أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - ماهر حسن - القتل بالخبر- الإعلام العربي وصناعة رواية مفبركة















المزيد.....

القتل بالخبر- الإعلام العربي وصناعة رواية مفبركة


ماهر حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 14:02
المحور: القضية الكردية
    


أولًا: من الصراع على الأرض إلى الصراع على المعنى


لم تكن المواجهة التي تعرّض لها الكورد في سوريا، ولا سيما في محطات مثل الشيخ مقصود والأشرفية، مواجهة عسكرية فحسب، بل كانت مواجهة على مستوى أعمق وأكثر خطورة: مواجهة على السردية، على من يملك حق تفسير الحدث، ومن يعرّف كضحية، ومن يصنّف كخطر. ففي الحروب الحديثة، لا يقل التحكم بالصورة والرواية أهمية عن التحكم بالأرض، بل قد يسبقه ويهيئ له.



منذ اللحظات الأولى لاستهداف الكورد، بدأت عملية منظمة لفصل الحدث عن سياقه التاريخي والسياسي، وتقديمه للجمهور بوصفه واقعة معزولة، أو نتيجة طبيعية ل"تعقيدات المشهد السوري". هذا الفصل لم يكن بريئًا، بل كان شرطًا أساسيًا لتحويل الجريمة من فعل إجرامي واضح إلى مسألة خلافية قابلة للتأويل.



ثانيًا: بتر الصورة بوصفه أداة سياسية



بتر الصورة لا يعني إنكار الحدث بالكامل، بل إعادة تركيبه بشكل ناقص ومشوَّه. فحين تعرض المجازر دون الإشارة إلى تاريخ طويل من الإقصاء، وحين يذكر العنف دون تحديد الفاعل أو دوافعه، وحين يختزل الكورد في توصيفات تقنية أو أمنية، فإن الصورة الناتجة تكون مضلِّلة حتى لو احتوت على بعض الوقائع الصحيحة.



في هذا السياق، استخدمت لغة إعلامية محسوبة بعناية: "اشتباكات"، "توترات"، "تبادل قصف"، بدل توصيف ما جرى باعتباره استهدافًا ممنهجًا لأحياء مدنية. كما جرى تغييب أسماء الضحايا، وتجريدهم من فرديتهم، ليصبحوا أرقامًا أو تفصيلًا ثانويًا في خبر سياسي أوسع. هذه التقنية لا تنكر العنف، لكنها تفرغه من دلالته الأخلاقية.



ثالثًا: الإعلام العربي كفاعل لا كوسيط



في كثير من الحالات، تجاوز الإعلام العربي دور الوسيط الناقل للخبر، وتحول إلى فاعل مشارك في إنتاج الرواية. فبدل طرح الأسئلة الأساسية حول أسباب الاستهداف، وطبيعة القوى المتورطة، والسياق التاريخي للعلاقة مع الكورد، جرى تبنّي إطار جاهز يرى في الكورد مشكلة سياسية بحد ذاتها.



هذا الانحياز لم يكن دائمًا مباشرًا أو فجًّا، بل اتخذ شكل “تحليل عقلاني” ظاهريًا، يقدّم نفسه بوصفه قراءة موضوعية، بينما يعيد إنتاج خطاب القوى المعادية للكورد. وهكذا، لم يعد الإعلام يعكس الواقع، بل يساهم في إعادة تشكيله بما يتوافق مع توازنات إقليمية وأيديولوجية محددة.



رابعًا: شيطنة الكورد وصناعة العدو المقبول



إحدى أخطر نتائج هذا الخطاب كانت شيطنة الكورد بشكل منهجي. لم تبنَ هذه الشيطنة على أفعال موثّقة بقدر ما استندت إلى قوالب نمطية قديمة جرى إحياؤها وتحديثها: الكوردي كتهديد للوحدة، كأداة لقوى خارجية، كفاعل انفصالي بطبيعته. هذه الصور لم تقدَّم بوصفها ادعاءات، بل كمسلمات تحليلية لا تحتاج إلى إثبات.



بهذا الشكل، لم يعد الكوردي ضحية يساءل المعتدي عليه، بل طرفًا مشكوكًا في نواياه، تبرَّر معاناته بوصفها نتيجة "خياراته السياسية". هذه الآلية الخطابية تنقل المسؤولية من القاتل إلى الضحية، وتخلق مناخًا عامًا يسمح بتطبيع العنف ضد فئة بعينها.



خامسًا: السبق الإعلامي في تبني رواية القتلة



في بعض المحطات، لم يكتف الإعلام العربي بتبنّي رواية الجهات المعتدية، بل سبقها في التبرير والتحريض. كان أسرع في التشكيك بأي رواية كورديّة، وأكثر حذرًا في استخدام مفردات الإدانة، وأكثر تساهلًا مع الخطابات التي تنزع عن الكورد صفة الضحية.



هذا السلوك يكشف خللًا بنيويًا في مفهوم المهنية الإعلامية، حيث تستبدل المعايير الأخلاقية بمعايير سياسية. فالتحقق الصارم يطلب من الضحية، بينما تمنح رواية القوة هامشًا واسعًا من القبول المسبق. وهنا، لا يعود الإعلام سلطة رقابية، بل جزءًا من منظومة القوة نفسها.



سادسًا: الجذور البنيوية للانحياز الإعلامي



لا يمكن فهم هذا الدور دون الإشارة إلى عوامل أعمق تحكم الإعلام العربي. أول هذه العوامل هو الارتهان السياسي والمالي، حيث تخضع مؤسسات إعلامية واسعة لأجندات دول ترى في أي مشروع كوردي مستقل تهديدًا مباشرًا لمصالحها. ثانيها هو الخيال القومي الأحادي الذي لا يزال يهيمن على الخطاب العام، ويعجز عن استيعاب التعدد القومي بوصفه قيمة إيجابية.



