أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام عتال - الندبات (الندبة الثانية)















المزيد.....



الندبات (الندبة الثانية)


حسام عتال

الحوار المتمدن-العدد: 7575 - 2023 / 4 / 8 - 17:20
المحور: الادب والفن
    


كلُّ الأطفال سعداء لكنّني كنتُ أسعدهم…
أو هكذا خيّل إليّ لأنّني كنتُ أشعر بالغنى. شعوري لم يكن مصدره المال فلم نملك منه الكثير، كان والديَّ من أولئك الذين يرددون: "على أول الشهر بنعبّي برميل المازوت"، أو "خليّ هذا التلفزيون بنشتريه المعاش الجاي"، وبالرغم من أنّهما كانا من ذوي الدخل المحدود إلّا أنّهما لم يبخلا بأيّ شيءٍ يشعرنا كأولاد باليسر والبحبوحة، حتى وإن اضطرّا للاقتراض.

الغنى الذي أقصده هو من نوع آخر، أعمق؛ غنى النفس والروح، فوالديَّ كرسّا جهداً بأشياء أسمى: على رفوف بيتنا أكوام من الكتب العلمية والتاريخية ـ لا أزال أذكر شغفي بمجلدات الحرب العالمية الثانية المصورة ـ بالإضافة إلى الكتب الأدبيّة، كنت أغوص في روايات محفوظ وديكنز وهمنغواي وتولستوي، وأضيع فيها متخيلاً نفسي أحد أبطالها؛ أما الدروج فمُلئت بالأسطوانات وأشرطة الموسيقى، وفوق الدروج جهاز ستيريو پانوسونيك بسمّاعاته الضخمة التي كانت تملأ الحارة بضجيج أغاني فرقة آبا؛ وعلى جدران البيت عُلّقت اللوحات الفنية، رسم معظمها أقارب وأصدقاء لنا، وبعضها لوحات عالميّة منها رسوم رينوار الأثيرة لديّ: كيف يلعب بالضوء وظله، كيف يتألق الماء بجرةٍ بسيطةٍ من ريشته، كيف الضباب في البعد يحجب التفاصيل.

حصيلة هذه المؤثرات طُبعتْ في وجداني حتى أنّ أوّل زيارة قمتُ بها حين هاجرت إلى الولايات المتحدة كانت لمتحف الفنّ في شيكاغو، حيث وقفت في الغرفة الواسعة أمام لوحة الأختين على الشرفة لرينوار وأنا لا أكاد أصدّق التعابير المشحونة في العيون التي رسمها بلطاخات دهان عفوية يسيرة. وأتبعتُها بزيارةٍ لبيت همنغواي لأعاين الغرفة التي كان يكتب فيها، كرسيّه، أقلامه، آلته الطابعة، والقطط - من سلالة قطته سنو وايت - النائمة بكسل على الأريكة الخضراء.
لكني أعتقد إن تواضع رغباتي نفسها كان المصدر الأهم لسعادتي، وقد تلخّصت في رغبتين: عدم الرسوب والهروب!

دعني أشرح لك.

لأنّنا لم نكن من مالكي الأراضي أو العقارات، ولم يكن عندنا متاجر أو صناعات نعمل بها، لم يكن النجاح المدرسيّ وتحصيل الشهادات العليا خياراً في عائلتنا - بل كان مطلباً إجبارياً. لذلك اعتمدتُ سياسة عدم الرسوب تحقيقاً لذلك المطلب؛ تلك السياسة لم تكن عسيرة في زمن البعث، فقد تردّى التعليم، واخْتُصِرَ جهد الطالب في السنة الدراسية كلّها بما يحرزه من درجات في الامتحانات النهائية، وكطالب يُعدُّ من الأذكياء ـ هكذا كان الطلّاب يُصنَّفون تلك الأيام، حين كان الطلاب يُصنَّفُون إما أذكياء (شاطرين) أو أغبياء (كسالى)ـ كان النجاح سهلاً بالنسبة إليّ في المواد العلمية، لكن التردّي في التعليم تجاوز المواد العلمية وأصاب اللغات والمواد الاجتماعية، حتى التربيّة الإسلامية لم تسلم من ذلك الانحدار.

نعم التربية الإسلاميّة؛ الدين الذي أضحى اليوم ـ مع قدرٍ قليلٍ من حريّة التعبير الممنوحة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ـ هوس الناس وشغلهم الشاغل: من كارهين زاجرين ومهاجمين، حتى حرّاس مضحّين ومدافعين، يتشاجرون من خلال نقاشات سرمديّة لا تعرف الكلل أو الملل. لقد استطاع البعث أن يجعل منها مادة سئيمة لزجة، يتهرّب الطلاب منها مؤثرين عليها اللعب في الباحة أو تدخين السجائر في إحدى زوايا الباحة البعيدة عن الأنظار.

