أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - تأريخ الخرافة ح 16















المزيد.....

تأريخ الخرافة ح 16


عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني

(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7976 - 2024 / 5 / 13 - 15:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الخرافة الهوية التشكيل
لا تصنع الخرافة عادة من فراغ أو من عدم فكري لغرض عبثي أو لا معنى له، وإنّما تتأسس على تأويل بعد رمزي ظاهري يراد له أن يحل محل المرموز في الهوية والتشكيل، أو هو إنعكاس خاطئ لنصّ تأسيسي أُسيء استغلاله عمداً أو جهلاً وأيضا يتعلق بالهوية أو التشكيل، ما يجعلها أي صورة الخرافة في الذهن نتيجتها ممنطقة وقابلة للتصديق والاعتقاد بما تمنح لها هوية أصلية أو ربما تحل محل الهوية الحقيقية لأصل الفكرة، والمقصود بالهوية هنا هو هوية الخرافة التي يسعها لها الصانع أو الذي أطلق الخرافة، فمثلا الخرافة التي تسمى دينية مثلا يراد منها أن تتعكز معها فكرة جانبية قد لا يرضها الدين أو لا يقرها، ولكن من خلال الهوية يمكن فهمها بشكل أخر.
الأسوأ مما في الهوية أن تتشكل الخرافة في هوية نصّ متماسك يعطيها صفة الثبات والرجحان، ومن هنا يمكن تسهل تمريرها وتداولها على أنها تحمل هوية النص الأصلي اللا خرافي، الغرض الأساسي أن تكتسب حال السيرورة الزمنية مع توافقها مع الصيرورة الذهنية، إذ تتغلغل وتهيمن على الوعي ويصبح التخيلي مهيمن على الواقع الفعلي، فينتج سلوكيات وتعبيرات متولدة من عقل غير متأكد من هوية ما يتعامل به أو معه، مما يساهم في تنميط الآخر أو تنميط الفكرة فمثلا لو أخذنا فكرة الأهتمام بالقبور وزيارتها حتى لو مضت على حادثة الدفن عشرات بل ومئات الاف السنين، والتي يظن البعض وهو مؤمن في جزء من الهوية أن الميت المدفون مثلا لم يبقى منه غير الجدث المادي الذي سيتحلل ويعود إلى عناصر الأرض الأولية، أما الروح فقد تذهب بعيدا أما لربها عند المتدين، أو تحل في حسد أخر عند الحلوليين.
والنتيجة المنطقية هي أن لا شيء في القبر يمكن أن يدعو أحدا أن يتوهم بحصول أي أثر لزيارته، أو حتى الإيمان بقدرة ما في القبر من الفعل أيا كان نوعه سماع أو وعي، ناهيك عن إيمان البعض بأن القدرة على الفعل الإيجابي من القبر وصاحبة ممكنة ومظنون بها وحتى نسبة الخارقية والمعجز لها، هذه الهوية التشكيلية للفكرة ليس خالية من دليل نصي أو وجود فكرة حقيقية سابقة ومؤسسة لها، فهي أما متأتية من أمر ديني الغرض منه إرشادي بزيارة القبور للأعتبار بأن لا شيء يبقى مع الإنسان برحيله سوى الأثر، أو رسم فكرة عند المأمور بالزيارة أن النهاية مهما أمتد الوجود تكمن في القبر، المحطة الوجودية القادمة لنا جميعا، من هنا مثلا نفهم النص القرآني الذي أشار إلى قضية أصحاب الكهف "لنبني عليهم مسجدا" فقد كان الهدف ليس المكان ولا المكين من جعله مسجدا، بل تعظيم فكرة القدرة الربانية في الفعل الإعجازي لله وضرورة السجود لله مع كل ما يقدمه من قدرة وقوة وفعل يخرق به ما نظنه نحن خارج منظومة القوانين الوجود الشمولية.
الجذر التاريخي والنفسي لهذه الفكرة والتي نسبوها للنص الديني تعود في تكوينها لعقائد الإنسان الأول، والذي كان يظن أن الروح تبقى حبيسة البدن حتى عندما يموت الإنسان بأنتظار العودة الثانية، فالزيارات والكلام والظن بأن ما في القبر قادر على التعامل مع عالم الوجود الحي، متأتي من ذات الفكرة القديمة من أن الموت هو مجرد رحلة مؤقتة بأنتظار النهوض، هذه الوضعية ليست أجتهادا تفسيريا بقدر ما هي من صميم فكرة الموت والعودة عند المجتمعات الأولى وعند كل الشعوب دونتها في وثائقها التأريخية، وتأثرت الأديان لاحقا بالفكرة وإن جعلتها مرتبطة بفكرة الحساب والعقاب، أي فكرة الجنة والنار التي أصبحت البديل الفكري لخرافة النهوض من القبور والعودة للحياة، هذا التبديل في هوية الفكرة راجع إلى كيفية تشكيلها أولا، فعند القدماء التشكيل مرتبط بفكرة التناوب أو التتالي الطبيعي، أما في الأديان فترتبط بالحساب وحق الرب في فرض رؤيته الكلية على الوجود.
