|
|
المستوطنون والاحتلال وجهان لعنف واحد.. من القتل إلى اقتلاع الزيتون
حسن العاصي
باحث وكاتب
(Hassan Assi)
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 15:45
المحور:
القضية الفلسطينية
منذ عقود، يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت وطأة واقع مزدوج: احتلال عسكري مباشر، واستيطان متسارع يلتهم الأرض والموارد. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن وجه أكثر قسوة لهذا المشروع؛ حيث تحوّل المستوطنون إلى أداة عنف يومي، يقتحمون القرى، يحرقون البيوت والسيارات، ويعتدون على الأهالي، وكل ذلك تحت أنظار وحماية الجيش الإسرائيلي. هذا العنف ليس عشوائيًا، بل هو جزء من منظومة سياسية وأمنية تسعى إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية، عبر بث الرعب في نفوس الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل. إن مشاهد الأطفال الذين يُحرمون من مدارسهم بسبب هجمات المستوطنين، والمزارعين الذين تُقتلع أشجار الزيتون من حقولهم، والبيوت التي تتحول إلى رماد، ليست مجرد تفاصيل محلية، بل هي شهادة دامغة على سياسة ممنهجة تهدف إلى محو الوجود الفلسطيني. المستوطنون لا يقفون وحدهم في هذه الجرائم؛ فحماية الجيش الإسرائيلي لهم، وتواطؤه في كثير من الأحيان، يكشف أن الأمر يتجاوز "انفلاتًا فرديًا" ليصبح أداة رسمية لفرض واقع استعماري جديد. ومع كل هجوم، يتضح أن الإعلام الدولي، رغم تغطيته، لا يزال عاجزًا عن كبح هذه الانتهاكات أو مساءلة مرتكبيها. إن كتابة هذا المقال ليست مجرد سرد للوقائع، بل هي دعوة إلى القارئ للتأمل في حجم المأساة، وفهم أن ما يحدث في فلسطين اليوم هو جريمة مستمرة ضد الإنسانية، تستدعي موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا من كل من يؤمن بالعدالة والكرامة الإنسانية.
المستوطنون يقتلون ويهدمون والجيش يحمي العنف الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية لم يعد مجرد أحداث متفرقة يمكن وصفها بالاستثناء، بل أصبح ظاهرة بنيوية مرتبطة بمشروع الاستيطان ذاته، ومحمية بشكل مباشر من الجيش الإسرائيلي. هذا العنف يتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من الاعتداءات الجسدية على المدنيين الفلسطينيين، مرورًا بحرق المنازل والسيارات، وصولًا إلى اقتلاع الأشجار المثمرة وتدمير مصادر الرزق. أرقام تكشف حجم الظاهرة وفق تقرير صادر عن دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني لعام 2025، نفذ المستوطنون أكثر من 5,538 اعتداءً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال عام واحد، شملت إطلاق نار مباشر، استخدام الحجارة والقنابل الحارقة، وحرق الممتلكات. هذه الاعتداءات أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينيًا، معظمهم نتيجة إطلاق النار المباشر، بينهم أطفال وشباب في بلدات شمال شرق رام الله ونابلس وبيت لحم. تقرير آخر صادر عن منظمة التعاون الإسلامي أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي والمستوطنين نفذوا معًا ما يقارب 23,827 هجومًا في الضفة الغربية خلال عام 2025، وهو رقم قياسي غير مسبوق. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أكد أن عام 2025 شهد أعلى معدل إصابات على يد المستوطنين منذ 20 عامًا، حيث أصيب أكثر من 220 فلسطينيًا، بمعدل 44 إصابة شهريًا. سردية العنف اليومي في القرى الفلسطينية، يتحول الليل إلى كابوس حين يقتحم المستوطنون الأحياء تحت حماية الجيش. مشاهد البيوت المحترقة، السيارات المدمرة، والأشجار المقتلعة ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي أدوات لإرهاب السكان ودفعهم إلى الرحيل. هذا العنف يضرب في عمق الحياة اليومية: أطفال يُحرمون من مدارسهم بسبب إغلاق الطرق