|
|
فلسطين: جرح الإنسانية المفتوح.. أطول مأساة استعمارية في التاريخ الحديث
حسن العاصي
باحث وكاتب
(Hassan Assi)
الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 16:18
المحور:
القضية الفلسطينية
منذ أكثر من سبعة عقود، والعالم يشهد مأساةً لا تنتهي، مأساة شعبٍ كُتب عليه أن يكون آخر ضحية للاستعمار في التاريخ الحديث. الشعب الفلسطيني، الذي لم يعرف يومًا طعم الاستقرار، يعيش تحت وطأة استعمار استيطاني دموي، يقتلع الأرض، ويهدم البيوت، ويقتل الأطفال، ويحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء. إنها ليست مجرد قضية سياسية عالقة، بل هي جرح مفتوح في جسد الإنسانية، يذكّرنا كل يوم بأن العدالة الدولية ليست سوى شعارات فارغة حين يتعلق الأمر بفلسطين. شعبٌ قدّم من التضحيات ما لم يقدمه أي شعب آخر: ملايين المهجرين، آلاف الشهداء، أجيال وُلدت في المخيمات وكبرت تحت القصف، ومع ذلك ظلّ متمسكًا بحقّه، رافضًا أن يرفع الراية البيضاء أو يساوم على وجوده. وفي المقابل، يقف العالم العربي والإسلامي، ومعه العالم المتمدن، موقف العاجز أو المتفرج، وكأن فلسطين ليست اختبارًا للضمير الإنساني، بل مجرد ملف سياسي يُدار في أروقة المؤتمرات. إن الصمت أمام هذه المأساة ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة، وتواطؤ مع المستعمر الذي يواصل جرائمه بلا رادع. فلسطين اليوم ليست مجرد أرض محتلة، بل هي رمز للكرامة البشرية المهدورة، وللحق الذي يُذبح كل يوم أمام أعين العالم. إنها قضية الإنسانية جمعاء، قضية الحرية والعدالة، قضية آخر شعب ما زال يقاوم الاستعمار في زمنٍ ادّعى أنه تجاوز عصور الاحتلال.
المحور الأول: المدخل التاريخي حين نتأمل مسار القضية الفلسطينية، ندرك أننا أمام أطول مأساة استعمارية في التاريخ الحديث. فالقصة لم تبدأ مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، بل جذورها أعمق بكثير، تعود إلى لحظة صدور وعد بلفور عام 1917، حين منحت بريطانيا – القوة الاستعمارية العظمى آنذاك – أرضًا لا تملكها لشعب لا يعيش فيها، متجاهلةً وجود شعبٍ أصيل متجذر في أرضه منذ آلاف السنين. منذ ذلك التاريخ، تحولت فلسطين إلى ساحة مفتوحة للتجارب الاستعمارية: الانتداب البريطاني الذي سهّل الهجرة اليهودية المنظمة، وأسس البنية التحتية لقيام كيان استيطاني، ثم النكبة عام 1948 التي مثّلت أكبر عملية تطهير عرقي في القرن العشرين، حيث هُجّر أكثر من 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، وتحولت حياتهم إلى مخيمات لجوء ممتدة عبر المنطقة. لم يكن الفلسطينيون ضحية حرب عابرة، بل ضحية مشروع استيطاني إحلالي هدفه اقتلاع السكان الأصليين وإحلال مستوطنين مكانهم. هذا النموذج الاستعماري – الذي عرفه العالم في جنوب إفريقيا والجزائر – انتهى هناك، لكنه استمر في فلسطين، ليجعلها آخر أرض مستعمرة في العالم الحديث. إن المدخل التاريخي للقضية يوضح أن الفلسطينيين لم يواجهوا مجرد نزاع سياسي، بل واجهوا منظومة استعمارية متكاملة: قوة عسكرية مدعومة من الغرب، منظومة قانونية تشرعن الاحتلال، ودعم دولي يضمن استمرار الاستيطان. ومع ذلك، ظل الشعب الفلسطيني متمسكًا بأرضه وهويته، رافضًا أن يُمحى من التاريخ، ليصبح وجوده ذاته فعل مقاومة يومي.
