|
|
مجلة -رابه ر- و-حلقة الادباء الشيوعيين-، ذكريات وتقييم*
مؤيد احمد
(Muayad Ahmed)
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 16:49
المحور:
الادب والفن
مؤيد احمد
كان ذلك قُبيل ظهر أحد أيام شتاء (1988-1989)؛ حين عاد الرفيق جمال (نادر عبد الحميد) إلى ذلك البيت الصغير الذي كنا قد استأجرناه حديثاً في محلة (سرجنار) في السليمانية، مقابل محطة الكهرباء، وكان البيت يتكون من غرفتين ومطبخ، حيث كنا نعيش فيه؛ انا مع شريكة حياتي (شيرين عبدالـله)، والرفيق(جمال) وشريكة حياته (سوريا طاهر). بوجه بشوش وابتسامة مشرقة وهادئة، تماماً كهدوئه الحالي، قال إن العدد الجديد من مجلة “رابه ر” (الرائد) قد صدر، وقد أعلنوا فيه تبنيهم لنفس الخط السياسي لـ "ٌڕەوتی کۆمۆنیست" (التيار الشيوعي). شعرتُ ببهجة غامرة من أعماقي وقلت: يا عزيزي (جمال)، هذه بشرى سارة جداً وأنت تعلم أن لها أهمية بالغة. بعدها تحدث هو عن تفاصيل أخرى حول كيفية توصل الرفاق في"حلقة الأدباء الشيوعيين" إلى حسم موقفهم والاستقرار على هذا القرار في هذا العدد الجديد من مجلة "رابەر". ** أتذكر أنني قلت آنذاك، وبمضمون كهذا: يبدو إن (التيار الشيوعي) وهذا الخط الماركسي سيصبحان اجتماعيين وينتشران في المجتمع، ويبدو اننا تجاوزنا مرحلة حساسة من نضالنا، هذا بالاضافة الى اهمية تبني هذا التوجه والموقف بالنسبة لمجلة "رابەر". كما شددنا كِلانا (جمال وانا) على أن هذه المجموعة من الأدباء والكتاب الاشتراكيين والتحرريين، لم تكن لتُقدم على مثل هذه الخطوة بسهولة، حتى لو كان جميعهم أعضاءً في تنظيم (التيار الشيوعي)، اذ إن هذا التطور كان مؤشراً على ظاهرة أخرى أكثر شمولا. دعنا نعود إلى تلك الفترة التي صدر فيها العدد الأول من مجلة “رابه ر” في صيف عام 1987. في ذلك الحين لم يكن الوضع الأمني لـ( التيار الشيوعي) جيدًا، لا سيما حالة المركز، اي (قيادة التيار الشيوعي)؛ المؤلفة من الرفاق نادر عبالحميد، عثمان الحاج معروف (امجد غفور)، ومؤيد أحمد. لقد كنا وجميع أفراد عوائلنا وأقاربنا وأصدقائنا ورفاقنا المقربين منا نواجه تهديدًايات أمنيًة جدية. كنا في ورطة ومحاطين بوضع غيرموات للغاية، بالإضافة إلى كل هذه التحديات والمشاكل كان جزء من اليسار قد انخرط في شن حملة دعائية مناهضة لنا، لا بل حتى اقدموا على توجيه الأذية للمنظمة ولقسم من رفاقنا وكنا نتعرض كل يوم لمشكلة جدية على قضايا ثانوية للغاية. كنا كأعضاء مركزية (التيار الشيوعي) آنذاك، نستهلك جزءاً كبيرا من وقتنا وطاقتنا في التعامل مع هذه المشاكل والمنغصات؛ لأن وضعنا كان حساساً للغاية. وأستطيع القول إن أبسط خطأ، بل وحتى أي تصرف غير مدروس من قبل أي رفيق أو صديق أو حتى من ذوينا، كان كفيلاً بأن يوقعنا في قبضة الأجهزة الأمنية لبعث الفاشي ويؤدي إلى اعتقالنا. في ظل هذه الظروف، وصل إلينا خبر صدور العدد الأول من مجلة “ڕابەر"، مما أفرحنا كثيراً وفتح أمامنا أفقاً جديداً ومنحنا قوة وعزيمة جيدة. تلقينا خبر صدور العدد الأول من مجلة “ڕابەر” عن طريق الرفيق نادر عبد الحميد، الذي كان على صلة بالخط التنظيمي في كركوك عبر الرفيق (سمير نوري). كان الرفيق سمير نوري على صلة مباشرة بعضوي (التيار)؛ جمال كوشش وعبدالـله سليمان (مشخل)، وكان هذان الرفيقان يعملان مع الرفيق نوزاد أحمد أسود(هوشنغ) بنشاط داخل “حلقة الادباء الشيوعيين”. لهذا السبب، كانت أخبار المجلة وكل ما هو جديد بخصوص الحلقة ومجلة “ڕابەر” تصل إلى مركز تنظيم (التيار الشيوعي)، ومن