةٌ تبادليةٌ حِيَالَ تَبَنِّيهِ جَوَابَ الشَّرْطِ لَيُوحِي إلى المسندِ إليهِ «اللامُعَرَّفِ»، أو «اللامُسَمَّى»، في عِبَارةٍ تَعَاضُدِيَّةٍ لاتعريفيَّةٍ (أو غُفْلِيَّةٍ)، نَحْوَ: «يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ [لَدَى عِلْمِ الآخَرِ] أَنَّ...». وأَمَّا اللحظةُ الثالثةُ، فيُخَصِّصُهَا اِستدلالٌ يَقُورُ على التَّوَافُقِيَّةِ الثالثةِ، (○○○)، بِاعْتِبَارِهَا بيانًا لاشرطيًّا إراديًّا، نَحْوَ: «يُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُعْلِنَ أَنَّ قُرْصَهُ أَبْيَضُ قَبْلَ أَيٍّ مِنَ الشَّبِيهَيْنِ الآخَرَيْنِ»: وهذا بَيَانٌ يَدُلُّ على مَغْزَى «تَوْكِيدٍ حُكْمِيٍّ»، أو «أَصَالَةٍ منطقيةٍ»، نظرًا لاستمرَارِ اللحظةِ الثانيةِ في لحظةِ الإِدْرَاكِ زَمَنًا تستغرقُهُ سَيْرُورَةُ التفكيرِ. تَتَجَسَّمُ اللحظةُ الثالثةُ، إذن، فيمَا يُعَرَّفُ بـ«لحظةِ الاِسْتِنْتَاجِ»، مُتَأَوِّجَةً في الاِستدلالِ على برهانِ المسألةِ المنطقيةِ، لأَنَّ كُلًّا مِنَ المُسْنَدِ إِلَيْهِمْ بِالثَّالُوثِ ذَوِي الأقراصِ البيضَاءِ الثلاثةِ إنَّمَا يستندُ بِحُكْمِهِ إلى تَرَدُّدِ كُلٍّ مِنْ شَبِيْهَيْهِ الآخَرَيْنِ. وبناءً على ذلك، فَإِنَّ مَنْ يَتَبَنَّى البيانَ اللاشرطيَّ الإراديَّ بِكُلِّيَّتِهِ لَيُلَمِّحُ إلى المسندِ إليهِ «الشَّخْصِيِّ»، في عِبَارَةٍ «أَنَوِيَّةٍ» تَفَرُّدِيَّةٍ تشخيصيَّةٍ، نَحْوَ: «أَعْلَمُ [عِلْمًا بِالأَنَا] أَنَّ...».

فيما يتعلَّقُ بالمسندِ إليهِ «اللاشخصيِّ»، المسندِ إليهِ الذي يمكنُ الآنَ استشفافُهُ من جوابِ الشرطِ في البيانِ الشرطيِّ الاحتماليِّ في هيئةِ عبارةٍ تبعيضيَّةٍ لاتشخيصيَّةٍ، نحو: «يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ [عِلْمًا بِالذَّاتِ] أَنَّ...»، فإنَّ المبتنى النظريَّ لهذا المصطلحِ يتمُّ تعليلُهُ بلغةِ ما هو معروفٌ بالمسندِ إليهِ «التعقُّليِّ» Noetic، أو «التفكُّري» Cogitative، فيما يبدو[6]. وحسبمَا يدلُّ عليهِ «التعقُّلُ»، أو «التفكُّرُ»، من دلالةٍ أو دلالاتٍ فلسفيةٍ، يظهرُ أن المبتنى النظريَّ للمسندِ إليهِ اللاشخصيِّ يلفتُ الانتباهَ إلى الأهمّيةِ الكبرى التي تكتسبُها العمليَّاتُ أو السَّيرورَاتُ الذهنيةُ من جرَّاءِ استخدامِهَا الواعي في الإدراكِ وفي التفكيرِ، وعلى الأخصِّ حينَ تسيرُ هذهِ العمليَّاتُ أو السَّيرورَاتُ الذهنيةُ بمعزلٍ عن مسارِ عمليَّاتٍ أو سيرورَاتٍ ذهنيةٍ أخرى، عمليَّاتٍ أو سيرورَاتٍ تشابهُهَا في الطريقةِ أو الطرائقِ الاستدلاليةِ ولٰكنَّهَا تختلفُ عنهَا في النطاقِ التعقُّليِّ أو التفكُّريِّ. قياسًا على ذلك، يتضمَّنُ المبتنى النظريُّ للمسندِ إليهِ اللاشخصيِّ معنى الاستقلالِ النفسانيِّ الذي تمتازُ بِهِ النيابةُ الإنسانيةُ المعنيةُ عن أيَّةِ نيابةٍ إنسانيةٍ أخرى، بحيثُ يُعبَّرُ عن هذهِ النيابةِ الإنسانيةِ الأخيرةِ بكلمةِ «الآخَرِ» ليس غير، الآخَرِ الذي يمتازُ، بدورِهِ، باستقلالٍ نفسانيٍّ خاصٍّ بِهِ. وعلى ضوءِ العبارةِ التبعيضيَّةِ اللاتشخيصيَّةِ، «يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ [عِلْمًا بِالذَّاتِ] أَنَّ...»، فإنَّ القصدَ المقصُودَ من معنى «لاتشخيصيَّة» المسندِ إليهِ، إذن، هو أن تكونَ النيابةُ الإنسانيةُ المعنيةُ على علمٍ بذاتِهَا، ولٰكِنْ ليسَ لهَا علمٌ بذاتِ الآخَرِ في اللحظةِ البرهانيةِ الأولى، أي لحظةُ الإِرْمَاقِ مُتَمَثِّلَةً في لحظةِ الارتجالِ (المُضْمَرِ). من هذهِ الزاويةِ بالذاتِ، لعلَّ أقربَ تمثيلٍ بنيويٍّ يمكنُ لَهُ أن يحملَ بينَ طَيَّاتِهِ دلالةَ «التعقُّلِ»، أو «التفكُّرِ»، تلك الدلالةَ التي يدلُّ عليها المبتنى النظريُّ للمسندِ إليهِ اللاشخصيِّ، هو ما يُسمّى ببنيةِ «المجهولِ اللاشخصيِّ» Impersonal Passive في اللسانياتِ، كمَا هي الحالُ في البيانِ التصريحيِّ الآتي، ذلك البيانِ القابلِ للتفاهُمِ بأيٍّ من الأساليبِ المحسوسةِ لِلُّغةِ الإنسانيَّةِ، سواءً كان هذا الأسلوبُ المحسوسُ أسلوبًا «فونيميًّا» Phonemic في مضمارِ الكلامِ أمْ أسلوبًا «غرافيميًّا» Graphemic في مضمارِ الكتابةِ، نحوَ: «قيلَ إنّ لاكانَ قد يكونُ، أو قد لا يكونُ، مِخاضًا عن فرويد ودو سوسور». وهكذا، فإنَّ الشخصَ الوحيدَ، أو المسندَ إليهِ اللاشخصيَّ، بالأحرى، الشخصَ الذي أمكنَ لَهُ أن يصدرَ هذا البيانَ التصريحيَّ حقًّا، ليقبعُ في مكانٍ مَا من «دُكْنةِ» ذلك المكوِّنِ الذي يعملُ في المحلِّ بمثابةِ «نائبِ فاعلٍ» Acting Agent للفعلِ المجهولِ اللاشخصيِّ «قيلَ إنَّ» بمعناهُ النحويِّ الصرفِ، أي ضميرُ الغائبِ المفردِ المذكَّرِ المستترِ «هو». ومن ثَمَّ، يقومُ نائبُ الفاعلِ هذا مقامَ مَا يُعرفُ كذلك بـ«الحاشي الاسميِّ» Nominal Expletive اصطلاحًا نحويًّا[7]، هذا الحاشي الذي يقبلُ الاستبدالَ بمثالٍ من أمثلةِ مَا يُدعى أيضًا بـ«المُكَمِّمِ التبعيضيِّ» Partitive Quantifier بذاتِ الاصطلاحِ من طرفِهِ، نحوَ: «أحدهم»[8]، مثالٍ بوصفِهِ عينَ الشخصِ الذي يصدرُ البيانَ التصريحيَّ إصدارًا مباشرًا، دونمَا تأثيرٍ مباشرٍ أو لَامباشرٍ على غيابِ المعرفةِ الذاتيةِ لذلك الشخصِ، نحوَ: «قالَ أحدُهُمْ إنَّ لاكانَ قد يكونُ، أو قد لا يكونُ، مِخاضًا عن فرويد ودو سوسور». من هُنَا، يتضحُ بجلاءٍ أنَّ المسندَ إليهِ اللاشخصيَّ إنَّما يحتوي على «أنا» لاشخصيةٍ كذلك، أنا لا تبدي أيًّا من مضمونَي «الفاعلية» و«المنفعلية» اللذين أشيرَ إليهمَا آنفًا، بحسبِ تنظيرِ فرويد، إذْ لا تتواجَدُ ثمّةَ أنا أخرى لكي تقيمَ معهَا القسيمَ النفسانيَّ للتفاعلِ بينَ الحافزِ والاستجابةِ، ذلك التفاعلِ الذي يتمثَّلُ تمثُّلًا «سلوكيًّا» في الثنائيةِ الطباقيَّةِ الثالثةِ «الفاعلِ-المنفعلِ» Active-Passive، كمَا ذُكِرَ آنفًا.

