أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود كرم - في أنْ تصبح الحياة فنّاً















المزيد.....

في أنْ تصبح الحياة فنّاً


محمود كرم

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 16:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أولئك الذين يمارسون فنّ العيْش الخلاّق في الحياة، انطلاقاً من إنّه ليسَ عليكَ أنْ تذهبَ إلى مكانٍ ما، ما دمتَ تعرفُ جيّداً الطريق إلى ذاتك، بارعونَ كثيراً في صيانة حياتهم، وحمايتها من لوثة الأفكار الهادمة للاستقلاليّة، والنّضج والجمال، والحريّة والحبّ. ذلك لأنّهم قد وجدوا أنّ ما يستحقّ أن تعملَ من أجله، يكمن في الذات المبدعة والمبتكرة لفنون العيش الجميل. وما يدفعهم إلى ذلك، إيمانهم أنّ ابتكارهم في اجتراح طريقة العيش، إنّما هيَ في الأساس تعكس وعيهم الكامل باللحظة التي يرغبون في الانسجام معها انتاجاً وإبداعاً، وتألقاً وحريةً، إنّهم في كلّ ذلك يُكثرون من الاستزادة بحريّاتهم العقليّة في مقابل أنْ يترسَّخ في أعماقهم، شغفهم بطريقتهم في ابتكار فنّ العيش الجميل.

أنْ تكون حياتكَ هيَ لغتكَ، وذاتكَ، وطريقتكَ وأفكاركَ أيضاً، فهذا يعني أنّكَ تستنير من حياتكَ بِحياتك، لأنّها تصبح حينها مدينتكَ التي تسكنكَ، بكلّ ما فيها من احساسكَ، ومشاعرك، وأفكارك وتطلّعاتك، وترى فيها حصراً حاضركَ الذي تصنعه بإرادتكَ، وعقلك، واحساسك ومبادراتك. فليس أجمل من أنْ ترى في حياتك حياة عقلك وإرادتك وحريّتك، وتسير بها وتسير بكَ إلى قلبك في احساسه الخلاّق بمبادراتكَ حول كلّ ما من شأنهِ أنْ يعززَ فيك رؤيتك إلى مسافاتكَ في طريق الخلاص. فالحياة كما تريدها أنْ تكون حياتكَ، فيها من خلاصك تجربة التفكير، والسؤال والمبادرة، وفيها من خلاصها تجربتكَ في الإحساس، والفعل، والتفكّر، والمثابرة والنّضج.

إنّك لن تدركَ الإنسانَ في إنسانيّتك، إلاّ حينما تراها تتمثّل يقيناً في احساسك بِمكامن قدرتكَ على اجتراح حياتك الخالية من الكراهية، والشرور، والتسلّط والوصاية، لأنّك في إنسانيّتك تعرفُ أنّ حياتك عليها أنْ تتطهّر دائماً من تقيّحات المذهبيّات الطافحة بالكراهيات، والأدلجات، والتحيّزات. وتعرفُ أنّك في حياتكَ كما ترجوها وتريدها، عليك دائماً أنْ تستيقظ من شرور الهويّات الخانقة والقامعة للاستقلاليّة، والحريّة، والتعايش والحبّ، وكم يحدثُ أنْ تكونَ سعيداً حين تستجلي الإنسانَ حرَّاً في تفكيركَ، وفي سعيكَ وفي طريقتكَ، وتحيا بكلّ ذلك منسجماً مع أسلوبكَ، في أنْ تعيشَ حياةً ترى من خلالها ذاتكَ، وقد تعافتْ من أمراض الكراهيات، والشرور، والتسلّط.

في حياتك تستطيع أنْ تكونَ الأكثر مبادرةً وتحرّراً وتفكّراً، حين تكون الأكثر وجوداً في حريّتك، وتفكيرك وإرادتك، فالحياة في الأخير فنّ الممارسة الذهنيّة الذاتيّة مع عقلك، وتجربتك، وتفكيرك وطريقتك، إنّها تخضع لقانون الفعل والحريّة والإرادة، وتكمنُ أجمل مسالكها في أكثر الأشياء قرباً إلى ذاتك، وفعلكَ، ورغبتك أيضاً. إنّها في كلّ ذلك لا تستطيع أنْ تخذلكَ أو تتخلّى عنك، لأنّها قد أصبحتْ وجودكَ، وطريقكَ وحريّتك، وأصبحتَ أنتَ فيها إنساناً يدركُ فعله ووجوده، في أنْ يكونَ متفانياً لمشاعره، وأحاسيسه، وتجربته وخلاصه.

