عماد الدين رائف
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 18:12
المحور:
الادب والفن
يرغب الأوكرانيون في تعريف أدبهم بأنه النبض الحيّ للأمة عبر قرون من المحن والانتصارات والخسائر. وتضم قائمة الكتب الأوكرانية البارزة روائع كلاسيكية خالدة تضع حجر الأساس للهوية الوطنية، مثل "الإنيادة" لفيرجيل بترجمة كوتلياريفسكي و"أغنية الغابة" لليسيا أوكراينكا، إلى جانب الكتب المعاصرة، حيث ينسج كتاب مثل أندريه كوركوف أو تيتيانا فلاسوفا الواقع في الحرب الحالية مع التأملات الفلسفية. تدفع هذه الكتب القراء إلى إعادة التفكير في التاريخ والثقافة والتحديات المعاصرة نحو فهم أعمق للروح الأوكرانية.
تبدأ قائمة الكتب الأوكرانية البارزة بنصوص كلاسيكية سهلة المنال إلكترونيا اليوم، وهي تستهوي القارئ بسهولة، مثل أشعار مختارة لتاراس شيفتشينكو أو روايات لإيفان فرانكو ترسم صورًا حيّة للحياة. لكن من الملاحظ أن القراء اليوم قد يجنحون إلى السرد العبثي من دور نشر مثل "لابوراتوريا" (المختبر)، التي تقدم موضوعات معقدة عن الهوية والحرب والفكاهة، والتي تتردد صداها مع التيارات العالمية. بشكل عام، تغطي هذه النصوص الخيال والفنتازيا والدراما والإثارة والملاحم التاريخية، مما يجعل الأدب الأوكراني جسرًا بين الماضي والمستقبل.
في العام الماضي ومطلع العام الحالي، تزداد قائمة الكتب الأوكرانية البارزة بإصدارات جديدة تعكس الوقائع الراهنة، من قصص عن الحرب إلى التأملات الشعرية عن كييف. ويستعيد الكتّاب بشكل مباشر أو غير مباشر في أعمالهم أصول الأدب الأوكراني من خلال منظور الأعمال الكلاسيكية. فقد ولد الأدب الأوكراني في تيارات التاريخ المضطربة، حيث كل كتاب يشبه مخطوطة قديمة تهمس بأسرار الماضي. بدءًا من عصر كييف-روس، عندما رسمت "كلمة عن حملة إيغور" المعارك الملحمية، تطور الأدب متأثرًا بالفولكلور والدين والنضال من أجل الحرية. هذه الأعمال ليست مجرد روايات، بل يراها الأوكرانيون مرآة لروح الشعب، حيث تتداخل الموضوعات الفلاحية البسيطة مع الأعماق الفلسفية، مما يجعل الأدب أداة للتعبير عن الذات.
في القرن التاسع عشر، عندما كانت أوكرانيا مقسمة بين الإمبراطوريات، حوّل كتّاب مثل تاراس شيفتشينكو الشعر إلى سلاح. لا ينظر الأوكرانيون إلى ديوان شيفتشينكو "الكوبزار" على أنه مجموعة قصائد بل كبيان حرية. وفي القرن العشرين، تحت وطأة النظام السوفياتي، أخفى الكتاب الحقيقة في المجازات، كما في أعمال فاسيل ستوس، التي أصبح شعره رمزًا للصمود. اليوم، في عام 2025، يعيش هذا الإرث في الكتب المعاصرة، حيث يستمد الكتاب من الماضي للتحدث عن الحاضر.
إذا نظرنا إلى التطور، فإن المراحل الرئيسة هي الرومانسية عند فرانكو، والحداثة عند أوكراينكا، وما بعد الحداثة عند المعاصرين. كل عصر تضيف طبقات، مما يجعل قائمة الكتب الأوكرانية البارزة فسيفساء حقيقية للأفكار. على سبيل المثال، تنتقل العناصر الشعبية في الكلاسيكيات إلى عوالم خيالية في الروايات المعاصرة، موضحة كيف يتكيف الأدب مع الزمن.
الكلاسيكيات هي الأساس
كلاسيكيات الأدب الأوكراني هي جذور شجرة قوية تمسك بثقافة بأكملها. ومن بينها "الإنياذة" لإيفان كوتلياريفسكي، التي كُتبت عام 1798 وهي إعادة صياغة هزلية لنص فيرجيل، حيث يتحول أبطال طروادة فيها إلى قوزاق، وتتحول المعارك الملحمية إلى مغامرات فكاهية. هذا الكتاب لم يُحيِ اللغة الأوكرانية فحسب، بل أصبح أيضًا أول عمل في الأدب الجديد، ساخرًا من عبثية القمع الإمبراطوري. ثم يأتي تاراس شيفتشينكو مع "الكوبزار" عام 1840، حيث تتناول قصائده مصير أوكرانيا بصدق. الشطور الشعرية من قصيدته "الوصية" (الميثاق، التي نقلها إلى العربية أديبنا الكبير ميخائيل نعيمة) هي دعوة للكفاح تتردد عبر العصور. وليسيا أوكراينكا في مسرحيتها الخرافية "أغنية الغابة" عام 1911، تنسج دراما عن الحب والطبيعة، حيث تصبح "مافكا" (حورية الغابة) رمزًا للروح الحرة، المقابلة للمادية. كما أن إيفان فرانكو مع روايته "زاخار بيركوت" عام 1883، يتحدث عن مجتمع الهوتسول (سكان جبال الكاربات) وهم يقاتلون المغول. هنا حرية المجتمع فوق كل شيء، وأوصاف جبال الكاربات تضيف طابعًا ملحميًا للرواية.
