أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ألفى كامل شند - تجربة المسيح على الجبل وحياة الكنيسة















المزيد.....

تجربة المسيح على الجبل وحياة الكنيسة


ألفى كامل شند

الحوار المتمدن-العدد: 7439 - 2022 / 11 / 21 - 15:00
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لم تقتصر الصعوبات التي شهدتها المسيحية على فترة الاضطهاد التي عاشتها قبل الاعتراف بها كديانة رسمية، بل أنها تعرضت بعد اعتراف الامبرطورية الرومانية بها كديانة رسمية عام 313م لتحديات تمس مبادئها وثوابتها ونظامها كمؤسسة.
فمع بدء السيد المسيح بشارته، تقدّم إليه إبليس مجربًا، وطرح عليه ثلاثة أسئلة، تدور بصفة عامة حول حاجات الكنيسة المزمع أنشاؤها. السؤال الأول من إبليس كان حول القوة. والاهمية، والثاني حول حاجة الانسان الجسدية، والثالث حول ايثار الذات والنرجسية. جاء ذكر هذه التجارب في صيغة أسئلة في اناجيل متى ولوقا ومرقس، تقول: "ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس. فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة، جاع أخيرا. فتقدم إليه المجرب وقال له: إن كنت ابن الله فقل إن تصير هذه الحجارة خبزا. فأجاب وقال: مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل. وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكيلا تصدم بحجر رجلك. قال له يسوع: مكتوب أيضا: لا تجرب الرب إلهك. ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي. حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. ثم تركه إبليس، من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز".
ماذا حدث ؟
يقول العلامة اوريجانوس (185 – 254) أحد آباء الكنيسة المسيحية الأوائل ومدير مدرسة الإسكندرية القديمة إن الإرادة الإلهية شاءت تجسد المسيح، وتظهر المسيحية آبان زمن الإمبراطورية الرومانية التي أرست دعائم السلام، وانصهار الاجناس، وسهولة التنقل وتبادل الأفكار والثقافات، وأصبحت اللغة اليونانية هي اللغة الشائعة بين شتات اليهود. واقامت شبكة من الطرق لخدمة الجيوش الرومانية، سمحت للرسل والمبشرين الأوائل التنقل في سائر المعمورة، ونشر الانجيل.
وعرفت المسيحية منذ القرن الأول كديانة مستقلة عن اليهودية. ومع كونهم حرصوا على دقع الضرائب لقيصر لإثبات حسن نواياهم وولاءهم للإمبراطور. إلا أنهم عوملوا بقسوة لرفضهم عبادة الآلهة الرومانية أو عبادة الإمبراطور كإله في بعض الأحيان.
ودعت الجماعات المسيحية الأولى باسم "الغرباء"، لأنهم عزفوا عن السياسة والتجارة والفلسفات، وانصرفوا الى الاهتمام بالفقراء والعجزة والمرضى، والإخلاص في الزواج. لكن بعد ان تبينوا تأخر مجيء للمسيح الثاني، أخذت المجتمعات المسيحية تنفتح نحو المشاركة في الحياة الاقتصادية والثقافية.
وانتشرت الكنائس في الريف والمدن في القرن الثاني ، وظهرت الأبرشيات الكنسية على الشكل الإداري الهرمى للجيش الروماني (الأسقف / القسيس / الشماس)، والمعمول به حتى اليوم مع أنه يجافى مفهوم السلطة في الاناجيل .
وتعرضت الكنيسة المسيحية منذ تأسيسها للتجربة التي مرّ بها السيد المسيح ذاته، ووردت في الانجيل وحذر اتباعه منها تكرارها قبل صعوده إلى السماء.
- التجربة الأولى، تدور حول حاجات الانسان الجسدية:
والوجه الثاني للتجربة ان جعل كنيسة المسيح من المادة (الحجارة) وحكمة العالم (الفلسفة) خبزاً روحيا بدلا من الوحى كلمة الله في الكتاب المقدس . وهو ما انتقد اللاهوتي الفرنسيسكاني العظيم بونافنتورا (1217-1274) عليه القديس توما الاكوينى معلم الكنيسة، يخلط ماء العقل بخمرة الحكمة الإلهيّة، ممّا حمل الأكوينيّ على الردّ بأنّ الماء لا يلبث أن يتحوّل إلى خمر، على نحو ما جرى على أيدى يسوع فى عرس قانا الجليل.
