أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مراسلات أممية - تعبئة شعبية في ظل نظام استبدادي نقاشات استراتيجية تعبر اليسار الصرب - ملف صربيا ٢















المزيد.....


تعبئة شعبية في ظل نظام استبدادي نقاشات استراتيجية تعبر اليسار الصرب - ملف صربيا ٢


مراسلات أممية

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 00:12
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


شهدت صربيا خلال العام المنصرم، تعبئة شعبية – كانت في الأساس طلابية – غير مسبوقة في حجمها منذ سقوط ميلوشيفيتش. احتج هذا الحراك على غياب الديمقراطية، والفساد، والممارسات الاستبدادية للسلطة القائمة.


تعد السلطةَ القائمةَ منذ عام 2012 والتي يقودها «الحزب التقدمي الصربي» (SNS1)، والتي تشارك في الحكم منذ سنوات الألفين، من أبرز المسؤولين عن مسار الانتقال نحو النيوليبرالية والخصخصة الذي تلا انهيار جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية. اصطدمت التعبئة الطلابية التي انطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بنظام استبدادي يسيطر على وسائل الإعلام في البلاد، ويعتمد على دعم أحزاب محلية تمثل الأقليات القومية، وعلى آليات فساد متجذرة. في بلد يعمل فيه جزء كبير من السكان النشطين مباشرة أو بصورة غير مباشرة لصالح الدولة، يتم فرض الانضمام إلى حزب الرئيس ألكسندر فوتشيتش والمشاركة في تجمعاته من أجل الحصول على عمل أو سكن، أو حتى للحفاظ على الوظيفة في القطاع العام.
«منذ عام 2016، أصبحت التظاهرات ضد النظام شبه يومية في صربيا، حين قام رجال ملثمون بهدم مبان ليلا في حي سافامالا ببلغراد لإفساح المجال أمام مشروع “بلغراد ووترفرونت”، وهو مشروع عقاري محوري مرتبط بشكل وثيق بالحزب التقدمي الصربي (SNS) الحاكم. جسد هذا الحدث الإفلات من العقاب والتواطؤ بين السياسة والأعمال اللذين يميزان اليوم النظام»2.
منذ ذلك الحين، تتعاقب موجات التعبئة ضد الحكومة بشكل دوري. ففي عام 2019 ثم في 2023، تظاهر الطلاب ضد تزوير الانتخابات. غير أن فوتشيتش، الذي كان قد دعا إلى انتخابات مبكرة عام 2023، يرفضها اليوم في مواجهة الحركة الطلابية والدعم الشعبي الذي تحظى به في البلاد.
وهذا مؤشر على الخوف من تراجع شعبية النظام، وهو خوف يعززه تدهور الخدمات العمومية والصعوبات في رسم أفق اجتماعي واقتصادي لمستقبل صربيا. تحتل صربيا المرتبة التاسعة عالميا من حيث فقدان السكان، في ظل موجة هجرة مستمرة، تغذيها أيضا الاتفاقيات المبرمة مع ألمانيا التي فتحت الحدود أمام العمال غير المؤهلين وكذلك مهنيي الصحة. وإذا كان البلد الذي يفقد شبابه بلدا بدون مستقبل، فإن هؤلاء الشباب بالذات هم اليوم من اقتحموا الساحة السياسية لوضع حد لهذا التاريخ الذي كُتب من دونهم.
التسلسل الزمني لحركة تاريخية
أثار انهيار مظلة محطة القطار في نوفي ساد ، ثاني أكبر مدن البلاد، في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي أدى إلى مقتل 16 شخصا – من بينهم أطفال – موجة غضب في عموم البلاد وأطلق أولى التعبئات. كشف هذا الحادث في محطة جديدة مولتها رؤوس أموال أجنبية، زيف دعاية الحكومة التي تروج لصربيا متجهة نحو التقدم بفضل المستثمرين. من الواضح للجميع أن الفساد بلغ لدرجة تجاهل أبسط معايير السلامة.