ثم يتم توزيع المجلة بين الرفاق. حين صدرت مجلة “ڕابەر”؛ لم تكن لدينا الجاهزية الكافية، كما لم يتسنَّ لنا الوقت لطرح نقاشات حول نظرية الأدب أو بلورة آرائنا وتصوراتنا بخصوص “حلقة الادباء الشيوعيين” ومجلة “ڕابەر” وما نُشر فيها من مقالات ونتاجات. يعود ذلك، من جهة، إلى الظروف العصيبة التي كنا نمر بها، ومن جهة أخرى – وهو السبب الرئيسي – إلى أن مركز (التيار الشيوعي) لم يكن قد تعمق بالشكل المطلوب في مجالات الأدب والفن. أما فيما يخصني شخصياً في ذلك المركز قد قرأتُ قسم من كتابات بليخانوف وكنتُ تحت تأثير آراء لينين؛ وبالأخص مواقفه تجاه النتاجات الأدبية للروائي الروسي الشهير (ليو تولستوي) حيث يرى لينين أن خلف كل تيار أدبي وجمالي توجد فلسفة ما، وأن الأدب لا ينفصل عن المصالح الطبقية والصراع بين الطبقات، بالإضافة إلى تأكيده على مفهوم الأدب الحزبي”. *** أما الرفيقان الآخران في مركز تنظيم (التيار الشيوعي)، بحسب ما أتذكر؛ كانا هما أيضاً قد قرآ مؤلفات بليخانوف ولينين، وكانا على دراية بمواقف لينين بخصوص تولستوي. كان لهذا الأمر تأثير علينا، حيث جعلنا ننظر إلى الأدب والجماليات بنظرة واقعية إلى حد ما. لم نكن قد درسنا آراء وتصورات ماركس وإنجلز حول الأدب بشكل تخصصي ومنفرد، بل كنا نستنبط آراءهما من ثنايا كتاباتهما الفلسفية والاقتصادية والسياسية، هذا بالإضافة إلى أننا كنا نقرأ المواضيع والكتابات السياسية لـ "الماركسية الثورية “ وبالأخص كتابات منصور حكمت. على أية حال؛ لم يكن أيٌّ منا نحن الثلاثة (أعضاء المركز) أديباً أو فناناً أو ناقداً أدبياً، كما لم نكن قراءً نهمين للنتاجات الأدبية العالمية أو المحلية. ومن الطبيعي أن يترك هذا الأمر، بدرجة أو بأخرى، تأثيره على بلورة سياسة ماركسية واضحة تجاه الأدب والفن والجماليات. بالنظر إلى وضعنا الأمني، ومستوانا الفكري آنذاك فيما يخص الأدب والفن، فقد كان أمراً إيجابياً للغاية – برأيي – أننا استقبلنا بحفاوة مبادرة الرفيقين جمال كوشش وعبدالـله سليمان (مشخل)، وقمنا بتوزيع العدد الخامس من مجلة “ڕابەر” بكل حماس وشغف، واعتبرناها جزءاً من تقدم الأدب الثوري وتنظيم (التيار الشيوعي) وحركتنا الشيوعية. وعلى قدر ما تسعفني الذاكرة، لم يتسنَّ لنا الوقت أو الإمكانية لطباعة مجلة “ڕابەر” في ظل الظروف الشاقة للطباعة السرية؛ إذ كانت الأولوية لطباعة المنشورات السياسية الخاصة بتنظيم (التيار). ولهذا السبب، ورغم أن مطبعة (التيار الشيوعي) قد دخلت حيز العمل في أواخر عام 1988 وبداية 1989، إلا أن مجلة “ڕابەر” ظلت تصدر بنسخ مكتوبة بخط اليد. **** الآن، وبعد مرور قرابة (35) عاماً، حين نلتفتُ لننظر إلى تلك المبادرة الأدبية، نجد أننا جميعاً؛ الرفيق نادر وأنا، مع الرفيقين جمال كوشش وعبدالـله سليمان(مشخل)، ما زلنا نناضل معاً في جريدة "ڕەوت" (التيار)، حيث تصدر ملحق "شرفة الأدب والثقافة" (بانیژەی ئەدەب وکلتوور). وهذا تاريخ نضالي مليء بالاعتزاز والاعتقاد الراسخ بالاشتراكية والماركسية وحرية الإنسان وهو ما يجمعنا. إن تجربة مجلة “ڕابەر” و“حلقة الادباء الشيوعيين”، بكل ما فيها من نقاط قوة أو نواقص، يجب أن نقيّمها لنتعلم منها، ونتعامل معها كعنصر في عملية بحثية؛ وذلك في سبيل اتخاذ سياسة شيوعية صائبة في مجال الأدب والفن. أتوجه بجزيل الشكر لرفيقي العزيز عبدالـله سليمان (مشخل) الذي منحني هذه الفرصة وانتظرني لكي أتمكن من كتابة تقييمي حول مجلة “ڕابەر” و”حلقة الادباء الشيوعيين” وهذه التجربة برمتها.
