أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - حمه الهمامي - بمناسبة الذكرى 40 لتأسيس حزب العمال، حوار شامل مع الرفيق الأمين العام حمه الهمامي















المزيد.....


بمناسبة الذكرى 40 لتأسيس حزب العمال، حوار شامل مع الرفيق الأمين العام حمه الهمامي


حمه الهمامي
الناطق الرسمي باسم حزب العمال التونسي


الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 12:57
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    



بعد عشر سنوات من الصراع بين الثورة والثورة المضادة تمكنت القوى الرجعية من استعادة السيطرة بالكامل والعودة بالبلاد إلى مربع الدكتاتورية بثوب شعبوي فاشي

حاورته شيراز بن حسين

تحت شعار “دوما على العهد”، أحيى حزب العمال يوم 10 جانفي 2026 بالعاصمة الذكرى 40 لتأسيسه (3 جانفي 1986) وذلك بحضور مناضلاته ومناضليه وممثلي المنظَمات والأحزاب التقدَمية وأصدقائه. وقد كان موكب إحياء ذكرى التأسيس مناسبة رفعت خلاله عديد الشعارات وفاء للشهداء والثورة.

وبهذه المناسبة، التقت “صوت الشعب”، الرفيق حمه الهمامي الأمين العام لحزب العمال وأجرت معه الحوار التالي:

أحييتم الأسبوع الماضي الذكرى 40 لتأسيس “حزب العمال الشيوعي التونسي” لو تعطينا فكرة عن الحدث؟ وعن مغزى شعار الاحتفال “دوما على العهد”؟

أحيى حزب العمال يوم 10 جانفي بقاعة الريو بالعاصمة الذكرى 40 لتأسيسه تحت شعار “دوما على العهد” تأكيدا منّا على أنّ حزب العمّال سيبقى ذلك الحزب الذي عرفه الشعب التونسي بعمّاله وكادحيه وفقرائه وشبابه ونسائه ومثقّفيه ومبدعيه حزب النّضال والثورة الذي لن يتوقّف عن الدفاع عن مطالبهم وعن السير معهم بشكل منظّم وواع نحو تغيير شامل لأوضاع بلادنا ممّا يمكّن من وضع حدّ لسيطرة أقلية من كبار الأثرياء المرتبطين عضويا بالدول والشركات الأجنبية والذين يؤبّدون عبر هذه العلاقة تبعية بلادنا ونهبها من الأجنبي، دولا وشركات رأسماليّة، عبر جهاز دولة بيروقراطي، دكتاتوري، وظيفته صيانة مصالح هذا التحالف المحلّي/الأجنبي عن طريق القمع للحيلولة دون تنظيم الشعب التونسي صفوفه وتقرير مصيره وإقامة جمهورية ديمقراطية شعبية تمثل الإطار السياسي الذي يمكنه من ممارسة سيادته على الدولة وعلى ثروات البلاد لتوظيفها من أجل النهوض بأوضاعه المادية والمعنوية وتلبية مطالبه في الشغل والحرية والكرامة الوطنية. وقد بيّن حزب العمال منذ تأسيسه في 3 جانفي 1986 أنّه لم يحِد عن هذا الطريق وبقي وفيّا لمنطلقاته النضالية، قدّم شهيدا وهو المناضل الكبير نبيل بركاتي الذي عذّب سنة 1987 حتى الموت كما عرف المئات من مناضلاته ومناضليه السجون.