بدأت التعبئة في المراكز الجامعية، خصوصا في نوفي ساد وبلغراد حيث أضرب عدد كبير من الأساتذة، وشرع الطلاب في إغلاق مؤسساتهم التعليمية. وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، سبب الاعتداء على طلاب وأساتذة من قبل بلطجية النظام في كلية الفنون الدرامية ببلغراد في نتيجة عكسية تماما. أدى الغضب الناتج عنه إلى توسيع التعبئة لتشمل غالبية جامعات البلاد. وهذه المرة، احتل الطلاب كلياتهم. وعلى خلاف الماضي، حين كان فوتشيتش يراهن على إنهاك الحركة حتى تخمد، فإن فشل القمع شكل بداية تعبئة استثنائية.
تطور الحركة الطلابية
سرعان ما صاغت الحركة الطلابية برنامجا من أربعة مطالب، لم تتغير كثيرا خلال الأشهر الأولى: إجراء تحقيق شفاف في أسباب الحادث؛ تحديد ومقاضاة المعتدين على الطلاب والأساتذة؛ إسقاط التهم عن المتظاهرين الموقوفين؛ زيادة تمويل الجامعات العامة بنسبة 20 %.
ومنذ ذلك الحين، واصلت التعبئة الطلابية نموها وانظمت إليها قطاعات أخرى من السكان، وصولا إلى التظاهرات الحاشدة في منتصف مارس/آذار. وقد قُدّر أن ما بين 5 و10 % من سكان صربيا خرجوا إلى شوارع بلغراد في ذلك اليوم. كما شكل ذلك أيضا بداية قفزة نوعية في القمع الذي مارسه النظام: تمثل في ضرب المتظاهرين، اعتقالات احترازية وغير المبررة. ويُعتقد أن الحكومة استخدمت في اليوم نفسه مدفعا صوتيا بعيد المدى (LRAD). أدى بث هذا الصوت في المدينة، بما يسببه من آلام شديدة وإرتباك واضطرابات سمعية، إلى موجة هلع بين المتظاهرين.
تصف أنيا إيليتش، الناشطة في حزب أقصي اليسار Marks21، هذه المرحلة قائلة: «حدث التحول بعد تظاهرة 15 مارس، وهو لحظة مفصلية لكل من الحركة الجماهيرية والنظام. أدركت الكتلة الناشطة حينها وجود حد لم يكن الطلاب مستعدين لتجاوزه: المواجهة المباشرة والعنيفة مع النظام، حتى مع وجود مئات الآلاف في الشوارع. وفي المقابل، أدرك النظام أن بعض القوى “الحاسمة” داخل الحركة، مثل الطبقة العاملة المنظمة و(قدماء) العسكريين، لم تكن مستعدة لإضراب عام ولا لمواجهة مباشرة مع سلطات الدولة»3.
تزامنت تظاهرة 15 مارس مع ذروة التعبئة، لكنها لم تعنِ نهاية حركة هزت المجتمع الصربي بعمق. حينها قام الطلاب بإجراء أول تحول استراتيجي بمحاولة بناء تحالفات جديدة مع مكونات أخرى من المجتمع. وعلى وجه الخصوص أطلقوا دعوة لتنظيم تجمعات محلية (زبوروي/zborovi) في أنحاء البلاد. كما توجهوا نحو الحركة النقابية المنظمة، متبنين أحد المطلبين الرئيسيين للحركة النقابية الصربية: استعادة الحق الفعلي في الإضراب، وإقرار قانون عمل يعيد ترسيخ الضمانات الاجتماعية القوية، وهي إرث للاشتراكية اليوغوسلافية. وبعد ذلك شكلت الكونفدراليات الخمس الرئيسية في البلاد منصة مشتركة بمناسبة الأول من مايو/أيار 2025، حيث نُظمت مظاهرة مشتركة.