تقييم "حلقة الأدباء الشيوعيين" ومجلة "رابەر"، النظرة المادية الديالكتيكية للعالم تجاه الفن والأدب إن المسألة الجوهرية لدى الشيوعيين بخصوص تقييم ونقد أي مسار أو اتجاه أو تيار فني وأدبي وثقافي، وأي مبادرة أو مشروع في هذا المضمار، هي استخدام النظرة المادية الديالكتيكية والتاريخية للعالم؛ أي النظرة الماركسية تجاهها. وهذا يعني أن الشيوعيين يعلنون تمايزهم تجاه كافة تلك الآراء ومدارس الفلسفة المثالية (سواء كانت موضوعية أو ذاتية) المتنوعة، التي تعتبر هذه المسارات والاتجاهات والتيارات الأدبية والفنية ظواهر خارجة عن العملية المادية التاريخية لحياة الأفراد والمجتمعات والطبيعة، وترى تلك الظواهر مستقلة عن هذه العملية وعن الواقع الملموس (المشخص) للأدب والفن والعلم والثقافة في أي مرحلة محددة من مراحل هذه العملية، بما في ذلك مجتمعنا المعاصر. من خلال هذه الرؤية الماركسية؛ إذا نظرنا، سنرى أن الأدب والثقافة والفن والعلم، وبسبب هيمنة الطابع الطبقي البرجوازي عليها في المجتمع الرأسمالي المعاصر، لا يمكن تحويلها بمجرد رغبتنا وإرادتنا إلى ثقافة وفن وعلم بروليتاري وعمالي على صعيد اجتماعي واسع. فبدون قيام الطبقة العاملة بخطوات عملية باتجاه إرساء الاشتراكية، ومن دون الاستفادة من الأدب والفن والعلم الذي تراكم عبر عملية التطور التاريخي للمعرفة البشرية حتى يومنا هذا، لن تتمكن هذه الطبقة من إيجاد أدب وفن بروليتاري. وحينما تتمكن من القيام بذلك، فإن ذلك سيعني أنها قد دخلت مرحلة إيجاد أدب وفن وثقافة اشتراكية وإنسانية متحررة من أي طابع طبقي، بما في ذلك الطابع البروليتاري نفسه. هذا المنظور المادي التاريخي هو ما عبّر عنه وعمل بموجبه كل من تروتسكي ولينين لا سيما بعد ثورة أكتوبر، كما أكد عليه الماركسيون في ذلك العصر ومن بينهم روزا لوكسمبورغ، وهو ما انعكس في جميع مقالاتهم حول الأدب والفن والثقافة. وهذا الطرح يتناقض تماماً مع الستالينية وسياساتها التي ادّعت تحقيق مفهوم "الواقعية الاشتراكية" في روسيا؛ حيث جسدت الستالينية مناهضتها للأدب والفن الإنساني والاشتراكي. إن أي مبادرة لإطلاق تيار أدبي وفني اشتراكي وتحرري في هذا العصر، لن تؤتي ثمارها إلا إذا كانت نضالاً متلاحماً بالنضال لتحرير الأدب والفن من طابعه الطبقي البرجوازي بكافة أشكاله الأيديولوجية المهيمنة عليه من جهة، ومن جهة أخرى وفي الوقت ذاته، أن يكون نضالاً مرتبطاً بالصراع الطبقي الاشتراكي والثوري للعمال والفقراء والمضطهدين. وبطبيعة الحال، هذا يعني أيضا ضرورة إنجاز هذا العمل من داخل كنز النتاجات الأدبية والفنية المعاصرة، وفي كل بلد محدد وضمن ظروف مشخصة، وأن يشق هذا الأدب والفن طريقه نحو التطور من خلال تجسيد شكله(فورم)ه الخاص.