فمع ان المسيحية في بداية ظهورها، كانت تعاليم نقية، خالية من الاسرار والعقيدة الممزوجة بالفلسفة التي حذر بولس الرسول الكنائس التي أسسها، قائلا:"أياكم وان يخلبكم أحد بالفلسفة، فالكون فى الفلسفة اليونانية غير مخلوق، وقديم قدم الله نفسه. والمسيحية مرجعيتها الميتافيزيقية محددة ومثبتة فى نصوص الكتاب المقدس، تنافى مع الفلسفة التي تقوم على البحث الشخصي المستقل الحر عن الحقيقة .
لكن مع الوقت، ظهر ت الحاجة إلى اللاهوت الدفاعي الذي يدافع عن العقيدة في مواجهة خصومها، لاسيّما الغنوصية والمانوية . ووجد أتباعها أنقسهم فى صراع بين عيش الانجيل وأنماط الثقافة التي كانت سائدة عند كلٍّ من الرومان والإغريق.
أمام هذا التناقض حث المعلمون الأوائل الانسان المسيحي أن يصدّق الوحي الإلهيّ بقلبه حتّى لو صعب على العقل.. وحذر بولس الرسول المسيحين من الفلسفة، قائلا: “أياكم وان يخلبكم أحد بالفلسفة ، بذلك الغرور الباطل القائم على سنة الناس وأركان العالم ، لا على المسيح" (رسالة بولس الرسول لأهل كولو سي 2: 8 ) .
لكن مع الوقت، أضطر آباء الكنيسة الاوائل الى التسلح بحكمة العالم (الفلسفة) لشرح تعاليمهم، وصياغة عقائدها في منظومة لاهوتية. فعلى سبيل المثال رأوا في فلسفة أرسطو عن "الجوهر والشكل ما يصلح لشرح عقيدة تجسد المسيح رمزيا في سر القربان المقدس.
وانقسم آباء الكنيسة إلى فريقين ازاء استخدام المفاهيم الفلسفية فى شرح العقيدة المسيحية. الفريق الأول رأى أن العلوم القديمة، من فلسفة وآداب وثنية، تفيد المسيحية، وأن أغلب تلك العلوم يتفق مع تعاليم الكتاب المقدس، وأن الفلسفة ما هي إلا البحث عن الحقيقة التي استقرت في العقيدة المسيحيّة. وان قول القديس بولس الرسول في رسالة كولوسى 8:2"أياكم وان يخلبكم أحد بالفلسفة، بذلك الغرور الباطل القائم على سنة الناس وأركان العالم، لا على المسيح"، تبدو للوهلة الأولى أن المسيحية ضد الفلسفة، وضد طلب المعرفة،. لكن من يركز في كلام بولس الرسول يفهم أنه ليس ضد الفلسفة ولا حب المعرفة، ولكنه هنا يتكلم عن التعاليم الباطلة؛ فالفلسفة هي حب الحكمة والله هو الحكمة الحقيقية. ولا تخلو كتاباته من بعض العبارات الفلسفية الرائجة فى ذلك زمنه والى مواعظه وكتاباته ت. فقد ورد فى سفر أعمال الرسل، وذكر انه اقتبس كلمات فيلسوف كريتي لشرح ما يقوله في رسالة تيطس (تيطس1: 12). مع إنه كان يرى أن الإيمان يكفي نفسه بنفسه.
أغلب أنصار هذا الفريق كان من فلاسفة مدرسة الإسكندرية .وكان من الطبيعي بعدما أمنوا بالمسيحية ان يستغلوا علمهم في خدمة دينهم الجديد، خاصة أنهم كانوا يمارسون التدريس، ومن هؤلاء جوستين الذي كان أستاذاً للفلسفة، وبعد أن دخل المسيحية ظلّ يبشّر بتعاليم أفلاطون، ويدَّعي أن أفلاطون وسقراط وهيراقليط كانوا مسيحيين قبل أن يظهر المسيح، وأن الفلسفة كانت تسعى إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه المسيحية ، مدعمون رأيهم بمقولة للقديس اوريجين التي تقول :" بان الله خلق الانسان على صورته ومثاله)، فالعقل الانسان هي صورة الله في الانسان. اذن العقل وانتاجه الفلسفى اعلى من اي سلطة في تحديد المعرفة والحقيقة".