لم أرسب إلا مرة واحدة في الصف الأوّل الثانويّ، عندما تركت ورقة امتحان الرياضيات فارغة نقمةً على الأستاذ الغبيّ الذي رفض طريقة حلّي للمسائل، فقط لأنها كانت تختلف عن الطريقة التي أرادها، رغم أن طريقتي كانت أكثر اختصاراً، ولم تكن خاطئة. حتى اليوم لا أدري لِمَ فضَّلَ الحلَّ الأطول والأكثر تعقيداً، ولا أزال أحملُ حقداً عليه في قلبي إلى الآن.

أمّا الهروب، رغبتي الثانية، حلم كل يوم دراسيّ مرَّ بي، فقد كان يبدأ لحظة تسليم ورقة آخر امتحان للمراقب، ذلك المدرّس الجالس على كرسيّه الخشبيّ أمام السبّورة السوداء، ببدلته ذات الياقة العريضة، يتأمّل بضجرٍ جدران الصف الكالحة، المليئة بما خطّه عليها الطلاب من عباراتٍ نابية، ولأنّني قد وضَّبتُ حقيبتي الليلة السابقة تحسّباً، كنت أركبُ أول تاكسي مُقلِعٍ من المدينة إلى شاطئ المتوسط الرطب؛ إلى بيت جدّي وجدّتي في جبلة.

إن كانت حياتي في المدن الداخلية فلماً صامتاً بالأبيض والأسود، فأيامي في جبلة هي الفيلم الهندي الملوّن الموفور بالأغاني الرومانسية، لأن أيّام الصيف في جبلة لها وقعٌ مختلف: ففي الصباح يطغى ضجيج الدراجات النارية والطراطير بـ (بستوناتها) المطقطقة، ويختلط بأصوات الباعة الذين يركبون عرباتهم التي تجرّها البغال والحمير متّجهين إلى السوق، وقد حمّلوها بصناديق الخضار والفاكهة قبل الشروق بقليل، ليستيقظ المرء وقد امتلأت أذناه تدريجياً بتلك الضجة المميزة، والمكوّنة من أصوات تبدأ فرادى متباعدة، ثم مع طلوع الشمس، تتجمّع وتنتفخ كما لو أنّ أحداً ينفخ في بالون يكبر ويكبر، كأنها تنافس هدير أمواج البحر القريب.

بقيّة ساعات اليوم حارّة رطبة ممطوطة تخدّر الوعي، لكنّها مطواعة، إذ يمكن إبطاؤها من خلال تدريجة على شاطئ البحر، أو تسريعها بزيارة إحدى بيوتات العائلة الزاخرة بصخب الأطفال. كلّ البيوت كانت مفتوحة لنا بغرف جلوسها ومطابخها وغرف نومها، حتّى أسطحتها كانت متاحة حيث السهرات الطويلة التي تُسرَد فيها القصص التي لا تخلو من اللغة المبطّنة، إمّا بالنكات الرذيلة أو الشتائم اللا مباشرة. بعد السمر يأتي النوم على فرشة تحت نجوم السماء أو في إحدى الغرف داخل البيت فكل بيتٍ فيه فرشة إضافية تُرمى في أرض إحدى غرف النوم، أو أريكة في غرفة الجلوس يُوضع فوقها شرشف ناصع البياض ووسادةٌ وثيرة، كلاهما مفعمٌ برائحة صابون الغار. في الصباح التالي نستيقظ على الضجيج المميز نفسه، نسمع الخالة أو العمة تهمس: "يا صباح الحلوين" مع قبلة على الخد، ثم "اركض غسل وجهك" قبل فطور الحواضر مع الخبز المشروح الذي يكون قد أحضره أحد الأولاد من فرن الحارة الخلفية، بالإضافة إلى إبريق الألمنيوم دائم الحضور، الطافح بالشاي المحلّى الساخن.

