أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد منير خليل - زيارة سياسية في ظل أزمة ألمانية متصاعدة: قراءة نقدية














المزيد.....

زيارة سياسية في ظل أزمة ألمانية متصاعدة: قراءة نقدية


فؤاد منير خليل

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 00:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تواجه ألمانيا أزمة سياسية واقتصادية متشابكة، تتراوح بين تباطؤ النمو وتآكل الثقة الشعبية، وملف اللاجئين، وصولاً إلى صعود اليمين المتطرف. هذا المقال يحلل دور الحكومة الحالية برئاسة ميرتس في إدارة هذه الملفات، ويطرح الأسئلة حول دلالات زيارة الرئيس أحمد الشرع، وما إذا كانت الدبلوماسية الرمزية قادرة على معالجة الأزمة البنيوية الداخلية.

تمرّ ألمانيا اليوم بحالة واضحة من التخبط السياسي والارتباك الاقتصادي، تتجلّى في تباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل الثقة الشعبية بالحكومة الحالية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس. ولم يعد خافيًا أن هذه الحكومة تواجه صعوبة متزايدة في إقناع قطاعات واسعة من المجتمع بجدوى سياساتها، أو بقدرتها على إدارة الملفات الداخلية الحساسة، وعلى رأسها ملف الهجرة والأجانب، الذي تحوّل إلى عبء سياسي ثقيل يهدد الاستقرار الحكومي ذاته.

في مثل هذه الظروف، تميل الحكومات إلى البحث عن مخارج خارجية تخفف الضغط الداخلي، ولو مؤقتًا. وهو ما يمكن ملاحظته في السياسة الخارجية الألمانية خلال الفترة الأخيرة، حيث تتأرجح المواقف بين تصعيد لفظي حاد تجاه روسيا من جهة، ومحاولات تهدئة وانفتاح من جهة أخرى، في تناقض لا يعكس مرونة دبلوماسية بقدر ما يكشف غياب رؤية استراتيجية واضحة، وتخبّطًا في تحديد الأولويات.

ضمن هذا السياق، تبرز فكرة توجيه دعوة للرئيس أحمد الشرع لزيارة ألمانيا. وبغضّ النظر عن المواقف المختلفة منه، لا يمكن إنكار أن الرجل يتمتع بكاريزما سياسية لافتة، ومسار استثنائي أوصله، بعد أكثر من عشرين عامًا من الحرب والتنقل بين العراق والشمال السوري، إلى رئاسة دولة محورية في المنطقة العربية. وقد حظي خلال الفترة الماضية باستقبال من دول كبرى أعلنت استعدادها للتعاون معه في ملفات متعددة، ما يمنحه وزنًا سياسيًا ورمزيًا لا يمكن تجاهله.

غير أن السؤال الجوهري هنا لا يتعلّق بأهمية الزيارة بحد ذاتها، بل بالدافع الألماني خلفها:
هل تسعى حكومة ميرتس فعليًا إلى فتح أفق سياسي جديد في علاقتها مع الشرق الأوسط، أم أنها تحاول توظيف زيارة ذات طابع رمزي لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية المتراكمة، وتقديم صورة حراك دبلوماسي خارجي يعوّض عن الإخفاق الداخلي؟

الذريعة المطروحة سلفًا تبدو واضحة: ملف اللاجئين السوريين، والحديث عن “العودة التدريجية”. غير أن هذا الطرح يثير إشكاليات سياسية وأخلاقية عميقة. فألمانيا ليست طرفًا محايدًا في هذا الملف، بل كانت من أكثر الدول الأوروبية استقبالًا للاجئين، بل ونقلت قسمًا منهم بطائرات وعلى نفقتها الخاصة وبالتنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وعليه، فإن طرح مسألة العودة اليوم، في سياق أزمة داخلية ألمانية، يثير تساؤلات حول ما إذا كان الهدف معالجة الملف بجدية، أم استخدامه كورقة سياسية لتخفيف الضغط الشعبي.

لكن الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها النخب الحاكمة في ألمانيا خلال العقود الأخيرة. فسياسات الليبرالية الجديدة، التي قلّصت دور الدولة الاجتماعية، وحمّلت الطبقات الوسطى والفقيرة كلفة التحولات الاقتصادية، وخصخصت الأرباح مقابل تعميم الخسائر، خلقت بيئة مثالية لتفريغ الغضب الشعبي في الاتجاه الخطأ. وبدل مساءلة السياسات التي أدت إلى التضخم، وارتفاع الإيجارات، وتآكل الخدمات العامة، يجري توجيه النقاش نحو “الأجانب” واللاجئين بوصفهم المشكلة.