أما الفريق الثاني من أباء الكنيسة اللاتينية رأى أن التوفيق بين الحقيقة المسيحية وبين التعاليم الدنيوية أمر مستحيل، وأن الفلسفة إذا اقترنت بالمسيحية أدت إلى الضلال والإلحاد. وأنّ الأدب والثقافة على العموم لا يمثلان إلا مباهج الحياة الدنيا ومغرياتها، وأن أولئك الذين يدرسون أساطير "هومر" وقصص "زيوس" والآلهة لا يكتسبون منها إلا رجساً. من هؤلاء "ثيرتولبان" (150-230م) الذي كان يعتبر أن الدراسات اليونانية إلحاداً أو زندقة، وأن الفلسفة وراء ما دخل المسيحية من ضلالات وبدع غنوصية.
انتصر الفريق الاول، لوجود إرتباط طبيعى وثيقة بين علم اللاهوت والفلسفة. فالفلسفة تعنى لغويا محبة الحكمة، الفلسفة تبحث عن الله العلة الأولى وقد تبحث عنه فى الكون والطبيعة لتصل بين النسبى إلى المطلق أو من الوجود إلى الجوهر وتسمى هذه الفلسفة بالفلسفة الفيزيقية (أو الفلسفة الطبيعية) وتبحث أيضاً عن النفس والموت والحياة الأخرى وتسمى هذه الفلسفة بالفلسفة المتيافزيقية (ما وراء الطبيعة ) .
وان دراسة الفلسفة أمرا ضروريا للتأهل لدراسة اللاهوت لكى يفرق المؤمن بين مباحث اللاهوت والآراء الفلسفية. و دراسة الفلسفة تزود دارس علم اللاهوت الملاحظة والتأمل والاستنباط والاستنتاج والتحليل والتفكير المنطقى والدفاع للوصول إلى الحقيقة. وأيضاً لأن الفلسفة هى أم العلوم كلها وكل علم ندرسه إنما تدرس فلسفته وأفكاره.
وفى خلال القرون الأربعة الأولى بلور آباء الكنيسة مبادئ العقيدة المسيحية، وصيغت في قانون يعرف باسم قانون الايمان . فى منظومة لاهوتية تقوم على المنطق والبراهين الفلسفية، وحل اللاهوت محل الفلسفة التي سريعا ما فقدت استقلاليتها في العالم المسيحي؛ وتحولت إلى مجرد ذراع للدين، أو كما يقولون خادمة مطيعة للعقيدة.
ورأى عدد من أباء الكنيسة أن الفلسفة كانت تمهيدا للإنجيل، وأن بعض الفلسفات هي «لاهوتٌ حق»، فقد رأى اكليمنضس الإسكندري أن "الفلسفة أُعطِيت مباشرة من الله لليونانيين إلي أن يتجسد الرب… وان الفلسفة كانت لليونانيين مثل الناموس الذي قاد العبرانيين إلي المسيح". والعجيب أن يوستينوس، الذي نادى برفض الفلسفة الوثنية،‏ كان أول مَن استخدم اللغة والمفاهيم الفلسفية للتعبير عن الافكار المسيحية، معتبرا هذه الفلسفة «آمنة ونافعة».‏
ويشير كتاب تاريخ للمسيحية الاولى إلى أن « علماء الماورائيات المسيحيون كانوا يصفون اليونانيين الذين عاشوا في العقود التي سبقت مجيء المسيح، بأنهم كانوا يجاهدون بعزم لكن على غير هدى لمعرفة الله،‏ محاولين مجازيا ان يبتدعوا يسوع من فكرهم الاثيني الفارغ،‏ وأن يخترعوا مسيحية من خيالهم الوثني الضعيف».‏
وأدى تطويع الفلسفة في حدمة شرح العقيدة المسيحية الى اخضاع الوحي لملكات العقل. ومن ثم إقراره بالجدل والتأويل وتباين التفسيرات ودلالات الالفاظ، وهو ما أدى الى الخلاف العقائدي، وانقسام الكنيسة وهو ما حذر منه المسيح اتباعه مرارا وتكرارا. بالإضافة إلى كونها أصبحت ديانة المثقفين ـــ إن جاز التعبير ـــ يصعب تعريبها كما يقول المطران جورج خضر وتبسيطها للبسطاء.
ــ التجربة الثانية، تدور حول القوة والاهمية: وهى تجرية تعرضت لها الكنيسة ، في القرن الرابع الميلادي، مع اعتراف الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية ديانة رسمية، وانصهارها في السلطة الزمنية، بموجب مرسوم غاليريوس التسامحي ثم مرسوم ميلانو عام 312 ميلادياً؛ الذى أعطى المسيحين وغيرهم. من معتنقي الديانات الأخرى كامل الحرية في اتباع العقيدة التي يختارونها. وحثت حكام الولايات الرومانية عدم اضطهاد المسيحيين، ورد إليهم أماكن تجمعاتهم التي اعتادوا التجمع فيها للعبادة، وطالب المسيحين اظهار الاحترام للائق للقوانين والحكومة القائمة، و الصلاة الى ربهم الذي يعبدون من اجل سلامة ورخاء الامبراطورية الرومانية.
