أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - ماهر حسن - تحريض ذهني مسموم














المزيد.....

تحريض ذهني مسموم


ماهر حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 23:04
المحور: القضية الكردية
    


شتيمة الكورد، كما نراها اليوم، لا يمكن فهمها بوصفها انفعالًا فرديًا أو تصرّف لحظة غضب. بل لحظة فاصلة يتحوّل فيها النقاش من حيزه الطبيعي إلى فضاء عدائي، حيث لا يعود الكلام وسيلة لفهم الخلاف، بل وسيلة لإعادة تعريف طرف كامل بوصفه خطرًا. في هذا التحوّل، لا يستهدف الرأي بقدر ما يستهدف الوجود نفسه، ويعاد تقديم الحديث عن الحقوق أو الهوية باعتباره تهديدًا يستدعي المواجهة لا الحوار.
يبدأ الأمر بكسر بسيط في اللغة: تشويه الوقائع، اقتطاع الأحداث من سياقها، وتكرار توصيفات تختزل الكورد في صورة واحدة مشحونة بالريبة. ومع التكرار، تفقد هذه الأوصاف طابعها الادعائي، وتتحوّل إلى ما يشبه “المعرفة العامة”. لا يعود المتلقي يسأل عن صحتها، بل يتعامل معها كمعطى بديهي. هكذا، تستبدل الأسئلة السياسية بأسئلة أخلاقية مشوهة، وينظر إلى الكورد لا كأصحاب قضية، بل كظاهرة إشكالية يجب احتواؤها أو ردعها.
في هذه المرحلة، تفقد اللغة وظيفتها التفسيرية، وتكتسب وظيفة أخرى أخطر: إعادة ترتيب الحسّ الأخلاقي. فحين يقدَّم الكوردي بصورة الخطر الدائم أو العنصر المزعزع، يصبح التعامل العنيف معه قابلًا للتبرير. لا يرى الفاعل نفسه معتديًا، بل متصدّيًا لتهديد. هنا، لا يلغى الإنسان صراحة، بل يفرَّغ من تعقيده، من فردانيته، من قصته، ليغدو كتلة مبهمة يسهل التعامل معها دون شعور بالذنب.
الأخطر أن من يمارس هذا الخطاب غالبًا لا يعتقد أنه يمهّد للعنف. هو يرى نفسه “يصف الواقع” بينما هو في الحقيقة يشارك في صناعته لغويًا. فحين تعجز اللغة عن أن تكون جسرًا للفهم، تتحوّل إلى ممر يفضي إلى القوة. وحين يغلق باب التعاطف بالكلمات، لا يبقى استخدام العنف قفزة مفاجئة، بل خطوة منطقية تالية.
بهذا المعنى، لا يأتي السلاح فجأة. يسبقه عمل طويل في الوعي: عمل يجعل القتل ممكنًا دون أن يسمّى جريمة، ويعيد تقديم الاعتداء بوصفه ردّ فعل، أو إجراءً وقائيًا، أو ضرورة مؤسفة. العقل هنا لا يرى نفسه يهاجم بشرًا، بل “مشكلة” أو “تهديدًا”. وهكذا يعاد ضبط الميزان الأخلاقي: ما كان غير مقبول بالأمس، يصبح اليوم مفهومًا، ثم مبررًا.
ما يميّز هذا المسار أنه لا يعتمد على صوت واحد، بل على تراكم أصوات متشابهة. الإهانة اليومية، الصورة المشوهة، الخبر المبتور، والتوصيف الجاهز، كلّها تعمل معًا على خلق مناخ عام يتقبّل استباحة الكورد، لا بوصفها عدوانًا، بل بوصفها نتيجة طبيعية لما “هم عليه” كما صُوّروا لغويًا. في هذا المناخ، لا يعود نزع الحقوق فعلًا صادمًا، لأنه سبق بنزع الشرعية، ونزع الشرعية سبق بنزع الإنسانية.
وحين تفشل القوى المسيطرة في تقديم تفسير مقنع للواقع أو أفق قابل للحياة، تلجأ إلى هذا النوع من اللغة لا لتفسير العالم، بل للسيطرة عليه رمزيًا. كلّ شتيمة، كلّ افتراء، كلّ تشويه، ليس مجرّد تعبير، بل مساهمة في إعداد ذهني يسبق العنف. الإعلام هنا لا ينقل العدوان، بل يهيئ له، بحيث يبدو لاحقًا كأنه استعادة لتوازن مختلق، لا جريمة مكتملة الأركان.
من هنا، يصبح الربط بين الكلمة والدّم أمرًا لا يمكن تجاهله. فالهجوم اللغوي ليس حدثًا معزولًا، بل بداية مسار، وكلّما طال هذا المسار، أصبح الانتقال من التشويه إلى الاستهداف أسهل وأسرع. الكلمات لا تقتل وحدها، لكنّها ترفع الحواجز التي تمنع القتل. وما يمنح شرعية في اللغة، يجد طريقه لاحقًا إلى الفعل.
بهذا الفهم، لا تعود شتيمة الكورد مجرّد إساءة، بل علامة على لحظة أخلاقية خطرة: اللحظة التي يعاد فيها تعريف جماعة كاملة بوصفها كيانًا قابلًا للاستهداف، ويقدَّم العنف ضدّها بوصفه امتدادًا طبيعيًا لكلام بدأ بسيطًا، وانتهى مدمّرًا.