ومع انتصاف اليوم وارتفاع الشمس يبدأ توهّج إسفلت الشوارع، وهذه إشارة إلى أن وقت السباحة قد حان. خالي، وهو أصغر إخوته، كان الذي علمني السباحة في البحر المتوسط على الشاطئ المليء بالحفر بين الصخور التي امتلأت بالماء، فأضحت كمسابح صغيرة، كان خالي يضعني في إحدى زواياها، ثم يدعوني من الزاوية الأخرى للسباحة نحوه. هو يدّعي أنّني كنتُ في الثانية من عمري، لكنّني واثق أنّني كنت في الثالثة أو الرابعة من عمري، فأنا أذكر جيداً تعابير وجهه وهو يمثل لي كيف املأ صدري بالهواء، وحركات يديه كشفرات المروحة، يحثني أن أقلده. أيّ تردّد منّي كان يستلزم منه وضعي في منتصف البركة الأعمق بدلاً من الزاوية، حيث لا يوجد هناك شيءٌ للتعلّق به. لم يفسح لي خوفي من الغرق وابتلاع الماء المالح مجالاً للتظاهر بالشجاعة، فالعوم وقتذاك أصبح أمر حياةٍ أو موت، أو هكذا ظَننتُ. بعد ذلك يأتي دور تعلّم ضربات السباحة المختلفة، وبعد إتقانها أمست السباحة أكثر إثارة. لكن ما كان يثيرني أكثر في ذلك الوقت ليس الماء والسباحة بذاتها؛ بل ما كنت أشهده من تكوينات جوانب وقيعان تلك الحفر، فقد تشكلت مع برودة الحمم البركانية التي تغلي بالفقاعات المختلفة الحجوم، فتركت بعد برودها سطحاً خشناً كالمبرد الحديدي الضخم، تجري عليه كل أنواع الحيوانات اللافقارية (وهي ليست إلا صراصير كبيرة قد تأقلمت مع البيئة البحرية) تتراكض بين الشقوق وتغيّر مسارها فجأة، بينما نجوم البحر تلتصق بكسل في القاع، والسَّفور (قنفذ البحر الشوكي) الذي كان يسحرني وأنا أراقبه يحرك كل شوكة من مئات أشواكه وكأنها لها إرادة مستقلة بنفسها عن أخواتها. مع انتهاء السباحة، كنت وخالي نلتقطه، ثمّ نفتح قشرته السفليّة، ونلتهمُ قطعة اللحم الوردية التي بداخله، كان ذلك أول (سوشي) تذوّقته وهذا يفسّر حبي لأي شيء (سوشي) حتى اليوم.

وهكذا هو الحال، فمن هو أفضل من خالي، إذاً، لرفقته إلى البحر؟ الرجل الذي جعل من السباحة طريقة حياة. سألته الذهاب للسباحة، فنظر إليّ مطوّلاً وكأنه يقيسني بمسطرة غير منظورة، اقترب مني وهمس في أذنيّ: "إن ذهبنا البحر اليوم فستكون سباحة خاصة"، ثم اشترط السرية الكاملة، فوافقت. ماذا كنتُ سأخسر؟ في ذاك العمر سرعان ما تسقط السريّة بفعل التقادم. لكن طلبه السّرية زاد من حماسي، ترى ما هو الشيء الخاص في سباحة اليوم؟ مغامرة جديدة؟

آخر مغامرة لنا كانت منذ أسبوعين، عندما زرنا أحد أصدقاء خالي في قرية من قرى الجبل المجاور ذات البيوت الحجريّة والطرقات الترابيّة المحفوفة بالعرائش، وكانت نتيجتها من وجهة نظر خالي كارثيّة، حتى أنّني استغربت ثقته بي اليوم.
كنّا قد ركبنا دراجته النارية الياماها 125 السوداء، وأنا وراءه أضمّ يديّ حول صدره كيلا أقع، نتسلّق طرق الجبل الترابية، وصوت المحرك يَصُمُّ أذنيّ وهي تجاهد إلى أن وصلنا القرية الصغيرة بعد ساعة. جلسنا على شرفة البيت الحجري ـ وهي صبّة بيتون متماوجة السطح، على كراسي واطئة من القش بلا ظهر رُتّبت على شكل حلقة مفتوحة، وكأنّهم جعلوا لها مخرجاً للطوارئ باتجاه الدرجات الثلاثة المؤدية للطريق. مع صديق خالي كانت زوجته وأبناؤه الثلاثة، ثم انضمّت إلينا بنتان من بنات جيرانهم، جاءتا من دون دعوة واضحة.

أمامنا امتد سفح الجبل الأخضر متّصلاً بالسهل، لونه يبهت في البعد، ثمّ البحر الذي تحضنه السماء وتنافسه في زرقته. كانت بنت الجيران الصغرى شاردةً في ذلك البعد، لكنّها وقفت فجأة وكأن نحلةً قد لسعتها، فانقلب كرسيها خلفاً، مَسَحَتْ راحتيّ يديها على تنورتها فارتفعت حتى منتصف فخذيها، أدارت ظهرها وركضت إلى بيتها في الجهة الأخرى من الطريق، صامتة كالدمية، شحّاطتها البلاستيكية الحمراء تضرب الأرض برتابة كما لو أنّها حافر فرس، بعد برهةٍ عادت بصينية من الألمنيوم، عليها إبريق بعنق ضيّق قد امتلأ باللبن العيران وعدد من الكؤوس البلاستيكية، كلّها فارغة عدا واحد مليء باللبن.