ويعلل عدد من المؤرخين أسباب هذا الانقلاب، بأدراك الإمبراطور قسطنطين بذكائه أن المسيحية سوف تنتشر وتصبح قوة لا يستهان بها بعد ان انتشرت في الاقليم الرومانية الشرقية رغم الاضطهادات. فوفقاً للتقديرات، شكل المسيحيون نحو 10% من السكان الرومان في عام 300 م. وذلك لكونها تحوي مبادئ سامية كالمساواة والمحبة والسلام والإيثار. وفى هذا الصدد، يقول المؤرخ الأمريكي "ويل ديورانت"( 1885 - 1981) في كتابه "قصة الحضارة" إن الكنيسة المسيحية طغت على الوثنية لأنها قدمت عقيدة أكثر جاذبية، ولأن قادة الكنيسة تناولوا الاحتياجات الإنسانية بشكل أفضل من منافسيهم.
. وهناك رواية أخرى تقول إن الإمبراطور قسطنطين تأثر بوالدته "هيلانة" التي اعتنقت المسيحية واعتبرت فيما بعد قديسة.. وتذكر الروايات التاريخية، أنها زارت مدينة اورشليم بحثا عن الخشبة التي صلب عليها المسيح، وأجزلت العطاء على الكنائس.
ترتب على هذا اعتراف الإمبراطورية الرومانية بالمسيحية وليس فقط منحها حق وجود شرعي مماثل للديانات الوثنية. بل وضعها تحت حماية الدولة، وبالتالي تثبيت دعائمها وتمهيد الأرض لازدهارها وانتشارها. فقد منح الإمبراطور "قسطنطين" رجال الدين المسيحيين نفس الحقوق والامتيازات التي كان يتمتع بها كهنة الديانات الأخرى. وأعفاهم من الضرائب وتأدية الخدمات المدنية حتى يتسنى لهم تأدية واجباتهم الدينية. واعفى المسيحيون من تقديم القرابين في الاحتفالات والأعياد الوثنية. كما منح الأساقفة سلطات قضائية استثنائية وأجاز لهم النظر فيما يرفع لهم من مظالم. كذلك أجاز للمواطنين أن يهبوا الأملاك للكنائس وأهدى الإمبراطور: قسطنطين للكنائس الهدايا، والأموال، والهبات، والأراضي، والأملاك. كما أمر بتشييد عدد كبير من الكنائس في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية.
رويدا رويدا انصهرت الكنيسة والدولة معا. ولم تعد العلاقة بينهما تقوم على الاستقلالية والتعاون، وفقا لمبدأ المسيح الشهيرة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله". والتي تعنى استقلال للكنسية في الامور الروحية، واستقلال للسلطة السياسية في ممارسة الشؤون الدنيوي، واستقلال الدولة في الشئون الزمنية، وبداية من القرن السادس الميلادي ضعفت سلطة الإمبراطورية الرومانية، وتزايدت قوة السلطة البابوية الدينية، ونفوذ رجال الدين، وانقسمت الكنيسة الى فئتين رعاة يرتدون التيجان، ويحملون العصا، يحكمون. وقطيع من العلمانيين عليهم الطاعة. وذلك استنادا على تفسيرات خاطئة وتأويلات مغلوطة ارتكزت وقتئذ على قول القديس امبروز (340-397) م أن الإمبراطور من الكنيسة وليس فوقها ولا خارجها، وبهذا اصبح على الامبراطور ان يسلك سلوك يليق بالمسيحية ومعتقداته وقيمة الأخلاقية، لأنه تولى منصبة ليكون مدافعا عن العقيدة المسيحية. لان سلطة الله هي السلطة الاعلى والأسمى من كل سلطة بما في ذلك سلطة القيصر الانسانية الزمنية. وعليه ان يخضع لسلطة الكنيسة المحددة. وعلى كتابات القديس اوغسطينوس (354م – 430م) في كتاب “مدينة الله": ان صراع الكنيسة "مدينة الله" مع "مدينة الأرض" السلطة الإمبراطورية الوثنية وفيه. هاتان المدينتان الموجودتان ومتعايشتان جنباً إلى جنب منذ بدء الخليقة، لكنهما تقومان على مبدأين متناقضين (حب الله و حب الذات)، يعطي أوغسطينوس السلطة الدينية السمو والتقدم على السلطة السياسية التي اوجب عليها إتباع تعاليم وإرشادات السلطة الدينية.