أما العامل الثالث، فهو الخوف من تفكيك السردية المركزية للدولة القومية. فالاعتراف بمظلومية الكورد لا يعني التعاطف مع قضية واحدة فقط، بل يفتح الباب أمام مساءلة شاملة لتاريخ طويل من الإنكار، وهو ما لا ترغب به كثير من النخب السياسية والإعلامية.



سابعًا: أثر التشويه على الوعي الجمعي



إن أخطر نتائج هذا الخطاب لا تظهر فورًا، بل تتراكم على مستوى الوعي الجمعي. فالتكرار المستمر للسردية المشوّهة يخلق حالة من التطبيع مع العنف، وينتج لا مبالاة أخلاقية تجاه معاناة الكورد. ومع الوقت، يصبح استهدافهم أمرًا متوقعًا، أو على الأقل غير صادم، لأن صورتهم جرى تفريغها من بعدها الإنساني.



بهذا المعنى، لا يكتفي الإعلام بتشويه الواقع، بل يساهم في إعادة تشكيل الحس الأخلاقي للمجتمع، وفي تحديد من يستحق التعاطف ومن يستثنى منه.



ثامنًا: معركة السردية كجزء من النضال الكوردي



إن ما سبق يؤكد أن القضية الكوردية ليست فقط قضية حقوق سياسية أو حماية جسدية، بل قضية سردية بامتياز. معركة على من يروي القصة، وكيف تروى، ولأي غاية. فالشعب الذي تشوَّه قصته، يحرم من حقه في التعريف بنفسه، ويترك عرضة لتأويلات الآخرين.



من هنا، تصبح استعادة السردية فعلًا سياسياً وأخلاقيًا في آن واحد. ليس بهدف الدعاية، بل بهدف كسر احتكار المعنى، وفضح الآليات التي تستخدم لتحويل الضحية إلى متهم.



خاتمة: الإعلام بين المسؤولية والتواطؤ



إن مساءلة الإعلام العربي في تعاطيه مع القضية الكوردية ليست دعوة للعداء، بل دعوة للمحاسبة. فالإعلام، بوصفه قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، يتحمل مسؤولية تتجاوز نقل الخبر إلى اختيار الإطار الذي يفهم من خلاله. وحين يفشل في هذه المسؤولية، أو ينحاز ضد الضحية، فإنه لا يخطئ مهنيًا فحسب، بل يشارك - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - في إعادة إنتاج العنف.



إن معركة الكورد اليوم هي معركة على الوجود، وعلى الذاكرة، وعلى المعنى. ومعركة كهذه لا تحسم بالسلاح وحده، بل بكشف السرديات الزائفة، وتفكيك الخطاب الذي شرعن القتل، واستعادة الحق في رواية الألم كما هو، لا كما يراد له أن يرى.



#ماهر_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحريض ذهني مسموم
- الحكمة في مواجهة الحرب - الزعيم بارزاني وخطاب العقل السياسي
- -جدران تنزف ضوءاً-.. ماهر حسن يعيد رسم المشهد الإنساني داخل ...
- إرث البروباغندا البعثية، أكاذيب متوارثة في سوريا.
- المتباكون الزائفون في سوريا: وجوه النفاق. الجزء الرابع: قمع ...
- من أبواق البعث إلى ورثة خطابه: حينما يصبح التشويه إرثًا مقدس ...
- المتباكون الزائفون في سوريا: وجوه النفاق. الجزء الثالث: التج ...
- المتباكون الزائفون في سوريا، وجوه منافقة. الجزء الثاني :الحز ...
- المتباكون الزائفون في سوريا، وجوه منافقة. الجزء الأول
- من أبواق البعث إلى ورثة خطابه: حينما يصبح التشويه إرثًا مقدس ...
- سوريا الجديدة، بين التعريب والتغيير
- الوطنية على طريقة ديك الحارة
- من القمع إلى التشويه، حرب الإعلام والمغالطات
- سوريا ليست دولة عربية ولا حكرًا على عرق واحد. الجزء الثاني
- سوريا ليست دولة عربية ولا حكرًا على عرق واحد. الجزء الأول
- سورية ما بعد الأسد - على أعتاب حرب جديد 
- مهرجو البلاط: أمراء الكراهية ضد الكورد- الجزء الثالث 
- مهرجو البلاط: أمراء الكراهية ضد الكورد- الجزء الثاني 
- مهرجو البلاط: أمراء الكراهية ضد الكورد- الجزء الأول
- الإعلام العربي وأجنداته الخفية: كيف يُقصى الكورد إعلامياً؟ ا ...


المزيد.....




- الشرع: المصريون مشهود لهم بالكرم وأشكرهم على استقبالهم الحاف ...
- إيران.. منظمة حقوقية تكشف أعداد القتلى جراء الاحتجاجات
- منظمة حقوقية: 490 قتيلا وأكثر من 10 آلاف معتقل منذ اندلاع اح ...
- إجلاء 400 مقاتل كردي من حلب واعتقال أكثر من 300 آخرين
- السلطات الفنزويلية تفرج عن 18 سجينا سياسيا بعد اعتقال مادورو ...
- ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات المستمرة في إيران إلى 192 قتيل ...
- الأونروا تطالب برفع القيود عن مساعدات غزة فورا
- نابلس تحت حصار اقتحام قوات الاحتلال وحملة اعتقالات في -الياس ...
- قسد تعلن اانسحاب مقاتليها من حلب ومدير المرصد السوري يتهم ال ...
- شتاءُ الخيام… حين ترتجفُ أحلامُ النازحين قبل أجسادهم!!


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - ماهر حسن - القتل بالخبر- الإعلام العربي وصناعة رواية مفبركة