وفيمَا يخصُّ المسندَ إليهِ «اللامُعَرَّفَ»، أو «اللامُسَمَّى»، المسندَ إليهِ الذي يمكنُ الآنَ فهمُهُ من جوابِ الشرطِ في البيانِ الشرطيِّ الامتناعيِّ في صُورةِ عِبَارةٍ تَعَاضُدِيَّةٍ لَاتعريفيَّةٍ (أو غُفْلِيَّةٍ)، نحو: «يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ [لَدَى عِلْمِ الآخَرِ] أَنَّ...»، فإنَّ المبتنى النظريَّ لهذا المصطلحِ يتمُّ تفسيرُهُ بلغةِ مَا هو معروفٌ كذاك بالمسندِ إليهِ ذِي «الطابعِ التبادليِّ» المحضِ، المسندِ إليهِ الذي يقدِّمُ كينونتَهُ كمَا يقدِّمُ كينونةَ الآخرِ في حدِّ ذاتِهِ[9]. على هذا الأساسِ، فيمَا يتبدَّى، لنْ يكونَ بوسعِ المسندِ إليهِ اللامُعَرَّفِ، أو اللامُسَمَّى، بَتًّا أن يميِّزَ ذاتَهُ إلَّا من حيثيةِ تمييزِهِ المُوَازِي لذاتِ الآخَرِ، ولنْ يكونَ في مقدورِهِ، من ثَمَّ، أن يَكْتَنِهَ استقلالَهُ النفسانيَّ، أو معنى هُويّتِهِ المُدْرَكَ بالحريِّ، إلَّا من خلالِ التكافؤِ المطلقِ، أو بالكادِ، بينَ ذاتِهِ وبينَ ذاتِ الآخَرِ. يدلُّ ذلك على أنَّ النيابةَ الإنسانيةَ المعنيةَ، بمقتضى طابعِهَا التبادليِّ المحضِ، إنَّمَا تتماثلُ كلَّ التماثلِ مع أيَّةِ نيابةٍ إنسانيةٍ أخرى، بحيثُ يمكنُ إحلالُ النيابةِ الإنسانيةِ الأولى محلَّ النيابةِ الإنسانيةِ الأخيرةِ، دونَمَا إجحافٍ أوِ اعتسَافٍ بكينونةِ أيٍّ منهمَا. لهذا السببِ، يبدو أنَّ المسندَ إليهِ اللامُعَرَّفَ، أو اللامُسَمَّى، لَا يَحيدُ حُيودًا مفهوميًّا عن المسندِ إليهِ اللاشخصيِّ في الجوهرِ، على أدنى تخمينٍ، لأنَّ كُلًّا من المبتنَيْينِ النظريَّيْنِ هٰذين ليسَ لَهُ سوَى أنْ يفترضَ كمونًا «انتقاليًّا» Transitional، إذا جازَ التعبيرُ، أو كمونًا «متعدّيًا» Transitive، على حدِّ تعبيرِ لاكانَ ذاتِهِ، ذلك الاِصطلاحَ الذي يتضمَّنُ معنى «الانتقالِ» بحرفيّته، من طرفٍ أوَّلَ، ويتضمَّنُ كذلك معنى «التعديةِ» بمنظورِهَا اللغويِّ، من طرفٍ ثانٍ. فقدْ يمتُّ ذلك الاِصطلاحُ بمعناهُ الأخيرِ، إذن، بصلةٍ ماَ إلى المعنى الجذريِّ لمصطلحِ «التَّمَاهِي» Identification، وعلى الأخصِّ في إطارِ السِّيَاقِ المتعدِّي الثنائي للمقابل اللغوي الإجرائيِّ في اللغةِ العربيةِ تحديدًا، ذلك المعنى الجذريِّ الذي يدلُّ على علاقةِ المماثلةِ أو المطابقةِ بينَ شخصَيْنِ أو بينَ شيئَيْنِ، كما تمَّتْ الإشارةُ إليهِ في مقالٍ بَحْثِيٍّ سَابقٍ[10]. وعلى ضوءِ العبارةِ التعاضُديَّةِ اللاتعريفيَّةِ (أو الغُفْلِيَّةِ)، «يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ [لَدَى عِلْمِ الآخَرِ] أَنَّ...»، فإنَّ القصدَ المقصُودَ من معنى «لاتعريفيَّةِ (أو غُفْلِيَّةِ)» المسندِ إليهِ، إذن، هو أنْ تكونَ النيابةُ الإنسانيةُ المعنيةُ على معرفةٍ من ذاتِهَا أيضًا، ولٰكِنْ لهذِهِ المعرفةِ الذاتيةِ أنْ تسلكَ مسلكًا مرهونًا بمسلكِ المعرفةِ الذاتيةِ للآخَرِ في اللحظةِ البرهانيةِ الثانيةِ، أي لحظةُ الإدراكِ (المُضْمَرِ)، والعكسُ بالعكسِ بالنسبةِ إلى هذا الآخَرِ، بطبيعةِ الحَالِ، نظرًا لاتِّسَامِهِ بسِمَةِ التبادليَّةِ المحضِ كذلك. مرَّةً أُخرى، لعلَّ أقربَ تمثيلٍ بنيويٍّ يمكنُ لَهُ أنْ يضمرَ دلالةَ تلك «التبادليَّةِ» المحضِ التي يدلُّ عليهَا المبتنى النظريُّ للمسندِ إليهِ اللامُعَرَّفِ، أو اللامُسَمَّى، هو مَا يُدعى اصطلاحًا أيضًا ببنيةِ «المعلومِ اللاشخصيِّ» Impersonal Active في اللسانياتِ بذاتِ المثابةِ، وذلك خلافًا لبنيةِ «المجهولِ اللاشخصيِّ» في حالةِ المسندِ إليهِ اللاشخصيِّ الآنفِ الذِّكْرِ. ومن هٰهُنَا تحديدًا، إذْ يمكنُ رصدُ التمثيلِ البنيويِّ التقريبيِّ هذا في استعمالِ واحدٍ من نوعَيْنِ محدَّدَيْنِ من أنواعِ المُكَمِّمَاتِ، ألَا وهمَا: «المُكَمِّمُ الإفراديُّ» Distributive Quantifier، نحو: «كلٌّ منهم»، وكذاك «المُكَمِّمُ الإجمَاليُّ أو الشموليُّ» Universal Quantifier، نحو: «كلُّهم»[11]، بوصفهمَا عَيْنَي النيابتينِ اللتينِ تصدرانِ البيانَ التصريحيَّ إصدارًا مباشرًا، كمَا يتبينُ ذلك من البيانينِ التصريحيَّيْنِ التاليينِ، نحوَ: «قالَ كلٌّ منهم إنَّ لاكانَ قد يكونُ، أو قد لا يكونُ، مِخاضًا عن فرويد ودو سوسور»؛ «قالَ كلُّهم إنَّ لاكانَ قد يكونُ، أو قد لا يكونُ، مِخاضًا عن فرويد ودو سوسور». وبصورةٍ مشابهةٍ، يتضح أيضًا أنَّ المسندَ إليهِ اللامُعَرَّفَ، أو اللامُسَمَّى، إنَّمَا يحتوي على «أنا» لَامُعَرَّفةٍ، أو لَامُسَمَّاةٍ، كذلك، أنا لَا تُظْهِرُ أيًّا من مضمونَي «الفاعليةِ» و«المنفعليةِ» اللذينِ أشيرَ إليهما آنفًا، بحسبِ تنظيرِ فرويد، لأنَّ سَائِرَ الأنواتِ الأُخرى، والحالُ هذِهِ، لأنواتٌ منفصلةٌ انفصالًا نفسانيًّا عن تلك الأنا. وبالتالي، فإنَّ سَائِرَ الأنواتِ الأُخرى هذِهِ ستقيم مع تلك الأنا مُجْمَلَ الأقسماءِ النفسانيةِ للتفاعلِ بينَ الحافزِ والاستجابةِ، ذلك التفاعلِ الذي يتمثـَّلُ تمثُّلًا «سلوكيًّا» في الثنائيةِ الطباقيَّةِ الثالثةِ «الفاعلُ-المنفعلُ» Active-Passive، على ذاتِ الغرارِ، كمَا ذُكِرَ آنفًا أيضًا.