أو الخوف من الهجمات، مزارعون يفقدون أراضيهم ومصدر رزقهم، وعائلات تُهجّر قسرًا بعد أن تُحرق منازلها أو تُهدم بالجرافات. ما يميز هذه الاعتداءات أنها ليست عشوائية، بل ممنهجة. فالهجمات تتصاعد بشكل ملحوظ قبيل الانتخابات الإسرائيلية، حيث يُستخدم خطاب التخويف من "الخطر الديموغرافي" كأداة سياسية، ثم تهدأ نسبيًا حين ينشغل الإعلام بقضايا أخرى. هذا النمط الدوري يكشف أن المستوطنين ليسوا مجرد جماعات منفلتة، بل جزء من منظومة سياسية وأمنية تستثمر في العنف لتحقيق أهداف استراتيجية. دلالة سياسية وإنسانية العنف الممنهج للمستوطنين يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية عبر تفريغ الأرض من سكانها الأصليين. هذه السياسة، التي تجمع بين الاعتداءات الفردية والحماية المؤسسية من الجيش، تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتدخل في إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. إن سرد هذه الأرقام والوقائع ليس مجرد توثيق، بل هو محاولة لإظهار أن ما يحدث في فلسطين اليوم هو سياسة ممنهجة لإلغاء الوجود الفلسطيني، وأن المستوطنين والجيش الإسرائيلي يعملون كجناحين لمشروع واحد: السيطرة على الأرض عبر العنف والإرهاب.
دور الجيش الإسرائيلي في حماية المستوطنين والتواطؤ معهم حين نتحدث عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية، لا يمكن عزله عن الدور الذي يلعبه الجيش الإسرائيلي. فالمشهد المتكرر في القرى الفلسطينية يكشف أن المستوطنين لا يتحركون وحدهم، بل غالبًا ما يكونون محاطين بجنود مدججين بالسلاح، يوفّرون لهم الحماية أثناء الاعتداءات، ويمنعون الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم أو ممتلكاتهم. هذه العلاقة ليست مجرد تغاضٍ، بل هي تواطؤ مؤسسي يضفي شرعية على العنف ويحوّله إلى سياسة يومية. تقارير الأمم المتحدة لعام 2025 تشير إلى أن أكثر من 80% من هجمات المستوطنين وقعت بحضور الجيش الإسرائيلي، حيث لم يتدخل الجنود لحماية الفلسطينيين، بل في حالات كثيرة شاركوا في الاعتداءات أو وفّروا الغطاء الأمني للمستوطنين. في الأشهر الأولى من عام 2025، وثّقت منظمات حقوقية محلية أكثر من 300 حادثة مشتركة بين المستوطنين والجيش، شملت إطلاق نار على المدنيين، إغلاق طرق، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المصابين. منظمة العفو الدولية وصفت هذا النمط بأنه سياسة ممنهجة لإرهاب السكان، مؤكدة أن الجيش لا يكتفي بحماية المستوطنين، بل يشارك في الهدم والإخلاء القسري الذي يسهّل توسع المستوطنات. في كل مرة يهاجم المستوطنون قرية فلسطينية، يظهر الجيش كحارس لهم، يطوّق المكان ويمنع الأهالي من الاقتراب، بينما تُحرق البيوت وتُدمّر الممتلكات أمام أعين الجنود. هذا المشهد يرسّخ لدى الفلسطينيين قناعة أن الجيش ليس قوة نظامية محايدة، بل طرف مباشر في مشروع الاستيطان. الأخطر أن هذا التواطؤ يخلق ثقافة الإفلات من العقاب؛ فالمستوطن الذي يعتدي أو يقتل لا يُحاسب، بل يُعامل كجزء من منظومة محمية، بينما يُعاقب الفلسطيني إذا حاول الدفاع عن نفسه. هذه المعادلة غير المتكافئة تعكس أن الجيش والمستوطنين يعملون كجناحين لمشروع واحد: السيطرة على الأرض عبر العنف. وجود الجيش في مشهد الاعتداءات يضفي عليها طابعًا رسميًا، ويحوّلها من انفلات فردي إلى سياسة دولة. هذا الدور يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، إذ أن حماية المستوطنين أثناء ارتكابهم جرائم ضد المدنيين يُصنّف ضمن جرائم الحرب. إن التواطؤ بين الجيش والمستوطنين لا يقتصر على الحماية الميدانية، بل يمتد إلى البنية القانونية والسياسية التي تمنح المستوطنين امتيازات واسعة، وتحوّل الفلسطينيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية في أرضهم.