الحياة لا تستقيم مع الخوف، ولذلك يعتمد فنّ الحياة على التحرّر من الخوف، والارتكاز على فعل المبادرة، والجرأة والمغامرة، فمَن يصنع خوفه، يعجز عن صنع حياته، ويجد نفسه وقد تهاوتْ في براثن الخوف من كلّ شيء، بينما مَن يصنع جرأته ومباردته وحريّته، يصنع حياته في مختلف فنونها وتجلّياتها وألوانها. وحين تكون في مواجهة الخوف، تتعلّم دائماً كيف تكون في خضمَّ الحياة مكتشفاً ذاتكَ، وأدواتكَ، وامكاناتكَ وطريقك، ولكنّكَ حينما تكون عالقاً وسط مخاوفك، لن تملك قدرة التجاوز والتخطَّي والمبادرة، ولذلك كلّ أولئك الذين وجدوا أنفسهم عالقين وسط التردَّد والتراجع والخوف، يعرفون جيّداً أنّ لا شيء يعيدهم إلى الحياة، سوى أنْ يكونوا مفعمينَ بحريّة الذات والمبادرة، وبجرأة التفكير والخَلق، وبمغامرة الجديد والمختلف، وبالفهم الشجاع للإرادة والحريّة.

الحياة بطبيعتها لا تستدعي أحداً لكي يكون في رفقتها، هيَ هكذا تسير دائماً في طريقٍ طويل، لا تكترث بمَن يريدها أو مَن لا يريدها، أنتَ وحدكَ تستطيع أنْ تعرف ما عليكَ أنْ تفعله بها، وكيف عليكَ مرافقتها وفقاً لطريقتك، وأسلوبك، وحريّتك. وكلّما كنتَ وفيّاً لطريقتك، واستقلاليتك، وحريّتك في الأخذ بناصية الحياة، كانت الحياة في المقابل شغوفة بك، لأنّك تستدعيها بطريقتكَ في الاحتفاء بها، إنّها في هذه الحالة تكون رفيقتك الوفيّة، لأنّك تصنعها من قرارك، واختيارك، وحريّتك، ولأنّها تأتي إليكَ حرَّةً وطليقةً، وملهمة وناطقة، إنّها تجدك حيث تكون، وتجدها حيث تكون، وإنّكَ تذهبُ إليها عاشقاً، ومتفنّناً، وحرَّاً، وتجد فيها كلّ ما تعشق من جنون الفكرة، ورحابة التفكير، وجمال الجرأة، وفنون المباردة.

ربما قد لا يكون مهمّاً أنْ تعرف لماذا الحياة أصلاً موجودة، فما يهمّكَ تحديداً أنّك موجودٌ، فالحياة عموماً تكون موجودة بالضرورة، حين تكون موجوداً بالأصل من وجودكَ لذاتك، والحياة في ذاتها موجودة، ووجودكَ فيها وجود ذاتك لذاتك، ولذلك قد تصبح الحياة هنا وجودكَ الذي تريده لوجود ذاتك، وبهذا المعنى تحديداً أنتَ تحبُّ حياتك، لأنّها وجودكَ في أصل إرادتك، وحريّتك، وفعلك، وهي بهذا أيضاً ليست وجوداً في مقابل وجودك، بل إنّما فعلٌ يتخلّق فنّاً في أجمل تجلّياتك، وأفكارك، ومبادراتك وإبداعاتك، ومن هنا تستطيع أنْ تعرف لماذا عليكَ أنْ تحبّ حياتك، لأنّكَ أصبحت ترى فيها ما تحبُّ أنْ تتعالق معه فنّاً، وإبداعاً، وتخلّقاً وجمالاً.

وإذا ما رأينا الحياة من خلال لوحةٍ مترامية الأطراف، وغائرة الأعماق، سنراها بالتأكيد بطريقةٍ خلاّقة وملهمة، لأنّها في أفق هذه الرؤية تأخذنا إلى أنْ نراها كما هيَ في طبيعتها الناطقة والحاضرة، تبقى متعددة الألوان، والآفاق، والجوانب، والأبعاد، والدروب والصُّور. وفي كلّ ذلك سنراها تميل دائماً إلى أنْ تكون مفعمة بالجمال والتفتّح، والألق والغناء، والرقص والمتعة، وإذا ما كانت عكس ذلك، فلا تبدو حياةً على الاطلاق، لأنّ من طبيعتها أنْ تحظى بالإنسان، وهو يكتشف في جوانبها وآفاقها براعتها في أنْ تصبح فنّاً، وجمالاً، وحريّةً، وفي هذه الحالة ليس عليها إلاّ أنْ تكون حيث يكون إنسان العقل والفكر والحريّة أساس وجودها.

