أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسنين السراج - عدم الاعتراف بإنجازات الآخرين.. قراءة نفسية















المزيد.....


عدم الاعتراف بإنجازات الآخرين.. قراءة نفسية


حسنين السراج

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 20:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سيصادفك يوماً أو قد يكون صادفك فعلاً ذلك النوع من الناس الذي مهما حققت من إنجازات يقابلها ببرود بدل التفاعل الإيجابي والإطراء مع أنك كنت تتوقع منه العكس. وغالباً ما يستخدم استراتيجيات متعددة يحرص فيها على إثبات وجهة نظره التي تذهب في مجملها إلى أنك لا تستحق الاعتراف وأن ما حققته قد يكون وليد الصدفة. بعض هذه الأفكار يحرص على أن يقولها لك بشكل مبطن بحيث إذا قمت بمواجهته يستطيع الإفلات من تلك المواجهة بتبريرات تعطي معاني أخرى لما قاله.

مثال على ذلك لو قلت له إنك تمكنت من إنجاز بحث علمي سيكون رده بارداً أو يتظاهر أنه منشغل بشيء ليتجنب الرد أو يفتح موضوعاً آخر ويدعي أنه موضوع مهم ليتجنب الخوض في إنجازك أو يشكك ضمنياً بقوة الإنجاز كأن يقول (الآن فقط حققته؟ لقد حققه أقرانك منذ زمن بعيد) أو يشكك في قدراتك بالقول (هل اعتمدت على الذكاء الاصطناعي في كتابة بحثك؟ أم أخذت بحثاً جاهزاً؟) أو يقول: (لكن ما حققته ليس بتلك الصعوبة) والاستراتيجية الأخرى هي التلميح والتصريح أمام الآخرين في غيابك بكلام يحاول فيه زرع فكرة أن الجدارة التي تسعى لتأكيدها ليست حتمية بالضرورة.

لا يمكننا إنكار أن وقع هذا السلوك يؤدي إلى حدوث انفعالات سلبية مثل الإحباط والارتباك والاستياء وغيرها لكن نحن أمام خيارين إما أن نقع فريسة الشعور بالوجع أو نستمتع في محاولة فهم الدافع الرئيسي لهذا السلوك. فهم الدافع وراء هذا النوع من السلوك جدير بالاهتمام فهو سلوك يخبئ خلفه صورة معتمة ومن جانب آخر من الممكن أن يصادفك هؤلاء الأشخاص في أي بيئة تكون جزءاً منها مثل بيئة العمل وبيئة الدراسة وحتى البيئة الأسرية.

هل من الممكن أن نسلك نحن هذا السلوك الذي نكره أن يمارس ضدنا دون أن يشعر؟ قد نسمع خبر تفوق أحدهم في نفس مجالنا فنشعر بشيء من التوتر والانقباض. لكن الكثير من الناس يتداركون الموقف ويعودون لمنظومتهم الأخلاقية ويستغربون من رد فعلهم ويصححون نظرتهم عن أنفسهم بأفعال تثبت العكس ولا يسعون على أرض الواقع للتقليل من إنجاز الآخر.

نموذج صيانة التقييم الذاتي

ابتكر عالم النفس الاجتماعي أبراهام تيسر نموذج صيانة التقييم الذاتي والذي يفسر لماذا نجاح شخص في تخصص ما من الممكن أن يهدد الآخرين في نفس المجال مما يدفعهم شعورياً أو لا شعورياً إما إلى إعادة تقييم الذات أو التقليل من إنجاز الآخر كآلية دفاعية للحفاظ على تقدير الذات (Tesser, 1988).

والفرد حسب نموذج صيانة التقييم الذاتي يقع تحت تأثير عملية المقارنة حين يكون صاحب الإنجاز من نفس تخصصه فيشعر بالتهديد فيقوم بعملية صيانة للذات من الخطر المحتمل وتشمل في كثير من الحالات استراتيجيات غير واعية تقترحها الأنا (Tesser, 1988).
ويستخدم تيسر مصطلح الانعكاس ويقصد به (حين يكون نجاح الآخرين غير مهدد كأن يكونوا من تخصص مختلف فيشعر الفرد بالفخر بهذا الإنجاز لصلته بمن حققه دون حدوث تهديد مباشر للتقييم الذاتي) (Tesser, 1988) ويمكننا مما سبق أن نستنتج أن معنى الانعكاس هنا هو أن ينعكس نجاح الآخرين علينا بشكل إيجابي.