قدم “حزب العمال الشيوعي التونسي” في مؤتمره التأسيسي مقاربة شاملة للتعاطي مع تحديات الأوضاع الدولية والعربية والمحلية السائدة آنذاك. الآن وبعد 40 سنة تغيرت الأوضاع بشكل عميق فهل مازلتم على نفس المقاربات؟

طبعا شهدت الأوضاع خلال هذه العقود الأربعة تغيرات كبرى شملت كافة المستويات الدولية والإقليمية والمحليّة. سقطت التجارب الاشتراكية للقرن العشرين واستبد النظام الرأسمالي من جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم. كما سقطت مختلف التجارب القومية في الوطن العربي ورفعت أنظمة العمالة والخيانة رأسها لتسود واتسعت مع ذلك رقعة الهيمنة الاستعمارية الامبريالية وسطوة صنيعها الكيان الصهيوني، وتعرض الشعب الفلسطيني المقاوم إلى عدة حروب إبادة وتهجير آخرها الحرب الحالية التي ما زالت سارية إلى اليوم. وفي تونس سقط نظام بورقيبة وعوّضه نظام بن علي الذي شكل امتدادا له ثم سقط هذا النظام تحت ضربات ثورة 2010_2011 ولكن بعد عشر سنوات من الصراع بين الثورة والثورة المضادة تمكنت القوى الرجعية من استعادة السيطرة بالكامل والعودة بالبلاد إلى مربع الدكتاتورية بثوب شعبوي فاشي الخ…

كل ذلك حصل، لكن طبيعة العصر لم تتغير كما لم تتغيّر طبيعة المهام الثورية. فالبشرية مازالت تعيش تحت قبضة النظام الرأسمالي في مرحلته الامبريالية وهذا النظام المسيطر اليوم على العالم يمكن القول دون أدنى شكّ إنه استنفد طاقته فلم يعد له ما يقدّم إلى الإنسانية غير القتل والدمار والفقر والبؤس في الوقت الذي تمتدّ معاوله التخريبية إلى الطبيعة والنظام الكوني عامة وهو ما يهدّد البشر والطبيعة في نفس الوقت. وهذا الوضع لم يغيّر من طبيعة المهمة الأساسية المطروحة أمام البشرية لمواجهة هذا الوضع ألا وهي القضاء على أسس النظام الرأسمالي وبناء نظام جديد، الاشتراكية التي من شأنها إنقاذ الإنسان والطبيعة من الدمار والفناء عبر وضع حد للملكية الخاصة ومشركة وسائل الإنتاج ووضع حدّ للاستغلال وتوفير أسس العيش الكريم لكافة البشر وفقا لمبدأ: لكل حسب طاقته، لكل حسب عمله. وهو ما سيمكّن تدريجيا للمرور نحو مرحلة عليا من الحضارة الإنسانية، الشيوعية، تحت شعار: لكل حسب طاقته، لكل حسب حاجته. وهذه المهمّة موكولة اليوم إلى طبقة العمال وحلفائهم من الكادحين والفقراء في المدن والأرياف. وما من شكّ في أنّ بقاء المهمة الأساسية هي نفسها أي الثورة الاشتراكية وإقامة سلطة العمّال فإنّ ما جرى من تغيرات خلال العقود الطويلة الأخرى شملت وسائل الاتصال وطرق التنظيم وأساليب الأمن والعسكر والسلاح والإدارة وغيرها سيكون لها انعكاساتها على تكتيكات العمال وأحزابهم الثورية.