الأثر على الحياة اليومية للفلسطينيين الأثر الذي يتركه عنف المستوطنين وتواطؤ الجيش الإسرائيلي على الحياة اليومية للفلسطينيين يتجاوز حدود الاعتداءات المباشرة، ليصبح جزءًا من تفاصيل العيش اليومي في القرى والمدن. فالفلسطيني لا يواجه فقط خطر الهجوم على منزله أو أرضه، بل يعيش في ظل خوف دائم من أن تتحول أبسط أنشطته اليومية إلى مأساة. الذهاب إلى المدرسة، العمل في الحقول، التنقل بين القرى، وحتى الوصول إلى المستشفيات، كلها أنشطة محفوفة بالمخاطر بسبب وجود المستوطنين المدعومين من الجيش. الأرقام التي وثقتها منظمات حقوقية تكشف حجم هذا الأثر. ففي عام 2025 وحده، تم تهجير أكثر من خمسة آلاف فلسطيني من منازلهم نتيجة عمليات الهدم والإخلاء القسري، كثير منها جاء بعد هجمات المستوطنين أو بحجة عدم وجود تراخيص بناء. أكثر من 173 طفلًا فقدوا حياتهم خلال العام نفسه نتيجة اعتداءات مباشرة أو بسبب منع وصول سيارات الإسعاف في الوقت المناسب. المدارس الفلسطينية في مناطق مثل نابلس والخليل شهدت تعطيلًا متكررًا للدروس بسبب اقتحامات المستوطنين أو إغلاق الطرق من قبل الجيش، ما جعل التعليم نفسه مهددًا. أما المزارعون، فقد خسروا آلاف أشجار الزيتون التي اقتلعها المستوطنون أو أُحرقت في هجمات ليلية، وهو ما يعني فقدان مصدر رزق أساسي وذاكرة جماعية مرتبطة بالأرض. هذا الأثر لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. الأطفال يكبرون في بيئة مشبعة بالخوف، حيث يصبح صوت الرصاص أو رؤية الجنود جزءًا من يومياتهم. النساء يعشن قلقًا دائمًا على أسرهن، والرجال يواجهون شعورًا بالعجز أمام قوة عسكرية تحمي المعتدين. هذه التجربة الجماعية تخلق حالة من الضغط النفسي المستمر، وتؤثر على النسيج الاجتماعي، إذ تضطر بعض العائلات إلى النزوح الداخلي أو الهجرة بحثًا عن أمان مفقود. إن الحياة اليومية للفلسطينيين في ظل الاستيطان والعنف ليست حياة طبيعية، بل هي سلسلة من الانقطاعات والتهديدات المستمرة. كل نشاط بسيط، من الذهاب إلى السوق إلى العمل في الأرض، يمكن أن يتحول إلى مواجهة مع المستوطنين أو الجيش. هذا الواقع يرسّخ أن الاستيطان ليس مجرد مشروع عمراني، بل هو سياسة تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين غير محتملة، ودفعهم تدريجيًا إلى الرحيل. وبذلك يصبح العنف اليومي أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، وتحويل الفلسطينيين إلى غرباء في أرضهم.