لكن هل عدم الشعور بالتهديد في حال كان من يحقق إنجازاً من تخصص مختلف قاعدة عامة؟ يبدو أن المقارنة لدى نسبة من الناس تتوقف عند من يشتركون معهم بالتخصص. لكنها لدى آخرين تأخذ مديات أوسع وأكثر عمومية مثل (الدرجة الوظيفية والمستوى الأكاديمي والمكانة الاجتماعية وغيرها) بغض النظر عن الاشتراك بالتخصص من عدمه. يستطيع من يريد الدخول بمتاهات المقارنة أن يخترع مشتركات مثل العمر مثلاً أو محل السكن أو صلة القرابة أو حتى الجلوس في نفس الحافلة.

وهذا يفسر سبب إعطاء البعض نصائح سلبية في حال طلب أحدهم منهم المشورة حول مشروع يرغب في الدخول فيه أو هدف محدد يرغب في تحقيقه وهي آلية دفاعية يحاولون فيها رسم حدود للنجاح لا تتخطى حدودهم ليتجنبوا الشعور بالتراجع والفشل.

الميكانيزمات الدفاعية

لتقليل شدة التهديد يميل الفرد إما إلى تقليل أهمية المجال الذي حقق فيه الآخر نجاحه أو يقلل من أهمية علاقته بصاحب الإنجاز أو يقلل من قيمة الإنجاز نفسه (Tesser, 1988). كل ما سبق يفسر بطريقة أو بأخرى لماذا تظهر تصرفات تحمل سخرية مبطنة أو تسخيف غير مباشر للإنجاز سواء كان واعي أو غير واعي أو عدم إظهار أي رد فعل إيجابي ويؤكد وجود علاقة بين الحفاظ على تقدير الذات والتصرفات الاجتماعية ويساهم في فهم التفاعل الحاصل بين نجاح الآخرين والاستجابة التي تحمل تهميش شعوري او لا شعوري أو ميول للعدوان السلبي.

العدوان السلبي: هو سلوك يعبر عن غضب غير مباشر بدل المواجهة الصريحة ويظهر على السطح بأوجه متعددة مثل التسويف والمجاملة السامة والتخريب غير المباشر وعدم الالتزام والسخرية (Murphy & Oberlin, 2005).

تأثير الخبرات المبكرة

يشير عالم النفس الأمريكي تيموثي مورفي في كتابه (التغلب على العدوان السلبي) الى دور خبرات الطفولة المبكرة في زرع نمط العدوان السلبي في مراحل لاحقة فالتعرض (للنقد والإهمال والحماية الزائدة) تعزز فرص ظهور سلوك العدوان السلبي لكنه ليس مشروط فليس كل من تعرض للخبرات السلبية سالفة الذكر سيمارس العدوان السلبي بالضرورة. (Murphy & Oberlin, 2005)

ويذهب مورفي إلى أن العدوان السلبي قد يكون شراً مقصوداً وقد يكون غير مقصود بل مجرد وجه من وجوه الخوف من المواجهة وكسره يبدأ بالوعي بالمشاعر والتعبير عنها وتحمل المسؤولية (Murphy & Oberlin, 2005). واقترح أكثر من طريقة للشفاء منه مثل العلاج النفسي وتطوير الذكاء العاطفي وإدارة النقد وغيرها.

النقد والإهمال والحماية الزائدة بذرات يزرعها الوالدان دون وعي في أرض خصبة إذا وجدت سحابة سامة تمطر سمومها عليها ستنبت تلك البذور وأول من يتجرع مرارة ثمارها هم الوالدان أنفسهم.

العدوان العلائقي

هو سلوك عدواني يهدف إلى إلحاق الضرر بالآخرين من خلال التلاعب بعلاقاتهم الاجتماعية أو تهديد مكانتهم داخل مجموعة الأقران بدلاً من استخدام الأذى الجسدي المباشر.