في هذا المناخ، لا يبدو صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ظاهرة مفاجئة أو استثنائية، بل نتيجة شبه طبيعية لهذا المسار. فحين تفشل الحكومات المتعاقبة في تقديم حلول اجتماعية واقتصادية عادلة، يُفتح الباب أمام قوى شعبوية تستثمر الخوف والقلق، وتعيد تعريف الأزمة بوصفها أزمة هوية لا أزمة نظام اقتصادي. وهكذا يُترك اليمين المتطرف ليملأ الفراغ الذي صنعته السياسات النيوليبرالية نفسها، فيما تُعفى السلطة القائمة من أي مساءلة بنيوية حقيقية.

من هنا، تبدو المراهنة على زيارة سياسية رفيعة المستوى، مهما بلغ وزن ضيفها، محاولة لتأجيل مواجهة هذه الحقائق أكثر من كونها سعيًا لمعالجتها. فزيارة من هذا النوع لن تحل أزمة اقتصاد يعاني من اختلالات بنيوية، ولن تعيد الثقة لمواطن يشعر بأن حكومته عاجزة عن ضبط الأسعار، أو حماية قدرته الشرائية، أو تقديم رؤية اجتماعية واضحة.

بل إن المفارقة اللافتة تكمن في أن الرئيس الشرع، في حال قبوله الدعوة، سيكون الطرف الأقل خسارة، وربما الأكثر استفادة. فقبوله يمنح الحكومة الألمانية مكسبًا سياسيًا وإعلاميًا تحتاجه بشدة، بينما يمتلك هو هامشًا واسعًا لطرح أولويات بلاده من موقع الندية، وربما التفوق المعنوي. عندها، لن تكون مطالبه مجرد نقاشات بروتوكولية، بل شروطًا سياسية تفرضها حاجة الطرف الألماني إلى الزيارة أكثر مما يفرضها الطرف الزائر.

في المحصلة، إن جوهر الأزمة الألمانية اليوم لا يكمن في السياسة الخارجية، بل في الداخل: اقتصاد متعثر، مجتمع منقسم، عقد اجتماعي يتآكل، وصعود متزايد لقوى يمينية متطرفة تتغذى من فشل السياسات السائدة. وأي محاولة للهروب من هذه الحقيقة عبر الدبلوماسية الرمزية لن تكون سوى مسكّن مؤقت، يؤجل الانفجار بدل أن يمنعه. الحل يبدأ من مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، لا من البحث عن صور واجتماعات لا تغيّر شيئًا في مسار أزمة تتعمّق يومًا بعد يوم.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كن متلونا... سب على... تصبح زعيما
- نجاح القمة كان بمبادئ سوريا شعبا ورئيسا
- بؤس في ساقية الشقاء
- حلال
- حق لن يسقط بالتقادم
- معاناة على طريق الألم
- برقية تهنئه واعتذار
- الغزال الشارد
- أذكرك
- ليبراليه أم تطرف
- الذئاب والغزلان


المزيد.....




- -توقفوا عن استرضائه وواجهوا النار بالنار-.. حاكم كاليفورنيا ...
- كيم جونغ أون يقيل مسؤولا رفيعًا ويصفه بـ-التيس المربوط بعربة ...
- أخبار اليوم: دعمًا لأكراد سوريا.. مظاهرات عنيفة في تركيا ومو ...
- ترامب يهدد برفع الرسوم الجمركية والبرلمان الأوروبي يجمد اتفا ...
- استقبال رسمي ومسيرة شعبية في داكار احتفالا بتتويج منتخب السن ...
- استبعاد نتنياهو وغالانت من مؤتمر دافوس وهرتسوغ ينتقد
- حاملة طائرات أميركية تعبر مضيق ملقا متجهة إلى بحر العرب
- لماذا عرقلت إسرائيل عمل لجنة الميكانيزم في لبنان؟
- ترامب: ماكرون وستارمر-يصبحان فظّين عندما لا أكون موجودًا لكن ...
- ترامب عن الخيار العسكري ضد إيران: -لا أستطيع التنبؤ بما سيحد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد منير خليل - زيارة سياسية في ظل أزمة ألمانية متصاعدة: قراءة نقدية