البعد القانوني والإنساني إن العنف الذي يمارسه المستوطنون في فلسطين، وما يرافقه من حماية وتواطؤ من الجيش الإسرائيلي، لا يمكن النظر إليه فقط كحوادث أمنية أو نزاعات محلية، بل يجب وضعه في إطار القانون الدولي والبعد الإنساني. فهذه الممارسات، بما تتضمنه من قتل المدنيين، تدمير الممتلكات، تهجير قسري، ومنع وصول الخدمات الأساسية، تدخل مباشرة في نطاق ما يُعرّفه القانون الدولي الإنساني كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 تنص بوضوح على حماية المدنيين في أوقات النزاع، وتحظر النقل القسري للسكان أو الاستيلاء على أراضيهم، وهو ما يحدث بشكل يومي في الضفة الغربية تحت غطاء الاستيطان. تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أكدت أن سياسات الاستيطان والاعتداءات المرتبطة بها تمثل انتهاكًا صارخًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف، التي تحظر على القوة المحتلة نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. ومع ذلك، تستمر إسرائيل في توسيع المستوطنات، وتوفير الحماية للمستوطنين أثناء ارتكابهم أعمال عنف، مما يجعل هذه الممارسات جزءًا من سياسة دولة وليست مجرد تجاوزات فردية. في عام 2025، أصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان تقريرًا يصف الهجمات المتزايدة بأنها "ممنهجة وتهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للأراضي المحتلة"، وهو توصيف يضعها في خانة الجرائم ضد الإنسانية. البعد الإنساني لهذه الانتهاكات يتجلى في حياة الفلسطينيين اليومية، حيث يُحرم الأطفال من التعليم الآمن، وتُقتلع الأشجار التي تمثل مصدر رزق وذاكرة جماعية، وتُهجّر العائلات من منازلها لتفسح المجال أمام توسع المستوطنات. هذه الممارسات لا تنتهك فقط نصوص القانون الدولي، بل تمس جوهر الكرامة الإنسانية، إذ تحوّل الفلسطينيين إلى مواطنين بلا حماية، وتضعهم في مواجهة دائمة مع قوة عسكرية منظمة. إن إدراك هذه الأبعاد القانونية والإنسانية ضروري لفهم أن ما يحدث في فلسطين ليس مجرد نزاع سياسي، بل هو جريمة مستمرة ضد الإنسانية تتطلب مساءلة دولية. الصمت أو الاكتفاء ببيانات الإدانة لا يكفي، فالقانون الدولي يفرض التزامات واضحة على المجتمع الدولي لمنع هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها. وبذلك يصبح الحديث عن المستوطنين والجيش الإسرائيلي ليس فقط سردًا لوقائع، بل دعوة إلى تحرك قانوني وأخلاقي عاجل لحماية المدنيين الفلسطينيين ووقف سياسة الاستيطان التي تهدد وجودهم ذاته.
ردود الفعل الدولية والإعلامية رغم جسامة الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون في فلسطين تحت حماية الجيش الإسرائيلي، فإن ردود الفعل الدولية والإعلامية غالبًا ما تأتي متأخرة أو محدودة، ولا ترقى إلى مستوى حجم الجرائم المرتكبة. المنظمات الحقوقية الدولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أصدرت تقارير متكررة تدين هذه الممارسات وتصفها بأنها انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي الإنساني، لكن هذه الإدانات تبقى في إطار البيانات المكتوبة دون أن تتحول إلى إجراءات عملية لوقف العنف أو محاسبة مرتكبيه. الأمم المتحدة، عبر مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أكدت في تقاريرها لعام 2025 أن هجمات المستوطنين تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في الضفة الغربية، وهو توصيف يضعها في خانة الجرائم ضد الإنسانية، ومع ذلك لم تُتخذ خطوات ملموسة لفرض عقوبات أو مساءلة قانونية. الإعلام الدولي بدوره يتناول هذه الأحداث بشكل متقطع، وغالبًا ما يضعها في إطار "اشتباكات" أو "توترات" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو توصيف يخفف من حقيقة أن ما يحدث هو اعتداءات أحادية الجانب ينفذها المستوطنون تحت حماية الجيش. هذا الخطاب الإعلامي يساهم في تشويش الصورة لدى الرأي العام العالمي، ويجعل القضية تبدو وكأنها نزاع متكافئ بين طرفين، بينما الواقع يكشف عن قوة منظمة تمارس العنف ضد شعب أعزل. في المقابل، الإعلام الفلسطيني والعربي يوثق هذه الانتهاكات بشكل يومي، ويعرض صور البيوت المحترقة والأراضي المدمرة، لكنه يواجه تحديات في