في عام 1995 تم ابتكار مصطلح العدوان العلائقي لأول مرة على يد العالمتين نيكي كريك وجينيفر جروبتر في دراسة أجرتاها على 491 طفلاً من الصف الثالث إلى السادس (Crick & Grotpeter, 1995). أثبتت هذه الدراسة وجود هذا النوع من العدوان غير الجسدي وأثبتت انتشاره بين الفتيات أكثر من الفتيان وأن الدراسات السابقة التي أثبتت انتشار السلوك العدواني بين الذكور أكثر من الإناث أغفلت السلوك العدواني غير الجسدي (Crick & Grotpeter, 1995).

ومن أبرز وجوهه التحكم في علاقات الأقران والتهديد بالرفض ونشر الشائعات والإقصاء الاجتماعي وغيرها من سبل التلاعب والمراوغة الاجتماعية التي تخلق جو من القلق وعدم الارتياح والتي تؤدي إلى أضرار نفسية لا تحمد عقباها للشخص المستهدف مثل انخفاض تقدير الذات وانخفاض الثقة بالنفس والانعزال والاكتئاب وصعوبة بناء علاقات فضلاً عن الآثار المباشرة للتلاعب مثل النبذ والعزل عن المجموعة (Crick & Grotpeter, 1995).

وفسرت الدراسات اللاحقة سبب انتشار العدوان العلائقي بين الإناث أكثر من الذكور بأن القبول الاجتماعي يأتي بالمرتبة الأولى من حيث الأهمية لديهن لذلك تشكل العلاقة مع الأقران حلبة صراع مناسبة ومحور رئيسي للإسقاطات الشعورية واللاشعورية (Crick & Grotpeter, 1995). ويربط عالم النفس الهولندي أنطونيوس سيلسن العدوان العلائقي بالحفاظ على المكانة الاجتماعية أي أن من يمارس العدوان العلائقي يشعر بأن مكانته مهددة فيلجأ لتلك الأساليب العدوانية غير المباشرة (Cillessen & Marks, 2011).

الائتلاف العدواني

كيف ولماذا يتشكل الائتلاف العدواني؟ لابد أن يتولد شعور مشترك بالخطر من فقدان المكانة مثلاً أو شعور بأن أحدهم أخذ أكبر من حجمه ويجب إعادته لوضعه الطبيعي فتحدث عملية تغذية وتغذية مرتدة ويحدث تعزيز للفكرة (نعم أنا أيضاً أشعر بذلك) فيولد التحالف تدريجياً ويتغذى بشكل مستمر على الشحن المتبادل الذي يرفع الشعور بالقلق والخطر إلى حده الأعلى فيظهر السلوك العملي الذي غالباً ما يشمل إيذاء نفسي غير مباشر للآخر مثل التجاهل المتعمد أو الانسحاب من التفاعل لإشعاره بالنبذ أو تشويه سمعته أمام الآخرين بمعلومات مغلوطة وغيرها من الاساليب وغالباً ما تجد شخص مسيطر داخل الحلف (Forsyth, 2020).

أسباب العدوان العلائقي:

أظهرت بعض الدراسات وجود صلة بين العدوان العلائقي وبين التكيف السلبي في مرحلة ما قبل المدرسة ويبدو أن هناك صلة بين تجنب إقامة علاقات مع الآخرين في الطفولة بسبب عدم الشعور بالأمان وبين العدوان العلائقي. وهذا السلوك قد يؤدي إلى نبذ من قبل الأقران والذي ينتج عنه شعور بالرفض المستمر مما يؤدي إلى حذر شديد من الأقران الذين يرتبط بهم خوفاً من الهجر وبسبب نقص الخبرات الاجتماعية والعاطفية لا يلجأ إلى اللغة المباشرة بل إلى إسقاطات غير مباشرة (Coyne & Ostrov, 2018).

هناك برامج علاجية مبكرة للأطفال تركز على الجانب السلوكي المعرفي لتعليم مهارات التواصل وحل المشكلات وبرامج علاج أخرى جماعية مدرسية وتحرص تلك البرامج على إشراك الأهل فإذا كانوا في مرحلة سابقة جزءاً من المشكلة فلا بد أن يكونوا جزءاً من الحل أما عن البالغين فهناك برامج مشابهة مخصصة لهم مثل العلاج الفردي والعلاج الجماعي عن طريق جماعات الدعم وغيرها. (Kazdin, 2017)

مما سبق ما هو الفرق بين العدوان العلائقي والعدوان السلبي؟ يبدو أن العدوان العلائقي رغبة في إيذاء الآخر أما العدوان السلبي فهو تعبير غير مباشر عن الغضب.