وفي هذا السياق فإن الأوضاع في الوطن العربي لم تتغير في جوهرها رغم ما طرأ عليها من تحوّلات. إن شعوبنا ما تزال تحت قبضة الدول الامبريالية التي اتسعت هيمنتها وازداد اضطهادها لشعوبنا بتواطؤ من أنظمة العمالة وهي تحاول اليوم عبر القوة الغاشمة واستنادا إلى أداتها الصهيونية إلى تعميق تفتيت هذه الشعوب عبر فرض مشروع سايكس بيكو جديد على أسس طائفيّة وعرقية وثقافية أوّلا لفرض سطوة الكيان الصهيوني المتمدد والحالم بتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى وثانيا لتأبيد هيمنة الامبريالية الأمريكية عليها وعلى ثرواتها وأسواقها وإقصاء منافسي هذه الامبريالية من المنطقة ونعني الصين وروسيا، وتفكيك حلفائهما وفي مقدمتهم النظام الإيراني وإخماد بؤر المقاومة خاصة في غزة وفلسطين التي يراد إبادة شعبها وتهجيره لتمكين الكيان الغاصب من الاستيلاء على كافة فلسطين. إن هذا الوضع برمّته لا يغيّر شيئا من طبيعة المهمة الأساسية المطروحة في منطقتنا ونقصد مهمة التحرر الوطني من الهيمنة الامبريالية الصهيونية ومن أنظمة العمالة والخيانة وتحقيق وحدة الشعوب العربية على أسس ديمقراطيّة، شعبيّة، تقدّمية تفتح الباب نحو الانتقال إلى الاشتراكيّة. وهذه المهمة المعقدة والصعبة التي تخضع لظروف كل قطر من الأقطار العربية وللظروف الإقليمية والدولية ولموازين القوى لا مفرّ من إنجازها وتعبيد الطريق نحو تحقيقها ولو على مراحل لأنّه لا وجود لخيار آخر غيرها.

أمّا في تونس فإنّ جوهر الأوضاع كما ذكرنا ما يزال على حاله ونقصد هنا أن كل التغييرات والتحولات التي جرت لم تمس في النهاية أسس النظام الطبقي البورجوازي العميل. لقد واصل بن علي تنفيذ خيارات بورقيبة التابعة والاستبدادية التي تخدم مصالح الأقليات الثرية المحلية والدول والشركات الأجنبية مستعملا أسلوب حكم دكتاتوري لفرض استمرار هذا الخيار الطبقي وهو ما قاد الشعب التونسي إلى الثورة عليه وإسقاطه في سنة 2010-2011. ولكن هذه الثورة أجهضت بسبب ضعفها المتمثل في غياب القيادة المركزية والبرنامج الواضح اللّذين يلتف حولهما العمال والكادحون والشعب عامّة ويستولون على السلطة لتنفيذ الإجراءات الثورية الجذرية والعميقة التي تُغير البنية الطبقية للمجتمع بقاعدتها الاقتصادية والاجتاعية وجهاز دولتها الرجعي. إن نقطة الضعف الجوهريّة هذه مكّنت الرجعية من الالتفاف على الثورة وحصرها في مجرّد تغيير للنظام السياسي (الانتقال من نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي بوجوازي ليبرالي، هجين وهشّ وفاسد) والمواصلة عبر الحكومات المتعاقبة بمختلف مكوناتها اليمينية، الديني منها والليبرالي، في نفس الخيارات الاقتصادية والاجتاعية التي عمقت الأزمة وفاقمت متاعب الشعب وآلامه. وفي غياب بديل ثوري مؤثّر وقادر على استغلال الوضع لصالحه ولصالح الشعب تمكّنت الرجعية بدعم إقليمي ودولي من إجهاض المسار الثوري نهائيا والعودة بالبلاد إلى مربّع الدكتاتورية عن طريق شعبوية يمينيّة، مبتذلة ومتطرّفة استغلت حالة الإحباط العامة التي ألمّت بفئات واسعة من الشعب. وقد تمكنت هذه الشعبوية التي يمثل قيس سعيّد رأس حربتها والتي تستند محليا، في الأساس، إلى بيروقراطية الدولة العسكرية والأمنية والإدارية وإلى قطاعات محورية من الكمبرادور في مقدمتها القطاع المالي، علاوة على دعم بعض الفئات المهمّشة والبورجوازية الصغيرة المحبطة، تمكّنت من تصفية مكتسبات الثورة في مجال الحريات وأعادت تدريجيا البلاد إلى مربع الدكتاتورية وهي تشن حربا لا هوادة فيها على التنظيمات السياسية والمدنية وعلى الإعلام والإعلاميين والحركات الاحتجاجية في نفس الوقت الذي تغرق فيه البلاد في أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية غير مسبوقة هي بصدد تعميق عوامل الضعف والوهن في المجتمع ممّا يجعله هشّا أمام رياح الأحداث التي تعصف بالمنطقة. كلّ هذا يعني أنّ طبيعة المهام لم تتغير في تونس رغم ما طرأ من تغييرات في بنى الحكم. فالحاجة ما تزال قائمة إلى ثورة وطنية، ديمقراطيّة، شعبية ذات أفق اشتراكي. وواهم من يعتقد أنّ طريقا آخر غير هذا الطريق ممكن لإنقاذ بلادنا. لقد استنفد نمط الإنتاج الاستعماري الجديد كل إمكانيته وأصبح عبئا على مجتمعنا ومهددا بخرابه وهو ما يجعل من التغيير مهمة ملحة. ولن يتوانى حزب العمال على تحمّل مسؤولية إنجازها رغم كثرة المصاعب والعوائق في نفس الوقت الذي يعمل فيه على تحمل واجباته تجاه القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقضايا الأممية. فقد تأسس لأداء هذه الرسالة.

