أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - روز اليوسف شعبان - ساعة جدّي














المزيد.....

ساعة جدّي


روز اليوسف شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 7784 - 2023 / 11 / 3 - 00:48
المحور: الادب والفن
    


ساعةُ جدّي
كنتُ في طفولتي أحبُّ زيارة بيت جدّي يوميّا؛ للّعبِ معه ومع جدّتي والاستماعِ إلى قصصهما المثيرة.
كانت تستهويني ساعةُ الحائط الخشبية، المعلّقة في زاوية الطعام، كانت الساعةُ قديمةً وكبيرةً جدّا، في أعلاها فتحة صغيرة يخرج منها عصفورٌ خشبيّ،، يصدر رنينا جميلا معلنا انتهاء ساعةٍ وبداية ساعةٍ جديدة. كنت أستغرب كيف يدخل ويخرج العصفور؟ وكيف يُصدر هذا الصوتَ تماما عند بداية كل ساعة زمنيّة؟
ذات يوم سألت جدّي عن هذه الساعة الغريبة. قال لي: هذه ساعةٌ قديمةٌ جدًّا، وأظنُّها تعود الى مئات السنين، لقد ورثتها عن والدي، ووالدي ورثها عن جدّي، وجدّي ورثها عن والده، وأنا سأورثها لوالدك، ووالدك سيورّثها لأحد أبنائه وهكذا دواليك...
- حقًّا يا جدي! هل سنعلّق هذه الساعة على الحائط في بيتنا؟
- نعم يا حفيدتي.
- سأطلبُ من والدي أن تكون الساعة من نصيبي.
- إن شاء الله يا منى ستكون الساعة لك؛ لأنك تحبّينها. وأنا على يقين أنّك ستحافظين عليها.
- طبعًا يا جدّي سأحافظُ عليها. أعدُكَ بذلك.
قطع حبلَ شرودي صوتُ الممرضة تقول لي: استمري في المشي في ردهات المستشفى؛ فالمشي يسهّل عملية الولادة، وحين تشعرين بتسارع آلام المخاض؛ ادخلي مباشرةً الى غرفة الولادة.
قلت لها: شكرًا لك سأفعل.
تساءلت في نفسي: ما الذي جعل ساعةَ جدّي تخطر في ذهني الآن وأنا على وشك الولادة؟ هل هو هروب من الخوف والألم واللجوء إلى حضن العائلة ومرتع الطفولة حيث الأمن والأمان؟
أخذتني أحلامُ اليقظة مرّةً أخرى إلى ساعة جدّي التي علّقها والدي على الحائط. كنت أحدّثها وكأنني أحدّث جدّي، فأخاله يخرج من قبره، ويحدّثني ويعيد على مسامعي سردَ حكاياته الشائقة.
ذات يوم كنت أتقاذف الكرةَ مع إخوتي داخل البيت، طلبت منا والدتنا أن نكفّ عن ذلك؛ حتى لا نؤذي أغراض البيت، لم تكدْ أمّي تنهي كلامها حتى قذف أخي الكرة بقوّة نحوي؛ فلم أتمكن من الإمساك بها وأصابتْ ساعةَ جدّي المعلّقة على الحائط. سقطت الساعة أرضًا، وتهشّم زجاجها. أنّبتنا والدتي على ذلك، أما أنا فقد انفجرت بالبكاء.
أخذ والدي الساعة وأصلح زجاجها، لكنّ العصفورَ لم يعدْ يخرج من الفتحة، ولم نعدْ نسمع رنينَهُ، معلنا بداية ساعة جديدة.
سألت والدي: لماذا توقّف العصفور عن الخروج والدخول من فتحته واسماعنا رنينه؟
يبدو أن خللا أصاب الساعة، ولم يتمكن الساعاتيّ من تصليحه. أجابني والدي بأسف.
أسفتُ لما آلتْ إليه ساعة جدّي، وشعرت بندم شديد، أنا التي وعدته بالمحافظة عليها، لكنّني لم أفِ بوعدي.
بدأت آلام المخاض تجري في عروقي متسارعةً، وأنا أحاول كبتها بصعوبة بالغة، صوت الممرضة ينبعث مرّةً أخرى؛ ليمتزجَ بآلام مخاضي.
_ كيف تشعرين الآن؟
_ أشعر بنوبات ألم متتابعة حادّة في أسفل بطني وظهري.
_ إذن ادخلي بسرعة إلى غرفة الولادة!
دخلت الغرفةَ وأنا أتصبّبُ عرقا، وأعُضُ على نواجذي، وبدأت أنفاسي تتسارع كأنّها في سباق مع الزمن. تمدّدتُ على السرير المُعدّ لاستقبالي، وأنا أدعو اللهَ أن ينجّيني وينجّي جنيني، استدعت الممرضةُ الطبيبَ الذي حضر على الفور وحقنني حقنةً للتخفيف من آلامي الحادّة، ورغم ذلك خلت أن كلَّ من في المستشفى سمع صراخي.
خذي نفسا عميقا! وادفعي بقوّة! قالت لي الممرضة.
صوت دقّات ساعة جدّي يخترق أذنيّ ويمتزج بصوت بكاء طفلي وبصوت زخّات المطر الأول، التي انهمرت في هذه اللحظة بالذات، لحظة ولادة طفلي.
وضعت الممرضة طفلي على صدري، تفاءلت به خيرا، حضنته بحبٍّ، فانهمرت دموعي على وجنتيّ، قرّبت جنيني من فمي، قبّلته قائلةً: سأورثك ساعة جدّي وجدّك يا بنيّ، حافظ عليها وحاول أن تجدَ طريقةً لتعيد العصفورَ الى سابق عهده، فنسمع معا رنينه معلنا بداية زمنٍ جديدٍ.



#روز_اليوسف_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النجاح والعطاء في السيرة الغيريّة لمحمد موسى السلحوت
- جبينة والشاطر حسن: تراثٌ في حُلّة جديدة
- رحلة الموت في رواية حقيبة من غمام
- اللغة الشعرية ولغة المناجاة في كتاب همسات على عتبات الذاكرة
- أسلوب الحداثة في رواية المهطوان للكاتب رمضان الرواشدة
- الجهل والسذاجة في رواية- الليلة الأولى- للكاتب المقدسي جميل ...
- بين تحقيق الذات والتحديات في رواية الأرملة
- طموح المرأة ونرجسيّة الرجل في رواية - هذا الرجل لا أعرفه-
- الشوق والحنين في رواية مايا للأديب المقدسيّ جميل السلحوت
- هُيام
- رواية-ذاكرة على أجنحة الحلم- والحداثة
- -رسائل من القدس وإليها- لون أدبيّ جديد لتأريخ السيرة الذاتيّ ...
- شذرات الصفيح
- الاغتراب والضياع في ديوان قدسيّ الهوى
- على إيقاع الكلمات نعزف
- عزفٌ على إيقاع الكلمات!
- قراءة في كتاب -رحلات أبي الحروف في الأقطار العربيّة-
- في مدينتي
- همسات وتغاريد نصوص نثريّة للكاتبة عدلة شدّاد خشيبون
- الشخصيّات الغيريّة في رواية احتضار عند حافّة الذاكرة


المزيد.....




- لكل شعب -جحاه-.. أحمق حكيم أم معارض هز عروش الأقوياء؟
- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - روز اليوسف شعبان - ساعة جدّي