أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - بين ضجر الملوك ووجع الهزيمة














المزيد.....

بين ضجر الملوك ووجع الهزيمة


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8345 - 2025 / 5 / 17 - 16:48
المحور: الادب والفن
    


بين ضجر الملوك ووجع الهزيمة..
التناص الرؤيوي في مسرحية "حكاية ضجر" للكاتب التونسي لطفي ابراهم

تبدو مسرحية "حكاية ضجر"* للكاتب لطفي ابراهم (هي الثانية له بعد "زمن الجنرال") وكأنها قصرٌ حكائيّ مزيّن بالمرايا، لا تُظهر فقط ملامح شخوصها بل تعكس أيضًا وجوه نصوص أخرى تسكن ذاكرة المسرح العربي الحديث، وعلى رأسها نصوص سعد الله ونوس، وتحديدًا في "الملك هو الملك" و "سهرة مع أبي خليل القباني" و"حفلة سمر من أجل 5 حزيران".

فمن حكاية الملك الذي يحس بالملل والضجر فيقرر رفقة وزيره أن يلبسا ملابس التجار، والذهاب متنكرين نحو "الشعب" ليلعبا لعبة لا تقل دناءة عن كونهما "حاكمين ضجرين"، كما عند ونوس، الذي أخذها بدوره عن حكاية هارون الرشيد ووزيره جعفر البرمكي وتنكرهما في زي تاجرين لينخرطا في الشعب المسكين، إلى الملك ووزيره مثلما عند لطفي ابراهم وهما يتنكران أيضا بملابس التجار، ليصبح التداخل المسرحي ما بين عالمي الكاتبين، السوري والتونسي، طريقا ممهدا للدرس والتنقيب، عبر إعطاء كل كاتب على حدة، حقه في الانجاز والإبداع والروح الفردية المتمايزة.

في هذا السياق، لا يمكن للقارئ الحصيف أن يغفل عن التناص الخفي، ثم الصريح، بين شخصية "أبو خليل" في مسرحية ابراهم وبين "أبي خليل القباني" كما صوّره ونوس. كلاهما هامشيّ، مستضعف ظاهريًا، لكنه حامل جوهريّ لوَهَج الرفض، والعشق، والتغيير. أبو خليل القباني يواجه سلطة المجتمع المحافظ عبر المسرح، بينما نظيره في "ضجر نهائي" (الذي قد يكون المجذوب، أو بائع اللوحات) يواجه سلطة العرش والدم عبر نبوءة الحكمة الشعبية المرمّزة.

اللوحات المغبّرة في دكان الشيخ تُحاكي المسرح نفسه: كل واحدة منها تمثّل مشهدًا مختصرًا لحكمة مُغفلة أو مصير محتوم. وكل من يقرأ اللوحة، يفتح على نفسه بابًا من الإدراك والوجع، وكأنه يُجبر على اعتراف باطنيّ أمام مرآة فكرية لا ترحم. هنا، يستدعي النص تقنية "المسرح داخل المسرح"، بل ويذهب أبعد حين يكسر الحائط الرابع كسرًا ناعمًا على طريقة (برتولد بريشت)، فيُشرك المتفرج في اللعبة، في الإحساس، في الإدانة.

وهذا يقودنا إلى التناص البنيوي الصريح مع "حفلة سمر من أجل 5 حزيران". فكما صنع سعد الله ونوس مساءً مفتوحًا على البوح، تتخلله لحظات انكشاف بين الشخصيات والجمهور، كذلك يفعل لطفي ابراهم حين يجعل اللوحات تنطق بحكم تتقاطع مع حاضر المتلقي وتتجاوزه. في كلتا المسرحيتين، ننتقل من المسرح كمكان للتسلية إلى المسرح كأداة جذرية للسؤال والمساءلة.

لكن الفرق بين الكاتبين جوهري أيضًا: ونوس يكتب تحت وطأة الهزيمة السياسية بعد نكسة الخامس من حزيران، فيجعل من المسرح منبرًا احتجاجيًا. أما ابراهم، فيكتب في زمن الرماد الطويل، زمن الضجر الأبدي الذي تحوّل إلى فلسفة قائمة بحد ذاتها. الضجر هنا ليس مجرّد ملل، بل هو مأساة روحية يعيشها من فقد المعنى وسط الترف والسلطة.

ليست "حكاية ضجَر" (بينما أفضل العنوان أن يكون "حكاية ضجِرٍ"، بكسر الجيم بدلا عن فتحها) مسرحية تأخذ من سعد الله ونوس لتنسج على منواله، بل هي تحاوره، تحلم معه، وتعيد صياغة أدواته ضمن خطاب جديد أكثر رمزية وأشد مكاشفة وجدانية. إنها امتداد لمسرح السؤال، ولكن من داخل القصر، لا من هامش الخشبة. هي حفلة سمر جديدة، لكن هذه المرة من أجل ضجرٍ لم يعد مؤقتًا، بل صار قدرًا نهائيًا.

* حكاية ضجر، لطفي ابراهم، مسرحية ذات فصلين، دار خريف للنشر، تونس 2025.
* زمن الجنرال، لطفي ابراهم، مسرحية ذات فصلين، منشورات مومنت، لندن 2018.



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جثة تفكر: قراءة فوكويّة في رواية نزار شقرون “أيام الفاطمي ال ...
- حينما يصبح الشعر نشيدا للإنسان، ونشدانا للحرية والانعتاق
- هوروسكوب
- أميلكار، هانيبال وقرطاج، في رواية تونسية جديدة..
- أوسكار وايلد وصادق هدايت في مسلسل عربي
- رعد عبد القادر باللغة السويدية: الصقر مع الشمس بأجنحة الشعر ...
- نحو سرد موجز، نحو رواية ليست طويلة..
- نظرة ما إلى قواعد اللعبة: من المحيط إلى المركز
- ترابكَ
- لا ترمني بوردة
- نحو رواية قصيرة
- تحديات جديدة أمام المسرحيين في عالم اليوم: نحو علاقة حيوية م ...
- تمر الشمس في برج الحمل
- عناصر السيميولوجيا أخيرا
- رباعيات العواطف: عندما يكون الشعر منتظماً وحُراً في آنٍ
- أساطير الأم بين عشتار وآتروبوس
- من النَّظْم إلى المعنى: مشروع رؤية جديدة للبلاغة تصل الأصالة ...
- قل لا حتى ولو كنت على نعم
- قصيدة و رباعية عن الولادة والرحيل
- سين أقرب من سوف


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - بين ضجر الملوك ووجع الهزيمة