وفيمَا لَهُ مِسَاسٌ بالمسندِ إليهِ «الشَّخْصِيِّ»، على النقيضِ من ذلك كُلِّهِ، المسندِ إليهِ الذي يمكنُ الآنَ إدراكُهُ من البيانِ اللاشرطيِّ الإراديِّ، برمَّتِهِ، في شكلِ عِبَارَةٍ «أَنَوِيَّةٍ» تَفَرُّدِيَّةٍ تشخيصيَّةٍ، نَحْوَ: «أَعْلَمُ [عِلْمًا بِالأَنَا] أَنَّ...»، فإنَّ المبتنى النظريَّ لهذا الاصطلاحِ يَجْرِي تعريفُهُ بالمسندِ إليهِ ذِي «الأصالةِ المنطقيةِ»، المسندِ إليهِ العارفِ الذي «يَنْتَحِلُ» كُلًّا من كينونةِ المسندِ إليهِ اللاشخصيِّ وكينونةِ المسندِ إليهِ اللامُعَرَّفِ، أو اللامُسَمَّى، في كُلٍّ من اللحظتينِ البرهانيَّتَيْنِ الأوليَيْنِ: لحظةِ الإِرْمَاقِ أو الارْتِجَالِ (المُضْمَرِ) ولحظةِ الإدْرَاكِ (المُضْمَرِ)[12]. ووفقًا لذلك، فللمسندِ إليهِ الشخصيِّ، في كُلٍّ من اللحظتينِ البرهانيَّتَيْنِ تينكَ أو كلتَيْهِمَا، على وجهِ التحديدِ، أن يؤسِّسَ استقلالَهُ النفسانيَّ عن كينونةِ الآخَرِ، كمَا هي الحَالُ في المسندِ إليهِ اللاشخصيِّ، وأن يجسِّدَ كذلك مدى التكافؤِ المطلقِ، ومن ثَمَّ مدى قابليةِ الاستبدالِ المُتَسَاوِي، بين ذاتِهِ وبينَ ذاتِ الآخَرِ، كمَا هي الحالُ في المسندِ إليهِ اللامُعَرَّفِ، أو اللامُسَمَّى. فمن هكذا منظورٍ مَاثِلٍ، إذن، يظهرُ أنَّ اجتماعَ صفتَي الاستقلالِ النفسانيِّ والتكافؤِ المطلقِ ذينك، في كينونةِ المسندِ إليهِ الشخصيِّ، لَيَتَجَلَّى بمثابةِ دليلٍ استهلاليٍّ من دلائلِ انقسامِهِ الرَّاسِخِ، أو انشطارِهِ المُتَأَصِّلِ بالحري، كمَا سيتمُّ إيضاحُهُ بعدَ قليلٍ. غيرَ أن كينونةَ المسندِ إليهِ الشخصيِّ تختلفُ اختلافًا جوهريًّا عن كُلٍّ من كينونةِ المسندِ إليهِ اللاشخصيِّ وكينونةِ المسندِ إليهِ اللامُعَرَّفِ، أو اللامُسَمَّى، في اللحظةِ البرهانيةِ الثالثةِ، أي لحظةُ الاستنتاجِ (المُضْمَرِ)، إذْ ليسَ في مقدورِ أيٍّ من المسندِ إليهمَا الأخيرَيْنِ أن «يَنْتَحِلَ» كينونةَ المسندِ إليهِ الشخصيِّ في أيةِ لحظةٍ من اللحظاتِ البرهانيةِ الثلاثِ، وذلك بمقتضى افتراضِهِ كمونًا «لاانتقاليًّا» Nontransitional، أو كمونًا «لامتعدِّيًا» Nontransitive، بالقياسِ إلى مصطلحِ «التعديةِ»، بحسبِ مفهومِ لاكان. يعني ذلك أنَّ «التوكيدَ الحُكْمِيَّ»، الآنفَ الذكرِ، لتوكيدٌ يعبِّر بِهِ المسندُ إليهِ الشخصيُّ عن ذاتِهِ، دونَ سِوَاهُ، في لحظةِ الاستنتاجِ (المُضْمَرِ): فهو، من ثمَّ، توكيدٌ يستحيلُ على أيٍّ من المسندِ إليهمَا الآخَرَيْنِ استحالةً قطعيةً أن يعزوَهُ إليهِ (أي المسندُ إليهِ الشخصيُّ) من ذاتِهِ، سواءً كانَ هذا العزوُ متحفظًا أمْ غيرَ متحفظٍ. إنَّ ما يمكنُ عزوُهُ إلى المسندِ إليهِ الشخصيِّ، إذن، هو استحالةُ العزوِ عينُهَا، نظرًا لخصوصيتِهِ المُدْرَكَةِ وفذاذتِهِ القابلةِ للإدراكِ، تينك السجيَّتَيْنِ أو «النسبتينِ» اللتينِ تكتسبُهُمَا النيابةُ الإنسانيةُ المعنيةُ على أنهما نشاطانِ «غيرُ متعمَّدينِ» من نشاطاتِ توكيدِ الذاتِ أو حتى تقريرِ المصيرِ. وعلى ضوءِ العِبَارَةِ «الأَنَوِيَّةِ» التَّفَرُّدِيَّةِ التشخيصيَّةِ، «أَعْلَمُ [عِلْمًا بِالأَنَا] أَنَّ...»، فإن المَرَامَ من معنى «تشخيصيةِ» المسندِ إليهِ، والحالُ هذِهِ، هو أن تكونَ النيابةُ الإنسانيةُ المعنيةُ على معرفةٍ من ذاتِهَا، أو لا تكونَ، سواءً كانتْ هذِهِ الذاتُ مجهولةً للآخَرِ في اللحظةِ البرهانيةِ الأولى، أي لحظةُ الإرماقِ أو الارتجالِ (المُضْمَرِ)، أم معلومةً لذاتِهَا في مسارٍ مرهونٍ بمسارِ المعرفةِ الذاتيةِ للآخَرِ في اللحظةِ البرهانيةِ الثانيةِ، أي لحظةُ الإدراكِ (المُضْمَرِ). لهذا السببِ، لعلَّ أقربَ تمثيلٍ بنيويٍّ يمكنُ لَهُ أن يلمِّحَ إلى ذينك النشاطينِ «غيرِ المتعمَّدينِ» لتوكيد الذاتِ أو حتى تقريرِ المصيرِ، إنَّمَا هو «دَالٌّ» Signifier ذو ميزةٍ دلاليةٍٍ معيّنة، فيما يبدو، دالٌّ لا بدَّ لَهُ من أن ينفيَ نفيًا لاواعيًا ذلك «البيانَ التلفُّظيَّ» Enunciation الذي تصدره (إصدارًا باطنيًّا) تلك النيابةُ الإنسانيةُ المعنيةُ لدى استخدامِهَا المباشرِ لأحدِ الضمائرِ الشخصيةِ المتصلةِ، كتاءِ الفاعلِ المتحرِّكةِ، بحيثُ يتبدَّى كلٌّ من هذِهِ الضمائرِ وكأنَّهُ نيابةٌ إنسانيةٌ أُخرى، نيابةٌ تصدرُ إصدارًا ظاهريًّا ذلك «البيانَ التصريحيَّ» Statement الذي تمَّ الاستشهادُِ ِبه من قبلُ، نحوَ: «قلتُ إنَّ لاكانَ قد يكونُ، أو قد لا يكونُ، مِخاضًا عن فرويد ودو سوسور». من هنا، يتبيَّنُ أن المسندَ إليهِ الشخصيَّ، على العكسِ من كلٍّ من المسندِ إليهما الآخَرَيِْن، يحتوي على «أنا» شخصيةٍ كذلك، أنا تقتضي كلًا من مضمونَي «الفاعليةِ» و«المنفعليةِ» اللذينِ أُشِيرَ إليهما آنفًا، بحسبِ تنظيرِ فرويد: إذْ ليستْ كلُّ نياباتِ الأنواتِ الأُخرى، رغمَ كونِها أنواتٍ منفصلةً انفصالًا نفسانيًّا عن تلك الأنا، نياباتٍ تقيمُ معَها (أي معَ تلك الأنا) مُجْمَلَ الأقسماءِ النفسانيةِ للتفاعلِ بينَ الحافزِ والاستجابةِ، ذلك التفاعلِ الذي يتمثَّلُ تمثُّلًا «سلوكيًّا» في الثنائيةِ الطباقيةِ الثالثةِ، «الفاعلُ-المنفعل» Active-Passive، كما تمَّ ذكرُهُ آنفًا أيضًا.

