أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرضية صالح خليل - صلاةُ -أمل-














المزيد.....

صلاةُ -أمل-


مرضية صالح خليل

الحوار المتمدن-العدد: 8510 - 2025 / 10 / 29 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


"1"
في يومٍ من أيام الشتاء، كنت أسير على عجلٍ لأتفادى زخات المطر التي اغتسلت بها طرقات المدينة القديمة، وبالرغم من خطواتي المتسارعة إلا انني وجدت صعوبة في المسير، ففضلت الدخول في إحدى المقاهي والانتظار لبرهة من الزمن، لعل الغيوم تهدأ.
جلستُ في إحدى الزوايا القريبة من الباب، وبدأتُ بتفحص المقهى الذي اختلطت فيه رائحة القهوة بدخان السجائر، الذي تراقص على انغامٍ خافتةٍ لأغنية تصدر عن مذياع عفى عليه الزمن.
معالم المكان كانت هادئة على عكس الزبائن، الذين انشغل أكثرهم بأحاديث لم تكن ذات معنى، أو هذا ما تصورته، فعلى مقربة مني جلس شخصان يتحدثان عن مصاعب الصيد في البحر، وعلى مبعدة منهم تحلق مجموعة من كبار السن حول طاولة صغيرة للعب الدومينو، والحديث عن زعيم الأمة وعن فخر العرب وغيرهم، فيما جلس رجل في العقد الثالث يقرأ الصحيفة دون ان يكترث لما حوله، وآخرون تناثرت مقاعدهم في المقهى، الذي يدور فيه النادل بين زبائنه كالدرويش في مجالس الذِكر.
"2"
هذه الحال انتهت فجأة، إذ انفتح الباب ودخلت فتاة في أواخر العشرينات، شعرها منكوش كأن الريح سكنت فيه منذ زمن، ترتدي فستاناً باهت اللون، وحذاءً غير متطابق، كان في عينيها بريق غريب، خليط من البراءة والشرود، وفي مشيتها تردد يشبه خطوات طفل يتعلم المشي من جديد. همس أحد الزبائن: " ها قد جاءت أمل "، عرفت لاحقاً أن هذا اسمها، أو لقبها الذي التصق بها منذ سنوات، ربما لأن حياتها كلها بدت وكأنها ملف مفتوح لم يُغلق أبداً.
لم تلتفت إلى أحد، تقدمت بخطوات مترددة نحو منتصف المقهى، ثم فرشت شالاً صغيراً على الأرض، وبدأت تصلي عكس القبلة، لم يعترضها أحد، بعضهم ابتسم، وبعضهم أدار وجهه، وكأنهم اعتادوا على طقسها. كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة، ترفع يديها وتخفضهما فجأة، ثم تسجد طويلاً حتى يظن المرء أنها نسيت أنها وسط الناس.
"3"
بعد أن انتهت من صلاتها جلست على أقرب كرسي دون استئذان، وأخذت تحدّق في وجوه الزبائن، ابتسمت لرجل مسن كان يقرأ الجريدة، ثم عبست في وجه شاب يعبث بهاتفه، ثم ضحكت فجأة بصوت عالٍ، كأنها تذكرت نكتة لم يسمعها أحد غيرها، جاءها النادل بكوب ماء دون أن تطلب، وضعه أمامها برفق، وقال: "تفضلي يا أمل"، فأخذت الكوب، وشربت نصفه دفعة واحدة، ثم مسحت فمها بكم فستانها، وبدأت تتحدث مع الجميع بلا ترتيب ،فسألت أحدهم عن لون السماء، وطلبت من الشاب الجالس في الزاوية أن يغني لها، والتفتت إليّ تسألني عن الشمس اين تنام عدما يحل الظلام؟!..
لم تنتظر إجابتي، واكتفت بالضحك، ثم أغمضت عينيها لحظة، كأنها تستمع لصوتٍ بعيد، ثم همّت بالخروج قبل ان تقف عند الباب هامسة بكلمات غير مترابطة: "البحر بعيد.. لكن الموج قريب.."... "لقد أخبرتني الغيوم: ان في كل قطرة من المطر قبلة.. تنثرها السماء على وجه العطاشى"، ثم أغمضت عينيها، وبدأت تغني بصوت خافت أغنية قديمة عن الغربة، لم يكن صوتها جميلًا، لكنه كان صادقًا لدرجة أن النادل توقف عن العمل ليستمع كغيره من زبائن المقهى، لتغادر بعدها كما جاءت، تاركة وراءها صمتاً لم يدم طويلاً.



#مرضية_صالح_خليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية المصرية في عالم متغير
- مجرد حلم -سياسي-
- رسالة الى ............ -ربنا يهديكم-


المزيد.....




- رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا ...
- صدور رواية طوالع يومية في العراق
- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...
- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...
- بوتين: المجمع الثقافي في فلاديفوستوك سيصبح مركز جذب
- خلال لقائه بوتين.. نحات من بورياتيا يطرح مبادرة لدعم الفناني ...
- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرضية صالح خليل - صلاةُ -أمل-