حدود الحركة
رغم نجاح احتفالات عيد العمال في الأول من مايو، والذي كان على الأرجح الأكبر منذ عقود، فإن التقاطع مع الحركة الطلابية لم يدم طويلا. ظلت المطالب النقابية جزءا من خطاب الطلاب، لكن الحركة النقابية لم تنظم إضرابا ولم تسعَ إلى إرتباط أعمق بالحركة. وعمليا، اقتصر انخراط القطاعات العمالية المشاركة على التعليم، وجزء من الصحة، وبعض الفئات الأخرى مثل عمال التوصيل والمحامين. ولم يشارك قلب الطبقة العاملة في البلاد بوصفه قوة عاملة منظمة.
أخبرتنا تاروم روكِتشي ميليفوييفيتش، القيادية في نقابة UGS Nezavisnost والناشطة المناهضة للفاشية والمدافعة عن حقوق المهاجرين: «لا يوجد أي بلورة استراتيجية داخل النقابة فيما يتعلق بالحركة، باستثناء إصلاح نظام قانون العمل وتشريع الإضراب». ويكمن عامل تفسيري آخر في سيطرة النظام على عالم الشغل، ولا سيما في القطاع العام. أما في القطاع الخاص، فالقمع من قبل أرباب العمل شرس. هكذا، اتخذت مشاركة العمال والعاملات في الحركة أشكالا مواطنية بشكل أساسي.
حتى عندما كان الإضراب حقيقيا وواسعا، كما هو الحال في قطاع التعليم، برزت عوائق أخرى. تروي إيرينوم ريستيتش، الأستاذة الجامعية والناشطة النقابية: «عندما أستعيد الأشهر الماضية، أجد أن تنسيق الإضراب مع الطلاب كان سيئا، وفي كثير من الكليات تأخر في الانطلاق، لأن الطلاب كانوا يخشون أن يهدد الإضراب عمليات الإغلاق، بالنظر إلى الحد الأدنى القانوني للعمل. في كلية الحقوق، حصلنا على دعم كامل من الجمعية العامة، لكننا تفاوضنا طويلا مع الطلاب، لمدة أسبوعين أو ثلاثة، حتى توضحت كل التفاصيل. لم يحدث هذا في جميع الكليات. هذا النقص في التنسيق، والخوف من أن يكسر الإضراب احتلال الجامعات، خصوصا بسبب فترة الامتحانات، أديا إلى مسار طويل. ويبدو لي أن هذا التردد مكن الحكومة من تحقيق نتيجة مهمة بمرسوم واحد : إحداث إنقسام عميق بين هيئة التدريس والطلاب وخنق أي احتجاج لاحق»4
فتور التعبئة
سيكون فشل هذا التقاطع أو بالأحرى غير المكتمل نتيجة طبيعة لاعادة توجيه استراتيجية للحركة الطلابية، إذ قررت تشكيل قائمة انتخابية طلابية ومواجهة الحزب الحاكم على المستوى المؤسساتي. سنعود إلى ذلك لاحقا.
ومع ذلك، شهدت نهاية يونيو/حزيران ارتدادا مفاجئا للتعبئة أعاد الزخم للاحتجاجات. جرت إغلاقات واسعة للطرق في 28 و29 يونيو. وتصاعدت وتيرة القمع مجددا. تروي ناتاليا، الطالبة الناشطة في كلية الفلسفة: «ازداد القمع بشكل كبير. وتضاعفت الاعتداءات على الطلاب من قبل مجموعات عنيفة مرتبطة بالنظام. وأصبحت الاعتقالات جماعية. كما شهدنا عمليات اختطاف لمتظاهرين».