دنت مني ونظرت في عينيّ، ثمّ أعطتني الكوب الملآن، قائلة: "إنّ هذا لبنٌ طازجٌ حضّرته اليوم". كان صوتها مبحوحاً خرج من ثغرها ذي الشفة السفلية المحتقنة وكأنه صدى. لابد أني كنت أحدق في فمها وأدرس تفاصيل أسنانها غير المنتظمة لأنها وضعت يدها أمام فمها كمن نَبَسَ بقول ثم ندم للبوح به. لكن يدها لم تُعق عبق نَفَسِها الذي فاح بنكهة أعشاب الجبل البرّية. شممتُ فيها رائحة غجرية أثارتني، وزاد من تحرّقي ما رأيتُه في عينيها من توهج الجرأةٌ والجموحٌ الغريزيّ، وميض لم أعرفه في عيون بنات المدن. قسماتها لم تكن جميلة بالمعايير التقليدية، لكن فيها دفقٌ من الحيويّة الصريحة حرّكت في أعماقي شعوراً تجاوز ما أعرفه من أحاسيس الطفولة. قبل أن أتناول الكأس لمحتُ نظرةً غريبة في عينيّ خالي وحركةً خفيفة من يده، لكن اللبن كان بارداً لذيذاً فشربته حتّى آخر قطرة، بينما عينا خالي تدوران في محجريهما، وهو ينظر جانباً ويتنحنح بسعال مصطنع.

في طريق العودة، بعد أن غابت القرية عن نظرنا، ضغط خالي على مكبح الدراجة وأوقفها على قارعة الطريق معفراً سحابة من التراب حولنا، وبّخني، تحت جبينه الضيّق كانت عيناه تفيضان بالعتب، سبّابته تحت أنفي: "ألم أشر إليك بألّا تشرب اللبن، لمَ لم تنتبه؟" سألته: "ما المشكلة، ما المانع من شرب اللبن؟" تأوّه وهو يهز رأسه قائلاً: "إن بنات تلك المنطقة ـ إن أعجبهنّ شاب ما ـ يعتقدْنَ أنّه سيقع في حبهنّ، وسيعود إليهنّ مهما طال الزمن، إن شرب شيئاً من بولهنّ! لهذا يخلطن اللبن العيران بقطراتٍ قليلة من بولهنّ لكيلا يلاحظ الشخص المقصود الطعم وينتبه للأمر"، ثمّ أضاف شارحاً لي إنّ نظرة البنت لي أثارت ظنونه، وقد تأكّد من نيّتها بعد أن مضت إلى بيتها وغابت، ثمّ عادت بكأس العيران الذي سكبته في كوبٍ مستقلّ.
أجبته: "إنّ اللبن كان لذيذاً، وأنّني سأعود وأطلب المزيد منه".
ـ "أرأيت! لقد نجحت خطتها!".
ـ "ما الذي أزعجك أنت، ألأنّها لم تخترك؟".
ـ "ماذا سأفعل بك؟" أجابني، وقبضتا يديه تعصران صدغيه…

عدنا إلى الدرّاجة الناريّة ونحن نقهقه ضاحكين، أدار مقبض الوقود مرتين، لا أدري لمَ يديره دوماً مرتين قبل الاقلاع، لكن مع قرقعة محرك الدراجة وحفيف الهواء الذي بدأ يتصاعد متسارعاً في أذنيّ، سمعته يقول شيئاً مثل: "مو ذنبك… مخوّل!" ضممتُه وشبكت أصابعي أمام صدره، وركنت رأسي بين كتفيه بينما هو يسرع باتجاه الشمس الغاربة بلون المشيمة.

ها قد مرّ أسبوعان على شرب اللبن، ولم أعد للقرية بعد! لا شكّ أن خالي قد نسي قصة الجبل لأنّه وافق أن أرافقه في رحلة اليوم، بشرط الكتمان. وهاهو ينهمك في تحضير حقيبة ثياب السباحة، يبحث عن المناشف الكبيرة، ويختار القبعات المناسبة لنا. لم يضع بارودة صيد السمك ذات السهم في الشنطة، يبدو أنّنا لن نغوص اليوم لصيد السمك، كما أنّه لم يكن ليطلب السرية أساساً لو كنّا ذاهبين للغوص والصيد بالبارودة. ما الذي ينتظرنا إذاً؟ أنا لا أستطيع السباحة لمسافاتٍ طويلة من جبلة إلى اللاذقية كما يفعل هو ـ السباح المحترف ـ ذاك أيضاً احتمال مستبعد.