ينتجُ عمَّا تقدَّمَ، إذن، أن الدالَّ الذي لا بدّ لَهُ من أن ينفيَ البيانَ التلفُّظيَّ للمسندِ إليهِ نفيًا لاواعيًا لدالٌّ ليسَ لَهُ دليلٌ مرئيٌّ ولا مسموعٌ في أيٍّ من مكوّناتِ البيانِ التصريحيِّ المستشهَدِ بِهِ قبلَ قليلٍ. وذلك لأن الضميرَ الشخصيَّ المتصلَ، أي تاءُ الفاعلِ المتحرِّكةُ، يوحي إلى ما يسمِّيهِ يعقوبسون بمصطلحِ «المتغيِّرِ (الضميريِّ)» Shifter، ذلك المصطلحِ الذي استعارَهُ من يَسْبَرسون[13]، لكي يلفتَ الانتباهَ إلى النيابةِ الإنسانيةِ المعنيةِ من حيثُ كونُها الشخصَ الناطقَ بلسانِ ضميرِ المتكلمِ المُفرَدِ «أنا»، ولكي يضعَ التوكيدَ من ثمَّ على الوظيفةِ الثنائيةِ للمتغيِّرِ (الضميريِّ) بوصفِهِ قرينةً ورمزًا، على حدٍّ سواءٍ، في نطاقِ عالَمِ «الرموزِ القرائنيةِ» Indexical Symbols، أو هكذا يتبدَّى[14]. ناهيكما، بطبيعةِ الحالِ، عن الفارقِ المفهوميِّ الهشِّ، ولو أنهُ فارقٌ ذو أهمِّيةٍ جليةٍ، بينَ مصطلحَي «القرينةِ» و«الرمز» في الدالولياتِ (أو السيمائياتِ): ففي حينِ أن مصطلحَ «القرينةِ» يدلُّ على فكرةِ «الدالولِ» Sign عند بيرس، تلك الفكرةِ التي تشدِّدُ على ترسيخِ علاقةِ «التجاورِ» Contiguity بينَ الدالولِ و«المدلولِ عليهِ» Referent، كما هي الحالُ في دخانٍ متصاعدٍ على اعتبارِهِ قرينةً (أي نذيرًا متجاورًا) لنارٍ خبيئةٍ، يشيرُ مصطلحُ «الرمزِ» إلى فكرةِ «الدالولِ» عند دو سوسور، تلك الفكرةِ التي تؤكدُ أيما تأكيدٍ على تأسيسِ علاقةِ «اللاتجاورِ» Discontiguity بينَ الدالولِ والمدلولِ عليهِ، بدلًا من علاقةِ التجاورِ، كما هي الحالُ في احمرارِ بقعةٍ من الجلدِ بوصفِها رمزًا (أي نذيرًا لامتجاورًا) لأمراضٍ مختلفةٍ[15]. من هنا، يبدو أن لاكان يميل إلى العكس المفهومي لمصطلح "القرينة" من خلال مغايرته بمصطلح "الدالّ"، لا بمصطلح "الرمز" في حدّ ذاته، لكي يضع التوكيد، بدوره، على التضادّ بين وظيفة العَرَض باعتباره قرينةَ مرضٍ جسمي، أو أكثر، في مجال الطب البشري، من طرف، وبين وظيفة العَرَض بوصفه دالَّ مرضٍ نفسي ما، أو دالاً عَرَضيًّا، في إطار التحليل النفسي، من طرف ثان (انظرا أيضًا الحاشية: 5)[16]. لهذا السببِ، يعرِّفُ لاكانُ المتغيِّرَ (الضميريَّ) بما يدعوهُ بـ«الدالِّ القرائنيِّ» Indexical Signifier، وليس بـ«الرمزِ القرائنيِّ»، بحسبِ مفهومِ يعقوبسون، لكي يسلطَ الضوءَ على فارقٍ مفهوميٍّ آخرَ بينَ البيانِ التلفُّظيِّ، من حيثُ كونُهُ مجموعةً من القرائنِ، وبينَ البيانِ التصريحيِّ، من حيثُ كونُهُ مجموعةً من الدوالِّ، في المقابلِ، ذينك البيانينِ اللذينِ يصدرُهما المسندُ إليهِ إصدارًا باطنيًّا وإصدارًا ظاهريًّا، على الترتيب، فيوحيا بضرورةِ تردُّدِهِ أو ارتيابِهِ المتأصِّلِ، إزاءَ منابِهِ عن الشخصِ الناطقِ بلسانِ ضميرِ المتكلمِ المُفْرَدِ «أنا». وعلى ذلك، يضربُ لاكانُ المثالَ التالي: «أنا أكذب»، من قبيلِ إيضاحِ هذا الفارقِ، المثالَ الذي يتفوَّهُ فيهِ المسندُ إليهِ بنيَّةِ الكذبِ والخداعِ تفوُّهًا ضمنيًّا في البيانِ التلفُّظيِّ، من جهةٍ أولى، ويتقوَّلُ فيهِ القولَ الفعليَّ تقوُّلًا صريحًا في البيانِ التصريحيِّ، من جهةٍ ثانيةٍ: يعني ذلك أن قرينةَ البيانِ التلفُّظيِّ غائبةٌ وأن دالَّ البيانِ التصريحيِّ حاضرٌ، على النقيضِ[17]. وهكذا، فإن التمثيلَ البنيويَّ الوحيدَ الذي يمكنُ لهُ أن «يتفوَّهَ» بقرينةِ البيانِ التلفُّظيِّ، في اللغةِ الفرنسيةِ، إنما هو الإقحام الدالّيِّ لأداةِ النفيِ ne «لا/ما...إلَّا» قبلَ الصيغةِ الفعليةِ soit avéré «يثبُت» في المثالِ الشهيرِ الذي يوردُه لاكان من هذا الخصوصِ، ذلك المثالِ الذي تمَّ الاستشهادُ بهِ في أحايينَ كثيرةٍ، نحو:

avant qu’il soit avéré qu’ils n’y comprennent rien.
(= قبلَ أن يثبُتَ أنهم لا يفهمونَ شيئًا.)

يتبيَّنُ من هذا المثالِ، إذن، أن الإسقاطَ الدالِّيَّ لأداةِ النفيِ ne «لا/ما...إلَّا» من المحلِّ الذي يسبقُ الصيغةَ الفعليةَ soit avéré «يثبُت» لإسقاطٌ يضفي على المحتوى الدلالِّيِّ للبيانِ التصريحيِّ مقصوديةَ «قوةٍ حياديةٍ» Neutral Force، أي أن قصدَ المتكلمِ من نقلِ عبارة «لا يفهمون شيئًا» إلى المخاطَبِ لا يقتضي من الأوَّلِ أن يضمرَ تغرُّضًا ولا سوءَ نيَّةٍ. ولكن، إذا تمَّ الإقحامُ الدالِّيُّ لأداةِ النفيِ ne في المحلِّ نفسهِ، فللمحتوى الدلالِّيِّ، عندئذٍ، أن يتضمَّنَ مقصوديةَ «قوةٍ ازدرائيةٍ» Pejorative Force، أي أن القصدَ من عبارةِ «لا يفهمون شيئًا» يقتضي إضمارَ تغرُّضٍ أو سوءِ نيّةٍ أو كليهما. يدلُّ ذلك على أن ثمَّة نيابةً إنسانيةً خفيةً تكمنُ وراءَ أداةِ النفيِ ne، والحالُ هذهِ، وأن هذهِ النيابةَ الإنسانيةَ تتفوَّهُ بمقصوديةِ القوةِ الازدرائيةِ تفوُّهًا ضمنيًّا في البيانِ التلفُّظيِّ المقابلِ للبيانِ التصريحيِّ ذاتهِ. بيدَ أن اللغةَ العربيةَ (أو اللغةَ الإنكليزيةَ، بقدرِ ما يتعلقُ الأمرُ بها كذلك) لَتفتقرُ إلى التمثيلِ البنيويِّ لأداةِ النفي ne في المستوى النحويِّ، الأمرِ الذي يستلزمُ تمثيلًا بنيويًّا آخرَ لعبارةِ «لا يفهمون شيئًا» في المستوى المفرداتيِّ، نحو: «لا يفقهون شيئًا (البتة)»، بغيةَ الحفاظِ على مقصوديةِ القوةِ الازدرائيةِ في المحتوى الدلاليِّ لنظيرِ البيانِ التصريحيِّ في اللغةِ الفرنسيةِ، نحو:

avant qu’il ne soit avéré qu’ils n’y comprennent rien.
(= قبلَ أنْ يثبُتَ أنهم لا يفقهونَ شيئًا (البتة)