النرجسية الهشة

إذا كان النرجسي المتغطرس التقليدي متفاخراً وواثقاً وعدوانياً بشكل مباشر في حال تم تهديد مكانته فالنرجسي الهش لون آخر من ألوان النرجسية يتسم بصفة تخفي صفات النرجسية الكلاسيكية وهي الشعور بانعدام الأمان وهذا الشعور يخفي الغطرسة والتفاخر والعدائية المباشرة ويظهر سلوكيات أخرى مثل الحساسية المفرطة والرغبة المستمرة في الطمأنة وسرعة التأثر وتدني احترام الذات (Cuncic, 2023).

النرجسي الهش يجد صعوبة في تكوين علاقات ذات معنى ويشعر بالإرهاق بسهولة ويواجه صعوبة في التعامل مع الضغوط ويشعر بالغضب والإهانة إذا لم يوضع في مكانة عالية وشديد الحساسية للنقد ويتغذى على المديح المستمر ولديه ميول تلاعبية لتحقيق مآربه وأهم نقطة لها صلة بموضوعنا هو ميله المفرط للمقارنة مع الآخرين وانتهاجه سلوكاً تنافسياً مفرطاً يؤدي إلى استحضار مشاعر الغيرة والحسد لأسباب تافهة فضلاً عن صعوبة الثقة بالآخرين وإلقاء اللوم عليهم وخوف عميق من الهجر (Cuncic, 2023).

ما سبق هي اسباب محتملة للسلوك محل النقاش لكن أين نحن من هذه المعادلة؟ إذا كان هذا النوع من السلوك من الممكن أن يحدث لا شعورياً دون قصد في بعض حالاته لما لا أضع في الاعتبار أن أكون أنا في الجانب الآخر؟ أي أن أكون أنا الجاني وليس الضحية؟
لا يوجد مانع من افتراض ذلك ولا يوجد مانع من افتراض أننا الاثنين معاً جناة وضحايا فخذ على سبيل المثال هؤلاء الذين يعانون من الشعور بالاستصغار الاجتماعي وقد يكون شعورهم موضوعياً وقد يكون ذاتياً لكن لنفترض أنه صحيح وموضوعي ويتعرضون فعلاً لسلوكيات تقلل من قيمتهم الاجتماعية وهذا الشعور قد يجعلهم يقعون في فخ المقارنة مع الآخرين والشعور بالتهديد وقد ينزلقون لآلية دفاعية وهي (التقليل من قيمة إنجاز الآخرين) لحماية الذات وهم بهذا أصبحوا ضحايا وجناة في آن واحد.

خذ جميع الاحتمالات في الحسبان واتجه إلى استبطان الذات وتأمل جيئة وذهاباً وصعوداً ونزولاً الأحداث والأزمان والأماكن والانفعالات والمواقف بل تأمل حتى الصمت فنحن نوع من الكائنات المعقدة التي تملك القدرة على خلق صور مغايرة للواقع وبناء مواقف عليها.
التحيز الإدراكي جزء أصيل منا ولنا قدرة على قلب المفاهيم متى ما أردنا. هناك مؤشرات تساعد على فهم الذات منها نظرة الآخرين عنا وما نستخلصه منها ومن الجدير بنا أن نأخذ أي ملاحظة عنا مهما كانت غير معقولة في عين التأمل والتحليل فما هو غير متوقع في نظرنا قد يكون له واقع من حيث لا نعلم وعلى كل حال نحن جزء من تفاعلات دائرية مستمرة تجعل النسبية سيدة الموقف.

من حيث المسؤول عن التسبب في الأذى الاعتراف بوجود مشكلة بحاجة إلى تصحيح مسار هو أصعب جزء من الحل والبقية تأتي أما من حيث المتعرض للأذى فأحياناً حين تتعقد الأحداث وتتشابك يستلزم أن نعود لأبجديات الحياة وأبجديات الحياة هنا هي (كف السلوك) فكلما تجاهلت السلوك المعادي غير المباشر كلما انخفضت الرغبة في تكراره لعدم وجود تعزيز للسلوك. وفي الحالات التي تؤدي إلى حدوث ضرر فعلي يجب أن تحدث مواجهة مباشرة يواجه فيها الطرف الآخر بتفاصيل ما نتوقع أنه يضمره في تلميحاته على سبيل المثال: "هل تقصد بكلامك اتهامي بالتهمة الفلانية؟" هذا النوع من المواجهة يحرق الورقة ويسبب إحراجاً للطرف المتسبب بالأذى.