الشوق يقتلني!

بعد ضغطتيّ الوقود المعهودتين، انطلقت وخالي راكبين الياماها الاسود 125 من حيّ العمارة عبر منتصف المدينة إلى السينما مروراً بساحة البلدية التي تقع في ركنها الجنوبي سينما النعنوع، وتمتد الساحة حتى المدرج الروماني، ومن ورائها جامع سيدنا إبراهيم؛ صروحٌ شيّدت يفصل بين كلِّ منها ألف سنة، لكنّها تبدو اليوم متضافرةً كأفراد العائلة الواحدة. لم يكن شاذاً أن نخرج من الجامع لنشتري بطاقات السينما ونحضر فيلم كاراتيه لـ (بروس لي)، ثم نذهب ونجلس على عتبات المدرج الروماني نصرخ لكي نسمع صدى أصواتنا وكأنّنا أحد خطباء روما المحنّكين. التنقل بين هذه المباني كان بالنسبة إلينا طبيعياً كالأكل والشرب واللهو والمشاجرة.

اشترى خالي قليلاً من تين الخرما من السوق القديم، ثمّ توجّهنا شمالاً بمحاذاة كورنيش البحر حتى وصلنا شاطئ الرميلة حيث ينتهي نهر موسميّ صغير لا اسم له. على ضفة النهر انتشر قطيع من الخراف المدبوغة على عجوزها بصبغ أحمر، نَظَرَتْ إلينا بفضول عندما ركن خالي دراجته على طرف الطريق، ثمّ اشرأبت اعناقها تتابعنا ونحن نمشي نزولاً إلى شاطئ الرميلة المنخفض. هناك ظهرت لنا خيمات عسكرية ثلاث خضراء زيتونية اللون، وراءها جلس ستة رجال وفتاة واحدة، يلبسون ثياباً عسكرية طحينية تشبه لون فراء الخراف القريبة، وعلى رؤوسهم قبعات من النوع الذي كان يلبسه رفاق كاسترو وغيڤارا. بدأت أصواتهم تتّضح مع اقترابنا، كانوا يتجاذبون الحديث بلهجات عرفت منها الفلسطينية، لأنها تشبه لهجة جدتي؛ واللبنانية، لأنها تشبه لهجة أنطون كرباج في مسرحية جبال الصوان. بين أصابعهم سجائر تبغ، وحولهم على الأرض أعقاب سجائر مهروسة وقناني بيرة مغروزة في الرمل، انتشرت حول تنكة زيت مقلوبة. كانوا نِحَاف البنية؛ أطولهم، ذا تفاحة آدم ناتئة في عنقه، كان الوحيد بينهم الذي يلبس بنطالاً من الجينز، لم يلتفت إلينا، كان يرسم بعصاً في يده أشكالاً هندسية في الرمل.

أعلن خالي وهو يضع كيس الفاكهة في براد بلاستيكي: "هذا حسام، ابن أختي الكبرى"، ثمّ أحضر كرسيين لنا من عمق إحدى الخيم، يتحرّك في المكان وكأنه قد نام فيه ليلة البارحة.

وكأنّني انتقلت لكون آخر؛ عيون الثوّار المرهقة، نظراتهم الحسيرة غريبة عن عالمي، لم أستطع الإحاطة بدلالة حركاتهم الخرقاء بارتباكها وحِدَّتها، تراءوا لي كأنّهم أطفال قد استيقظوا ذات يوم ليجدوا أنفسهم بالغين. لم أفهم ـ وأنا الطفل السعيد الباحث عن مغامرة جديدة ـ سبب الحزن في عيونهم، الكربة التي قدحتهم، لم أكن أدرك وقتذاك أنّ هناك من نأت به الديار، وجفاه القريب والبعيد. كنت أرى مشاهد حرب فيتنام وثورات أمريكا اللاتينية على شاشة التلفاز، لكنّها لم تكن بالنسبة إليّ أكثر من قصص وحكايات عن بلاد بعيدة لا تختلف في إثارتها عن مسلسلات كولومبو أو كوجاك التي كانت تُبث بعد نشرة الأخبار. أُخِذتُ بهم وهم يتكلمون عن أشياء لا عهد لي بها؛ فصائل المقاومة، أحداث الأردن، عرفات وحبش وحواتمه، مصادرة القرار الفلسطيني، وكذلك بطولة أفراد العملية الفدائية الأخيرة في ميونخ.

