غانية ملحيس
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 13:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إيران… مشروع في خطر: حين تضيق الرؤية عن الحضارة
24/6/2025
منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، شكلت إيران أحد أكثر الأنظمة تحديا للهيمنة الغربية في المنطقة. فقد خرجت من عباءة الشاه، وطردت النفوذ الأمريكي، وأعلنت مشروعا سياسيا–دينيا مستقلا، داعما للمقاومة، رافضا للتبعية، ومناهضا لإسرائيل.
لكن السؤال الأعمق لم يعد: هل تعادي إيران الغرب؟ بل: هل تستطيع ان تصمد خارج منطق النظام العالمي؟
أم أنها – كما جرى مرارا في التاريخ – مهددة بأن تحتوى تدريجيا، ويعاد تشكيلها كفاعل وظيفي في قلب منظومة الهيمنة التي تزعم معاداتها؟
يحاول هذا المقال تفكيك المأزق الإيراني المركب، من خلال فهم بنية مشروعها، وحدود صراعه، وخطر إعادة إنتاج السيناريو التاريخي الذي أنهى مشروع محمد علي باشا الطموح في القرن التاسع عشر.
إيران كقوة سيادية مناهضة للهيمنة.
تمثل إيران إحدى القوى القليلة في العالم الإسلامي التي:
• تملك مشروعا سياسيا واضح المعالم،
• تمارس سيادتها دون خضوع للغرب،
• وتدعم حركات مقاومة مسلحة خارج حدودها.
ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979، خاضت إيران:
• مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة (احتلال السفارة، الحصار، العقوبات، الملف النووي)،
• حربا بالوكالة مع “إسرائيل” (عبر حزب الله، الجهاد وحماس، والحوثيين)،
• وصراعا طويلا ضد المحور الغربي- العربي في العراق، سوريا، اليمن، ولبنان. وهو ما منحها شرعية سيادية عالية، وجعلها – في عين الغرب – خصما استراتيجيا يجب تحجيمه أو ترويضه.
المأزق البنيوي: القومية بدل الحضارة
غير أن ما يضعف المشروع الإيراني ليس خصومه، بل حدوده الذاتية. فثمة هيمنة لهوية قومية وتمركز قومي شيعي. فرغم شعارات الوحدة الإسلامية، فإن:
• مؤسسات الدولة الإيرانية تقوم على رؤية قومية فارسية متمركزة حول الذات الإيرانية،
• الخطاب السياسي الرسمي، والتحالفات الإقليمية، يغلب عليها الطابع المذهبي الشيعي،
• البعد الحضاري الإسلامي يستخدم كشعار، لا كأفق جامع،
• مما ينتج عزلة نسبية عن مكونات الأمة الأخرى، خصوصا العرب والأتراك والأكراد والسنة عموما.
الدولة القومية والقطرية سجن التاريخ أم بوابة التجاوز؟
لم تكن الدولة القومية أو القطرية في العالم الإسلامي نتاجا لتطور اجتماعي داخلي، ولا ثمرة تبلور طبيعي لمفهوم السيادة والهوية. بل كانت - في جوهرها - إعادة هندسة قسرية للأمة بعد تفكيك بنيتها الحضارية الجامعة، خصوصا بعد إسقاط الخلافة، وانتهاء مفعول الرابطة السياسية التي كانت توحد المجال الإسلامي عبر قرونه.
لقد جاء نموذج الدولة الحديثة إلى المنطقة محملا بإرث الحداثة الأوروبية: حدود مصطنعة، هويات قسرية، مركزية مفرطة، بيروقراطية خانقة، وسيادة محصورة في الإقليم لا في القيم. وقد تبنته النخب ما بعد الاستعمار - من قوميين وإسلاميين على السواء - لا باعتباره قالبا قابلا للتجاوز، بل كأفق نهائي، وهكذ وقعت في فخ المأسسة داخل قفص الاستعمار نفسه.
فتحولت الدولة القومية والقطرية من وسيلة تنظيم إلى سجن سياسي وتاريخي
• من الجماعة إلى الشعب،
• من الرسالة الى البيروقراطية،
• ومن الوعي إلى الرايةً والنشيد،
• وربط مفهوم “التحرر” بالسيادة الإقليمية لا بالانعتاق الحضاري.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض الدول - رغم الحدود والقيود - قد تتحول في لحظات تاريخية معينة إلى رافعة للتمرد ومسرح للتجاوز.. إذا امتلكت رؤية حضارية تتخطى القومية القطرية، وتفكك بنيتها الحداثية المادية من الداخل، وتعيد وصلها بالجماعة الحضارية الأوسع.
وهنا يتجلى السؤال المصيري:
هل يمكن تحويل الدولة القومية من سجن تاريخي إلى بوابة نحو مستقبل جامع؟
أم أن تحررنا الحقيقي لا يمكن أن يبدأ إلا من خارج بنيتها ذاتها؟
أدوات الدولة القومية الحديثة.
إيران - في بنيتها - ليست ثورة حضارية متكاملة، بل دولة قومية حديثة، تدير صراعها بمنطق السيادة والنفوذ الإقليمي، وليس بمنطق التحرر الحضاري العالمي، وهو ما يقيد قدرتها على تقديم مشروع حضاري بديل لنظام الهيمنة الغربية المادية.