وهكذا، يتضح من هذا المثال ما يفسِّرُ كيف أن الإقحامَ الدالِّيَّ لأداةِ النفي ne ينمُّ عن حضورٍ مقصودي للقوةِ الازدرائيةِ، من طرفٍ أول، وأن الإسقاطَ الدالِّيِّ لأداةِ النفي نفسِها ينطوي على غيابٍ مقصودي للقوةِ الازدرائيةِ عينِها، من طرفٍ آخرَ[18]. وعلى الرغم من افتقار اللغة العربية (أو الإنكليزية) إلى التمثيل البنيوي لأداة النفي ne في اللغة الفرنسية، على هذا النحو، إلَّا أنه لا يعني افتقارَها المطلقَ إلى التمثيل البنيوي لها، على نحوٍ آخرَ. فمن خلال مقارنة أداة النفي ne هذه بأداة الاستثناء «إلَّا» (أو حرف الاستثناء، بمنظورها الإعرابي)، يبدو أن شبيهة الأداة الأخيرة تكُنُّ نيابة إنسانية خفيةً كذلك، نيابةً تتفوَّهُ بمقصودية «قوةٍ إرغامية» Compulsive Force تفوُّهًا ضمنيًّا في البيان التلفُّظي، خصوصًا حين يسبق تلك الأداةَ جملة أو شبهُ جملة منفية، نحو: «لا أقدِر إلَّا أن...»، «ما بوسعي إلَّا أن...»[19]. قياسًا على ذلك، فإن الإقحام الدالِّي لأداة الاستثناء «إلَّا» يتكشف عن حضور مقصودي للقوة الارغامية، من ناحية أولى، وإن الإسقاط الدالِّي لأداة الاستثناء نفسها ينجلي عن غياب مقصودي للقوة الارغامية عينها، من ناحية أخرى. وبالتالي، يظهر أن الكينونة الحقيقية للمسند إليه الشخصي لتقبع في مكان ما من «دُكْنة» أداة النفي ne في اللغة الفرنسية، كما في البيان التصريحي السابق، أو «دُكْنة» أداة الاستثناء «إلَّا» في اللغة العربية، إن تمثلت تمثلًا بنيويًّا في البيان التصريحي الذي تمّ الاستشهاد به من قبل، نحو: «ما بوسعي إلاّ أنْ أقولَ إنَّ لاكانَ قد يكونُ، أو قد لا يكونُ، مِخاضًا عن فرويد ودو سوسور». وهكذا، أيضًا، يتضح من هذا المثال ما يفسِّر كيف أن الإقحام الدالِّي لأداة الاستثناء «إلَّا» يفترض افتراضًا قبليًّا محلَّ شبيهتها «الحاضرة»، فتقوم هذه الشبيهة مقام القرينة الغائبة، وتنوب هذه القرينة، بدورها، مناب النيابة الإنسانية الفعلية لدى تفوَّهها بمقصودية قوةٍ إرغامية. من هنا، يصبح التمثيل البنيوي للبيان التصريحي، برمَّته، وسيلة لغوية ذات «مدلولات» Signifieds دفينة، وسيلة تحتوي احتواء ضمنيًّا على التناقض الكامل بين ضمير المتكلم المفرد الواعي الذي يكمن وراء الدالِّ بحضوره، أي الضمير الشخصي المتصل «ياء المتكلم»، في البيان التصريحي ذاته، من جهة أولى، وبين ضمير المتكلم المفرد اللاواعي الذي يقبع في مكان ما من «دُكْنة» القرينة بغيابها، أي شبيهة أداة الاستثناء «إلَّا»، في البيان التلفظي، من جهة ثانية. على أساس هذا التناقض الكامل، إذن، يضع لاكان التوكيد على معنى المسند إليه الشخصي (بالإضافة إلى الأنا «الشخصية» التي تستكن فيه) من حيث كونه كائنًا قابلًا للاستشفاف من ضمير المتكلم المفرد اللاواعي الذي يقبع في مكان ما من «دُكْنة» القرينة، كائنًا على اعتباره تعميمًا أو تجريدًا[20]. ومن ثمّ، فإن الفارق المفهومي الآخر بين البيان التلفظي والبيان التصريحي للمسند إليه، كما تمّ ذكره توًّا، لا يوحي، فحسب، بضرورة تردّده أو ارتيابه المتأصِّل إزاء منابه عن الشخص الناطق بلسان ضمير المتكلم المُفرَد «أنا»، بل يدلّ، أيضًا، على ضرورة انقسامه الراسخ أو انشطاره المتأصِّل، كما أشيرَ إليه آنفًا، بحيث إن القصد من هذه الدلالة الأخيرة هو انقسام المسند إليه أو انشطاره إلى ضمير المتكلم المفرد الواعي الذي يكمن وراء الدالّ، من طرف أول، وإلى ضمير المتكلم المفرد اللاواعي الذي يقبع في مكان ما من «دُكْنة» القرينة، من طرف ثانٍ. وفي حقيقة الأمر، إن انقسام المسند إليه أو انشطاره، بهذا المعنى، سبق الإلماع إليه من خلال اقتراح القسيمين النفسانيين للأنا، نظرًا للتضادّ المطلق بين الأحكام الخاطئة التي تطلقها الأنا (الشاهدة) وبين الأحكام الصائبة التي تطلقها الأنا الغائبة، كما نوِّه عنه في البداية[21]. ففي حين يتوافق قسيم الأنا الموضوعي في إطار تمثيلها الواعي مع ضمير المتكلم المفرد الواعي الذي يكمن وراء الدالِّ، يتطابق قسيم الأنا الذاتي في إطار تمثيلها اللاواعي مع ضمير المتكلم المفرد اللاواعي الذي يقبع في مكان ما من «دُكْنة» القرينة. ويبدو، كذلك، أن هذا القسيم النفساني الأخير لوشيج الاتصال بالتشابه (الجوهري) الحاسم بين الأنا الغائبة، باعتبارها ماهية نفسانية فطرانية، وبين الأنا (الشاهدة)، بوصفها ماهية نفسانية فطرانية-خبرانية، لدى الحضور الناشئ للأنا العليا، على أنّها ماهية نفسانية خبرانية (أي مكتسبة من العالم «الخارجي»).