ولكي لا نضيع في متاهات البحث دون أن نعرف عنصري الخرافة وهما الهوية والتشكيل، لا بد لنا تحديد المعنى والمقصود منها في مبحث جزئي كي نفهم الرابط بينهما، أولا لنعرف معنى الهوية الخرافية أو هوية الخرافة كمقدمة لمعرفة تشكيلها، وبالتالي كيف صارت لكل هوية تشكيل مختلف؟
الهوية
إنَّ الخوض بمصطلح الهوية والوقوف على مفهوم محدد وإجمالي وأتفاقي غير ممكن بطبيعة الزاوية التي ينظر منها، وهذا ما يجعلنا أمام الكثير من التّعريفات التّي خاضت فيها واعطتها محدداتها التي قد تتفق أو تختلف مع ما نريد أن نؤسس عليه لشرح فكرتنا المبحثية، والمجالات التي من الممكن أن تعمل فيها هذهِ المحددات لتحديد جوهر فكرة الخرافة كفكرة هي الأخرى شابها العديد من الأختلافات المعنوية، وهنا سنركز على محدد من التعريفات التي تخص هذا البحث بسبب أن عدد ممن خاضوا في مجال تعريف الهوية أساسا لم يتركوا مجالا ممكن للاتفاق على قاسم مشترك نوعي أو قياسي بينهم.
وعادة تستعمل كلمة "هوية" في الأدبيات المعاصرة "المعرفة" لأداء معنى المطابقة في المضمون والشكل لمحدد معلوم ومتفق عليه إبتداء، ومنعل مثلا مطابقة الشيء لنفسه لتكوين الهوية الحقيقية للشيء أو مطابقته لمثيله القياسي أو النوعي المشاع، وأما في المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج إجمالا عن هذا المضمون النوعي أو الشكلي، فالهوية إذا هي "حقيقة الشيء أو الشخص الكاملة أو المطلقة، لمشتملة على صفاته الجوهرية الأساسية التي يرتكز عليها في التصنيف مع الأخر أو المخالف والموافق والتي تميزه عن غيره، وتسمى أيضا وحدة الذات النوعية.
يميز وليام جيمس (1842 – 1910) * بين ثلاثة مقومات للهوية البعد الفيْزيقي (الجسد)، البعد الفكري (الكوجيطو)، والبعد الأجتماعي (الوضع)، إن هذهِ الأبعاد الثّلاثة هي من تعطي الهوية محدداتها كونها متطابقة مع ذات الشّيء أم لا، وأن التّغييرات التّي تحدث في هذهِ المقومات الثلاثة ناتجة عن تغيرات في ذات الشيء، في واحدةٍ من هذه الأبعاد الثلاثة أو في جميعها في كل متكامل يعطي للشيء صورته المتطابقة مع ذاته أو مع المقياس، سواء أكان هذا التّغيير يحدث في هويةِ شخصٍ واحد أم لجماعةٍ مشتركة مما ينتج فهماً متطابقاً بين الشّيء والهوية، إذ " يقوم الفهم عموماً على إرجاع (مطابقة) معرفة جديدة إلى ما نعرفه من قبل، ومن هنا تُعدّ الهوية شْكلَ كلِ فِهمْ وإنها على وفق هذهِ الأبعاد الثّلاثة تستقبل الإضافات التي ينتجها الفرد أو الجماعة لتضاف إلى صورة الهوية متمظهر دائماً على وفق التّغيرات التّي تحدث أو ما يلاقيها من ظروف جديدة، تدخل بها الهوية حيزاً معرفياً آخر يضاف إلى صورتها والتّي ظهرت بها قبل أن تحصل هذهِ التّغيرات .
الهوية إذن هي المستقبل الأوضح لهذهِ التغيرات المتمظهرة على الفرد أو الجماعة كما هي قاعدة البيانات للشّيء في ضوءِ المضاف إليها من معلومات جديدة، وهي بأختصار "الشّفرة التي يمكن للفرد مثلا عن طريقها أن يعرف نفسه وعلاقته بالجماعة الأجتماعية التي ينتمي إليها، وعن طريقها يدلل على انتمائه لتلك الجماعة وهي "شفرة تجمع عناصرها العرقية على مدار تاريخ الجماعة (التاريخ)، من خلال تراثها الإبداعي (الثّقافة)، وطابع حياتها (الواقع الإجتماعي)، وهذهِ الدّلالات الثلاثة التي تتجمع في الهوية تعطي صورتها ومدى تفاعلاتها ووجودها في إطارها الجمعي حتى للأشياء والأفكار والموضوعات بشكل عام وكلي.