وجود الفتاة بينهم حيّرني، لم يكن غريباً عني أن تجلس امرأة وحدها بين مجموعة من الرجال، فعائلتنا لم تكن محافظة، لكن كان هناك شيءٌ مصطنعٌ في الطريقة التي تعامل بها الرجال في هذه المجموعة معها، كأنّهم أرادوا أن يكون وجودها بينهم بديهياً، لكنّهم كانوا يبالغون قليلاً في إظهار ذلك مقارنةً بالجهد الذي يمارسونه بين بعضهم بعضاً، وكأنّهم يبتغون التقرّب إليها.

كانوا قد أرسلوا شعورهم الجعدة حتى وصلت أكتافهم، بينما بدت هي أقصرهم شعرآً بتسريحة الولد الفرنسية (غارسون)، بين حافة شعرها فاحم السواد وشيّال قميصها تتكشّف نعومة بشرتها السمراء المتناغمة مع نعومة أحجار الشاطئ البنّية التي صقلها الرمل والموج؛ تلك النعومة التي كانت تتلاشى عندما يرتفع البصر ويستقرّ قليلاً في بؤبؤ عينيها، ففي حدقتيها حدّة وكأنّهما خُلقتا لاختراق الدروع. لم تتكلم كثيراً، وعندما تكلّمت كانت لهجتها غير مألوفة، أدركتُ لاحقاً أنّها لهجةٌ مغاربية. كانت ترمي الكلمات من فمها في رزم صغيرة، ثم ترفع نظرها، كمن يكشف البخت رويداً رويداً، ثم ينظر في عينيّ المتلقّي ليسبر تأثير كلماته تلك في أعماقه. بينما التصق الرجال كتفاً بكتف يشربون الشاي حول التنكة المقلوبة، ابتعدَتْ عنهم قليلاً، وعندما أعطاها أحدهم كوب الشايّ، أحسست في حركته تلك رهافة كأنّه أدرك فجأةً أن لتقديم الشاي بروتوكولاً ملكياً خاصاً عليه اتّباعه.

بينما كانت عيناي تبحثان في المكان عن أجوبة، رستا على قاربين مطاطيّين بلون رمادي - من النوع الذي كان جاك كوستو يستخدمه في استكشافاته - لاحظ خالي ذلك فأعلن مبتسماً: "لقد وعدت حساماً اليوم بسباحةٍ خاصّة" قالها وهو يغمز الفتاة. ابتسمتْ للمرّة الأولى وكشفت عن أسنان لم تكن أكثر نظماً من أسنان بنت القرية التي سقتني بولها. نفضت قشر تينة الخرما بين يديها، مشت نحو القاربين وأومأت لي كي أساعدها في دفع أحدهما إلى الماء. نظرتُ صوبَ خالي، متذكراً تأنيبه لي بسبب عدم انتباهي لحركاته، فأشار إليّ بحاجبيه أن "اركب معها". الوضع سليم إذاً! لا بول ولا سوائل أخرى تُشْرَبُ اليوم، بلهفة لبست شورت السباحة في إحدى الخيم ثم دفعنا القارب فطفا يتأرجح على سطح الماء.

جلستُ في منتصف القارب على منصّة خشبيّة منخفضة، وانطلق القارب مسرعاً بعد أن أدارت الفتاة محرّكه، ووجّهت دفّته نحو عمق البحر الهادئ، بينما مروحة المحرّك تزبد الماء خلفه. المدّ جعل البحر أمامنا ساكناً، صافياً، حركات أسراب السمك الموتورة فيه تعكس أشعة الشمس وكأن حراشفها من مرايا مجهرية صغيرة. مرّت دقائق والفتاة ترمق الأفق البعيد بتطلُّع ذكّرني بفتاة الجبل، في عينيها نظرة كما القطة لا أحد يعرف ما يدور في سريرتها. بعد دقائق أبطأت القارب فخفّ عويل محرّكه كحصانٍ قد شدّ لجامه، وسكن يخبو بهدوء رصين.

شعرتُ بوخز أشّعة الشمس الحامية على ظهري وقررت ـ بدون إذنٍ ـ أنّه قد حان وقت السباحة. لمَ أستأذن وأنا السباح المتمكّن، أو ربّما أردتُ فقط أن أظهر للفتاة مهارتي في الغوص. وضعتُ قدمي على حافّة القارب، ثمّ قفزت الى الماء رأسي أوّلاً، ذراعيَّ ممتدتان أمامي، بطرف عيني لمحت ذعراً على وجه الفتاة بينما يداها تمتدان وتشير بسبابتها: "لا… لا تقفز!". كنتُ قد أصبحتُ في الهواء ولا مجال للعودة، مع دخولي الماء أدركتُ السبب؛ المياه ضحلة، عمقها لا يتجاوز نصف المتر، صفاؤها خدعني، كانتْ الفتاة قد أبطأتْ القارب لأنها تعرف ضحالة المياه في تلك البقعة!