الاستعمار الاستيطاني وممارساته حين ننتقل من المدخل التاريخي إلى الواقع الميداني، ندرك أن فلسطين ليست مجرد أرض محتلة، بل هي نموذج صارخ لـ الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي يسعى إلى اقتلاع شعبٍ كامل من جذوره وإحلال مستوطنين مكانه. هذا ليس احتلالًا تقليديًا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل مشروع متكامل يهدف إلى محو الهوية، ومصادرة الأرض، وتغيير التاريخ والجغرافيا معًا. منذ النكبة وحتى اليوم، لم يتوقف هذا المشروع عن التمدد: ـ مصادرة الأراضي: ملايين الدونمات انتُزعت من أصحابها الأصليين، وتحولت إلى مستوطنات محصنة، تُبنى فوق أنقاض القرى الفلسطينية المدمرة. ـ التهجير القسري: سياسات ممنهجة لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، عبر التضييق الاقتصادي، هدم البيوت، وسحب الهويات. ـ القتل الممنهج: ليس مجرد حوادث فردية، بل سياسة مستمرة تستهدف المدنيين، الأطفال، والنساء، لترويع المجتمع بأسره. ـ الحصار والعقاب الجماعي: غزة مثال حيّ، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان في أكبر سجن مفتوح في العالم، محرومين من أبسط حقوق الحياة. ـ الاعتقالات: عشرات الآلاف من الفلسطينيين مرّوا بالسجون، بينهم أطفال ونساء، في محاولة لكسر إرادة المقاومة. هذا الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة صياغة الوعي: عبر المناهج، الإعلام، والرموز، ليُقنع العالم أن فلسطين أرض بلا شعب، وأن المستوطن هو صاحب الحق. إنها محاولة لاغتيال الحقيقة قبل اغتيال الإنسان. ومع ذلك، يظل الفلسطينيون في مواجهة هذا المشروع، يقاومون بأبسط الوسائل: بالحجر، بالكلمة، بالصمود اليومي. إن مجرد البقاء في الأرض هو فعل مقاومة، وإن كل بيت يُعاد بناؤه بعد الهدم هو إعلان تحدٍ جديد.
التضحيات الفلسطينية إذا كان الاستعمار الاستيطاني قد سعى إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، فإن ردّ هذا الشعب كان عبر تضحيات لا مثيل لها في التاريخ الحديث. لم يكتف الفلسطينيون بالصمود، بل جعلوا من حياتهم اليومية فعل مقاومة، ومن موتهم شهادة على أن الحق لا يموت. ـ التهجير واللجوء: أكثر من سبعمائة وخمسين ألف فلسطيني اقتُلعوا من قراهم ومدنهم عام 1948، وتحولت حياتهم إلى مخيمات ممتدة من لبنان وسوريا والأردن إلى غزة والضفة. أجيال وُلدت في الخيام، وكبرت وهي تحمل مفاتيح البيوت المهدمة كرمز للعودة. ـ الشهداء: عشرات الآلاف قضوا دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم، بينهم أطفال ونساء، ليصبح الدم الفلسطيني شاهدًا يوميًا على استمرار الجريمة. ـ الأسرى: أكثر من مليون فلسطيني مرّوا بالسجون منذ بداية الاحتلال، بينهم قُصّر ونساء، ليجعلوا من الزنازين مدارس للصمود، ومن القيود رموزًا للحرية. ـ غزة المحاصرة: مليونا إنسان يعيشون في أكبر سجن مفتوح في العالم، يتعرضون للقصف والحصار، ومع ذلك يواصلون الحياة، يبنون، يدرسون، ويقاومون. ـ القدس والضفة: حيث يُهدم البيت ليُبنى من جديد، ويُقتلع الزيتون ليُزرع مرة أخرى، في مشهد يومي يؤكد أن الفلسطينيين لا ينهزمون. هذه التضحيات ليست مجرد أرقام، بل هي حكايات إنسانية مؤلمة: أمّ تودّع أبناءها، طفل يذهب إلى المدرسة تحت القصف، أسير يكتب رسالة من زنزانة مظلمة، لاجئ يعلّق مفتاح بيته على صدره كأغلى ما يملك. كل قصة من هذه القصص هي فصل جديد في ملحمة شعبٍ قرر أن يعيش واقفًا، مهما كان الثمن. إن الفلسطينيين قدّموا للعالم درسًا في معنى الكرامة والحرية: أن الإنسان يمكن أن يُحاصر، يُهجّر، يُسجن، ويُقتل، لكنه لا يُهزم إذا تمسك بحقه.