الأفق الاجتماعي والاشتراكي لـ "حلقة الأدباء الشيوعيين" ومجلة "رابەر" إن مفهوم "الأدب والفن العمالي"؛ كمشروع لتغيير الثقافة والأدب والفن على مستوى المجتمع ككل، لا يمكن أن يكون مفهوماً فاعلاً أو صحيحاً. فمثل هذا النوع من المشاريع سيظل محصوراً في إطار سعي وجهود مجموعات من العمال والكادحين ضمن نطاق محدود، دون أن يمتلك القدرة على أن يصبح تياراً عاماً وشاملاً على مستوى المجتمع؛ وذلك بسبب هيمنة الثقافة والأيديولوجيا البرجوازية في المجتمع الرأسمالي. لذا، فإن نقطة الانطلاق لتطوير أي تيار فني وأدبي يصب في مصلحة الصراع الطبقي للعمال، تكمن في تبني أفق النضال التحرري الاشتراكي ومُثُل التعاون الإنساني الحر. لذا، إذا كان هناك أي نوع من عدم الوضوح لدى أعضاء “حلقة الادباء الشيوعيين”، ومجلة “ڕابەر” في حينه بخصوص هذه المسألة، فبرأيي يجب علينا الآن أن نستخلص الدروس منها، وأن ننظر إلى مكانة ودور الأدب والفن والثقافة برؤية أوسع. إن تعليق الآمال على إرساء وفرض سيادة الأدب والفن والثقافة البروليتارية على مجتمع يحكمه رأس المال، سيظل مسعىً بلا نتيجة ولن يكتسب الطابع الشمولي. إن أفق وفكر “حلقة الادباء الشيوعيين”، يتضح من اسمها نفسه، وينسجم مع أهداف هذا المشروع. وهذا يعني أن مجموعة من المناضلين الشيوعيين في مجال الأدب والفن، قد كافحوا من أجل إيجاد وتطوير مشروع أدبي وفني اشتراكي برؤية ماركسية. ومهما كان مستوى التنفيذ الفعلي لهذا المشروع آنذاك، فإن ذلك لا يقلل من اهمية هذا الأفق الذي تبنّوه. وبالأخذ بنظر الاعتبار كل ما أشرتُ إليه أعلاه، فإن النقطة الأولى في تقييم تجربة "حلقة الأدباء الشيوعيين" وكذلك مجلة "رابەر"، هي أن هذه المبادرة بحد ذاتها قد انطلقت في ظل الأجواء العسكرية الخانقة والقمع الوحشي الذي مارسه نظام البعث في منتصف عام 1987، ليس هذا فحسب، بل إنها استمرت إبان كوارث الأنفال والقصف الكيمياوي لمدينة حلبجة. لقد كان هذا المشروع بذاته خطوة تقدمية وثورية مهمة، ومن الواضح أن محرك رفاق هذه الحلقة كان أفقاً اشتراكياً رحباً. من الجليّ أن هذه المبادرة الأدبية والفنية قد تجاوزت القوالب والحدود الفكرية لـ سوبر راديكالية السياسية والهامشية التي كانت تتسم بها جزءاً من حركة اليسار في كوردستان آنذاك؛ حيث تبنّت في ميدان ملموس وهو ميدان الأدب والفن، أفقاً اجتماعياً وسياسياً رحباً. وبرأيي، لو استطاع رفاق الحلقة، وبرؤية ماركسية للعالم، المضي بهذه المبادرة في اتجاه ينسجم مع الأفق الاجتماعي لمشروعهم، لتمكنوا من قطع خطوات جادة وناجحة إلى الأمام في مواجهة الثقافة والفن المهيمن، والذي كان يغلب عليه الطابع القومي البرجوازي. ولإنجاز هذه المهمة، كان التسلح بنظرية اشتراكية وماركسية متماسكة ومنسجمة في مجال الأدب والفن هو الشرط الأول.