فالهوية خلاصة بالنسبة للخرافة وتطبيقا لمبدأ ويليام جميس من خلال البعد الفيزيقي أو الطبيعي لها، تمثل تباعد منطقي أو حقيقي عن فكرة أو موضوع أو حدث بأبعاده الأصلية، فالخرافة من هذه الناحية شبهة أو صورة غير مطابقة للأصل تغيرت وتبدلت وتحورت وتشوهت فيها التفاصيل، فلم تعد تمثل الأصل وإن كانت ترتبط معه برابط وجودي حقيقي، أما البعد الفكري (الكوجيطو) فهو يمثل هدف خارج مدى الهدف الفكري للقضية أو الموضوع أو الحدث الأم، فهو ينتمي بالشكل لكن بالتفاصيل والبعد النهائي الجعلي أو بالنتائج لا يتطبقان فكريا، يبقى البعد الأجتماعي للهوية فهو مرهون أساسا بتوجه الخرافة الأجتماعي، إلى هدفية الخرافة وأسباب الخيار أو ما يعرف بعلية التشكيل المطلوب منها، هذه الأبعاد الثلاثة تعطي هوية خاصة ومخصوصة للخرافة تحيلها إلى عالم غير مستقر قلق لا يمكن أن يعطي أجوبة حقيقية، ولا يمكن الوصول معها إلى تمنطق واقعي في النتيجة، لذا فهوية الخرافة هي هوية الأشياء الزائفة أو المقلدة للحقيقية، مهما ترسخت أو دامت في واقع الإنسان فاعلة أو مؤثرة، فهي بالأخير أضافة ساقطة أو ستسقط أعتباريا لعدم أمتلاكها توافق طبيعي مع الواقع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ويليام جيمس ‏. هو فيلسوف وعالم نفس أمريكي، وأول معلّم يقدم دورة في علم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية. يُعتبر جيمس مفكراً رائداً في أواخر القرن التاسع عشر، وأحد أكثر الفلاسفة نفوذاً في الولايات المتحدة الأمريكية و«مؤسس علم النفس الأمريكي».
بالرغم من أن جميس كان رسميا أستاذًا في الفلسفة إلا نقاشه عن هيربرت سبنسر فتح موضوعات مميزة لفلسفته، كأهمية الدين، والعواطف، وتنوع الاستجابات البشرية للحياة، وفكرة أننا نساهم في “خلق” الحقائق التي نشكلها، آخذا منظور سبينسر بأن تكيف الكائن الحي مع البيئة هو الصفة الأساسية للتطور العقلي. يتهم جيمس سبنسر بأنه يعكس رؤيته بشأن ما ينبغي أن يكون ظاهرة يزعم وصفها. يؤكد جيمس أن البقاء ليس سوى واحدة من الاهتمامات العدة التي يملكها البشر: “العواطف الاجتماعية وكل الصيغ المتنوعة من اللهو والايحاءات المثيرة للفن ومسرات التأمل الفلسفي والراحة في العاطفة الدينية والبهجة في استحسان الذات الأخلاقي، وسحر الجاذبية والفطنة – بعض تلك أو كلها مطلوبة لجعل اعتبار الوجود البحت محتملة، ويتمسك جيمس بأننا كلنا مخلوقات غائية في الأصل، كل منا بمجموعة من القيم والفئات البديهية. أما سبنسر “فإنه ببساطة ينحاز للغاية telos التي يفضلها”.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأريخ الخرافة ح 15
- تأريخ الخرافة ح 14
- تأريخ الخرافة ح 13
- تأريخ الخرافة ح 12
- تأريخ الخرافة ح 11
- تأريخ الخرافة ح 9
- تأريخ الخرافة ح 10
- تأريخ الخرافة ح 8
- تأريخ الخرافة ح 7
- تأريخ الخرافة ح 6
- تأريخ الخرافة ح 5
- تأريخ الخرافة ح 4
- تأريخ الخرافة ح 3
- تأريخ الخرافة ح 2
- تأريخ الخرافة
- أثر الجغرافية البيئية والبيئة الجغرافية في صياغة الشخصية الف ...
- هل الشخصية العراقية علمانية الجذور والتكوين؟.
- العلماني جذور نفسية وتأريخية في الشخصيى الفردية والعامة
- التناقض بين العلمانية ومفهوم الطاعة للمقدس... الحرية معيار
- إعادة تأهيل الروابط المشتركة للشعب العراقي، مسئولية النخب أم ...