إن إنجازات الآخرين تثير في الإنسان الطبيعي حافز تحقيق الذات وتثير في الإنسان المأزوم الرغبة في تقليل قيمة الإنجاز وعدم الاعتراف به ومحاولة طمسه على أرض الواقع.
مفهوم الظل كما يفسره كارل يونغ أحد رواد المدرسة التحليلية هو (تلك الشخصية المكبوتة التي لا يرغب المرء أن يكونها وقد تكون مستنقع مظلم وقد تكون كنز دفين والإنسان الذي يخشى مواجهة شخصية الظل الدفينة في أعماقه يلجأ غالباً إلى إسقاطها على الغير (Perry, 2015).
فالكثير من الصفات والسلوكيات التي ننتقد وجودها في الآخرين يحتمل أنها (الجزء الذي نراه في أنفسنا وننكر وجوده) من خلال انتقاده الدائم لكننا لا نزيده إلا تأصلاً وتلك الفلسفة ليست بعيدة عن موضوع البحث من كلا جانبيه. والسؤال الذي يعيد انتاج نفسه من نحن هنا؟ في أي جانب؟ وهل يمكن أن نكون أعداء أنفسنا؟ أعني أن نشكك بأصالة إنجازاتنا قبل أن يشكك بها الآخرون؟

مصطلح متلازمة المحتال يعبر عن ظاهرة معروفة بين نسبة غير قليلة من ذوي الإنجازات العالية والذين رغم نجاحاتهم الموضوعية يخفقون في استيعابها داخلياً حيث يعانون من شك دائم وخوف من انكشاف أمرهم كمحتالين. وينسبون نجاحهم لعوامل خارجية مثل الحظ. وينظرون لإخفاقاتهم مهما كانت صغيرة كحالة تعبر عن وضعهم الطبيعي. تتزامن تلك المتلازمة في كثير من الحالات مع الاكتئاب والقلق وترتبط بالاحتراق النفسي لدى الموظفين. ومصطلح متلازمة هنا ليس تصنيفاً طبياً بل وصف لنمط من الظواهر النفسية والسلوكية التي تظهر معاً (Bravata et al., 2020).

مركز السيطرة الخارجي: تشير الدراسات إلى ارتباط متلازمة المحتال بمفهوم مركز السيطرة لجوليان روتر والتي تذهب إلى أن الأشخاص ينقسمون إلى ذوي مركز سيطرة داخلي (يعتقدون أن مجريات حياتهم بيدهم) وذوي مركز سيطرة خارجي (يعتقدون أن مجريات حياتهم خارج إرادتهم) وهذا المفهوم ينسجم مع متلازمة المحتال (Rotter, 1966).

وتشير الدراسات إلى ارتباطها بعوامل أخرى مثل (الحماية الزائدة – التوجه العائلي نحو الإنجاز – الخوف الزائد من الوقوع بالخطأ – انخفاض تقدير الذات – وغيرها) ومن المفارقات أن الحديث عن هذه المتلازمة يكثر في الأوساط العامة لكن هناك فجوة علمية في تغطية بعض جوانبها فلم يحدد العلم ما هو علاجها مثلاً. فالموضوع بحاجة لمزيد من الأبحاث العلمية الرصينة (Bravata et al., 2020).

أحدهم يحقق إنجاز أصيل لكنه يشعر أن (الظروف كانت حليفة له – أصحاب القرار أرادوا أن يعطوه فرصة تشجيعية – حالفه الحظ) لما لا يكون أحد أسباب هذا النوع من التفكير هو الفرق (بين الصورة الذهنية التي شكلتها المعلومات السلبية المكتسبة من المجتمع والتي تذهب إلى أن طريق النجاح بالغ الصعوبة) وبين (سهولة تحقيق النجاح على أرض الواقع) فتحدث حالة من عدم التصديق سببها رسوخ تلك الصورة الزائفة.

الإنسان كان في أكثر من مناسبة عدواً لنفسه وتاريخ التجربة البشرية يجيب عن السؤال الذي يقول (هل من الممكن أن يكون الإنسان عدو نفسه؟) بنعم كبيرة وفي موضوع بحثنا نستطيع أن نقول إن الإنسان ممكن أن يفعل بنفسه أكثر مما يفعله عدوه.