استمرت الإغلاقات الجزئية طوال الصيف، بالتوازي مع قمع متزايد الشراسة. ولجأت الحكومة بشكل متزايد إلى مجرمين مرتبطين بالمافيا الصربية، سواء للاعتداء على المتظاهرين أو لحماية مقرات حزب SNS. وتعرضت هيئة التدريس لقمع مروع : «في بداية الصيف، تم فصل المديرين الذين رفضوا المشاركة في قمع موظفيهم، ولازال الوضع قائما. كما لم تجدد عقود العمل محددة المدة لزملائنا الذين دعموا مطالب التلاميذ والمعلمين»5.
ومع بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول 2025، وبعد عشرة أشهر من نضال مكثف، خمد زخم الحركة الطلابية في نهاية المطاف تحت وطأة القمع. وفي أوائل نوفمبر/تشرين الثاني 2025، رافقت التظاهرة بمناسبة ذكرى حادث نوفي ساد اعتقالات عديدة.

أساليب العمل
والجوانب السياسية للتعبئة
إن الإبداع الذي أظهرته الحركة الطلابية خلال هذا العام النضالي غني. ومن المفيد التوقف عند بعض جوانبه. أولا، «الزبوروي» (Sborovi)، التي يمكن ترجمتها بـ «التجمعات العامة»: فابتداء من 15 مارس، حاول الطلاب توسيع نطاق التجمعات العامة المنظمة داخل الجامعات المحتلة إلى خارج أماكن الدراسة. وتصف ناتاليا، المندوبة في «Sbor Unit» بجامعتها المحتلة، هذه الدينامية قائلة: «كانت الدعوة هي التجمع والتنظيم في كل مكان ضد النظام، والتنظم مع عامة الناس. وكانت الروح: «نناقش ونقرر محليا». تحقق نجاح فعلي. نشأت تجمعات عامة من أنواع مختلفة في الأحياء، ونظم السكان أنفسهم عبر تطبيقات مثل فايبر، والتقوا في أماكن عامة، ما جعلهم مرئيين في المدينة. وفي بعض الأحياء، نجح الناشطون من إحصاء ما يصل إلى 10% من السكان المحليين في هذه المجموعات. وكان الناس يجتمعون أساسا لمناقشة المشاكل المحلية وتنظيم أعمال جماعية، فيما يشبه منتديات عمل دائمة.
أحصت ناتاليا وفريقها 152 تجمعا عاما في مختلف أنحاء البلاد. لكنهم واجهوا صعوبات في الحصول على خريطة دقيقة كلما ابتعدوا عن بلغراد، وهذا ما يعكس ضعف التنسيق بين التجمعات العامة المحلية، وهو أمر أشار إليه رفاقنا هناك مرارا. وصعوبة أخرى تم تسليط الضوء عليها: باستثناء التعليم، لم تنجح «الزبوروي Sbors» في اختراق الشركات والإدارات، كما واجهت الحركة صعوبة في النفاذ إلى الفئات العمالية والشعبية، إذ كانت أزمة شرعية فوتشيتش أكثر وضوحا أساسا داخل الشرائح الوسطى من الأجراء.
التنظيم القاعدي
انتهت المجالس الشعبية بدورها إلى التلاشي التدريجي. وترى ناتاليا أنه كان يمكن تجنب ذلك عبر «انتزاع اعتراف قانوني بالزبوروي Sbors . فمثلا، إذا “صادق” 10% من الناخبين المحليين على إنشاء مجلس شعبي، فإن ذلك سيمنحه صلاحيات حقيقية. وإذا شعر الناس بأن له تأثيرا ملموسا، فسيساعد ذلك على مشاركة أوسع».