هذه الكتب الكلاسيكية تشكل قائمة الكتب الأوكرانية البارزة لكونها خالدة ولا تزال حيّة في لاوعي الكتّاب والقراء حتى اليوم. ويمكن أن يُضاف إلى هذه الآثار الخالدة كتاب "ماروسيا تشوراي" للشاعرة البارزة لينا كوستينكو، والكتاب عبارة عن رواية شعرية صدرت عام 1979 عن الحب والخيانة في عصر القوزاق، حيث يتشابك التاريخ مع الشعر الغنائي. وتعتبر هذه الأعمال مدخلا لفهم تاريخ الأدب الأوكراني.
لمحة معاصرة
في العام 2025، ينفجر الأدب الأوكراني المعاصر بأصوات جديدة، حيث يُبدع الكتاب أعمالًا توازن بين الواقعية والخيال. على سبيل المثال، يرسم أندريه كوركوف بأسلوبه المازج بين الفكاهة والدراما، في روايته "النحل الرمادي" (الإصدار المحدّث 2025)، المنطقة الرمادية في دونباس، حيث يصبح النحل استعارة للأمل في وسط الفوضى.
وتتشابك في قصة "حرية" لتيتيانا فلاسوفا (إصدار جديد عام 2025)، الوقائع الأوكرانية، حيث تقدم الكاتبة تأملاتها حول السلطة. وفي "مُحيطات كييف" لأتيلا موهيلني، تصبح القصيدة عن العاصمة تأملًا في روح المدينة، بأسطر تخفق كالمترو في ساعة الذروة. وفقًا لبيانات من دور نشر مثل "لابوراتوريا" (المختبر)، فإن قائمة الكتب البارزة لعام 2025 تشمل روايات القصص العبثية، التي تكتسب شعبية في أوروبا. ويرى النقاد أنها ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة لفهم الصدمات، مع التركيز على الثقافات الإقليمية.
إذن، نرى في جدول "لابوراتوريا" بأبرز الكتب الأوكرانية المعاصرة لعام 2025، استنادًا إلى آراء القراء والمبيعات، أن رواية أندريه كوركوف "النحل الرمادي" وهي عبارة عن رواية مزجت بين الدراما والفكاهة وتناولت ثنائية الحرب والأمل، قد نالت 9.2 علامات من 10. ونال ديوان أتيلا موهيلني الشعري "محيطات كييف" 9 علامات، ونالت رواية "حرية" التاريخية لتيتيانا فلاسوفا 8.8 علامات... يظهر ذلك التنوع من الفانتازيا إلى الدراما، مع التركيز على الموضوعات الراهنة.
"النحل الرمادي" مجددًا؟
يروي كوركوف أنه في قرية مالا ستاروغراديفكا، الواقعة في ما سُمّي بالمنطقة الرمادية، لم يبقَ سوى شخصين يعيشان هناك. الرجل المتقاعد سيرغي سيرغيوفيتش، البالغ من العمر 49 عامًا، وزميله السابق في الدراسة باشكا. وعلى الرغم من الاختلاف الحاد في وجهتي نظرهما تمامًا، يجدان أنهما مجبران على التعايش مع الوضع. تتكرر زيارات أفراد الجيش الأوكراني لأحدهما، وزيارات الانفصاليين للآخر. ينصبّ اهتمام سيرغيوفيتش الرئيس على كيفية نقل خلايا النحل الست بعيدًا عن الحرب عند حلول الربيع. عليه أن ينقلها إلى مكان بعيد عن الجبهة كيلا يكتسب العسل طعم الحرب لاحقًا. انطلق النّحال في رحلته، إلا أنه ما كان ليتخيل المصاعب التي تنتظره وتنظر نحله. بعد توقف غير موفق تمامًا قرب زابوروجيا، قرر الذهاب مع نحله إلى شبه جزيرة القرم، قاصدًا نحّالا تتاريا التقاه قبل أكثر من عقدين من الزمن في مؤتمر للنحالين. ذلك الصيف الذي قضاه في شبه جزيرة القرم سيعلمه الكثير. سيعلمه ألا يثق بالناس، وليس ذلك فقط بل أيضاً بنحله كذلك.