تبني الخط الفكري والسياسي لتنظيم (التيار الشيوعي) في تلك الفترة التي تشكلت فيها “حلقة الادباء الشيوعيين”، وصدرت فيها مجلة (ڕابەر)، كان إطلاق أي مبادرة أدبية وفنية ثورية واشتراكية مرتبطاً إلى حد كبير، وبشكل وثيق، بالشكل السياسي والتنظيمي للنضال الماركسي. ويعود ذلك أساساً إلى أن ظروف الاستبداد والحرب كانت تشكل عائقاً أمام بروز حركات طبقية، واجتماعية واسعة للعمال والمفقرين. وباعتقادي، فإن “حلقة الادباء الشيوعيين”، قد عكست هذا الواقع، ولهذا السبب أعلنت في ظل تلك الأجواء تطابق خطها "هاوخەتی" بشكل مباشر مع تنظيم (التيار الشيوعي)، وذلك لكي تجعل جهودها في سبيل تحقيق أهدافها الأدبية أكثر تماسكاً وفاعلية. هذا التوجه كان بحد ذاته عملاً جيداً، ولكن كان ينبغي ألا يأخذ شكل إطار تنظيمي، بل أن يقتصر على كونه تطابقاً فكرياً وسياسياً فحسب. إن ترجمة تطابق خط (الحلقة) مع تنظيم (التيار الشيوعي) إلى أرض الواقع، كان يجب أن تتم بأسلوب يجسد فيه كل طرف ميدانه المحدد وشكله المختلف، لكي يتسنى لهذا التطابق أن يتحقق مادياً ويؤتي ثماره. كان على الحلقة ومجلة “رابه ر” أن يجسدا ذلك النضال المشترك من خلال مانيفستو ورؤية فنية وأدبية خاصة بهما، وعبر عملهما اليومي وكفاحهما لإضفاء طابع اشتراكي وثوري على الفن والأدب على صعيد اجتماعي واسع، وليس عبر الشكل التنظيمي وعلى حساب تقييد مبادرتهما الفنية والأدبية. ومع كل ذلك، فمن الواضح أن هذا الشكل من تجسيد تطابق الخط بين تنظيم (التيار الشيوعي) والحلقة، يتناقض تماماً مع تلك الانتقادات التي تفصل الفن والأدب عن الصراع الطبقي والانحياز الحزبي. وفي هذا السياق نفسه، من الضروري أن نُخضع للنقد المضمون الطبقي البرجوازي لتلك الرؤى الفلسفية المثالية فوق الطبقية، التي تروج لانعزال الأدب والفن عن أي علاقة بالنضال الاشتراكي والتنظيمي للبروليتاريا، أو أولئك الذين ينادون بفصل الأدب والفن عن سيرورة الحياة المادية للبشر والصراع الطبقي؛ وهذا بالإضافة إلى رسم الحدود (التمايز) بوجه حاملي الأشكال المختلفة الأخرى لهذه الأفكار نفسها داخل تنظيمات اليسار في ذلك الوقت وفي الوقت الراهن. لا يمكن اعتبار إعلان تطابق الخط بين “حلقة الادباء الشيوعيين”، وتنظيم (التيار الشيوعي) سبباً في عدم تطور المجلة أو الحلقة. إن المسائل الحاسمة لتطور “حلقة الادباء الشيوعيين”، كانت تكمن في قضايا من قبيل: ما هي الرؤية للعالم التي امتلكتها الحلقة تجاه الأدب والفن؟ وإلى أي مدى استطاعت الإجابة على مسائل ومشكلات إرساء تيار واتجاه أدبي وفني ثوري واشتراكي وإنساني؟ وإلى أي حد تمكنت من تطبيق المنهج المادي التاريخي في هذا المضمار؟ وإلى أي مدى رعت ضرورة الاستفادة من ذلك الكنز الفني والأدبي الذي أنتجه المجتمع المعاصر، ومجتمع كردستان نفسه في ذلك الوقت، لكي تطلق حركة فنية وأدبية متطورة بأسلوب إبداعي ونقدي؟ إن ذات المسائل والتحديات التي واجهت “حلقة الادباء الشيوعيين”، ومجلة “ڕابەر” في وقتها، تواجه اليوم وبشكل آخر وفي ظروف مختلفة أي مشروع أدبي وفني اشتراكي آخر. ولهذا السبب، فإن تقييم تجربة (الحلقة) و”ڕابەر” في الوقت الراهن يجب أن يصبح درساً نستفيد منه.