المزيد.....




- إسرائيل تكشف هوية الرهائن الثلاثة الذين استعيدت جثثهم من غزة ...
- بالصور.. بدء تسليم المساعدات لغزة عبر الرصيف البحري
- زيلينسكي يرفض -هدنة أولمبية- يريدها ماكرون ويتحدث عن أكبر مي ...
- مصدر أممي: الجزائر وسلوفينيا تطلبان عقد اجتماع لمجلس الأمن ا ...
- مستشار الرئيس الإماراتي يعلق على لقاء بن زايد وبن سلمان والن ...
- وكالة: كوريا الشمالية تختبر صاروخا باليستيا تكتيكيا بنظام تو ...
- مقتل فلسطينيين في قصف إسرائيلي لمنزل برفح
- أنور قرقاش يعلق على لقاء محمد بن زايد ومحمد بن سلمان
- كيف يعمل دماغك فعليا؟
- طبيب يشرح أسباب الأقدام المسطحة


المزيد.....

- فيلسوف من الرعيل الأول للمذهب الإنساني لفظه تاريخ الفلسفة ال ... / إدريس ولد القابلة
- المجتمع الإنساني بين مفهومي الحضارة والمدنيّة عند موريس جنزب ... / حسام الدين فياض
- القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع ا ... / حسام الدين فياض
- فلسفة الدين والأسئلة الكبرى، روبرت نيفيل / محمد عبد الكريم يوسف
- يوميات على هامش الحلم / عماد زولي
- نقض هيجل / هيبت بافي حلبجة
- العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال ... / بلال عوض سلامة
- المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلس ... / حبطيش وعلي
- الإنسان في النظرية الماركسية. لوسيان سيف 1974 / فصل تمفصل عل ... / سعيد العليمى
- أهمية العلوم الاجتماعية في وقتنا الحاضر- البحث في علم الاجتم ... / سعيد زيوش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - تأريخ الخرافة ح 16