من النقط الأساسية الأخرى للحركة قدرتها على مخاطبة البلاد بأكملها. حققوا ذلك بشكل خاص من خلال تنظيم مسيرات طويلة عبر البلاد وصولا إلى أصغر القرى. كان شعارهم «طالب واحد، قرية واحدة». يصف فلاديمير ذلك قائلا: «جابوا صربيا طولا وعرضا سيرا على الأقدام، عبر المدن والقرى، للقاء السكان. لم تر العديد من المجتمعات المحلية شخصية سياسية منذ عقود، بل حتى على الإطلاق. وكان لهذا الاتصال المباشر أثر حاسم، إذ كسر احتكار وسائل الإعلام الخاضعة للنظام للخطاب السائد، ومكن السكان من سماع رسالة الحركة بلا وسيط»6.
خلال عودة التعبئة في أواخر يونيو/حزيران 2025، قررت بعض قطاعات الحركة إطلاق «جبهة اجتماعية». وكان الهدف الرئيسي تجميع القطاعات العمالية والطلابية عزما، ولا سيما الأكثر اقتناعا بضرورة إعادة تركيز الحركة على المطالب الاجتماعية. وعند تأسيس الجبهة، تحالف عمال من التعليم والبريد والمزارعين والعاملين الاجتماعيين وبالقضاء والثقافة والصحة، وغيرهم لتحقيق هذا الهدف. وإذا كانت أهداف هذه الجبهة الاجتماعية تتمثل في الحفاظ على منطق النضال السياسي ضد النظام عبر الإضراب والتعبئة في الشارع، فإنها لا تريد في الوقت نفسه القطيعة مع القائمة الطلابية: «تتيح الجبهة الاجتماعية للمشاركين فيها إمكانية تحديد المشكلات الرئيسية في قطاعاتهم واقتراح حلول في إطار برنامج الحد الأدنى. ومن شأن هذه الوثيقة أن تمكن القائمة الطلابية من تنفيذ البرنامج الانتخابي على أفضل وجه»7.
أخيرا، هناك جانب مهم وإشكالي في آن واحد يستحق تسليط الضوء عليه : استمرار عنصرية معادية لكوسوفو عبرت عن نفسها بشكل متواصل طوال التعبئة. من لافتات عنصرية، إلى حضور التيار القومي داخل الحركة، مرورا بمشاركة قدماء المحاربين، لا تزال كوسوفو من المحرمات الخطيرة. يعترف جميع الناشطين والأحزاب السياسية الذين التقيناهم بذلك، لكنهم جميعا يرون أيضا أن فتح هذا الموضوع في الوقت الراهن سيؤدي إلى انقسام عميق داخل الحركة.
نتائج الانتخابات والرهانات
والرهانات الاستراتيجية
لاشك أن التنوع السياسي للحركة الطلابية شكل رافعة، إذ مكنت من التعبئة الجماهيرية، لكنه في الوقت نفسه أسهم في الحد من مداها السياسي. وتُعد صعوبة التوصل إلى اتفاق مع أحزاب المعارضة السياسية أحد أعراض ذلك. كان ضعف المجتمع المدني الصربي واضحا بالفعل في صعوبة ممارسة ضغط على الحكومة لوقف قمع الحركة الطلابية. يواكب ذلك ضعف الأحزاب السياسية، التي فقدت مصداقيتها بسبب تجارب حكومات الائتلاف في العقدين 2000 و2010، وتدفع ثمن سيطرة الحزب الحاكم على الإعلام، وتواجه عوائق تنظيمية ثقيلة.
تقلصت القواعد التنظيمية، ما يعيق القدرة على التعبئة والتواصل الدائم مع السكان. من هذا المنظور، شكلت المسيرات التي اعتمدها الطلاب وسيلة مهمة للتسييس: «بوجه عام، أثبت الطلاب أنهم قادرون على حشد بعض أكبر التجمعات السياسية التي عرفتها البلاد»8.