دروس الأدب والفن في انتفاضة أكتوبر في العراق شهدنا جميعا كيف ظهرت حركة فنية وشعرية وأدبية وإلى حد ما موسيقية، بالتزامن مع انتفاضة أكتوبر 2019 في وسط وجنوب العراق، وأصبحت جزءا عضويا من هذا النضال الثوري لجماهير العمال، والمفقرين، والشباب، والنساء. مهما كان مستوى نضوج هذه النهضة الثورية الأدبية والفنية، وكم كانت تحمل أوهامًا وأفكارًا دينية وقومية وعشائرية، إلا أن ذلك لم ينتقص من أن مصدر هذه النهضة الأدبية كان الانتفاضة الثورية للطبقات والشرائح الاجتماعية التي تحمل بدورها نفس تلك الأوهام. ان اهمية هذا النوع من الأدب والفن يكمن في كونه انعكاس لـ وجزءً لا يتجزأ من المساعي الثورية للمفقرين والشغيلة للتخلص من الاغلال الاقتصادية والسياسية والفكرية للبرجوازية ونظامها السياسي الإسلامي والقومي المتسلط عليهم. رغم كل نواقص هذا التيار الأدبي والفني، فإنه كان صرخة، في شكل خاص بهذا التيار، ضد الفساد وعدم المساواة والقمع والاغتراب والبطالة في صفوف الشباب والشابات، وضد قمع ورجعية سلطة الأحزاب الإسلامية والقومية. إن انبثاق الحركات الأدبية والفنية الثورية اثناء الانتفاضات والثورات هو دائما ظاهرة عضوية للعملية الثورية في المجتمع التي تهدف الى التحرر من قيود النظام الطبقي وأشكاله السياسية والفكرية المهيمنة. ولذلك فإن من الضروري ان يبذل الشيوعيون قصارى الجهد لتعزيز هذا النوع من الحركات والعمل على تخليصها من الاوهام. لم تستطع هذه الحركة الأدبية والفنية أن تصبح ثقافة واتجاهاً فنياً وأدبياً اجتماعياً قوياً ومؤثراً بسبب سيادة الثقافة والأيديولوجية البرجوازية والحركات الاجتماعية كالإسلامية والقومية والليبرالية في المجتمع، وبسبب القمع الدموي للانتفاضة والى حد ما فرض التراجع عليها، ولكن هذه النهضة الأدبية لم تمح ولم تتبخر في الهواء، لا بل أصبحت جزءً من الادب والفن الثوري في العراق ولو بدرجة متواضعة. من آليات البرجوازية الحاكمة دمج هذه الحركة الأدبية والفنية مع الأيديولوجية السائدة لهذه الطبقة واحتوائها بهدوء وسد أبواب التطور امامها، وكذلك استثمار موارد مالية ضخمة لتعزيز أدبِ وفنِ صوري لا حياة فيه وبعيد عن مسائل الحرية وتحرر الانسان. نفس الآلية في الأدب والفن سبق أن استخدمتها البرجوازية في المجال السياسي وبأشكال أخرى وبكل قوتها ضد هذه الانتفاضة. وكما رأينا، فإن البرجوازية الحاكمة في عموم العراق، لا تزال تحاول احتواء عواقب الضربة التي وجهتها انتفاضة أكتوبر إلى البنية السياسية والفكرية للإسلام السياسي والطائفية، والضربات التي وجهتها الانتفاضات الجماهيرية في إقليم كوردستان للحركة القومية الكردية، وهي تسعى الى دمج تبعات الانتفاضات مع النظام السياسي الحالي للبرجوازية القومية والإسلامية في العراق وإقليم كردستان. باعتقادي؛ ان من المهام المباشرة للعمال الطليعيين والشيوعيين تبني سياسة تعزيز هذه النهضة الأدبية والفنية، والوقوف بقوة ضد محاولات دمجها في الثقافة والأيديولوجية البرجوازية السائدة. وعلى نفس السياق، فإن المهمة الشيوعية الآنية في هذا الصدد هي السعي لكي تتسم هذه الحركة الأدبية والفنية بأفق اشتراكي وانساني حر ومنفتح، ودمجها بالحركة الطبقية الاشتراكية الفعلية للعمال ومجمل المفقرين والمضطهدين. هذا النضال في مجال الأدب والفن جزء مكمل للنضال الأيديولوجي للبروليتاريا والذي بدوره لا ينفصل عن النضال الطبقي للعمال.