خطر الاحتواء: من محمد علي إلى الخامنئي
ما تواجهه إيران اليوم يعيد للأذهان تجربة محمد علي باشا في مصر:
• طمح إلى نقل مركز قيادة الخلافة الإسلامية إلى مصر- التي امتلكت مقومات القيادة - عبر الصدام مع المركز العثماني والاستقلال عن الباب العالي،
• هدد بنية النظام الدولي/ الغربي/ الصاعد.
• توسع عسكريا في بلاد الشام ووصل إلى مشارف الأناضول،
• لكنه اصطدم بتوافق القوى القوى الغربية المهيمنة على النظام الدولي الطامعة في المشرق، فانعقد مؤتمر لندن 1840 لإجهاض مشروعه.
أجبر محمد على التراجع، مقابل تثبيته في حكم مصر، ولكن ضمن شروطهم. وكان المؤتمر تأسيسيا لبناء تحالف غربي متفاهم ينهي الصراع البيني بين قواه الكبرى. ويضع أسس الاستيلاء التعاوني على المشرق، ومنع نشوء أي مركز قيادة الإسلامي مستقل.
ما يتكرر اليوم:
• الضغوط الغربية على إيران لا تهدف فقط إلى الإضعاف، بل إلى جرها نحو “صفقة كبرى” تعيد تأهيلها كفاعل إقليمي محدود ضمن النظام الغربي المهيمن.
• يجري التلويح بالحرب الشاملة بالتوازي مع تقديم مسارات تفاوض، كما في الاتفاق النووي،
•. الخطاب حول "أمن الخليج" و "استقرار الإقليم" و "ضبط سلوك إيران"، يشير إلى احتواء ناعم.
• القوى الصاعدة (روسيا، الصين) لا تمانع هذا الترويض، ما دام يخدم استقرار النظام الدولي الجديد الآخذ في التشكل.
مفترق المصير: بين التحول الحضاري والانكماش الوظيفي
تجد إيران نفسها اليوم في لحظة لا تقل حساسية عن لحظة الثورة عام 1979، لكن التحدي هذه المرة لا يكمن فقط في الصمود، بل في تحديد مسارها التاريخي:
هل هي مشروع تحرري شامل؟
أم دولة قومية تسعى لدور إقليمي داخل نظام لم تغادره فعليا؟
أمام إيران ثلاث خيارات استراتيجية:
(1) البقاء في مربع "الوظيفة الإقليمية"
• قبول دور مشروط ضمن معادلة الأمن الإقليمي،
• داخل حدود نفوذ المرسوم دوليا،
• مقابل تخفيف العقوبات والانخراط في التفاهمات.
نتيجته: إعادة إنتاج نموذج “الدولة الممانعة” كأداة توازن داخل النظام، لا كفاعل حضاري في تغييره.
(2) التصعيد دون أفق حضاري
• استمرار المواجهة السياسية والعسكرية،
• دون تطوير خطاب جامع يتجاوز الإطار القومي- المذهبي.
نتيجته: إنهاك تدريجي، واصطفاف محدود، وتوسّع عزلة إقليمية،
خصوصًا مع بروز نماذج مقاومة أخرى - كغزة - تميل إلى بلورة وعي حضاري يتجاوز النطاق القومي ويطرح مشروعا تحرريا شموليا.
(3) التحوّل إلى مشروع تحرري حضاري جامع
• الانفتاح على مكونات الأمة كافة،
• تجاوز النزعة الفارسية والمذهبية في صياغة السياسات،
• تأطير الصراع مع الغرب بوصفه صراعا حضاريا مع البنية المادية العنصرية،
• بناء تحالفات معرفية - روحية- شعبية تعيد تعريف إيران كجزء من أمة كبرى.
نتيجته: تموضع جديد لإيران في قلب مشروع تحرر عالمي،
يقاوم الحداثة المادية من جذورها،
ويعيد التوازن بين المادة والمعنى،
ويمنح طهران شرعية تاريخية تتجاوز حدودها الجغرافية والمذهبية.
من يسبق إلى الوعي… يكتب التاريخ.
تمتلك إيران من التراكم التاريخي، والبنية المؤسسية، والقدرة على الصمود، ما يؤهلها لتكون رأس حربة في مشروع تحرري عالمي.
لكن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق بإدامة خطاب الانغلاق، أو بإدارة الصراع ضمن توازنات النظام القائم.
إن لم تتجاوز طهران ذاتها القومية، ستعاد صياغتها كأداة في نظام لم تغادره فعليا.
أما إن وسعت أفقها الحضاري، فقد تفتح – مع غزة وشتات المقاومة – صفحة جديدة في كتابة التاريخ من خارج المركز الغربي.
فالقوة وحدها لا تصنع مشروعا، والممانعة لا تكفي لانتزاع المعنى
إيران، إن بقيت دولة ذات مصالح كبرى، فلن تختلف كثيرا عمن استهلكوا في لعبة النفوذ.
أما إن أدركت أن المعركة اليوم هي على المعنى، والهوية، والرؤية، فقد تتحول من فاعل مضاد إلى قائد بديل، ومن خصم مزعج إلى ضمير تاريخي يعيد تعريف الشرق،
لا بوصفه جغرافيا ملتهبة،
بل حضارة عائدة.
فالتاريخ لا تكتبه البنادق وحدها… بل تكتبه الرؤية.
ومن يسبق إلى الوعي، لا ينتصر فقط… بل ينشئ زمنا جديدا. See less
#غانية_ملحيس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