العدو الاستيطاني وممارساته اليومية حين نتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي، لا نتحدث عن قوة عسكرية عابرة أو نزاع حدودي تقليدي، بل عن منظومة استعمارية استيطانية متكاملة، تُمارس القمع والقتل والاقتلاع بشكل يومي ومنهجي، لتجعل حياة الفلسطينيين سلسلة متواصلة من المعاناة. ـ القتل الممنهج: لا يمر يوم دون سقوط ضحايا مدنيين، أطفال ونساء وشيوخ، في سياسة واضحة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع الفلسطيني عبر نشر الرعب والخوف. ـ هدم البيوت: آلاف المنازل تُهدم سنويًا، لتُترك العائلات بلا مأوى، في محاولة لاقتلاع الفلسطيني من أرضه ودفعه إلى الرحيل. ـ المستوطنات: تتوسع كالأخطبوط، تلتهم الأرض، وتقطع أوصال المدن والقرى، لتجعل الفلسطيني غريبًا في وطنه ومحاصرًا في جغرافيا ممزقة. ـ الحصار والعقاب الجماعي: غزة مثال صارخ، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان تحت حصار خانق منذ سنوات، محرومين من أبسط مقومات الحياة، في أكبر سجن مفتوح في العالم. ـ الاعتقالات: عشرات الآلاف من الفلسطينيين يقبعون في السجون، بينهم أطفال ونساء، في محاولة لإسكات كل صوت معارض، وتحويل المقاومة إلى جريمة. ـ التحكم في الحياة اليومية: من الحواجز العسكرية التي تقطع الطرق، إلى التصاريح التي تتحكم في حركة الناس، إلى منع الوصول إلى المدارس والمستشفيات، كل تفاصيل الحياة تُدار بمنطق السيطرة والقمع. هذا العدو لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة صياغة الوعي والذاكرة: يسرق التاريخ، يغيّر أسماء القرى والمدن، ويُحاول أن يُقنع العالم أن فلسطين أرض بلا شعب. إنها محاولة لاغتيال الحقيقة قبل اغتيال الإنسان. ومع ذلك، يظل الفلسطينيون في مواجهة هذه الممارسات اليومية، يقاومون بالصمود، بالتمسك بالأرض، بإعادة بناء البيت بعد هدمه، بزرع الزيتون بعد اقتلاعه، وبإصرارهم على أن وجودهم ذاته هو فعل مقاومة.