مع ملامستي الماء وبحركة عفوية وجّهت أصابع يديّ للأعلى لكي تسحب جسدي معها، كان الوقت قد فات فقد ارتطمتُ بالقاع الصخريّ الخشن، وشقّت نتوءات الصخر صدري من الترقوة حتى السرّة بخطوطٍ متوازية عميقة. انتشرت حولي هالة حمراء من الدم وشرائح الجلد، تشبه تلك التي في الأفلام عندما يقضم القرش ساق أحد السباحين. عدتُ إلى القارب، رفعتني الفتاة من الماء، وأنا أحسّ بأن أسياخاً نارية قد غرزت صدري، في الوقت نفسه أدركتُ أنّني نجوت لأنّ رأسي لم يرتطم بالصخر، ما زلت أرى وأسمع، والأهم من ذلك كلّه أنّني كنت أشعر - أنا حي. هذا الشعور بالحياة، رغم الألم، كان مدعاة للفرح، ولكن أي محاولة للابتسام أجهضتها ملوحة المياه الكاوية. خَلعَتْ الفتاة قميصها الشيّال وضغطته على صدري محاولةً إيقاف النزيف، لم يفلح صفاء بشرتها السمراء المكشوفة، سوى ما غطته حمّالة صدرها السوداء، في تشتيت ذهني عن الألم الحارق في صدري.

على الشاطئ تركت الفتاة لأحد الرجال مهمّة إحضار علبة الإسعاف الحديدية، وبينما هو يضمد صدري بالشاش بعد أن وضع على جروحي مرهماً لزجاً بلون أصفر، انشغلت هي بمسح الدم الأحمر عن دفة القارب وجوانبه، تسدد نظرتها الفولاذية تجاه خالي قائلة: "علاش ماقلتيش بلي ولد ختك مهبول". ظلّ أطول الرجال الذي يرتدي بنطال الجينز يرسم بعصاه أشكالاً في الرمل، بينما خالي يهزّ رأسه متعجّباً وهو يعاين الدم الذي سال حتى قدمي، متسائلاً كيف حصل ذلك كلّه في أقل من عشر دقائق، رافعاً يديه للسماء كمن يستجدي، ولكن دون رد.

بعد أيام قصفت الطائرات الإسرائيلية معسكر الفدائيين في الرميلة رداً على عميلة الفدائيين في ميونخ. في بيت جدتي كان خالي ينقّل مؤشر الراديو الترانزستور بين إذاعتيّ مونتي كارلو والبي بي سي ليستمع إلى تفاصيل الخبر. وشاع أنّ الإسرائيليين قد رموا صواريخ مؤقتة، لذلك لم يسمح خالي لي بالذهاب إلى المخيّم المقصوف عندما سألته الذهاب هناك للاطمئنان على الثوار. إذاعة سوريا أعلنت عن الخبر باقتضاب، ولأول مرة سمعت تعبير (الردّ في المكان والزمان المناسبين).

ذلك التصريح أثار في ذهني أفكاراً فلسفية وجوديّة: هل كنتُ في تلك القرية في الزمان والمكان المناسبين يوم شربت اللبن من يد الصبيّة الجبليّة؟ ماذا حلّ بها وبعائلتها في زمننا هذا؟ هل وجدوا أنفسهم في الزمان والمكان المناسبين بعد التغيير السياسي، فاستبدلوا بيتهم الريفي وبساتينهم بإحدى شقق المدينة المزدحمة؟ هل وجدت الفتاة حبيب عمرها واتخذته شريكاً لها؟ هل تواطأَ اللبن الممزوج بعمله السحري، أم لعل اللقاء كان في ظروف أقل مسرحية. في النهاية أصابتني العدوى، وتبنّيت العبارة لنفسي: صرتُ أهدّد أصدقائي عندما أتشاجر معهم بالردّ عليهم في الزمان والمكان المناسبين، ثم أراقبهم وهم ينظرون إليّ بذهول.