ماذا كانت إسهامات “حزب العمال” طوال الأربعين سنة الماضية من أجل قيام الثورة في تونس؟ وإلى أي مدى يتطابق ما حصل في تونس من تغيير منذ 2011 مع ما تطرحونه؟

إن إسهامات حزب العمال طوال هذه العقود الأربعة هامّة ولا نقول ذلك من باب التباهي وإنّما من باب تسجيل حقيقة قائمة.

لقد حافظ حزب العمال على خطّه الفكري والسياسي ومبادئه وقيمه الثورية رغم صعوبة الظروف ورغم القمع والحصار المضروب عليه وكذلك رغم كثرة العوامل السلبية الضاغطة التي تمثّل مصدرا للإحباط والتراجع.

خلال أربعين سنة لم يفقد حزب العمال البوصلة فقد كانت مواقفه من مختلف التحولات صائبة. لم يخطئ في فهم انقلاب 7 نوفمبر 1987 ولم يخطئ في تحليل المنعرج القمعي الخطير الذي عرفته بلادنا مطلع تسعينات القرن الماضي، كما أنّه لم يهتز نتيجة نتيجة سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية التجارب الاشتراكية للقرن العشرين في تلك الفترة، ولم يثنه القمع المسلط عليه عن مواصلة النضال دون تراجع أو تردد.

كان حزب العمال مؤمنا بأنّ ما يجري في كل المستويات يكتسي طابعا ظرفيا وأنّ شعبنا مثله مثل سائر شعوب العالم سيجد طريقه من جديد إلى النضال ومقارعة البورجوازية والرجعية. لقد ظلت ثقتنا كبيرة في شعبنا وعمالنا وكادحينا وشبابنا ونساء بلادنا لذلك لم نبتعد عنهم وظللنا نعمل بصبر معهم وداخلهم ولم نفوّت فرصة لتجميع القوى التي يمكن تجميعها على أسس أرضيات نضالية واضحة ومبدئية لعزل الدكتاتورية وتوفير شروط إسقاطها.

لقد تنبّآ حزب العمال بالثورة قبل مدّة وكان حاضرا في مختلف فصولها حتى وإن لم يقدر على قيادتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة مما يمكّنها من إنجاز مهمامها بالكامل. لم تكن موازين القوى لصالحنا فافتكت منّا قوى اليمين بقديمها وجديدها (حركة النهضة خاصة) زمام الأمور وأوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من تراجع اقتصادي واجتماعي وسياسي وقيمي مكّن الشعبوية الفاشية من الاستيلاء على السلطة.

لكن حزبنااستمر في النضال وكما أنّه حلل أوضاع ما بعد الثورة بشكل سليم من وجهة نظر عامة ولم يقع في أخطاء مبدئيّة فإنّه لم يخطئ في فهم انقلاب 25 جويلية 2021 وطبيعته الرجعية ومخاطره على شعبنا ووطننا وهو ما نلمسه اليوم بوضوح.