الموقف العربي والإسلامي حين ننتقل من وصف الممارسات الاستعمارية إلى النظر في الموقف العربي والإسلامي، نجد أنفسنا أمام مشهد يثير الألم أكثر مما يثير الغضب. فالقضية الفلسطينية، التي يفترض أنها القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، تحولت مع مرور العقود إلى ملفٍ هامشي، يُستحضر في خطابات المناسبات، ويُرفع في المؤتمرات، ثم يُترك ليتآكل في واقعٍ من العجز والتواطؤ. لقد أثبتت التجربة أن الشعوب العربية والإسلامية ما زالت تحمل فلسطين في وجدانها، تخرج في مظاهرات، ترفع الأعلام، وتبكي شهداءها، لكن الأنظمة الرسمية غالبًا ما تقف موقف المتفرج، أو تكتفي ببيانات شجب لا تُسمن ولا تُغني من جوع. في لحظاتٍ كثيرة، بدا وكأن فلسطين تُركت وحيدة، تواجه أعتى قوة استعمارية في العصر الحديث، بينما محيطها الطبيعي عاجز عن حمايتها أو نصرتها. هذا العجز لم يكن مجرد صمت، بل في بعض الأحيان تحول إلى تواطؤ سياسي، عبر اتفاقيات وتطبيع وعلاقات تُمنح للمستعمر، بينما يُترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره وحده. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن القضية التي يفترض أن تكون معيارًا لوحدة الأمة، أصبحت معيارًا لانقسامها، وأن فلسطين التي كانت رمزًا للكرامة، تحولت إلى مرآة تكشف ضعف الإرادة السياسية في العالم العربي والإسلامي. إن الموقف العربي والإسلامي من فلسطين ليس مجرد قضية سياسية، بل هو اختبار أخلاقي وحضاري. فحين تُترك فلسطين وحدها، فإن ذلك يعني أن الأمة كلها قد تخلّت عن جزء من روحها، وأنها رضيت أن ترى شعبًا يُذبح يوميًا دون أن تتحرك.
الموقف الدولي وازدواجية المعايير حين نرفع النظر من العالم العربي والإسلامي إلى الساحة الدولية، نجد أن مأساة فلسطين تكشف بوضوح أكبر ازدواجية معايير عرفها التاريخ الحديث. فالعالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان، ويقيم المؤتمرات عن العدالة والحرية، يقف عاجزًا – أو متواطئًا – أمام جريمة استعمارية مستمرة منذ أكثر من سبعين عامًا. لقد صدرت عشرات القرارات الأممية التي تؤكد حق الفلسطينيين في العودة، وتدين الاستيطان، وتطالب بإنهاء الاحتلال، لكن هذه القرارات بقيت حبرًا على ورق، بلا آليات تنفيذ، بلا إرادة سياسية، وكأن القانون الدولي يُطبّق على الجميع إلا على فلسطين. في المقابل، نرى كيف يتحرك المجتمع الدولي بسرعة وصرامة في أزمات أخرى، يفرض العقوبات، يرسل القوات، ويقيم المحاكم الدولية، بينما يكتفي في فلسطين ببيانات شجب باهتة لا توقف رصاصة ولا تحمي طفلًا. إن القوى الكبرى، التي تدّعي قيادة العالم الحر، لم تكن يومًا محايدة في هذه القضية، بل كانت جزءًا من المشكلة. الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي جعل من هذا الاستعمار مشروعًا محميًا دوليًا، لا مجرد قوة محلية. وهكذا، تحولت فلسطين إلى اختبار فاضح للضمير العالمي: هل العدالة قيمة مطلقة، أم مجرد أداة تُستخدم حين تخدم المصالح؟ إن الموقف الدولي من فلسطين لا يكشف فقط عن عجز المؤسسات الأممية، بل عن انهيار المنظومة الأخلاقية العالمية. فحين يُترك شعبٌ يُذبح يوميًا دون حماية، وحين تُغتصب أرضه أمام أعين العالم، فإن ذلك يعني أن الإنسانية نفسها قد فقدت معناها، وأن القانون الدولي لم يعد سوى أداة انتقائية تُستخدم حيث تشاء القوى الكبرى، وتُعطّل حيث تشاء.