نرى أن رواية "النحل الرمادي" عادت لتتصدّر المشهد الأدبي اليوم، وهي تستحق، إلا أنها تخطت عقبات محلية من حيث التقييم والكثير من التعقيدات، لكونها كتبت في الأصل بالروسية وليس بالأوكرانية. كيف؟
صدرت رواية "النحل الرمادي" للمرة الأولى باللغة الروسية في عام 2018 من قبل دار النشر الأوكرانية "فولوس". وأندريه كوركوف هو كاتب واقعي ذو أسلوب فريد وساخر في آن، لكنه مثل العديد من الأوكرانيين خاصة من شرق البلاد من أبناء جيله، يتحدث الروسية كلغة أم. وكان قد صرح بأن الهوية واللغة مسألتان منفصلتان، وأنه يشعر بأنه أوكراني بغض النظر عن اللغة التي يكتب بها. وعلى الرغم من أهمية النص، إلا أنه لم يحظ بالاهتمام اللازم لكون كييف كانت قد أطلقت مسيرتها نحو التخلص من اللغة الروسية آنذاك، وقد أثقلت القرارات المتصلة بالأكرنة شيئًا فشيئًا على النتاج الأدبي الأوكراني المكتوب بالروسية.
وفي السنة الماضية، بسبب أهمية الرواية وموضوعها الحساس في ظل الحرب تُرجمت إلى اللغة الأوكرانية. وقد تزايد النقاش في السنوات الثلاث الأخيرة مصحوبًا بجدال كبير حول الأدب الأوكراني المكتوب بالروسية، والتوجه السياسي القائم يتلخص في تشجيع الكتاب الأوكرانيين على الكتابة بالأوكرانية فقط تحت عنوان القومية والسيادة الوطنية. يرى الباحثون أنه عند قراءة "النحل الرمادي"، من المهم فهم أنها رواية "أوكرانية" بامتياز من حيث المضمون والروح، كُتبت باللغة الروسية الشائعة في جزء كبير من المجتمع الأوكراني، وأن مكانة النص تتطور مع تطور الهوية اللغوية والثقافية لأوكرانيا نفسها.
إنه رأي مطروح للنقاش على أي حال، لكون الروسية لا تزال لغة الحياة اليومية في شرق أوكرانيا وفي العاصمة كييف نفسها. وقد قادنا النقاش حول هذه الفكرة بين 2018 و2022 (أي عشية بدء الحرب الحالية) إلى أسئلة صعبة، ومنها أن النص ابن بيئته وأهل الدونباس، كما هي الحال في شرق أوكرانيا، يتحدثون بالروسية ويفكرون بها لا بغيرها. طبعًا، كان من الممكن أن يدعم القوميون رأيهم بأمثلة عن روايات كتبت بالأوكرانية بمستوى رواية كوركوف أو تضاهيها، لكن الأمثلة غير موجودة! ربما علينا أن ننتظر بضع سنوات لظهور نصوص بالأوكرانية تعالج حرب الدونباس أو الحرب الحالية مكتوبة بلغة وروح أوكرانيتين.
لكن يمكننا أن نقف هنا عند إشكالية بالغة الأهمية، فالترجمة التي قدمتها الباحثة اللغوية كاترينا إيساينكو لرواية "النحل الرمادي" هي عبارة عن نص أوكراني قائم بذاته، بغض النظر عن أن اسم المترجمة غاب عن الغلاف وظهر فقط في الصفحة التقنية في الطبعة الأوكرانية عن دار النشر "فولوس" في خاركيف، وهي الدار نفسها التي نشرت النسخة الروسية الأصلية. ربما كان يجدر بدار النشر، وبالكاتب كوركوف، وبالباحثين الأدبيين نسبة النص الأوكراني إلى الكاتب كوركوف والمترجمة إيساينكو معا.
نحن هنا لا نتحدث عن عملية ترجمة بين لغتين تنتميان إلى فرع واحد من الشجرة اللغوية السلافية، بل عن التحدي الكبير الذي واجه المترجمة في نص يتطلب حساسية كبيرة، لأنها تنقل واقعًا أوكرانيًا مكتوبًا بلغة أخرى. كان على المترجمة أن تنقل النبرة الساخرة والحزينة للرواية، بالإضافة إلى المصطلحات والمفردات الخاصة بمنطقة دونباس، إلى القارئ الأوكراني بأسلوب أصيل. لعبت كاترينا إيساينكو دورًا حيويًا في جعل هذه الرواية المكتوبة بالروسية "أوكرانية" وفي متناول جمهور القراء الأوكرانيين الذين لا يعرفون الروسية أو العازفين عن استخدامها لأسباب سياسية، مما ساهم في تعزيز مكانة الرواية كواحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت حرب الدونباس عبر نص جديد وروح جديدة.
===
للاستزادة حول الأدب الكلاسيكي الأوكراني (باللغة العربية):
1. الكوبزار 1840، تاراس شيفتشينكو، دراسة وترجمة: عماد الدين رائف (بيروت: دار المصور العربي، 2025)
2. الأوراق الذابلة، إيفان فرانكو، ترجمة شعرية: عماد الدين رائف (كييف: دار دوليبي للنشر، 2018)
3. أغنية الغابة، ليسيا أوكراينكا، داراسة وترجمة عماد الدين رائف (بيروت: دار المصور العربي، 2024)
4. ليسيا أوكراينكا – الأعمال النثرية في مجلدين، دراسة وترجمة: عماد الدين رائف (بيروت: دار المصور العربي، 2021)
#عماد_الدين_رائف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