في هذا السياق، تم اختيار تركيز نشاط الحركة على المسألة الانتخابية. «نعتقد أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد المناسب لحل أزمة سياسية بهذا الحجم، ولذلك ندعو السكان إلى دعم القائمة الانتخابية التي سيمنحها الطلاب الذين يحتلون جميع مؤسسات التعليم العالي في الأراضي الصربية ثقتهم، كي ترجح كفة الحقيقة في ميزان العدالة»9. هكذا تقدم الحركة الطلابية نفسها كعامل للوحدة من أجل إحداث تغيير سياسي، بالاعتماد على الانتخابات كأداة لإثبات انعدام شرعية النظام القائم ومنظومته السياسية-الاقتصادية، لأنها «عندما ترفض المؤسسات بشكل منهجي العمل وفقا للقانون، تظل الانتخابات السبيل الوحيد أمام المواطنين لتغيير ميزان القوى سلميا والسماح للنظام بالعمل»10. وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، جمع الطلاب التواقيع الداعمة لقائمتهم. لا تحمل هذه الخطوة قيمة قانونية، لكنها تهدف إلى إضفاء الشرعية على موقفهم: فبعيدا عن اعتبار الانتخابات هدفا سياسيا بحد ذاته، ترى فيها الحركة وسيلة ضغط على النظام.
علاوة على ذلك، لا تستبعد العملية الانتخابية أشكالا أخرى من التنظيم والممارسة السياسية الديمقراطية. لم يتم التخلي عن تجربة الديمقراطية المباشرة والتداولية ، رغم حدودها الحالية وصعوبة بلوغ مشاركة جماهيرية واسعة، ووسائل السيطرة والقمع التي يمتلكها النظام. في هذا الصدد، يدعم أستاذ جامعي وناشط نقابي في جامعة بلغراد هذا الخيار الانتخابي إستنادا على الشرعية التي يمنحنها لها الدعم الشعبي الواسع : «الديمقراطية المباشرة فكرة نبيلة ومثيرة للاهتمام، لكنها عمليا، في مجتمع ما قبل ديمقراطي واستبدادي مثل مجتمعنا، لا تعمل ببساطة. سرعان ما أدركنا أنه من السهل اختراق حتى التجمعات الطلابية، وأن قلة صاخبة يمكنها السيطرة على الخطاب بينما تمل الأغلبية. في مثل هذه الظروف، يستطيع النظام بسهولة إطالة الإجراءات وجمع المعلومات. […] لذا، لم تفشل الديمقراطية المباشرة بسبب بعض الانتقادات، بل لأنها في مجتمع مثل مجتمعنا تجربة اجتماعية خطيرة تتطلب تغييرات جذرية لا يدعمها الشعب. وقد أيد الشعب تلبية مطالب الطلاب في إطار الديمقراطية التمثيلية المنصوص عليها في الدستور»11 .
النقاش مستمر
يرى بعض المنتسبين لليسار الراديكالي، في الخيار الانتخابي مأزق الحركة: «ينبغي أن تشكل القائمة الطلابية توافقا بين التيارين الليبرالي والقومي، وأن تتمحور حول برنامج يهدف إلى معالجة أسباب سخط المواطنين، أي الشعب الصربي. وفي هذا الصدد، لن تقدم شيئا غير موجود أصلا في البرامج الانتخابية لأحزاب المعارضة منذ إقرار التعددية الحزبية»12.
تحدد «الجبهة اليسارية الخضراء» (ZLF)، وهي عضو في حزب الخضر الأوروبي، محورين للتعاون مع الحركة الطلابية: التعاون في مراقبة مراكز الاقتراع – إذ يعد حشو الصناديق وشراء الأصوات ممارسات واسعة لدى النظام – والاستعداد لتنظيم جماهيري في حال فوز المعارضة ورفض الحكومة نتائج الصناديق.