البعد الإنساني والأخلاقي القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع سياسي أو صراع حدودي، بل هي جرح أخلاقي مفتوح في جسد الإنسانية جمعاء. إنها المرآة التي تكشف لنا مدى هشاشة القيم التي يتغنى بها العالم: الحرية، العدالة، حقوق الإنسان. ففي فلسطين، تُذبح هذه القيم يوميًا أمام أعين الجميع، ويُترك شعبٌ بأكمله ليواجه مصيره وحده. إن البعد الإنساني للقضية يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين: طفل يذهب إلى مدرسته وهو يعلم أن الطريق قد يُغلق بحاجز عسكري، أمّ تودّع أبناءها وهي تدرك أن احتمال عودتهم أقل من احتمال فقدانهم، أسير يكتب رسالة من زنزانة مظلمة ليؤكد أن الأمل لا يموت، لاجئ يعلّق مفتاح بيته على صدره كأغلى ما يملك. هذه ليست مشاهد عابرة، بل هي ملحمة إنسانية ممتدة عبر الأجيال، تُظهر أن الفلسطينيين لا يقاتلون فقط من أجل أرض، بل من أجل حقهم في الحياة والكرامة. أما البعد الأخلاقي، فهو أكثر إيلامًا. فالعالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان يقف صامتًا أمام مأساة فلسطين، وكأن الفلسطينيين ليسوا جزءًا من الإنسانية التي يدّعي الدفاع عنها. هذا الصمت ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة، وتواطؤ مع المستعمر الذي يواصل جرائمه بلا رادع. إن فلسطين اليوم ليست مجرد قضية محلية، بل هي اختبار للضمير العالمي: هل العدالة قيمة مطلقة، أم مجرد أداة تُستخدم حين تخدم المصالح؟ إن المأساة الفلسطينية تضع كل إنسان أمام مسؤولية شخصية: أن يختار بين الصمت الذي يعني القبول بالجريمة، أو الموقف الأخلاقي الذي يعني الانحياز للحق والكرامة. ففلسطين ليست قضية شعب واحد، بل قضية الإنسانية كلها، قضية الحرية التي إن سقطت هناك، سقطت في كل مكان.
فلسطين… دمعة الحرية التي لا تجف في نهاية هذا المقال، لا يمكن للكلمات أن تفي حجم المأساة، ولا يمكن للأحرف أن تحمل ثقل الدماء والدموع التي سالت على أرض فلسطين. لا يمكن للقلم أن يغلق صفحته دون أن يصرخ بما يراه كل ضمير حي: إن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية عالقة، ولا نزاعًا على أرض وحدود، بل هي أطول مأساة استعمارية في التاريخ الحديث، وجرح مفتوح في جسد الإنسانية جمعاء. شعبٌ قدّم من التضحيات ما لم يقدمه أي شعب آخر، وما زال يواجه استعمارًا استيطانيًا دمويًا، بينما يقف العالم عاجزًا أو متواطئًا، مكتفيًا بالشجب والبيانات الفارغة. فلسطين قصة إنسانية دامية، قصة شعبٍ حُكم عليه أن يكون آخر ضحية للاستعمار في التاريخ الحديث، وأول شاهد على انهيار الضمير العالمي. فمنذ أكثر من سبعين عامًا، والأرض تُنهب، والبيوت تُهدم، والأطفال يُقتلون، والأمهات يودّعن أبناءهن في جنازات لا تنتهي. كل بيت مهدوم هو صرخة، كل زيتونة مقتَلعة هي دمعة، كل أسير خلف القضبان هو شاهد حيّ على أن الحرية تُذبح كل يوم أمام أعين العالم. إن فلسطين اليوم ليست مجرد أرض محتلة، بل هي جرح الإنسانية المفتوح، الذي يذكّرنا أن العدالة ليست سوى شعارات فارغة حين تُترك لتُذبح على أبواب غزة والقدس والضفة. إن الصمت أمام هذه المأساة ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة، وتواطؤ مع المستعمر الذي يواصل جرائمه بلا رادع. إن فلسطين اليوم هي معيار الأخلاق، واختبار العدالة، ومرآة تكشف زيف الشعارات التي يتغنى بها العالم. فمن يقف صامتًا أمام دماء الأطفال، ودموع الأمهات، وصرخات الأسرى، وموت الأطفال برداً، وجوعاً، وحرقاً، وقتلاً. لا يمكن أن يدّعي الدفاع عن الحرية أو الكرامة الإنسانية. ولذلك، فإن الدفاع عن فلسطين ليس خيارًا سياسيًا، بل هو واجب أخلاقي وإنساني. إنها قضية كل إنسان يؤمن أن الحق لا يموت، وأن الحرية لا تُشترى، وأن الكرامة لا تُباع. فلسطين ستظل تقاوم، ستظل تبني بيتًا بعد كل هدم، وتزرع زيتونة بعد كل اقتلاع، وتُخرج جيلًا جديدًا بعد كل مجزرة، لتقول للعالم: أنا آخر شعب مستعمَر، لكنني لن أنكسر… فلتبكِ الإنسانية على نفسها قبل أن تبكي على فلسطين، لأن سقوطها الأخلاقي بدأ هناك، ولأن دمعة فلسطين هي دمعة العالم كله، دمعة الحرية التي لا تجف.
