أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امل عجيل ابراهيم - لقاء الارواح















المزيد.....

لقاء الارواح


امل عجيل ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 7786 - 2023 / 11 / 5 - 00:49
المحور: الادب والفن
    


لقاء الأرواح
امرأة تخطت شبابها ولكن جمالها الداخلي كان طاغيا على شكلها بطريقة تدهش كل من يراها حتى يظن انها في مقتبل العمر ، انيقة ولافتة للنظر ولها جاذبية خاصة تجعل العيون تلاحقها حتى في الاماكن المليئة بالنساء الجميلات ، والاسماع تنصت الى حديثها وتلك البحة المميزة التي مازجت صوتها . كانت وحيدة لاتملك سوى والدتها المريضة واخوتها الذين تزوجوا واستقلوا بحياتهم واصبحت علاقتهم بها هامشية ، وعملها الذي تمارسه بشغف . وقد اعتادت وحدتها حتى لا تتخيل انها قادرة على مشاركة اي احد حياتها وطقوسها الخاصة ، وهي تستمتع بالاشياء بعمق وان كانت تلك الاشياء عادية جدا لغيرها ، مثل كوب قهوة او قراءة كتاب او رؤية براعم الازهار وورق الشجر الاخضر وان تحدق نظرها الى السماء فيسحرها منظر الغيوم البيضاء مثل نتف ثلج متجمعة للاحتفال بجمال الكون .وكثيرا ماتستغرق في رؤية لحاء شجرة او موجة في نهر او اسراب طيور محلقة وكأنها تطبق مقولة بيرل بك (الحكمة الحقيقية في الحياة هي ان ترى الغير عادي في المألوف).
لا تعرف كيف اقتحم وحدتها هكذا فجأة وملأ وقتها بوجوده وجعلها تعتاد عليه كأنه هوائها وارضها . حين رأته اول مرة في اسطنبول بين مئات الحضور في مؤتمر حول الطب النفسي ظنت انه من ضمن الوفود الاجنبية المشاركة ، بوسامته وطوله الفارع وعشوائية شعره الرمادي الكثيف ولون عينيه الغريب. كان قد قدم صدفة برفقة صديق له عرفها به .
في اللحظة التي سلم عليها شعرت انها تعرف تلك اليد وقد لامستها سابقا تلك اللمسة التي تحتضن الروح والجسد معا وليس الاصابع فحسب . ومض في ذاكرتها موقف عاشته سابقا ، وهاجس بان ذلك الرجل ليس بغريب تراه لاول مرة ، انها تعرفه .. اين ومتى ؟ لا تستطيع التحديد بدقة وقد راودها شعور بانه ربما يعرفها مسبقا ايضا فقد اجابها حين سألته عن سبب حضوره الى مؤتمر لا يعنيه بشيء وليس ضمن مجال عمله بقوله : جئت من اجلك . قالها بعفوية وبساطة حتى انه نفسه تفاجأ بكلماته .
انجذبا لبعضهما كأنهما مغناطيس وغادرا معا قاعة المؤتمر دون سبب واخذا يسيران في الطريق الذي غمرته الامطار والهواء العاصف الذي اخذ يقلب مظلتها الى الاعلى فيغطي المطر وجهها وتجتاح جسدها قشعريرة من البرد والبهجة معا . حين استقلا الترام جلست الى جواره فأخرج منديله واخذ يمرره على وجهها المبتل بهدوء ولطف وهو يقول : انت بردانة وترتجفين . ، شعرت بالامان المطلق وهي مع ذلك الرجل الغريب كأنه أخاها او اباها او جزء منها ، انها تعرفه ، صوته العميق يتردد صداه في ابعد ركن من روحها وقد اغمضت عينيها مستسلمة لشعور جارف غمر كينونتها ليس له تسمية او تعريف .
نزل في محطة (سيركجي ) وتبعته وهي صامتة الى اعلى طابق في بناية تشرف على البحر واخذت ترتشف القهوة التركية المرة التي قدمها لهم النادل بينما انشغل هو بمسح الزجاج الذي غطاه الضباب ليتسنى لها ان ترى منظر السفن في البحر الممتد امامها بلا نهاية وقطرات المطر وهي تسقط على الامواج الهادئة في عناق دافيء وابدي ، بقيا لساعات في المكان ، فقدا الاحساس بمرور الوقت . واخذ الرجل يزورها يوميا من مكانه في اقصى الجزء الاسيوي الى مكانها في اقصى الجزء الاوربي من اسطنبول قاطعا كل تلك المسافة وقد حمل لها في احدى المرات زهرتين (حمراء وبيضاء) ففكرت انه يجب ان تكون هناك زهرة ثالثة ثم استغربت من افكارها .
حين عادا من السفر اوصلها الى بيتها ثم انحنى وقبل يدها مودعا .. في تلك اللحظة ومضت كشعاع شمس ساطع ذكرى مخبئة في داخلها .كانت تحلم منذ فترة من الوقت بحلم متكرر : امرأة تقودها من يدها ثم تضعها بيد رجل لم تتبين ملامحه بينما حفظت ملامح تلك المرأة ونظرة عينيها حين تمسك بيدها ثم تضعها بين كفي الرجل الكبيرة وكأنها تهبها كنزا عظيما ،، كانت نظراتها مزيجا من الحب والغيرة والاستسلام ، نظرة عميقة ومؤثرة قادمة من عالم آخر اذهلتها وشغلتها حتى انها لم تنتبه لملامح الرجل ووجهه ولم تدرك منه سوى ملمس اليدين الناعمتين الكبيرتين وطريقته الخاصة في ضم يدها بقوة ورقة وعذوبة .
كانت تصحو من الحلم وهي مغمورة بشعور فريد من السلام والارتياح والطمأنينة . ثم تناست ذلك الحلم اللذيذ في زحام يومها وقد غاص في ذاكرتها التي ابرزته قويا وواضحا دون مقدمات حين قبل يدها ومرة اخرى حين حدثها عن زوجته المتوفاة ،، اخذ يتحدث بهدوء ولوعة عن زواجه وهو في مقتبل العمر وعن العلاقة العظيمة التي عاشها مع زوجته سنين طويلة وكيف كانت تسعده بشتى الطرق وعن ادق تفاصيل علاقتهما ومسح دموعه المنهمرة وهو يقرأ لها من هاتفه المحمول رسائلهما حين يتخاصمان ويتصالحان ، شعرت انها تعرف تلك المرأة التي استمر بالحديث عنها بحب ولوعة فائقة ولكن المعرفة تبقى شكا حتى يؤكدها يقين ثابت وحدث ذلك اليقين حين طلبت منه ان يريها صور زوجته الراحلة ،، لم يلحظ ارتباكها ورعشة يديها حينذاك وارتجاف قلبها كأنه ورقة شجر في هواء عاصف .
كيف له ان يتخيل انها كانت تزورها في المنام مرات عديدة وتأخذ بيدها لتضعها بين يديه قبل ان تعرفه او تراه؟
استعادت ماتعلمته اثناء دراستها للطب النفسي من ان الحلم هو الاستجابة خلال النوم للحدث الذي وقع للانسان في حالة اليقظة ، وان الاحلام ليست فعل عشوائي يحدث اثناء النوم بل هي بمثابة الحارس الشخصي لذواتنا وهي حل للمواقف والاحداث التي لايستطيع الانسان اشباعها في الواقع . ووجدت ذلك لا ينطبق تماما على ما تختبره من تجربة فهي لاتعرف ذلك الرجل ولاتربطها به صلة كما لاتعرف زوجته التي اختارتها لتشاركه المتبقي من حياته وارعبتها فكرة الاختيار من كائن غادر الحياة واجهدت عقلها لتجد لها تفسيرا علميا يقنعها كطبيبة فلم تجد .
كان الخيال الذي رأته مليئا بالمعنى في واقع لامعنى له كانت تعيشه . وهل كانت تعيش فعلا قبل ان تتعرف عليه ؟
يقول تولستوي (بدون الحب الحياة سهلة بسيطة لكنها بلا معنى نحن نائمون الى ان نقع في الحب) لم تكن نائمة ! كانت ماكنة تعمل باستمرار دون ان تدرك الحياة.
معه عرفت معنى ان تحيا ،، ان تضحك من عمق قلبها لمزاحه اللطيف ،، ان تستشعر لذة غيرته عليها ،، ومتعة نظرته الفاتنة لوجهها ،، واحساسها بالطمأنينة والامان بوجوده وكأنه جبل عملاق تسند عليه رأسها وترتاح من شرور العالم ومصاعبه .
من قال ان للحب وقت وزمان ؟ انه قرين الحياة الابدي فما دمت تتنفس بالامكان اذن الوقوع فيه بلا مقدمات وهو وقوع مبهر يحول الكون من لونه الرمادي الواحد الى الالوان الرائعة المبهجة ويمنح المرء عمرا اضافيا وطاقة خلاقة لا تنضب ، ولهذا يخشى المجتمع (الحب)لانه يضرب عرض الحائط بثوابته ولايبالي بنظمه وقواعده .
وحبها له تجاوز حتى السنن العلمية الثابتة ، عرفته قبل ان تتعرف عليه ، واحبته بعاطفة قلبين وامرأتين، والتقت روحها بروحه وامتزجت في موعد قدري ليس له تفسير .
(ان تحب هو ان تموت في ذاتك لتحيا في الآخر) هذا الامتزاج بين الموت والحياة خلق عشقا ابديا وعطاء بلا حد وحول ايامها الثقال الى نسمات طيبة تغمرها بالسلام الدائم .