علاوة على ذلك، فإن هذا التمييز بين ضمير المتكلم المفرد الواعي وضمير المتكلم المفرد اللاواعي ليتماثل، أيضًا، مع التمييز بين المسند إليه، بحسب مفهوم ديكارت، والنقيض المنطقي للمسند إليه نفسه: فبينما يتجسد المسند إليه الديكارتي كائنًا واعيًا وجودَه في لحظة التفكير ذاتها، كما هي الحال في المقول الشهير: (أنا أفكر. إذن، أنا موجود.)، يتجلى النقيض المنطقي لهذا المسند إليه كائنًا لاواعيًا «في اللحظة التي يتمّ إبانها إدراك الشك على أنه يقين»[22]، فيتضمن، بذلك، معنى التخيير المُراد بين لحظة التفكير ووعي الوجود، كما هي الحالة في المقول المقابل: (إما أنا (لا) أفكر وإما أنا (غير) موجود.). وهكذا، يظهر أن فكرة انقسام المسند إليه أو انشطاره عند لاكان لمردُّها في الأصل إلى مفهوم فرويد عن ماهية «الأنا المنشطرة» Split Ego (أو «ضمير المتكلم المُفرَد المنشطر» Split-I، على حدّ تعبيره)، تلك الماهية التي تتمثل، بدورها، كنتيجة مشوَّهة من نتائج «الإنكار» Disavowal، على اعتبار إمكانية تعليله ممرضاتِ (أو أسبابَ) عددٍ من الحالات المَرَضية النفسية. في البدء، يتكلم فرويد عن ماهية الأنا المنشطرة، بهذا المعنى، كلامًا مقتضبًا إلى حد ما، فيما يتعلق بالدراسات التحليلية الميدانية لحالات «العُصاب» Neurosis و«الذُّهان» Psychosis، الحالات التي «تعكس إخفاقًا في عمل الأنا (الشاهدة)» مادامت هذه الماهية النفسانية تميل ميلًا واعيًا إلى «اجتناب تمزُّق ما [...] عن طريق إحداث انشقاق أو انقسام في ذاتها»[23]. بعدئذٍ، يتحدث فرويد عن ماهية الأنا المنشطرة، بنفس المعنى، حديثًا مسهبًا، ولكن فيما يخص الدراسات التحليلية الميدانية لحالات ما يسمى بـ«البُدِّية» Fetishism، الحالات التي تنطوي على شكل من أشكال الانحراف الجنسي، والتي تجسّم انشطارًا في الأنا المكنونة في «البُدِّي» Fetishist لأن أحد شطرَي هذه الأنا ينحو نحو رفضه عقدة الإخصاء (أو ما ينشأ عنها من حَصَر أو حُصَارٍ نفسي) – على خلاف شطرها الآخر الذي ينزع إلى قبوله العقدة ذاتها (أو ما ينجم عنها من حَصَر أو حُصَارٍ نفسي كذلك)[24]. وبتعبير آخر، تتبدى الأنا المكنونة في البُدِّي، حقيقية، كماهية نفسانية منشطرة بين جنسانية الذكورة وجنسانية الأنوثة، على الترتيب، نظرًا للفرق الحاسم بين الجنسانيتين في سلوكية الطفولة، كما تم شرحه في مقال سابق[25]. وعلى وجه القياس، فإن رأي لاكان الذي يؤكد على المسند إليه من حيث كونه كائنًا منقسمًا أو منشطرًا بين البيان التلفظي والبيان التصريحي، لرأي يدلّ دلالة واضحة على حتمية مدى الانقسام أو الانشطار بمدى فعل الكلام: المسندُ إليه كائنٌ منقسمٌ أو منشطرٌ «بقدر ما يتكلم ليس إلَّا»[26]. يعني ذلك أن «المسند إليه [كائنٌ] يحدِّد وجودَه عن طريق سَدِّ أو صَدِّ ما ينطقه من دوالٍّ»[27]. ويعني ذلك، أيضًا، أن المسند إليه كائنٌ يعتريه تردّد أو ارتياب متأصّل ويتعاوره من شطر إلى شطر لامحالَ، وأن ذلك كله مترتبٌ على انسلابه واغترابه المقدَّرين قبليًّا من خلال تمثيل اللغة المستديم لوجوده وتفكيره على حدٍّ سِوىً. إن هذا الانسلاب وهذا الاغتراب، إذن، لهما السجيّتان اللتان تربطهما علاقة وطيدة بذلك التحوُّل النفساني الذي تخضع له الأنا (الشاهدة) خضوعًا محتومًا حينما «تدمج» نفسها في «أنا أُخرى» -alter-Ego، أو هكذا يبدو[28]. بناء على ذلك، فللدالّ القرائني، أو الدالّ، ببساطة، أن يميط اللثام عن كنون تلك السجايا المتأصّلة (أي سجايا الانقسام والتردّد والانسلاب) مثلما يكشف زللٌ، أو «عملٌ زالٌّ» Parapraxis، النقابَ عن مكنون ما يقصده المسندُ إليه في الحقيقة (كزلة اللسان وزلة الأذن وزلة القلم، إلخ). من هنا، يشدّد رأيُ لاكانَ على المسند إليه، كذلك، من حيث كونه مبتنىً من مبتنيات اللاوعي (قا: ضمير المتكلم المفرد اللاواعي) لا مبتنىً من مبتنيات الوعي (قا: ضمير المتكلم المفرد الواعي)، كما هي الحال في المسند إليه الديكارتي. ومن هنا، أيضًا، ينظر لاكان إلى الحالات المَرَضية النفسية التي ذكرها فرويد (أي حالات العُصاب والذُّهان والانحراف الجنسي) باعتبارها البنى السريرية الثلاثَ الأهمَّ في الممارسة الفعلية للتحليل النفسي، بنىً يتفرَّد منها العُصابُ، تحديدًا، بوصفه البنية السريرية «السوية» (نفسانيًّا)، وذلك بمقتضى حدوث الانشطار في المسند إليه، أصلًا – على خلاف البنية السريرية للذُّهان، فهي بنية سريرية «لاسوية» (نفسانيًّا)، نظرًا لافتقارها إلى حدوث هذا الانشطار، فيما يتبدَّى[29]. وبالتالي، فإن مبتنى المسند إليه كتعميم أو كتجريد ليدلّ، في الأساس، على كائن عصابي تتمخَّض عنه اللغة بكلّ أشكال التداعي، فتجسِّده كائنًا منقسمًا ومتردّدًا ومنسلبًا في ذات اللحظة التي ينطق إبانها «الدالَّ» Signifier تعبيرًا عن ذاته الدفينة.

لإيجاز ما تقدم، تمور النفس الإنسانية في تمزقها المستديم بين طرفي نقيض: الأحكام الخاطئة التي تطلقها الأنا (الشاهدة) إطلاقًا واعيًا والأحكام الصائبة التي تطلقها الأنا الغائبة إطلاقًا لاواعيًا. إذ يناظر طرفي النقيض هٰذين القسيمان النفسانيان للأنا: قسيم الأنا الموضوعي في إطار تمثيلها الواعي وقسيم الأنا الذاتي في إطار تمثيلها اللاواعي، على ضوء التشابه الحاسم بين الأنا الغائبة والأنا (الشاهدة) في كم معين من محتوى نظام اللاوعي. فإذا كان التحليل النفسي فرعًا من فروع الدراسة معنيًّا في نهاية المطاف بشخص مفرد ومحدد، فإن القسيم الذاتي للأنا (الشاهدة) يرادف بمعناه معنى ذلك الشخص المفرد والمحدد بوصفه تعميمًا أو تجريدًا، يُشار إليه في التنظير اللاكاني، إجمالًا، بمصطلح «المسند إليه». في الواقع، لا يستخدم فرويد هذا المصطلح على اعتباره مبتنىً نظريًّا بحكم استحقاقه التنظيري، بل يورده في مؤلفاته كنيابة «ذاتية» تقترن بـ«موضوعية» ما لتشكلا معًا واحدة من الثنائيات الطباقية الثلاث التي تهيمن على النفس الإنسانية بكليتها (أي الذات-الموضوع واللذة-اللالذة والفاعل-المنفعل)، فيضع التوكيد، بذلك، على الطبيعة المزدوجة لذات المسند إليه في إطار علاقتها السلوكية بموضوع العالم الظاهري (أي فاعلة ومنفعلة). فقد تكون الطبيعة المزدوجة لذات المسند إليه هذه، بالإضافة إلى وضعتها النظرية غير المبتوت في أمرها في مؤلفات فرويد، السببَ الرئيسي في أن يحتل المصطلح مكان صدارة في مؤلفات لاكان، حيث يمكن استشفاف ثلاثة أنواع من المسند إليه متميزة من خلال الإشارة إلى المسألة المنطقية التي يتم طرحها كمغالطة جديدة. أولًا، المسند إليه اللاشخصي الذي يفسَّر بلغة المسند إليه التعقلي، أو التفكري، بمعنى أن النيابة الإنسانية المعنية مستقلة استقلالًا نفسانيًّا عن أية نيابة إنسانية أخرى، وأن المسند إليه اللاشخصي على علم بذاته لا بذات الآخر، نحو: «قيل إن...»، «قال أحدهم إن....»، إلخ. ثانيًا، المسند إليه اللامعرف، أو اللامسمى، الذي يعلل بلغة المسند إليه ذي الطابع التبادلي المحض، بمعنى أن النيابة الإنسانية المعنية متكافئة تكافؤًا مطلقًا، إلى حد الاستبدال المتساوي، مع أية نيابة إنسانية أخرى، وأن المسند إليه اللامعرف، أو اللامسمى، على معرفة من ذاته في مسلك مرهون بمسلك المعرفة الذاتية للآخر، نحو: «قال كل منهم إن...»، «قال كلهم إن...»، إلخ. ثالثًا، المسند إليه الشخصي الذي يعرَّف بالمسند إليه ذي الأصالة المنطقية، المسند إليه العارف الذي «ينتحل» كينونتي المسند إليهما الأولين، ولكن كينونته تختلف اختلافًا جوهريًّا عن كل من كينونتيهما بفضل خصوصيته وفذاذته، تينك السجيتين اللتين تكتسبهما النيابة الإنسانية المعنية على أنهما نشاطان «غير متعمَّدين» من نشاطات توكيد الذات أو تقرير المصير: يعني ذلك أن يكون المسند إليه الشخصي على معرفة من ذاته، أو لا يكون، بقطع النظر عن المعرفة الذاتية للآخر، نحو: «قلتُ إن...»، إلخ. ففي حين يتضح أن الصيغة المثبتة للنيابة الإنسانية المعنية حاضرة في البيان التصريحي (أي ضمير المتكلم المفرد الواعي)، يتبين أن صيغتها المنفية غائبة في البيان التلفظي (أي ضمير المتكلم المفرد اللاواعي)، ولكنها تقبع في مكان ما من «دكنة» الشبيهة القرائنية لأداة الاستثناء «إلَّا» إن تمثلت تمثلًا بنيويًّا، نحو: «ما بوسعي إلَّا أن أقول إن...»، إلخ. من هنا، تتجلى الأهمية البالغة لفكرة المسند إليه كمبتنىً من مبتنيات اللاوعي في التنظير اللاكاني، بحيث إن التناقض الكامل بين البيان التصريحي والبيان التلفظي ينطوي على تردده المتأصل وانقسامه الراسخ. ومن هنا، يتضح، أيضًا، أن فكرة انقسام المسند إليه هذه تم اشتقاقها من مفهوم فرويد عن ماهية الأنا المنشطرة، فتم من ثم اعتبارها دليلًا على البنية السريرية «السوية» لحالات العصاب – خلافًا للبنية السريرية «اللاسوية» لحالات الذهان التي لا تبدي حدوث الانقسام جليًّا، فيما يبدو. وبالتالي، فإن مبتنى المسند إليه ككائن عصابي في البنية السريرية «السوية» ليدل، في الأساس، على كائن متردد ومنقسم ومنسلب من خلال تمثيل اللغة المستديم لوجوده وتفكيره على حدٍّ سوىً، اللغةِ التي تبتكر عالمَ الأشياء، والتي يبثها الدالُّ بوصفه وسيطَها الرئيسيَّ في عالم الأفكار.
_________

