حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8397 - 2025 / 7 / 8 - 02:53
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
عندما سقط النظام السياسي السابق في عام 2011 نتيجة لأسباب متعددة، برزت إشكالية كبيرة حول طبيعة هذا الحدث، خاصة بين الأكاديميين. فبينما يصفه البعض بالثورة أو الانتفاضة أو الحراك المجتمعي، يراه آخرون مؤامرة أو نكبة وراح البعض الآخر يتخبط في دياجير الحيرة والاضطراب في التعامل مع هذا الحدث، إذ أن الأمر يتعلق بإعطاء المفاهيم وضبطها بعد حقيقي في تأثيرها. كما أن الأمر، من ناحية أخرى، يعبر عن تصورات للمكنونات، ويبرز كذلك بعض العواطف والمشاعر تجاه الحدث.
بالتالي، برزت خلافات مفاهيمية كانت كحوادث صغيرة تنمو لتصبح مشاكل أكبر. تتصاعد هذه الخلافات حول تحديد وضبط المفاهيم، مما يستدعي أهمية التوافق عليها ودورها في بناء مؤسسات الدولة. فمع أي أزمة، تبرز إشكالية المفاهيم مجددًا، مما يؤدي إلى بروز مشكلات أخرى، مثل عدم الاعتراف بالواقع. فبعض المدن والمناطق في ليبيا لا تزال ترفع أعلام وصور النظام السابق، مما يبرز عمق الانقسامات والتحديات التي تواجه عملية بناء الدولة. وهذا يعني ببساطة ضرورة وجود توافق مفهومي حول طبيعة الحدث الحاصل. وهنا يمكن القول إنه يمكن الصبر على وجود مسافة بين وجهات النظر، لكن لا يصح حسب وجهة نظري - جعل هذه المسافة مكشوفة ومعرضة للنقاش بين أفراد المجتمع لفترات طويلة . فقد يؤدي ذلك إلى رفض وعدم قبول، مما يخلق مفاهيم جديدة قد تحدث شرخًا في التصورات الجمعية.
لقد كان هناك انعدام الوعي لدى الحكومات ما بعد 2011 لأهمية ضبط المفاهيم والتصورات الفكرية في عملية بناء مؤسسات الدولة. أدى هذا الانعدام إلى فقدان النموذج المراد الوصول إليه، مما أثر سلبًا على فعالية المؤسسات وشرعيتها.
الأخطر من ذلك، أن تلك الحكومات استندت إلى الجماعات المسلحة للحفاظ على شرعيتها وبقائها في السلطة، مما زاد من تعقيد المشهد السياسي. فقد أصبحت سلطة تلك الجماعات تتحدى سلطة الحكومة، مما ساهم في إضعاف فرص الحوار والتفاهم حول ضبط المفاهيم.
نتيجة لذلك، بدأت تتشكل مفاهيم جديدة تتعلق بعملية بناء عوالم خاصة بتلك الجماعات بعيدًا عن مسألة ضبط المفاهيم والتصورات الفكرية لبناء الدولة، مثل التركيز على الانتماء للجماعة المسلحة بدلاً من الوطن. هذا التحول يعكس تحديًا كبيرًا نعيشه حتى الآن في تنفيذ أي خارطة طريق لتحقيق الاستقرار المجتمعي.
وأصبح الوطن يضيع أمام أعيننا، ولا نستطيع لذلك دفعًا
كل ذلك لا يزال يثير تساؤلًا جوهريًا عند طرح أي مبادرات أو مسارات في خارطة الطريق لليبيا: كيف يمكن الاتفاق على بناء الدولة في ظل هذه الخلافات المفاهيمية؟ إن عملية البناء لا يمكن أن تكون سليمة إلا من خلال توافق حول المفاهيم والمسميات الأساسية، لعل أهمها التوافق حول تحديد ماهية الحدث الحاصل في 2011م، والذي يرتبط بمفاهيم أخرى مثل مفهوم الدولة، الهوية الوطنية، وحقوق المواطن. لذا، فإن الأزمة في ليبيا، حسب وجهة نظري، لا تزال في أساسها وقاعدتها مشكلة ثقافية. ولهذا، يبقى السؤال مطروحًا حول كيفية تحديد خارطة الطريق في ظل هذه الانقسامات المفاهيمية.
#حسين_سالم_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