#امل_عجيل_ابراهيم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خوارزمية الجسور
- هلوسات الوحدة والمرض في موسكو 2
- دعوة
- نافذة
- انهيار
- ازدواجية
- خواطر شخصية في ذكرى عالمية 2
- خواطر شخصية في ذكرى عالمية (سلاما ً للكادحين)
- حقائق بطعم القرنفل
- اصنام
- في عيد المرأه ...سلاماً لرجل احترم المرأه ...سلاماً لأبي
- اقدار..ام ..قرار؟
- في عيد الحب ساسمع ساجدة عبيد
- حديث عن الحب وسورة يوسف وماري كوري
- لماذا تكتب المراءه ؟هلوسات الوحدة والمرض في موسكو
- علاقات
- اجنحة الملائكة


المزيد.....




- -يونيسكو-ضيفة شرف المعرض  الدولي للنشر والكتاب بالرباط
- -ليالي الفيلم السعودي-في دورتها الثانية تنطلق من المغرب وتتو ...
- أصداء حرب إسرائيل على غزة في الشعرين الفارسي والأفغاني
- رحلات القاصة والروائية العراقية لطفية الدليمي
- Batoot Kids..تردد قناة بطوط كيدز 2024 الحديد على النايل سات ...
- إيتيل عدنان.. فنانة وكاتبة لبنانية أميركية متعددة الأبعاد
- فنان -يحفر- نفقا عبر محطة ميلانو المركزية في إيطاليا..ما الس ...
- مستشار بوتين: احترام القيم والتقاليد هو ما يجمع روسيا بدول ش ...
- بعد انغماسها في عالم السياسة.. -بنات اليوم- يعيد نجمة مغربية ...
- مصر.. الكشف عن اللحظات الأخيرة قبل وفاة الفنانة فريدة سيف ال ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امل عجيل ابراهيم - لقاء الارواح