جرت غداة 14 جانفي 2011 عدة محاولات لبعث “الجبهة الشعبية” كانت نسخة 7 أكتوبر 2012 أكثرها نجاحا، فهل نفهم من ذلك أن العمل المشترك والجبهوي كان ضرورة سياسية حتمتها الأوضاع؟ أم هي اعتراف منكم بعدم قدرتكم

على تحمل أعباء الثورة لوحدكم؟ وفي النهاية ماذا كانت حصيلتها وهل استفدتم منها كحزب؟

كان تأسيس الجبهة الشعبية استجابة لمتطلبات الواقع في تلك الفترة وتحديدا بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيس وسيطرة تحالف اليمين الديني/الليبرالي عليه مما كان يؤذن بالالتفاف على الثورة وحصرها في خانة تغيير شكل النظام السياسي دون النفاذ إلى جوهر الدولة الطبقي الرجعي وتغييره بالكامل وتعويض سلطة الفئات البورجوازية الكبيرة العميلة بسلطة العمال والكاحين والشعب عموما الذي قام بالثورة وأسقط الدكتاتورية على أمل تحقيق أهدافه في الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

لقد كان من مهام الجبهة الشعبيّة “استكمال مهام الثورة” كما جاء في تسميتها وفي برنامجها العام. ولئن تمكنت الجبهة الجبهة الشعبية من تحقيق مكاسب وخلق آمال كبيرة في الأوساط الشعبية وخاصة في أوساط النخب التقدمية ومثلت نموذجا يستلهم منه في المنطقة والعالم وقدمت شهداء عظاما، فإنها سقطت بعد 7 سنوات من الوجود (وهي فترة مهمة ناهيك أن الجبهة الشعبية الفرنسية لم تدم أكثر من سنتين في ثلاثينات القرن الماضي) ضحية حدودها وانحرافاتها وطبيعة القوى المكونة لها.

كانت أرضية الجبهة عامة ولم تشفع بتدقيقات تهم البرنامج والاستراتيجية والتكتيك وأساليب العمل والتنظيم. فسرعان ما تحولت إلى كتلة ضغط، ذات نزعة إصلاحيّة، أكثر منها تنظيما يعمل على الالتحام بالشعب لتنظيمه والوصول به ومعه إلى السلطة. كما أنّ الجبهة الشعبية التي كانت عرضة إلى هجومات اليمين الديني (حركة النهضة، حزب التحرير الخ…) والليبرالي بمختلف مكوناته (نداء تونس…) وحملات التشويه التي لا تتوقف، مضروبة من الداخل. فبالإضافة إلى النزعات الانعزالية الحزبية الضيقة التي كانت تنخر العمل الجماعي وتعطّله، كان الصراع قائما بين اتجاهين أساسيين، اتجاه ثوري يريد للجبهة توجها مستقلا عن اليمين بمختلف مكوناته واتجاه إصلاحي دخولي كان يبحث عن التحالف مع أحد طرفي اليمين (نداء تونس، يوسف الشاهد…) وكان يتعامل معه سرّا وجهرا ويستعمل وسائل الإعلام التي يتحكّم فيها هذا الطرف لضرب وحدة الجبهة وزرع الشقاق في صفوفها. وقد رُوّج في ذلك الوقت إلى أنّ الصراع هو “صراع زعامات” و”صراع انتخابي” ولكن ما حصل بعد انقلاب 25 جويلية وما أفرزه من اصطفافات يؤكّد الطابع السياسي للصراعات التي كانت موجودة في الجبهة والتي، إحقاقا للحق، لم نحسن إدارتها وحسمها بشكل مبكّر.