قائمة المصادر:
Bravata, D. M., Watts, S. A., Keefer, A. L., Madhusudhan, D. K., Taylor, K. T., Clark, D. M., Nelson, R. S., Cokley, K. O., & Hagg, H. K. (2020). Prevalence, predictors, and treatment of impostor syndrome: A systematic review. Journal of General Internal Medicine, 35(4).
Cillessen, A. H. N., & Marks, P. E. L. (2011). Conceptualizing and measuring popularity. In A. H. N. Cillessen, D. Schwartz, & L. Mayeux (Eds.), Popularity in the peer system. Guilford Press.
Coyne, S. M., & Ostrov, J. M. (Eds.). (2018). The development of relational aggression. Oxford University Press.
Crick, N. R., & Grotpeter, J. K. (1995). Relational aggression, gender, and social-psychological adjustment. Child Development, 66(3).
Cuncic, A. (2023). 12 signs of a vulnerable narcissist. Verywell Mind. https://www.verywellmind.com⁠�;
Forsyth, D. R. (2020). Group dynamics (7th ed.). Cengage Learning.
Kazdin, A. E. (Ed.). (2017). Evidence-based psychotherapies for children and adolescents (3rd ed.). Guilford Press.
Murphy, T., & Oberlin, L. H. (2005). Overcoming passive-aggression: How to stop hidden anger from spoiling your relationships, career, and happiness. Da Capo Press.
Perry, C. (2015). The Jungian shadow. Society of Analytical Psychology. https://www.thesap.org⁠�;
Rotter, J. B. (1966). Generalized expectancies for internal versus external control of reinforcement. Psychological Monographs: General and applied, 80(1).
Tesser, A. (1988). The self-evaluation maintenance model: Mechanisms and consequences of social comparison. Advances in Experimental Social Psychology, 21.



#حسنين_السراج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الوحي المخفية
- رسائل الوحي المخفية 1
- سبع سنوات مع الحوار المتمدن
- الفقه المخفي عن المقلدين
- رسالة الكترونية من صديقي الميت
- جوناس سولك تاج راسك
- رسالة الى المواطن مقتدى الصدر
- فلسطين تحتاج هذا المجاهد البشتوني
- تلميذ ابن رشد في السجن .. نداء الى الحكومة المصرية
- الانقلاب بين ضياء الشكرجي وعبد الله القصيمي
- رجال الدين خط احمر .. لا تتجاوزوا عليهم
- الدجل اللاديني
- نظرية التطور ونظرية التصميم الذكي واثرهما على الواقع
- انا كافر .. احرقني ايها الاله
- الرب الاقطاعي .. رب عدنان ابراهيم نموذجا
- احذر المؤمنين من قراءة هذا المقال
- ابناء الزنا لا يدخلون الجنة لانهم رسبوا في امتحان الله
- لماذا خلق الله طعام الانسان يعاني ويتألم ؟
- التبشيريون والنظر بعين واحدة . بقلم مسلم كيوت
- عنفوان الكلمة .. يقتل الموت


المزيد.....




- ناقلو أثاث يعترضون خاطف طفلة بعمر عامين وينقذونها بشكل بطولي ...
- مصر.. علاء مبارك يعلق على زيارة تركي آل الشيخ لفاروق حسني في ...
- حادث كرداسة: سيارة عليها علم إسرائيل تدهس مارة بمصر والقبض ع ...
- مؤكدًا دور واشنطن في العملية.. المبعوث الأميركي إلى سوريا يث ...
- تصاعد المواجهات على الحدود بين باكستان وأفغانستان يضع المدني ...
- مساع سعودية وقطرية لمنع -حرب مفتوحة- بين أفغانستان وباكستان ...
- إسرائيل: المحكمة العليا تجمد قرار منع 37 منظمة غير حكومية من ...
- في ارتفاع غير مسبوق: 41.5 مليار دولار تحويلات المصريين بالخا ...
- كيف تعزز حكومة مودي العلاقات الهندية الإسرائيلية في ظل تقارب ...
- كينيا: الأفاعـي القاتلة


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسنين السراج - عدم الاعتراف بإنجازات الآخرين.. قراءة نفسية