وقد نغرمُ بطريقتنا في التعالق الجميل مع الحياة، حين نستطيع أنْ نختبر فيها قدرتنا على اكتشاف منابع الجمال في حضورها المستمر، فالغرام هنا يغدو شغفاً في خلق الحضور، حضور الحياة بكلّ ألوانها وآفاقها وجوانبها، وهيَ تتخلّق إبداعاً وتفنّناً، وازدهاراً في أفق التأمّل، والانجاز والمبادرة. ففي صورتها الزاهية هذهِ، نراها تنسابُ كاشتهاء الجمال في تخلّقات الوعيّ والاختيار، وتصبح الحياة حينها وعياً في فنّ الاختيار، واختياراً في ملكوت المعرفة والوعيّ، وتتجلّى طريقاً إلى أجمل النواحي التي تزدهر على أطرافها مُدن الحريّة، والحبّ، والضوء. وفي أبهى الصُّور أنتَ تشتهي حياتكَ، لأنّك قد وجدت فيها وعيك، واختيارك، وحريّتك، ووجدت فيها في الوقت ذاته قلبكَ وهوَ يبعثكَ جميلاً في آفاق الإبداع والحضور والفكر.

حتّى أولئك الذين لم يعثروا على ما يجعلهم يحبّون حياتهم، قد يجدون أنفسهم في وقتٍ ما يبحثون عن السبب وراء ذلك، فالحياة عموماً لا تقدم الإجابات، ولكنها في الوقت نفسه تجعلك تتساءل عن حقيقة وجودك فيها. وفي هذا الجانب من الحياة، يسعى الإنسان بحثاً عن حقيقة ذاته في مخاضات الحياة، فالأمر يتلخّص عند هؤلاء، حول سعيهم عن كلّ ما يستطيع أنْ يمنحهم شعور الانحياز إلى الحياة، وهو الشّعور الذي يجدونه يتجلّى في شغفهم بالأمنيات، والآمال، والتطلّعات والأحلام، فالحياة في ذاكرتهم الحاضرة والآجلة تعني شعوراً دائماً بدفق الحبّ في خطواتهم الساعِية خلف قلوبهم الراكضة نحو ما يبعثهم شغوفينَ في اشتهاءات الحياة، وهو الشّعور ذاته الذي يجعلهم قادرينَ على اكتشاف حقيقتهم في تموّجات الحياة، ويمنحهم في الآنِ نفسه انسجاماً بديعاً ومبدعاً مع ذواتهم العاشقة لكلّ ما يملأ حياتهم بالحبّ، والحريّة، والفِكر، والجمال.



#محمود_كرم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل في التجربة الإنسانية
- الذات في فلسفة الانعتاق
- تأمّلات في فلسفة الوحدة
- الحريّة في فلسفة التغيير
- المُحبّون يعيشونَ كثيراً
- الإنسان وفلسفة الاختيار
- رسائل عابرة
- الحالمونَ لا يفشلونَ أبداً
- فلسفة العقل ما بين الذاتِ والحقيقة
- وداعاً يا صديقي الجميل
- أنْ تحيا سعيداً في فلسفتك
- أنتِ يا سيّدة الحرف الطَّليق
- الإنسان في فلسفة التعبير
- الإنسان.. متفلسِفاً
- في أنْ يحضر الإنسان جميلاً
- الإدراك في العقل الفلسفي
- الحبُّ والمعرفة ... فلسفيّاً
- الحياة في فلسفة الذّاكرة
- المقدَّس وثقافة التّقديس
- في التّفلسفِ جوهر الخَلق


المزيد.....




- -إحجام روسيا أو عجزها عن دعم حلفائها ضربةٌ لصورتها كقوة عالم ...
- قتلى وتبادل اتهامات بين دمشق و-قسد-: غرب الفرات منطقة عسكرية ...
- تظاهرات في كوبنهاغن دعمًا لغرينلاند وسط مساعٍ أميركية لفرض س ...
- -طويلة على رقبتكم-. نعيم قاسم يجدّد تمسّك حزب الله بالسلاح و ...
- بعد 25 عاما من المفاوضات... الاتحاد الأوروبي وميركوسور يستعد ...
- اعتداءات إسرائيلية متواصلة بالضفة تطال مواطنين ومتضامنين أجا ...
- كاتس يتفاخر بتدمير 2500 مبنى منذ اتفاق غزة وحماس تندد
- نعيم قاسم: وزير الخارجية لا يمثل الدبلوماسية اللبنانية
- الاحتلال الإسرائيلي يتوغل مجددا بريف درعا جنوبي سوريا
- بعد 27 يوما من ولادتها.. البرد القارس يكتب نهاية رضيعة جديدة ...


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود كرم - في أنْ تصبح الحياة فنّاً