هل لديكم مسؤولية كحزب فيما آلت إليه الأوضاع سنة 2019؟

طبعا لنا مسؤوليّة. كان علينا تلافي ما وصلت إليه الجبهة من انهيارات بشكل مبكّر. إن الجبهة كان من المفروض أن تصحّح أمرها منذ 2016 عندما ظهرت النزعة الدخولية أو تحل نفسها. هذا رأيي

هل سيكون للتطورات العميقة الجارية في العالم والوطن العربي وفي تونس تأثير في طرحكم الخاص بالثورة التونسية، الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي؟

خط الحزب العام هو هو. ولكن من المؤكّد أنّ ما جرى ويجري من تغييرات سيكون له تأثير لا في الثورة التونسية بل في كل الثورات في العالم. وفي هذا السياق دعني أؤكّد على نقطة تطارحناها أكثر من مرة في الحزب. إن تطور القوة العسكرية والأمنية الغاشمة للامبريالية والرجعية العالمية مما يسهل عليها التدخل السريع التصدّي للثورات بل حتى لأنظمة ذات نزعات مناهضة للامبرياية كما هول الحال في فينيزويلا يعطي عامل التضامن الأممي وزنا أكثر بكثير مما كان عليه الحال في ثورات القرن العشرين. إن قيام الثورة في أكثر من بلد في نفس الوقت أو في أوقات متفاربة ووجود غطاء أممي كبير لها من عوامل النجاح المطلوبة اليوم. لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أننا سننتظر توفر كل هذه الشروط لننجز الثورة في بلادنا. إن حزبنا لن يتردد على القيام بالثورة أو الإسهام فيها حالما توفرت شروطها وهو ما فعلناها سنة 2010-2011

في ظل هذه التطورات هل مازال للثورة، خاصة في بلدان الأطراف، حظوظ في النجاح والاستمرار؟

طبعا حظوظ الثورة وافرة في مختلف بلدان العالم بما فيها بلدان الأطراف. فانتكاسة ثورة أو حتى ثورات نتيجة ظروف محددة في ظرفية معينة لا تعني نهاية الثورات ولا تدعو إلى الإحجام عن القيام بها بل لا بدّ من بذل أقصى الجهد دائما لتوفير شروط النجاح ومهما يكن من أمر فحتى الثورة غير الناجحة كما حصل في بلادنا وفي بلدان أخرى عبر التاريخ تمثل تراكما يستفاد منه. وأكثر من ذلك فحتى ثورات القرن العشرين الاشتراكية التي هزت العالم قبل أن تنتكس تمثل بدورها مكسبا نستنير به ونستفيد من أخطائه. إن الثورة العالمية ليست خطا مستقيما بل هي صراع فيه التقدم وفيه التراجع، فيه الانتصارات وفيه الانتكاسات. وفشل ثورة ما لا يعني نفيا لضرورة الثورة مثلما أن فشل التجارب الاشتراكية للقرن العشرين لا يعني عدم صلاحية الاشتراكية وأزلية الرأسمالية بل يعني أنّه ينبغي التعلم أكثر من كل تجربة لتكون الثورة الموالية أقدر على البقاء. لقد كان ذلك أمر الثورات البورجوازية التي امتدت على قرون قبل أن يستقر فيها الحكم للبورجوازية وسيكون ذلك شأن الطبقة العاملة والمشروع الاشتراكي. إن المناضل/المناضلة مطالب بالتسلّح بنظرة تاريجية، مادية. إن التطور قانون مطلق أما الاستقرار فهو ظرفي. والرأسمالية ما هي إلا نظام تاريخي، نسبي، انتقالي، جاء نتيجة تطور ما وسيترك مكانه ساعة يستنفد طاقته ويصبح معطلا لحركة التاريخ وهو الحاصل منذ مدة غير قصيرة لكن الأنظمة الاجتماعية لا تتغير بمحض إرادتها بل لا بد من قوة تغيّرها.

نحن اليوم في مرحلة يصدق عليها ما قالته المناضلة الشيوعية روزا لوكسمبورغ: الاشتراكية أو البربريّة فلنتحمل مسؤوليتنا ولنسهم بما لدينا من إمكانيات في مجهود الإنسانية من أجل تحررها من الوحش الرأسمالي الامبريالي.