تبرز حركة «تضامن» Solidarnost 13 أولوية سقوط فوتشيتش بوصفه انفتاحا سياسيا: «لاشك أن البرنامج الذي يعمل الطلاب على بلورته ستشوبه عيوب، كما ستكون قائمتهم الانتخابية متنوعة أيديولوجياً. الأهم هو ألا تصمت الحركة نفسها. بدأت المجموعات التقدمية بالفعل بتشكيل الجبهة الاجتماعية، وهي شبكة غير رسمية من منظمات ونقابات وجزء من القاعدة الطلابية والمناضلة. لا يمكن حل المشاكل البنيوية في صربيا بين عشية وضحاها، لكن تغيير النظام قد يخلق على الأقل شروطا مؤاتية للتقدم الديمقراطي. إذا تم قمع التظاهرات وبنيتها التنظيمية، فسيكون القمع وحشيا والرسالة واضحة: لا تكرروا ذلك أبدا. أما إذا استمرت الاحتجاجات، فسيظل الباب مفتوحا نحو مستقبل مختلف – أكثر عدلا وديمقراطية وإنسانية»14.
لذا يبدو بالتالي ضروريا الحفاظ على وحدة الحركة: «كما ما هو حال الحركات الاجتماعية السابقة، فإن الانتفاضة الصربية مرنة أيديولوجيا: يتعلق الأمر بمعسكر واسع يضم الجميع، من المحافظين إلى الراديكاليين، ومن اليسار إلى اليمين. مع ذلك، فهي في الوقت الراهن القوة الحية الوحيدة القادرة على تحدي نظام فوتشيتش الاستبدادي والنيوليبرالي والقومي»15. إن التحالفات التي نسجتها الحركة الطلابية مع مجموعات اجتماعية مختلفة، ومع النضالات البيئية المناهضة للاستخراجية، تجعل منها «مساحة سياسية مفتوحة ومتنازعا عليها – مساحة لا ينبغي التخلي عنها، بل تشكيلها بفعالية. يتمثل التحدي الآن في التنظيم والنضال من أجل تمفصل سياسي يضع الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية في صلب معركته».16


إلياس وجين فولا
11 كانون الثاني/يناير 2026



1 الحزب الليبرالي المحافظ، عضو حزب الشعب الأوروبي ولكنه يحافظ على علاقات وثيقة مع روسيا الموحدة، بما في ذلك من خلال وسيط الحزب الاشتراكي الصربي، حزب ميلوسيفيتش السابق الممول من النظام الروسي والحليف الرئيسي للحزب التقدمي الصربي.
2 فلاديمير سيموفيتش، «من الحزن إلى المقاومة: بعد عام، كيف حافظ الطلاب على أوسع حركة احتجاجية شهدتها صربيا»،1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
Transform Network. https://transform-network.net/blog/analysis/from-grief-to-resistance-one-year-on-how-students-sustained-serbias-broadest-protest-movement/
3 أنيا إيليتش، «ماذا يمكننا أن نتعلّمه من (غياب) التضامن الطبقي»، 19 سبتمبر/أيلول 2025، موقع كونتراناباد
. https://kontranapad.com/sta-mozemo-da-naucimo-iz-klasne-ne-solidarnosti/
4 مقابلة مع إيرينوم ريست: «يجب أن يُوقِظ الإضرابُ باقيَ المجتمع» 27 يوليو/تموز 2025، موقع كونتراناباد (Kontranapad)
https://kontranapad.com/strajk-mora-da-probudi-ostatak-drustva
5 نفس المرجع.
6 نفس المرجع : فلاديمير سيموفيتش، «من الحزن إلى المقاومة».
7 ميلوش بوكُن، «مسارات ومتاهات الجبهة الاجتماعية»،30 يوليو/تموز 2025، موقع كونتراناباد (Kontranapad)
https://kontranapad.com/staze-i-bogaze-drustvenog-fronta
8 نفس المرجع
9 بيان صادر في 5 أيار/مايو 2025، نُشر على موقع «بلوكاده» (Blokade).https://blokade.org/en/vesti/-dir-ektiva/
10 «إعلان النصر»: طلاب يجوبون 89 مدينة استعدادًا للانتخابات البرلمانية، 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، موقع ماشينا (Mašina)
https://www.masina.rs/eng/declare-victory-students-to-canvass-89-cities-for-parliamentary-elections/
11 ستيفان فيليبوفيتش: «في حالة الطوارئ لا يمكن أن تكون لدينا جامعة طبيعية»، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
https://nezavisnost.org/stevan-filipovic-u-vanrednom-stanju-ne-mozemo-imati-normalan-univerzitet/
12 «أطروحات من أجل تجديد الحركة»، 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. https://kontranapad.com/teze-za-obnovu-pokreta/
13 حزب اليسار الراديكالي، عضوٌ بصفة مراقب في اليسار الأوروبي.