#حسن_العاصي (هاشتاغ)
Hassan_Assi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المستوطنون والاحتلال وجهان لعنف واحد.. من القتل إلى اقتلاع ا
...
-
الكاتب العربي بين التهميش وجشع دور النشر: الإبداع بمنطق السو
...
-
غرينلاند بين أطماع واشنطن وسيادة كوبنهاغن: منطق البلطجة السي
...
-
الاستيطان المستتر: تفكيك الجغرافيا وإعادة تشكيل المكان الفلس
...
-
التوحش الإمبراطوري وانهيار القيم العالمية وصورة العالم المتح
...
-
حين يصمت العقل النقدي: هل ما زال المثقف العربي ضمير الأمة؟
-
تفكيك المركزية الغربية: قراءة في مشروع الاستغراب
-
حين تخذلنا الأنظمة: من الشرعية إلى العجز الممنهج
-
المستطيل الأخضر.. خندق الانقسام العربي ..حرب القبائل الكروية
-
صدور العدد الثاني من مجلة تفكيك: الهويات المتحركة في زمن الت
...
-
الاستشراق الرقمي: كيف تصنع وسائل الإعلام الغربية شرقاً جديدا
...
-
تحولات النيوليبرالية: من الانفتاح الاقتصادي إلى الاستبداد ال
...
-
لأننا فلسطينيون: نكتب من جهة القلب، ونحمل من جهة الذاكرة حزن
...
-
الفساد في البعثات الفلسطينية: الملفات المسكوت عنها
-
فلسطين في المغرب: لاجئة في القلب، مقيمة في الوعي والضمير
-
الدبلوماسية الفلسطينية من رياض المالكي إلى فارسين شاهين: الو
...
-
قمة بلا ضمير: حين يُغسل الدم الفلسطيني بالتصفيق.. ويُكتب مصي
...
-
نوبل للسلام: بين الضحية والسردية الغربية
-
محرقة القرن: غزة جرح في ضمير العالم.. الدم الذي لا يُرى
-
الناجون في غزة: حين تصبح النجاة شكلاً آخر للموت
المزيد.....
-
فيصل بن فرحان يوضح رؤية السعودية للعلاقة مع الإمارات والاختل
...
-
الغموض يخيّم على شمال شرق سوريا مع مواجهة الأكراد لتهديدات ج
...
-
قانون بوابة شرق المتوسط: خطوة أمريكية لتعزيز البنية التحتية
...
-
فرنسا - الجزائر: سيغولين روايال تزور الجزائر على خلفية توتر
...
-
إسرائيل تعلن استعادة رفات آخر رهينة بغزة وحماس تعتبر العملية
...
-
كيف ستتعامل مصر مع قرار إسرائيل فتح معبر رفح بشكل محدود وتحت
...
-
رئيس وزراء السنغال في المغرب.. هل تُطوى صفحة النهائي الساخن
...
-
ترسلة.. من أثر تاريخي إلى قاعدة استيطانية عسكرية تهدد شمال ا
...
-
الجزيرة ترصد تحركات روسية بمحيط مطار القامشلي في سوريا
-
المطرب أحمد سعد يتراجع عن تصريحاته بشأن -ذا فويس- ويعتذر لجم
...
المزيد.....
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
-
البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية
/ سعيد مضيه
-
فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع
/ سعيد مضيه
-
جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2].
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|