كلمة حرة للقراء

“إنّ ذا عصر ظلمة غير أنّي
من وراء الظلام شمت صباحه”

إن الشعبويّة الفاشيّة، ممثّلة التحالف الرجع المحلي/الاستعماري الجديد، تبدو اليوم قويّة لأننا نحن ضعفاء بسبب تشتتنا وارتباكنا وعدم وضوح الطريق أمامنا وضعف إصرارنا على النضال الواعي والمنظم.

ومن المؤكّد أنّه نتجاوز هذه النقائص والهنات ونتسلح بالوضوح والإرادة والعمل والمبادرة سيتّضح أنّ منظومة الشعبوية “نمر من ورق”، ستتساقط مثلما تتساقط أوراق الخريف ليزهر مكانها مجتمع جديد.

فإلى العمل الجاد.



#حمه_الهمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعا عزيزي المصطفى براهمة
- تنقيح قانون الشغل: تنقيح جزئي ومحدود ويفتح الباب للتّحايل
- حكايات من الزّمن الغابر: الحرّية والاستبداد… صراع لا ينتهي إ ...
- عبد الحميد الحاج (فتحي) يغادرنا
- ليس دفاعا عن النّظام الإيرانيّ بل دفاعا عن المقاومة وعن حقّ ...
- “التّهدئة” مقابل الاعتراف ب”الشّرعيّة” هل تُقدم سلطة الانقلا ...
- الوطنيّون المزيّفون أو كيف يبرّر الانتهازيون مساندتهم للاستب ...
- السياسة والوهم
- حتى لا يستفحل الإفلات من العقاب ويستمرّ إلى ما لا نهاية
- ضدّ سقط متاع “الحشد الفاشي”
- في يوم الأرض:إلى الأمام من أجل تكوين جيش التحرير الشعبي الفل ...
- نساء فلسطين… نساء غزّة نصف السّماء… ونصف الأرض أيضا
- عودة إلى موضوع “الوشاية”
- نداء إلى الشعوب العربيّة: معا لوقف حرب الإبادة ورفع الحصار ع ...
- مهمّتان عاجلتان: -لا سفارات أمريكية على الأراضي العربيّة- و- ...
- ردّا على الأزلام الجدد: -رفع التحدّي- متأخّر... لا أقلّ اليو ...
- كأن شيئا لم يكنْ… أو دار لقمان ستبقى على حالها!!
- في الذكرى 36 لاستشهاد قاهر الجلاّدين، نبيل بركاتي
- في ذكرى رحيل الطّاهر الهَمّامي
- ما أشبه الحاضر بالماضي (حول بعض قضايا التكتيك السياسي)


المزيد.....




- -يسير مع بطريق-.. البيت الأبيض ينشر صورة معدلة لترامب في غري ...
- شاهد.. سيارة تصطدم بمكتب بيع التذاكر داخل مطار ديترويت بأمري ...
- من أوروبا إلى الصين.. ماذا تكشف إستراتيجية البنتاغون الجديدة ...
- الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يبلغ مستواه الأعلى ...
- مفاوضات في أبو ظبي لإنهاء الحرب في أوكرانيا وروسيا تشترط انس ...
- في اليوم العالمي للتعليم.. خيام بغزة تُقاوم الجهل وتنتصر للأ ...
- رضا بهلوي: الملايين هتفوا باسمي وأريد تشكيل مستقبل إيران
- -هاشتاغ- يرصد تفاعل المنصات من -مجلس السلام- إلى تيك توك
- أهم التحديثات لبرامج أدوبي المدعومة بالذكاء الاصطناعي
- عاجل| قائد القوات البرية للجيش الإيراني: سندافع عن إيران حتى ...


المزيد.....

- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف
- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - حمه الهمامي - بمناسبة الذكرى 40 لتأسيس حزب العمال، حوار شامل مع الرفيق الأمين العام حمه الهمامي