كلمة ختامية لقد كانت "حلقة الأدباء الشيوعيين" مسعا أولياً هاماً في ظل تلك الظروف، رغم كل العوائق التي اعترضتها، في مسار إطلاق تيار واتجاه أدبي وفني تقدمي واشتراكي وثوري على صعيد اجتماعي. ومن هنا تُقدَّر اهمية هذه الحلقة ومجلة “رابەر"، ومن هنا أيضاً تنبع ضرورة أن تسعى جريدة"ڕەوت" (التيار) بدأب لتطوير هذا المسار من خلال ملحق"شرفة الأدب والثقافة" (بانیژەی ئەدەب و کلتوور). إن هذه الشرفة يمكنها أن تكون منصة (بلاتفورم) للأدب والفن الاشتراكي والإنساني، تجسد في جوهرها تعاون البشر وحريتهم. أتمنى أن يحقق ملحق "شرفة الأدب والثقافة" في جريدة "ڕەوت" تقدما كبيرا، وأن يفتح آفاقاً واسعة أمام حركة أدبية وفنية اشتراكية وتحررية وإنسانية مقتدرة. 24 كانون الثاني 2022 ---------------------------------------------------- ملاحظات وهوامش: * هذا المقال منشور باللغة الكردية في العدد 18 من جريدة (ره وت).
** -كانت "حلقة الأدباء الشيوعيين" حلقة أدبية شيوعية نشأت داخل حركة اليسار الجديد في كردستان العراق عام 1987، بمبادرة من الرفاق: نوزاد أحمد أسود " هوشنگ"، جمال كوشش، عبدالـله سليمان ( مشخل). تأسست الحلقة في مدينة (أربيل)، وكان الهدف منها ترويج وتطوير الأدب العمالي والشيوعي. وقد أصدرت هذه الحلقة، حتى توقف نشاطها، أحد عشر (11) عدداً من مجلة "ڕابەر ". وفي عام 1988، انضمت هذه الحلقة إلى تنظيم (التيار الشيوعي) "ڕەوتی کۆمۆنیست". ***- بسبب قربي من الشاعر (بژار) وهو شقيقي، كنتُ قد اكتسبتُ بعض المعلومات حول وجهات نظر الماركسيين تجاه الأدب والفن، والتي استقيتها غالباً من الكتب التي أشرتُ إليها سابقاً، وكانت تنعكس في النقاشات التي كانت تدور بيني وبين (بژار) حول الأدب. لقد أتيحت لـ (بژار)، الذي كان اسمه الشعري آنذاك "جلال شكو"، فرصة لمقابلة معه في تلفزيون كركوك حول الأدب والشعر، إذا لم أكن مخطئاً كان ذلك عام 1984. إن صديقه القريب الشاعر (جمال غمبار)، الذي كان يقدم البرنامج الأدبي في التلفزيون حينذاك، هو من أجرى المقابلة مع (بژار). وقبل أن يذهب (بژار) لإجراء المقابلة، خضنا (هو وانا) نقاشاً مستفيضاً واتفقنا على التالي: بما أنه لا يستطيع الاشارة في المقابلة بانه يجب ان يكون للأدب انحياز سياسي حزبي ثوري، وهو ما كنا نؤمن به كلانا آنذاك، خوفاً من تعرضه للاعتقال من قبل نظام (البعث)، فمن الأفضل أن يركز ويؤكد على أن "كل تيار واتجاه أدبي وجمالي تقف وراءه فلسفة ما". وبالفعل، أكد (بژار) على هذا في مقابلته وجعله الأطروحة الأساسية للقاء، وعبّر عنها بشكل جميل وناجح، وقد بُث البرنامج وكان له صدى جيد إلى حد ما. ومن الواضح أننا كنا متفقين حينها على تلك الفكرة، وهي أن خلف كل اتجاه جمالي تقبع فلسفة معينة. لقد أوردتُ هذه الذكرى هنا لأبيّن كيف كانت رؤيتي تجاه الأدب والفن في ذلك الوقت، وكيف أن هذه الرؤية ظلت باقية عندي حينما صدرت مجلة "ڕابەر" في عام 1987. ****- لمعلومات القارئ: كان مؤيد أحمد، نادر عبد الحميد، عثمان الحاج معروف( امجد غفور) هم من يتولون إعداد الكتابات السياسية لتنظيم (التيار الشيوعي) بشكل أساسي. بعد ذلك، كانت الرفيقات ميسون عبد الجبار، ثريا طاهر وشيرين عبدالـله يقمن بطباعتها على الآلة الكاتبة، ثم تُرسل إلى المطبعة السرية لهذا التنظيم، والتي كان يديرها الرفيق عبدالـله صالح وشريكة حياته الرفيقة سميرة عبدالـله، بمساعدة تقنية من الرفيق وريا عبدالـله (نوزاد خالد). لقد تم إنجاز طباعة العدد الأول من جريدة "پڕۆلیتاری" (البروليتاري) في الأول من أيار عام1990. وقبل ذلك، وتحديداً منذ شباط 1989، كانت جميع منشورات وترجمات وبيانات هذا التنظيم تُطبع باللغتين الكردية والعربية. كما أصدرنا ثلاث كراسات سياسية مطبوعة من تأليف مؤيد أحمد بعد تنقيحها ومراجعتها من قبل الرفيقين عثمان الحاج معروف ونادر عبد الحميد، وهي: • "من أين تنبع خلافاتنا"؟ بداية شباط 1989. • الجزء الأول من "برنامج مشخص أو برنامج أممي؟" بداية أيار 1989. • الجزء الثاني من "برنامج مشخص أو برنامج أممي؟" نهاية آب 1989.