14 فلاديمير سيموفيتش، «حركة الطلاب في صربيا ما تزال قوية»، 29 تموز/يوليو 2025، مؤسسة روزا لوكسمبورغ
Serbia’s Student Movement Is Still Going Strong - Rosa-Luxemburg-Stiftung
15 مرجع سابق: فلاديمير سيموفيتش، «من الحزن إلى المقاومة».
16 مرجع سابق. فلاديمير سيموفيتش، «حركة الطلاب في صربيا ما تزال قوية».



#مراسلات_أممية (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «قامت وسائل الإعلام المستقلة بدور حاسم في توثيق الاحتجاجات و ...
- مقاومة هجوم ترامب على الحقوق الديمقراطية وسيادة الأمم
- إيليني فاريكاس (1949-2026)
- أزمة النظام، التبعية الإمبريالية والنضالات من أجل تقرير المص ...
- السلطة الجزائرية: عدم كفاءة، لا مسؤولية، غطرسة وقمع!
- مساهمة الأممية الرابعة في الاشتراكية البيئية
- مقابلة حصرية مع محمد حربي «في الجزائر، تبقى الدولة هي الأساس ...
- ترامب والديناميات الحربية الجديدة
- أي مستقبل للثورات في المنطقة العربية بعد 15 عامًا من سقوط بن ...
- خليج ڨابس بين شبحي التلويث وسياسات التهميش المتعاقبة
- نداء دولي لتعزيز العمل المناهض للفاشية وللإمبريالية
- سوريا: التركة الاسدية بين يدي الشرع
- النظرية الماركسية في الدولة
- الثقافة والاستراتيجية: تروتسكي وكاوتسكي والحرية اللاسلطوية ف ...
- روجافا: الحكم الذاتي السياسي، القواعد الاجتماعية، والديناميا ...
- فنزويلا: إعادة استعمار ترامبية والمقاومات المقبلة
- الاستراتيجية الأمريكية، تهديد لشعوب العالم
- الأوليغارشيات الحديثة والقديمة: التحوُّلات في نمط تراكم رأس ...


المزيد.....




- كيف أثارت ملفات إبستين نظريات مؤامرة متضاربة حول عمله لصالح ...
- سقوط -إل مينشو- يهزّ المكسيك… هل قتلته قوات أميركية؟
- عشرون دولة أوروبية ومسلمة تحذر من مسار الضم الإسرائيلي في ال ...
- روبيو يعتزم لقاء قادة الكاريبي وسط ضغوط على كوبا وفنزويلا
- نجاة القيادي موسى هلال من هجوم للدعم السريع شمال دارفور
- تفجير انتحاري وسط موسكو.. مقتل شرطي والمهاجم
- فرنسا تقيد صلاحيات السفير الأميركي.. ما القصة؟
- -أنا من يتخذ القرار-.. ترامب يجدد وعيده وينفي معارضة رئيس هي ...
- على خلفية قضية إبستين.. الشرطة البريطانية توقف بيتر ماندلسون ...
- أعنف هجوم منذ الإطاحة بالأسد.. داعش يقتل 4 من الأمن السوري


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - مراسلات أممية - تعبئة شعبية في ظل نظام استبدادي نقاشات استراتيجية تعبر اليسار الصرب - ملف صربيا ٢