وقاد التصريح المكاني-الزماني فكري إلى عائلتي، خاصة والدي؟ هل كان في المكان والزمان المناسبين عندها اعتزل العمل السياسي وترك حزب البعث مدركاً أنّ اتجاه (حَرَكَتُه) قد انحرف عندما (صُحِّح)؟ ولما علمتُ بعد وفاته أنّه رفض أيضاً عرضاً للعمل في أجهزة الأمن، أدركت أن هذين القرارين جنّبا عائلتنا البطش الأمنيّ من جهة، والانحدار الأخلاقي من جهة أخرى - خياران لم تجد كثيرٌ من عائلات سوريا نفسها في الزمان والمكان المناسبين، فعانت من أحدهما، أو من كليهما.

كان لقائي بالثوار أوّل عهدي بالقضية الفلسطينية، لم تكن قضيّة فلسطين من المواضيع المطروقة في حياتنا، بالرغم من أنّ جدتي كانت فلسطينيّة المولد والنشأة، اللهجة الفلسطينية لم تكن غريبة على مسامعنا لأننا اعتدنا سماعها من جدتي، كانت بالنسبة إلينا (كما تتكلم التاتا).

الطفل السعيد الذي كنتُه في السابق تلاشت براءته رويداً رويداً، بدأتُ أستمعُ لنشرات الأخبار وأصبح لها معنىً آخر، صرتُ أجمعُ الليرات من مصروفي لكي أشتري الجرائد كـ (الحياة)، والمجلات السياسية كـ (المستقبل)، أيّ شيءٍ سُمِحَ به في سوريا بالرغم ممّا مُزِّقَ من صفحاته بسبب الرقابة، وبعض ما هُرّب من لبنان غير مشوه، أقرأ أخبارها ومقالاتها التحليلية وآراء كتّابها كأحمد بهاء الدين وحسنين هيكل وجبران تويني.

ترك الفدائيون في حياتي بصيص أملٍ رقد في أعماق نفسي منذ ذلك اليوم. براءتي التي فقدتها في ذلك اليوم أجدها تتداعى في لا وعيي، تتكرّر كلما أمُرُّ بموقف يذكّرني برعونتهم الممزوجة بالخجل أو خشونتهم الهجينة بالألفة، هذا البصيص الذي لم يطفئه طرد المقاومة الفلسطينية من دول المواجهة مع إسرائيل؛ الأردن، سوريا، ثم لبنان، لكنّه شبّ بوحشة كالتي نضحت من عيون أولئك الثوّار في ذلك اليوم في الرميلة؛ التي ستدوم وتتعمّق مع الوقت، كما تعمّقت خطوط الندبة التي تركتها صخور قاع البحر في صدري.



#حسام_عتال (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب الفلسطيني نهاد ابو غوش حول تداعايات العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وموقف اليسار، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتب الفلسطيني ناجح شاهين حول ارهاب الدولة الاسرائيلية والاوضاع في غزة قبل وبعد 7 اكتوبر، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الندبات (القصة الأولى من سلسلة خمس قصص قصيرة)
- الشاحنة الحمراء (قصة قصيرة)-


المزيد.....




- أنجلينا جولي: لا أحب هوليود ونادمة على احتراف التمثيل
- RT العربية توقع مذكرة تعاون مع جامعة الجزائر
- -اليونسكو- تدرج -فن تذهيب النصوص- على قائمة التراث العالمي
- “عثمان يتحدى السيد يعقوب” موعد عرض مسلسل المؤسس عثمان الحلقة ...
- مصر.. فنان مشهور يفاجئ الجمهور بزواجه من فنانة معتزلة
- رابط موقع إيجي بست الأصلي وتابع أجدد الأفلام والمسلسلات مجان ...
- الرميحي محاضرًا في أزمة الفكر العربي الحديث
- إدراج الأوبرا الإيطالية على قائمة التراث الثقافي لليونسكو
- -القاتل-.. فيلم عن محترف قتل بإيقاع تمارين اليوغا
- ساقطون


المزيد.....

- الهجرة إلى الجحيم. رواية / محمود شاهين
- سعيد وزبيدة . رواية / محمود شاهين
- عد إلينا، لترى ما نحن عليه، يا عريس الشهداء... / محمد الحنفي
- ستظل النجوم تهمس في قلبي إلى الأبد / الحسين سليم حسن
- الدكتور ياسر جابر الجمَّال ضمن مؤلف نقدي عن الكتاب الكبير ال ... / ياسر جابر الجمَّال وآخرون
- رواية للفتيان ايتانا الصعود إلى سماء آنو ... / طلال حسن عبد الرحمن
- زمن التعب المزمن / ياسين الغماري
- الساعاتي "صانع الزمن" / ياسين الغماري
- الكاتب الروائى والمسرحى السيد حافظ في عيون كتاب ونقاد وأدباء ... / السيد حافظ
- مسرحية - زوجة الاب - / رياض ممدوح جمال


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام عتال - الندبات (الندبة الثانية)