أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أميمة البقالي - القراءة: رحلة نحو الذات والعالم














المزيد.....

القراءة: رحلة نحو الذات والعالم


أميمة البقالي
(Oumaima Elbakkali)


الحوار المتمدن-العدد: 8346 - 2025 / 5 / 18 - 09:38
المحور: الادب والفن
    


في عالم يركض وراء السرعة، وتضج فيه الأصوات والصور، تبقى القراءة ملاذًا هادئًا للروح، ونافذة مشرعة على عوالم لا تنتهي. قد يظن البعض أن القراءة عادة قديمة أو هواية للفراغ، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالقراءة ليست مجرد هواية، بل فعل وجودي يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وينقله من حالة السكون إلى الوعي، ومن ضيق اللحظة إلى اتساع الأفق.

الكتاب ليس ورقًا وحبرًا فحسب؛ إنه روح، وصوت، وحضور خفي. حين نفتح كتابًا جيدًا، فإننا لا نقرأ فقط كلمات المؤلف، بل ندخل حوارًا مع أفكاره، ونعيش تفاصيله، ونُعيد اكتشاف ذواتنا في مراياه. فربما نجد في قصة بطل غريب ملامح من ضعفنا أو قوتنا، وربما نُعيد النظر في أفكار كنا نظنها راسخة، فقط لأننا قرأنا وجهة نظر مختلفة، مكتوبة بإحساس صادق.

القراءة ووعي الذات

أكثر ما تمنحه القراءة للإنسان هو فرصة اللقاء مع ذاته. في الزحام، لا يجد الإنسان وقتًا ليسأل نفسه: من أنا؟ ماذا أريد؟ إلى أين أمضي؟ لكن القراءة تُجبِرُنا، بل تُغري عقولنا، للوقوف مع هذه الأسئلة العميقة. كم من قارئٍ وجد نفسه يبكي دون أن يدري لماذا، فقط لأنه قرأ فقرة لامست وجعًا كان يخبئه في داخله؟ وكم من فتاة شعرت أنها لم تعد وحيدة حين قرأت قصة تشبه حكايتها؟

الكتب الصادقة ليست مجرد حكايات، بل مرايا، وخرائط، ومفاتيح. القراءة تُربّي فينا الصبر، وتعوّدنا على الإصغاء، وتعلّمنا أن لكل فكرة وجهين، ولكل إنسان قصة خفية. هي أيضًا تزرع فينا التواضع؛ فكلما قرأنا أكثر، أدركنا كم نجهل.

القراءة والعالم

من أروع ما تقدمه لنا القراءة هو قدرتها على كسر الجدران. فقد نكون جالسين في غرفة صغيرة، لكننا مع كل كتاب نسافر إلى بلد جديد، نعيش زمنًا مختلفًا، نأكل طعامًا غريبًا، ونُصادق شخصيات لا وجود لها خارج الورق. إنها أعجوبة أن تسافر عبر القرون، وتحادث أفلاطون، أو تشهد الثورة الفرنسية، أو تتجول في صحراء عربية، دون أن تغادر مقعدك.

إن الطفل الذي يقرأ منذ الصغر، هو طفل أقرب للتفهم، أكثر اتزانًا، أوسع خيالًا، وأغنى مفردات. أما المراهق القارئ، فهو شاب لا يُخدع بسهولة، لأنه يعرف كيف يفكر، ويعرف كيف يبحث عن الحقيقة. والمجتمعات التي تقرأ هي مجتمعات لا تُستَعبَد، لأنها تُدرك قيمة الفكر، وتُقدّر الكلمة، ولا تُسلّم عقولها بسهولة.

أعداء القراءة في زمننا

في زمن التكنولوجيا المتسارعة، تحوّل الإنسان إلى مستهلك دائم للصور السريعة والمقاطع القصيرة. منصات التواصل تُغرقنا بالمعلومات، لكن قليلًا ما تمنحنا الفهم. نحن نمر على كل شيء، لكننا لا نتوقف عند شيء. هنا يأتي دور القراءة؛ إنها الفعل البطيء في زمن السرعة، الفعل العميق في عصر السطحية.