#مؤيد_احمد (هاشتاغ)
Muayad_Ahmed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انتخابات برلمان العراق، موقف الطبقات والأحزاب منها
-
شبح الثورة الاجتماعية في اجندات البرجوازية، ملاحظات حول مؤتم
...
-
بصدد الموقف تجاه الحرب والهدنة في حرب إسرائيل وأمريكا على اي
...
-
على هامش قيام عمال ميناء (فوس سور مير) الفرنسية برفض تحميل ا
...
-
رسالة عبد الله أوجلان ومستقبل الاضطهاد القومي في كوردستان حو
...
-
ترامب والمد الرجعي العالمي، تغييرات في النظام السياسي البرجو
...
-
ما بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق مرحلة جديدة في
...
-
احداث سوريا ومنطقة الشرق الأوسط ما بعد سقوط نظام الأسد
-
الخطوة الأولى هي فضح الطابع البرجوازي للنظام وانتخاباته في
...
-
الماركسيون والموقف من الحرب الحالية في الشرق الأوسط
-
تعديل قانون الأحوال الشخصية! لماذا؟ الإسلام السياسي والرعب م
...
-
في الذكرى السنوية الخامسة لانتفاضة أكتوبر 2019، شعار (كل الس
...
-
التيار الماركسي ومسارات الأوضاع السياسية الراهنة في العراق
-
التعديل الرجعي لقانون الاحوال الشخصية؛ هدية الامبريالية الام
...
-
في الذكرى السنوية السادسة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في الع
...
-
الرأسمالية النيوليبرالية وبيع “مكان الصلاة” في إقليم كردستان
-
الاوهام حول قرار المحكمة الاتحادية بصرف الرواتب، والانجرار و
...
-
رسالة تهنئة الى المؤتمر الرابع لاتحاد المجالس والنقابات العم
...
-
الاحتكار الرأسمالي لثمار التكنولوجيا والبحث العلمي العائق ام
...
-
ما يحسم صرف الرواتب في الاقليم هو إيجاد توازن قوى طبقي جديد
المزيد.....
-
-سمبوزيوم- جمعية التشكيليين الأول: خلية نحل تعيد صياغة المشه
...
-
الفنانة زينة تُعلن نسبها للنبي محمد ونقابة الأشراف تعلق
-
الحرب في غزة تثير الجدل خلال مهرجان برلين السينمائي الدولي..
...
-
من -الباندا الأحمر- إلى -لوكا-: 6 أفلام أعادت تشكيل خطاب الر
...
-
من جبال الألب إلى قوائم اليونسكو.. -اليودل- السويسري من الفل
...
-
-تاريخ نكتبه-.. معرض دمشق الدولي للكتاب يلملم أوراقه بعد 11
...
-
وفاة الممثل الأمريكي روبرت دوفال نجم فيلم -العراب- عن 95 عا
...
-
-بين عذب وأجاج-.. برلين تؤسس لـ-قصيدة المنفى- العربي في أورو
...
-
شهادة نسب فنانة مصرية إلى آل البيت تفجّر سجالا بين النقابة و
...
-
معرض دمشق الدولي للكتاب: عناوين مثيرة للجدل وأخرى جديدة بعد
...
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|