الوصول إلى الجمهور الغربي بسبب هيمنة الرواية الإسرائيلية على منصات الإعلام العالمية. ردود الفعل السياسية من بعض الدول الأوروبية والأمريكية اقتصرت على دعوات "التهدئة" أو "ضبط النفس"، دون أن تتضمن إدانة واضحة للاستيطان أو الاعتداءات المرتبطة به. هذا الموقف يعكس ازدواجية المعايير في التعامل مع القانون الدولي، حيث تُدان انتهاكات مشابهة في مناطق أخرى من العالم بصرامة، بينما يُترك الفلسطينيون لمواجهة العنف وحدهم. حتى حين تُطرح القضية في مجلس الأمن، غالبًا ما تُواجه بالفيتو الأمريكي الذي يحول دون صدور قرارات ملزمة. إن ضعف الموقف الدولي والإعلامي أمام هذه الانتهاكات يساهم في استمرارها، ويمنح المستوطنين والجيش الإسرائيلي شعورًا بالإفلات من العقاب. هذا الصمت أو الاكتفاء بالبيانات لا يخفف من معاناة الفلسطينيين، بل يرسّخ أن المجتمع الدولي عاجز أو غير راغب في مواجهة مشروع استيطاني يهدد وجود شعب بأكمله. وبذلك يصبح الحديث عن ردود الفعل الدولية والإعلامية جزءًا من نقد أوسع لغياب العدالة العالمية، ويكشف أن القضية الفلسطينية ليست فقط صراعًا محليًا، بل اختبارًا لمصداقية النظام الدولي في حماية حقوق الإنسان.
العنف الممنهج بالأرقام وفق تقارير حديثة، شهدت قرى في الضفة الغربية مثل جينصافوط، وفندق شرق قلقيلية هجمات واسعة شنها عشرات المستوطنين تحت حماية الجيش، حيث أُحرقت منازل، ورشة عمل، وحضانة أطفال، إضافة إلى سيارات وممتلكات خاصة، وأُصيب أكثر من 21 فلسطينيًا بجروح. تقرير أممي صدر في أكتوبر 2025 يؤكد أن هجمات المستوطنين، غالبًا بمشاركة أو دعم من قوات الاحتلال، تهدف إلى إرهاب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى ترك أراضيهم، وهو ما يشكل جزءًا من سياسة الضم التدريجي للضفة الغربية في انتهاك صارخ للقانون الدولي. تحليل حماية صادر عن منظمات دولية في مارس 2025 أشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ارتفاعًا بنسبة 179% في عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد المستوطنين أو الجيش، بينهم 173 طفلًا، إضافة إلى أكثر من 5,000 شخص تم تهجيرهم بسبب عمليات الهدم والإخلاء القسري
الدعوة للتحرك إن ما عرضناه عبر المحاور السابقة يكشف بوضوح أن عنف المستوطنين في فلسطين ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو سياسة ممنهجة تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية. هذا العنف، الذي يتراوح بين القتل المباشر وتدمير الممتلكات والتهجير القسري، يجد غطاءً وحماية من الجيش الإسرائيلي، مما يحوّله من اعتداءات فردية إلى ممارسة رسمية تحمل بصمة الدولة. الأثر اليومي على حياة الفلسطينيين، من تعطيل التعليم إلى فقدان مصادر الرزق والعيش في خوف دائم، يرسّخ أن الاستيطان ليس مشروعًا عمرانيًا، بل أداة لإلغاء الوجود الفلسطيني. القانون الدولي واضح في توصيف هذه الممارسات كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومع ذلك يبقى الموقف الدولي عاجزًا أو مترددًا في مواجهة هذا الواقع. الإعلام العالمي، حين يختزل هذه الاعتداءات في إطار "اشتباكات"، يساهم في إخفاء حقيقة أن الفلسطينيين يواجهون قوة منظمة تسعى إلى محوهم من أرضهم. هذا الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة، لا يخفف من معاناة الفلسطينيين، بل يمنح المستوطنين والجيش شعورًا بالإفلات من العقاب. إن الخاتمة هنا ليست مجرد تلخيص، بل دعوة إلى التحرك. فالقضية الفلسطينية ليست شأنًا محليًا، بل اختبارًا لمصداقية النظام الدولي في حماية حقوق الإنسان. إذا كان العالم عاجزًا عن مواجهة مشروع استيطاني يهدد وجود شعب بأكمله، فإن ذلك يضع الإنسانية جمعاء أمام سؤال أخلاقي خطير: ما قيمة القانون الدولي إذا لم يُطبّق حين يُقتل المدنيون ويُهجّرون من أرضهم؟ إن هذا المقال يوجّه القارئ إلى إدراك أن ما يحدث في فلسطين اليوم هو جريمة مستمرة ضد الإنسانية، وأن مسؤولية مواجهتها لا تقع على الفلسطينيين وحدهم، بل على كل من يؤمن بالعدالة والكرامة الإنسانية. الدعوة هنا ليست فقط إلى التضامن، بل إلى مساءلة سياسية وقانونية حقيقية، وإلى تحرك دولي يوقف هذه الجرائم ويعيد للفلسطينيين حقهم في العيش بأمان وكرامة على أرضهم.