وربما أصعب ما نواجهه اليوم، ليس فقط ابتعاد الناس عن القراءة، بل وهم المعرفة الذي تمنحه بعض الوسائط الرقمية. فليس كل من قرأ تغريدة أو اقتباسًا، أصبح مثقفًا. الثقافة الحقيقية تُبنى بالتدرج، وتُصقل بالقراءة الممتدة، والتحليل، والشك، والمقارنة، والتأمل.

الكلمة التي تُنقذ

في نهاية المطاف، تبقى القراءة شكلًا من أشكال النجاة. قد تكون الكلمة التي نقرأها في لحظة انكسار، هي الكلمة التي تُعيد بناءنا. وقد تكون فكرة في كتاب، هي السبب في تغيير مسار حياتنا.

القراءة ليست ترفًا، إنها ضرورة. وهي ليست ماضيًا انتهى، بل مستقبلًا يبدأ مع كل قارئ جديد. فكل طفل نحفزه على القراءة، هو مشروع إنسان حر. وكل كتاب نهديه هو بذرة نور تُزرع في أرض مظلمة.

فلتكن القراءة عادتنا، ورفيقتنا، وسلاحنا الهادئ في وجه ضجيج العالم.



#أميمة_البقالي (هاشتاغ)       Oumaima_Elbakkali#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قوة الكلمة: كيف تُغير الكلمات حياتنا
- السياسة بين النظرية والتطبيق
- دور الشباب في الحياة السياسية
- جمال البساطة في زمن التعقيد
- قوة الكلمة: كيف تُغيّر الكلمات مسار حياتنا
- المرأة في الثقافات المختلفة: نظرة مقارنة
- الاحتفالات الشعبية: بين الموروث والحداثة
- المرأة في الأدب العربي: من الشعر الجاهلي إلى الرواية المعاصر ...
- مأساة كاتب لم يُكتب له أن يكون عظيمًا
- المكتبة التي تقرأك
- رسائل من ظلّ شيكسبير
- الكاتب الذي سرق روايته من المستقبل
- مخطوطة تشارلز ديكنز المفقودة
- عدم احترام الأجيال: أزمة قيم في المجتمعات الحديثة
- الدين السائد في العالم اليوم: نظرة على الأديان الأكثر انتشار ...
- تطور الرواية الإنجليزية عبر العصور
- الروبوتات: بين الخيال العلمي والواقع التقني
- السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية: النظام، الأحزاب، والت ...
- الديمقراطية تحت الضغط: أسباب التراجع وصعود الحركات الشعبوية
- تحليل سياسي: المشهد العالمي بين التحديات والتحولات


المزيد.....




- كتيبة -الدببة المقاتلة-.. خدعة روسية هزت معنويات جيش نابليون ...
- شادي لويس يكتب من موقع الغريب.. شخصياتي كلها مهزومة لكنها لا ...
- ملهمة ريبين وأعمال مفقودة.. مفاجآت تشكيلية في قلب موسكو (صور ...
- الفنانة السورية نورا رحال تودع نجلها وإعلامية لبنانية تكشف ت ...
- ما حقيقة وفاة الفنانة المصرية صفية العمري؟
- ميلاد يوسف يطرح البرومو الترويجي لبرنامجه الجديد -الاختيار- ...
- -فرون-اللبنانية تكشف زيف الرواية الإسرائيلية وفخ المنطقة الت ...
- تمبكتو.. واحة علمية وثقافية تعصف بها رياح الخوف والفقر
- الفنان لاوند: الشعر روح اللوحة
- أسرار معمارية في بناء مساجد بجدة والمدينة المنورة


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أميمة البقالي - القراءة: رحلة نحو الذات والعالم