أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نائلة أبوطاحون - قراءة في ديوان ركاب ألرحيل بقلم أ.حنين الكرمي















المزيد.....

قراءة في ديوان ركاب ألرحيل بقلم أ.حنين الكرمي


نائلة أبوطاحون
(Naela Abutahoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 17:14
المحور: الادب والفن
    


خواصري تضج: الجسد خريطة.. والغربة وطن
قراءة في أركيولوجيا الوجع بديوان «ركاب الرحيل» للشاعرة نائلة أبو طاحون
بقلم ا.ستاذة حنين الكرمي
حين يتنفس الجرح لغة

لا يقدم «ركاب الرحيل» نفسه كديوان ترتب قصائده على الورق، بل كجرح حي يتنفس بين السطور. هنا، اللغة ليست أداة للتعبير، بل ملاذ أخير لذات تتهاوى؛ والقصيدة ليست زينة، بل سجل دم يدون على جلد الذاكرة. في هذا الفضاء المتشقق، يتحول الجسد إلى خريطة وجع، والغربة إلى هوية لا تمحى، والرحيل إلى حالة وجود دائمة؛ ليصير الديوان كائنا مهجرا يبحث عن تراب في كل حرف. هذه القراءة لا تحلل النص من خارجه، بل تغوص في تشققاته لتعيد اكتشاف كيف تصبح الكلمة فعل مقاومة حين يهدد الصمت الذات بالانمحاء.
حين تفقد الذات مرآتها يفتتح الديوان من هاوية فقدان اليقين:
«وكأنني
ما عدت أدري من أنا
ما عدت أدري من أكون»
ليست هذه استفهامات وجودية عابرة، بل إعلان عن تصدع العلاقة بين الذات وصورتها. التكرار في «ما عدت أدري» لا يكرر المعنى فحسب، بل يخلق إيقاعا داخليا يشبه نبض القلب المضطرب، كل تكرار يعمق هاوية الضياع. الذات هنا لم تفقد هويتها فقط، بل فقدت القدرة على طرح السؤال ذاته: من أنا؟ هذا الارتجاج الوجودي هو النقطة الصفرية التي ينطلق منها الديوان كله—منها تبدأ رحلة البحث عن الذات في جسد ممزق، وذاكرة مثقلة، وأرض مغتصبة.
ويأتي النداء الداخلي كمحاولة يائسة لإعادة التماسك:
«لا تنحني..
لا لن تهون»
هذا الأمر ليس موجها لآخر خارجي، بل هو حوار مع الذات ذاتها، لغة تشبث تعيد تشكيل الهوية عبر فعل التكرار الشعري نفسه. كأن الشاعرة تقول: إن انهارت اللغة، فلتكن القصيدة سندا؛ وإن انهارت القصيدة، فلتكن الكلمة الأخيرة «لا».
الجسد في هذا الديوان ليس وعاء للروح، بل هو السجل الحي للألم الجمعي:
«خواصري..
باتت على وجع تضج بخافقي»
الخواصر - وهي حدود الجسد الوسطى - لم تعد موضع الغنج كما في التراث الشعري العربي، بل أصبحت حدودا محتلة تقاوم بالخفقان. المفارقة العميقة هنا أن الجسد الذي يفترض أن يكون ملاذا آمنا، يتحول إلى سجن للألم. والخافق ليس مجرد نبض بيولوجي، بل هو صرخة داخلية تضج في جدران الجسد كما تضج المقاومة في أزقة المدن المحاصرة.
وتبلغ هذه الثنائية ذروتها حين تقول:
«جسد خواء..
لا الحلم ينبت في مخيلتي»
الجسد لم يعد حتى وعاء للخواء، بل أصبح الخواء نفسه، تفريغ وجودي يعكس كيف أن الاحتلال يمارس عنفه على الذات قبل الأرض.
الوشم أركيولوجيا: حين يحفر الزمن في اللحم
الوشم في الديوان ليس زخرفة جسدية، بل هو طبقة أثرية حية تحمل ذاكرة الأجداد:
«موشومة
في رقعة الحد المثلم محنة
هي محنة الأجداد
منذ قتل البريء على حبال المشنقة»
الإيقاع المتقطع هنا — مع تكرار كلمة «محنة» — يخلق إحساسا ببطء الحفر في الذاكرة، كأن الألم يورث عبر الأجيال كما تورث السمات الوراثية. والشاعرة لا تكتفي بالإشارة إلى الماضي المجرد، بل تربطه بحدث تاريخي محدد (المشنقة)، مما يمنح النص بعدا توثيقيا يتجاوز الذاتية. الوشم هنا هو «سجل دم» لا يمحى؛ كأن الألم يحفر في الحمض النووي ذاته، ليصير شرطا وجوديا دائما لا حدثا عابرا.
الرحيل في هذا الديوان ليس انتقالا مكانيا، بل هو تحول وجودي دائم:
«ودعت أرضي وارتحلت
حملت منسأتي
ورحت هناك أبحث عن رغيف الخبز في أرض الثلج»
المنسأة — رمز الرعاية والارتباط بالأرض — تتحول إلى أداة ترحال قسري، في مفارقة مريرة تدمر العلاقة بين الإنسان وأرضه. والبحث عن «رغيف الخبز» في أرض الثلوج ليس استعارة للجوع المادي فحسب، بل هو بحث عن الهوية في مكان لا يغذي الروح.
وتبلغ الغربة ذروتها الوجودية حين تقول:
«في غربتي..
كلت قلبي وامحى من ناظري كل الوجود
سلكت دربا مقفرة
بملامح الوجه المعتق.. طلسما
والذكريات مشفرة
واستقطت كل النجوم وأطفئت»
النجوم التي تضاء عادة في ليل الغربة كدليل على الأمل، تتساقط هنا وتطفأ، كأن الكون نفسه يشارك في العزلة. الغربة لم تعد حالة مؤقتة، بل أصبحت «وطنا» بديلا، وطنا من الفراغ والصمت والنجوم المطفأة.
في قصائد الأقصى، ترفض الشاعرة لعبة الرمزية المفرطة التي مورست في الشعر الفلسطيني أحيانا:
«عن الأقصى أحدثكم
فألقوا السمع وانتبهوا»
هذه المباشرة ليست ضعفا استعاريًا، بل هي فعل «تعرية» للغة نفسها. عندما يغتصب المكان، تصبح الاستعارة ترفا أخلاقيا. والشاعرة تذهب أبعد حين تقول:
«وفي قلبي لهيب القهر يتقد
فكيف بربكم أغفو وكيف يطيب لي عيش
وقدسي في مهب الريح ترتعد»
القدس هنا ليست «رمزا» مجردا، بل جسد يرتعش في مهب الريح — صورة تدمج بين الهشاشة والعنفوان. المفارقة الصادمة أن القدس «ترتعش» لكن الشاعرة ترفض أن «تغفو»، كأن السهر على الجرح هو شكل المقاومة الوحيد المتبقي. حتى الطبيعة تشارك في الحداد:

«لا لن تفيق مواسم الزهر المعطر في الربى
وستخذل الأحلام في ليل الرعاة»

الزهور التي تنبت عادة كرمز للأمل، تعلن عجزها عن الإفاقة — الخراب هنا شامل، لا يترك للطبيعة دورها التصالحي التقليدي.
في قصيدة «رسالة فل إلى أمه»، تدمر الشاعرة صورة البراءة التي كانت تستخدم كرمز للسلام:
«لا تحزني أماه إن جاء الأجل
وتخضب القلب البريء
ومات في عيني الأمل»
القلب «البريء» الذي يتخضب بالدم — صورة تدمر براءة الطفولة التي كانت ملاذا روحيا في الشعر العربي. والشاعرة تذهب إلى أبعد حين تقول:
«لأن أحلام الشبيبة في الطفولة تسكب»
الشباب هنا لا يحلم، بل يسكب أحلامه في الطفولة — كأن المستقبل يسرق من الجذور، فلا يبقى حتى للطفولة ما تحلم به. الحرب لم تعد تقتل الأجساد فقط، بل تقتل القدرة على الحلم نفسها.
«ركاب الرحيل» ليس ديوانا عن المنفى، بل هو المنفى ذاته، لغة تائهة تبحث عن جذورها في كل سطر. الشاعرة لا تغني للعودة كحلم مؤجل، بل توثق الرحيل كشرط وجودي لا مفر منه: حين يصبح الجسد خريطة حدود محتلة، والذاكرة وشما لا يمحى، والنجوم تتساقط من سماء الوعي، حينئذ فقط، يصير الشعر فعل مقاومة أعمق من السلاح: مقاومة الانمحاء.
الديوان يعلمنا درسا وجوديا قاسيا: أن بعض الجراح لا تندمل، بل تتحول إلى لغة؛ وبعض الرحيل لا ينتهي، بل يصير هوية؛ وبعض الغربة لا تشفى، بل تصبح وطنا بديلا. لكن في هذا التمزق ذاته تكمن القوة: فالشاعرة التي تكتب من داخل الجرح — لا من حوله — تمنحنا ما لا تمنحه السياسة ولا التاريخ: شهادة حياة لا تنكر.
«لا تنحني..
لا لن تهون»
ليست هذه جملة شعرية عابرة، بل هي العلم الذي يرفع على أنقاض الذات الممزقة؛ ليقول للعالم: ها نحن أحياء، نتنفس وجعا، ونكتب وجودا، ونرفض الانمحاء.



#نائلة_أبوطاحون (هاشتاغ)       Naela_Abutahoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أطْيافُ الْمُنى
- على غصن الغياب
- شعر- فيض الأشواق
- ومضه شعرية
- قصيدة جراحُ الرّوح
- قصيدة مَدّ وَجَزر
- قصيدة / سألت القلب
- شعر -أمّي-
- أتُرى نعود!
- -رسائل من القدس وإليها- تطرح وهموم الناس
- قصيدة / محض ذكرى
- شعر/ رحيل
- من طفولتي/هوايتي المطالعه
- شعر/ هجر وعذاب
- شعر / طوبى للثائرين
- ديوان على ضفاف الأيام والأدب الجميل بقلم: رائد يونس
- حديث الرّوح
- أرض الأمل
- زَهرُ الياسَمين
- آن الأوان لننتصر


المزيد.....




- الأديب التونسي رضا مامي: الشاعر الحقيقي يظل على يسار السلطة ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- هذه السيدة نقلت ثقافة وتعليم اليابان إلى سلطنة عمان
- من خيال إلى حقيقة.. هل جسد فيلم -هوستل- ما جرى في جزيرة إبست ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- -شبكات-.. فشل فيلم ميلانيا ترمب و-لوحة فارغة- تباع بآلاف الد ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- أشهر خمسة انتهازيين في السينما العالمية
- فيندرز رئيسا للجنة التحكيم: هل يطلق مهرجان برلين النار على - ...


المزيد.....

- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نائلة أبوطاحون - قراءة في ديوان ركاب ألرحيل بقلم أ.حنين الكرمي