#حسن_العاصي (هاشتاغ)
Hassan_Assi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكاتب العربي بين التهميش وجشع دور النشر: الإبداع بمنطق السو
...
-
غرينلاند بين أطماع واشنطن وسيادة كوبنهاغن: منطق البلطجة السي
...
-
الاستيطان المستتر: تفكيك الجغرافيا وإعادة تشكيل المكان الفلس
...
-
التوحش الإمبراطوري وانهيار القيم العالمية وصورة العالم المتح
...
-
حين يصمت العقل النقدي: هل ما زال المثقف العربي ضمير الأمة؟
-
تفكيك المركزية الغربية: قراءة في مشروع الاستغراب
-
حين تخذلنا الأنظمة: من الشرعية إلى العجز الممنهج
-
المستطيل الأخضر.. خندق الانقسام العربي ..حرب القبائل الكروية
-
صدور العدد الثاني من مجلة تفكيك: الهويات المتحركة في زمن الت
...
-
الاستشراق الرقمي: كيف تصنع وسائل الإعلام الغربية شرقاً جديدا
...
-
تحولات النيوليبرالية: من الانفتاح الاقتصادي إلى الاستبداد ال
...
-
لأننا فلسطينيون: نكتب من جهة القلب، ونحمل من جهة الذاكرة حزن
...
-
الفساد في البعثات الفلسطينية: الملفات المسكوت عنها
-
فلسطين في المغرب: لاجئة في القلب، مقيمة في الوعي والضمير
-
الدبلوماسية الفلسطينية من رياض المالكي إلى فارسين شاهين: الو
...
-
قمة بلا ضمير: حين يُغسل الدم الفلسطيني بالتصفيق.. ويُكتب مصي
...
-
نوبل للسلام: بين الضحية والسردية الغربية
-
محرقة القرن: غزة جرح في ضمير العالم.. الدم الذي لا يُرى
-
الناجون في غزة: حين تصبح النجاة شكلاً آخر للموت
-
إعلان انطلاق مجلة تفكيك للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية وق
...
المزيد.....
-
قتلى ومفقودون بالعشرات في حريق هائل بمركز تجاري جنوب باكستان
...
-
مقتل ثلاثة جنود سوريين بهجمات شمال البلاد رغم اتفاق التهدئة،
...
-
فوضى ودراما غير مسبوقة.. صدى نهائي أمم أفريقيا في الصحافة
-
السنغال تطيح بالمغرب وتفوز بكأس الأمم الأفريقية للمرة الثاني
...
-
غرينلاند: بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية، الاتحاد
...
-
الحياة تعود تدريجيا إلى شوارع طهران وأسواقها.. ماذا يقول الت
...
-
فرنسا: لماذا تتفاقم أزمة البيض؟
-
-لبّت لبّت-.. أيقونة الاحتفالات بعد سقوط الأسد وتحرير الرقة
...
-
بأكبر مشاركة في تاريخه.. انطلاق فعاليات معرض ديمدكس 2026 بال
...
-
توغو تؤكد استعدادها للعمل مع واشنطن والدوحة لتنفيذ اتفاقات ا
...
المزيد.....
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
-
بصدد دولة إسرائيل الكبرى
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2
/ سعيد مضيه
-
إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل
/ سعيد مضيه
-
البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية
/ سعيد مضيه
-
فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع
/ سعيد مضيه
-
جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2].
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|