#ماهر_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكمة في مواجهة الحرب - الزعيم بارزاني وخطاب العقل السياسي
- -جدران تنزف ضوءاً-.. ماهر حسن يعيد رسم المشهد الإنساني داخل ...
- إرث البروباغندا البعثية، أكاذيب متوارثة في سوريا.
- المتباكون الزائفون في سوريا: وجوه النفاق. الجزء الرابع: قمع ...
- من أبواق البعث إلى ورثة خطابه: حينما يصبح التشويه إرثًا مقدس ...
- المتباكون الزائفون في سوريا: وجوه النفاق. الجزء الثالث: التج ...
- المتباكون الزائفون في سوريا، وجوه منافقة. الجزء الثاني :الحز ...
- المتباكون الزائفون في سوريا، وجوه منافقة. الجزء الأول
- من أبواق البعث إلى ورثة خطابه: حينما يصبح التشويه إرثًا مقدس ...
- سوريا الجديدة، بين التعريب والتغيير
- الوطنية على طريقة ديك الحارة
- من القمع إلى التشويه، حرب الإعلام والمغالطات
- سوريا ليست دولة عربية ولا حكرًا على عرق واحد. الجزء الثاني
- سوريا ليست دولة عربية ولا حكرًا على عرق واحد. الجزء الأول
- سورية ما بعد الأسد - على أعتاب حرب جديد 
- مهرجو البلاط: أمراء الكراهية ضد الكورد- الجزء الثالث 
- مهرجو البلاط: أمراء الكراهية ضد الكورد- الجزء الثاني 
- مهرجو البلاط: أمراء الكراهية ضد الكورد- الجزء الأول
- الإعلام العربي وأجنداته الخفية: كيف يُقصى الكورد إعلامياً؟ ا ...
- الإعلام العربي وأجنداته الخفية: كيف يُقصى الكورد إعلامياً؟ ا ...


المزيد.....




- منظمة حقوقية: 2500 شخص على الأقل لقوا حتفهم خلال الاحتجاجات ...
- عائلة سجاد العراقي تعزو قرار إلغاء حكم الإعدام بحق مختطفيه ل ...
- المبعوث الأممي لليمن يبحث ملف الأسرى مع الحوثيين في مسقط
- السودان.. أوضاع النازحين داخل مخيمات النزوح بمدينة الأُبيّض ...
- القاهرة الإخبارية: تطاير الآلاف من خيام النازحين في غزة إثر ...
- جمعية الإغاثة الطبية: الأزمة بغزة تفوق الوصف.. والمجتمع الدو ...
- لماذا يموت أطفال غزة بعد وقف إطلاق النار؟ اليونيسيف تجيب
- تقرير لهآرتس يكشف تفاصيل مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيي ...
- لهذه الأسباب يتجنب بعض المهاجرين التحدث مع الإعلام
- أكبر مجزرة في تاريخ إيران المعاصر لن تُدفن في صمت


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - ماهر حسن - تحريض ذهني مسموم