المراجع

Fink, Bruce (1995): The Lacanian Subject: Between Language and Jouissance. Princeton: Princeton University Press.
Freud, Sigmund (1915): Instincts and Their Vicissitudes. Penguin Freud Library, vol. 11.
Freud, Sigmund (1921): Group Psychology and the Analysis of the Ego. Penguin Freud Library, vol. 12.
Freud, Sigmund (1923): Neurosis and Psychosis. Penguin Freud Library, vol. 10.
Freud, Sigmund (1927): Fetishism. Penguin Freud Library, vol. 7.
Freud, Sigmund (1938a): Splitting of the Ego in the Process of Defence. Penguin Freud Library, vol. 11.
Freud, Sigmund (1938b): An Outline of Psychoanalysis. Penguin Freud Library, vol. 15.
Jakobson, Roman (1957): Shifters, verbal categories, and the Russian verb. In his Selected Writings, vol. 2. The Hague: Mouton (1971: 130-147).
Jesperson, Otto (1928): Language: Its Nature, Development, and Origin. Allen & Unwin.
Lacan, Jacques (1955-6): The Seminar. Book III. The Psychoses. Trans. Russell Grigg. Routledge (1993).
Lacan, Jacques (1960-1): Le Séminaire. Livre VIII. Le Transfert. Paris: Seuil.
Lacan, Jacques (1964): The Seminar. Book XI. The Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis. Trans. Alan Sheridan. Vintage (1998).
Lacan, Jacques (1966a): Écrits: A Selection. Trans. Alan Sheridan. Routledge (1997).
Lacan, Jacques (1966b): Écrits. Trans. Bruce Fink. Norton (2006).
Lacan, Jacques (1975-6): Le Séminaire. Liver XXIII. Le Sinthome. Est. Jacques-Alain Miller, Ornicar?, vol. 6.
El-Marzouk, Ghiath (2007): Identification. Damascus: Maaber.
El-Marzouk, Ghiath (2007): Identification [The Arabic Version]. Damascus: Maaber.
El-Marzouk, Ghiath (2008): The ego. Damascus: Maaber.
El-Marzouk, Ghiath (2008): The ego [The Arabic Version]. Damascus: Maaber.
Peirce, Charles Sanders (1932): Elements of Logic. In his Collected Papers, vol. 2. Cambridge: Harvard University Press.

***

الحواشي

[1] قا: فرويد، 1915، ص 131.

[2] قا: لاكان، 6- 1975.

[3] قا: لاكان، 1966 ب، ص 162.

[4] را: القسم الأول، الحاشية 8.

[5] را: القسم الأول، الحاشية 9.

[6] قا: لاكان، 1966 ب، ص 170.

[7] يُقصد بـ«الحاشي الاسمي» Nominal Expletive، في هذه القرينة، التمثيلُ البنيوي لأحد المكوّنات الاسمية «الصموتة» في تركيب الجملة، تلك المكوّنات الاسمية التي تتصف بـ«الخواء الدلالي» Semantic Vacuity بشكل أو بآخر، ممّا يجعل وظائفها مقصورة على سَدّ الفراغ النحوي، تحديدًا (قا: حاشٍ: اسم الفاعل من حشا يحشو حشوًا، بمعنى سدّ فراغًا في الشيء). ثمة أمثلة على الحاشي الاسمي هذا في اللغة العربية توحي إلى ضمير الغائب المفرد المذكر المستتر «هو»، ذلك الضمير الذي يعمل عملَ الفاعل النحوي للفعل الرابط اللاشخصي (نحو: بدا أن، ظهر أن، إلخ) أو عملَ نائب الفاعل النحوي للفعل المجهول اللاشخصي (نحو: قيلَ إن، ظُنّ أن، إلخ)، كما أشير إليه في النص. ويقابل ضميرَ الغائب المفرد المذكر المستتر «هو» في اللغة العربية ضميرُ الغائب المفرد المحايد الظاهر It في اللغة الإنكليزية في كلتا الحالتين، مثلًا: It seemed/appeared that في حالة الفعل الرابط اللاشخصي، وIt was said/thought that في حالة الفعل المجهول اللاشخصي.

[8] يُراد بـ«إالمُكَمِّم التبعيضي» Partitive Quantifier، في هذا السياق، التمثيلُ البنيوي لأحد المكوّنات الاسمية «المُبَعِّضة» أو «المجزِّئة» في تركيب الجملة، تلك المكوّنات الاسمية التي تتسم بـ«الالتباس الدلالي» Semantic Ambiguity بشكل أو بآخر، فلا يُعرف مدلولها إلَّا ممّا تضاف إليه، ممَّا يجعل وظائفها محصورة في التحديد المجازي، لا الحرفي، لكمية المدلول (قا: مُكَمِّم: اسم الفاعل من كمَّم يكمِّم تكميمًا، بمعنى حدّد كمية الشيء). ثمة أمثلة على المُكَمِّم التبعيضي هذا في اللغتين العربية والإنكليزية تلمع إلى ذلك المكوّن الاسمي الذي لا يدلّ على شيء في حدّ ذاته، فكان، من ثمّ، ملازمًا للإضافة في المحلِّ على الأصحِّ (نحو: أحدهم (some)one، أيّهم any(one)، بعضهم some (of them)، إلخ).

[9] قا: لاكان، 1966 ب، ص 170.

[10] را: المرزوق، 2007، الحاشية: 2، الحاشية: 3.

[11] لاحظا، هنا، أن أحد أوجه الاختلاف الدلالي بين ما يُسمَّى بـ«المُكمّم الإفرادي» Distributive Quantifier وبين ما يُدعى بـ«المُكمّم الإجمالي أو الشمولي» Universal Quantifier يتجلى في إصدار البيانات التصريحية من زاوية «المقصودية» Intentionality التي تستحثّها، ناهيكما عن التشابه الدلالي الواضح بين المُكمّمين. فبينما يشير المُكمّم الإفرادي إلى التمثيل البنيوي لتلك المكوّنات الاسمية «المُفْرِدة» التي تخصّ كلَّ فرد من أفراد جماعة ما (نحو: كلّ امرئ everyone، كلّ شخص everybody، إلخ)، يوحي المُكمّم الإجمالي أو الشمولي إلى التمثيل البنيوي لتلك المكوّنات الاسمية «المُجْمِلة» التي تتعلق بأفراد الجماعة المعنية ككلّ (نحو: جميعهم all (of them)، كافّتهم all (of them)، إلخ). وهكذا، فإن هذا الاختلاف الدلالي بين المُكمّم الإفرادي وبين المُكمّم الإجمالي أو الشمولي، تحديدًا، ليذكّر بالفارق المفهومي الأساسي بين تنظير لو بون وتنظير فرويد، على الترتيب، حول ما يسمّى اصطلاحا بـ«علم النفس الزُمَري أو الجمعي» (انظرا القسم الأول، الحاشية: 3).

[12] قا: لاكان، 1966 ب، ص 170.

[13] قا: يَسْبَرسون، 1923.

[14] قا: يعقوبسون، 1957، ص 132.

[15] قا: بيرس، 1932.

[16] قا: لاكان، 1966 آ، ص 129؛ لاكان، 1966 ب، ص 348.

[17] قا: لاكان، 1964، ص 138 وما يتبعها.

[18] قا: لاكان، 1966 آ، ص 298؛ لاكان، 1966 ب، ص 677.

[19] من الجدير بالذكر، في هذا الصدد، أن المحلِّل النفسي بروس فينك سبق له أن ألفت النظر إلى المقارنة «الدلالية» بين أداة النفي ne «لا/ما...إلَّا» في اللغة الفرنسية، كما ترد في مثال لاكان المستشهَد به في النص، وبين أداة الظرف but «إلَّا» في اللغة الإنكليزية، بالأخصّ حين يسبقها الفعل الناقص المنفي cannot «ليس في وسع»، كما ترد في أمثلة معيّنة، نحو: I cannot but think that…. «ليس في وسعي إلَّا أن أظنّ أنّ...». ففي مثال كهذا، إذن، ما يدعو فينك إلى الاعتقاد بأن أداة الظرف but في اللغة الإنكليزية، تحديدًا، لأداة تتصف بالخواء الدلالي، مما يجعلها قابلة للمقارنة «الدلالية» بأداة النفي ne في اللغة الفرنسية (قا: فينك، 1995، ص 39). وهكذا، يتبين أن ثمة تناقضًا ذاتيًّا سافرًا يقع فينك في شرَكه من جراء الخوض في غمار «تحليل لغوي» من هذا النوع: فمن جهة، يبدو أن فينك على صواب حينما يلفت النظر إلى قابلية المقارنة الدلالية بين أداتي النفي ne والظرف but تينك، كما هي الحال في أداة الاستثناء «إلَّا»، نظيرتهما في اللغة العربية؛ ومن جهة أخرى، يظهر أن فينك على خطأ صارخ عندما يزعم أن أداة الظرف but خاوية خواء دلاليًّا. ذلك لأن الإسقاط الدالِّي لهذه الأداة سيفضي، دونما شك، إلى غياب مقصودية القوة الإرغامية المنوَّه عنها في النص، سواء كان البيان التصريحي منفيًّا، نحو: I cannot think that…. «ليس في وسعي أن أظنّ أنّ...» أم غيرَ منفي، نحو: I can think that…. «في وسعي أن أظنّ أنّ...»، إلخ.

[20] كما تمَّ ذكره في حاشية سابقة، فإن مصطلح «المسند إليه» بوصفه تعميمًا أو تجريدًا يوحي إلى معنى تضمينه بالفحواءِ «الإجمالي» أو «الشمولي» Universal ، على وجه الحصرِ. ووفقًا لذلك، تُعرّف فكرة ‹العمومية› Generality عند لاكان، خلافًا لفكرة ‹الجمعية› Collectivity فيما يتعلّق بمفهومها المنطقي، تخصيصًا، «على أنها فئة تتضمّن عددًا لامتناهيًا من الأفراد، على نحو مجرّد» (انظرا القسم الأول، الحاشية: 3). وهكذا، فإن معنى الإسناد اللامتناهي الذي يُعرّف فكرة العمومية هذه لمعنىً يتم عزوُه إلى قابلية مدّ حدود المسألة المنطقية التي طرحها لاكان إلى ما لا نهاية له (أو قابلية تعميم معطياتها دونما حدّ، بالحري) عن طريق ما يُسمَّى بعملية «التواتر» Recurrence/Recursion (أي التكرار الدَوْري) في الرياضياتِ. على هذا الأساس، تخوِّل هذه العملية الرياضية لتلك المسألة المنطقية تطبيقَ المغالطة المُشار إليها في النص على عدد لامتناهٍ من المسند إليهم، شريطة أن يكون عدد الأقراص السوداء مساويًا لعدد المسند إليهم إلَّا واحدًا. مثلًا، إذا دعا السجانُ سجناءَ أربعةً من اختياره، هذه المرّة (سمّهم «المسند إليهم: آ، ب، ج، د»)، وكان في حوزته سبعة أقراص (أربعة بيضاء وثلاثة سوداء)، فللبرهان التامّ على المسألة المنطقية أن يتواتر (أو يتكرّر تكرارًا دوريًّا) على النحو التالي: يعلم المسند إليه آ أن لون قرصه أبيض. بما أن أقراص المسند إليهم: ب، ج، د، بيضاء، يزعم المسند إليه آ لنفسه أنه لو كان لون قرصه أسود لكان بوسع كل منهم أن يستنتج ما يلي: يعلم المسند إليه ب أن لون قرصه أبيض. بما أن قرصَي المسند إليهما: ج، د، أبيضان، يزعم المسند إليه ب لنفسه أنه لو كان لون قرصه أسود، أيضًا، لكان بوسع كل منهما أن يستنتج ما يلي: «لو كان لون قرصِي أسود، أيضًا، لعلم الآخر أن لون قرصه أبيض، بلا تردد. إذن، لون قرصِي ليس أسود». وبما أن ثمة ترددًا قد استحوذ عليهم جميعًا، لا بد من أن يكون لون قرصِي أبيض كألوان أقراصهم. وهكذا دواليك (قا: لاكان، 1966 ب، ص 175، الحاشية: 4).

[21] را: المرزوق، 2008.

[22] قا: لاكان، 1964، ص 126.

[23] قا: فرويد، 1923، ص 217.

[24] قا: فرويد، 1927، ص 365؛ فرويد، 1938 آ، ص 463؛ فرويد، 1938 ب، ص 438 وما يتبعها.

[25] را: المرزوق، 2007.

[26] قا: لاكان، 1966 آ، ص 269؛ لاكان، 1966 ب، ص 530.

[27] قا: لاكان، 1966 آ، ص 288؛ لاكان، 1966 ب، ص 581.

[28] قا: لاكان، 6-1955، ص 23.

[29] قا: لاكان، 6-1955، ص 174؛ لاكان، 1-1960، ص 374 وما يتبعها.

*** *** ***

دبلن (إيرلندا)،
لندن (إنكلترا)



#غياث_المرزوق (هاشتاغ)       Ghiath_El_Marzouk#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ٱلْمُسْنَدُ إِلَيْهِ: تَأَدِّيَاْتُ ٱلْتَّأْوِيْلِ ...
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كُورُونَا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كُورُونَا» (5 ...
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كُورُونَا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كُورُونَا» (4 ...
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كُورُونَا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كُورُونَا» (3 ...
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (2)
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (1)
- «أَيْسَ غِلٌّ بِذِي ﭐلْيُدِيِّ لَبِيدُ / لَيْسَ كُلٌّ ...
- «أَيْسَ غِلٌّ بِذِي ﭐلْيُدِيِّ لَبِيدُ / لَيْسَ كُلٌّ ...
- «أَيْسَ غِلٌّ بِذِيْ ﭐلْيُدِيِّ لَبِيدُ / لَيْسَ كُلّ ...
- «أَيْسَ غِلٌّ بِذِي ﭐلْيُدِيِّ لَبِيدُ / لَيْسَ كُلٌّ ...
- «أَيْسَ غِلٌّ بِذِي ﭐلْيُدِيِّ لَبِيدُ / لَيْسَ كُلٌّ ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ &# ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ  ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ &# ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ  ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ  ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ &# ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ  ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ &# ...
- خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱلْأَرْبَعُونَ: «خَفِيَّةُ  ...


المزيد.....




- اضطرابات حادة في مضيق هرمز.. وناقلات نفط تغير مسارها
- هل نشهد بداية حرب شاملة تدمر المنطقة بأكملها؟.. شاهد رد المت ...
- نتنياهو: -هناك إشارات كثيرة- على أن المرشد الإيراني -لم يعد ...
- -حرب مارقة-.. البرادعي يعلق على الهجمات الأمريكية والإسرائيل ...
- تقارير تتحدث عن إشعارات إيرانية للسفن بعدم المرور عبر مضيق ه ...
- الحرس الثوري: مقتل مئات الأمريكيين والإسرائيليين.. زامير: ال ...
- انفجارات تضيء سماء تل أبيب مع اعتراض إسرائيل صواريخ
- أثارت الهلع والانتقادات.. سقوط صواريخ إيرانية في دول الخليج ...
- إيمانويل ماكرون: فرنسا -لم يتم إخطارها ولم تشارك- في الضربات ...
- إسرائيل تعلن تنفيذ -الطلعة الهجومية الأكبر- في تاريخ سلاح ال ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غياث المرزوق - ٱلْمُسْنَدُ إِلَيْهِ: تَأَدِّيَاْتُ ٱلْتَّأْوِيْلِ وَتَعَدِّيَاْتُ ٱلْتَّعْوِيْلِ (2)