هذا التوجه للملك الزمنى لطخ صفحات تاريخ الكنيسة خلال العصور الوسطى، ومازالت هذه التجربة تراودها من حين لآخر. مع كونها لا تتفق مع تعاليم الاناجيل، ويتعارض مع مواقف السيد المسيح على الأرض.
- التجربة الثالثة، تتعلق ايثار الذات والنرجسية:
القى نفسك من أعلى الجبل الى أسفل. وهى تجربة تحمل وجهين: جعل المعجزات والخوارق، أي الخروج الظاهر على نظام الطبيعة الذى وضعه الله ركنا أساسيا من أركان الايمان، وبُرهان على وجود الله . رغم السيد المسيح بين أنها ليست جزءاً منالايمان وليست ضرورية لأجل الإيمان، وعاتب توما قائلًا: "لأنَّكَ رأيتَني يا توما آمَنتَ! طوبَى للذينَ آمَنوا ولم يَرَوْا" (يو 29:20(. ومع ان ثبات نظام الطبيعة، دليل وأضح وجود خالق وليس نتاج الصدفة. وارتكاز الايمان على المُعجزة يفود الى الشك عند عدم حدوثها في عناية الله ووجوده ، ويؤدِّي بنا إلى الإلحاد .
وتنامى الشعور بالزهو والتميز عن الأخرين التي لجرح المحبة. وقادت الكنائس المسيحية الى الشعور بأفضلية واسبقية بعضها على بعض ، وولدت الانقسامات التي بدأت في مجمع خلقيدونية (451م) بانفصال الأقباط والسريان والأرمن عن شراكة الكنيسة الكاثوليكية.ونشأ الانشقاق بسبب الخلاف حول طبيعة المسيح : كيفَ هو إلاله والإنسان في آنٍ واحد ؟ كيف يمكنُ أن يُفَّسَرَ ذلك؟. وكان الأساقفةُ ورؤساء الكنائس يتعاطون علم الفلسفة، فحاولوا شرحَ هوية يسوع بكلام فلسفي. المسيحُ واحدٌ. لكنه في نفس الوقت كإله وانسان. هل هو شخصان مختلفان، فكيف تقومُ الوحدة بينهما؟ أم هو شخصٌ واحد، فكيف التوفيق بين طبيعتِه الإنسانية والإلهية؟ لأنه يتصَّرفُ فعلا كإلاهٍ حق وإنسان حَّق.
وفى القرن الحادي عشر انفصلت كنائس القسطنطينية وانطاكيا وشقيقاتها الأرثوذكسية الخلقيدونية عن الكنيسة الكاثوليكية، بسبب التنافسية بين روما والقسطنطينية، روما الجديدة التي أنشأها الإمبراطور قسطنطين الكبير في الجزء الشرقي بعد تقسيم الإمبراطور ثيودوسيوس(379-395م) الإمبراطورية الرومانية بين أبنائه إلى قسمين؛ القسم الشرقي، وأطلق عليه الإمبراطورية البيزنطية. والقسم الغربي باسم الإمبراطورية الرومانية الغربية.وتصاعد دورها المسيحي، واشتداد المنافسة بينهما، و ومطالبة البابا ليو التاسع، أن يكون له سلطة على البطاركة اليونان الأربع في الشرق، متعللا بإرث الرسول بطرس الذى بشر و لقي الشهادة في روما، وحيث يوجد قبره بحق لخليفته الأولوية، وبعض الممارسات الطقسية .
وفي القرن السادس عشر (سنة 1529) قاد مارتن لوثر ثورة ضد الكنيسة الكاثوليكية (أطلق عليها ثورة الإصلاح) ، اعترضا على بعض الممارسات البابوية التي لحقت بالكنيسة اللاتينية من جراء الجمع بين السلطة الروحية والزمنية ، أطلق على أتباعه لقب المحتجين (البروتستانت). وحدث داخل الكنيسة البروتستانتية انقسامات كثيرة أفرزت طوائف عديده.
ويمكن القول إن سرّ استمرارية الكنيسة وحفظ الايمان حتى اليوم، لأنها تعيش حياة التوبة، وتبكيت وتوبيخ الروح القدس الذى وعد المسيح أتباعه ، انه سيمكث معها إلى الابد، ليصحح كل شيء ويذكر الكنيسة بكل شيء قاله وأوصى به السيد المسيح "وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ." (يو 14: 26).



#ألفى_كامل_شند (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاصلاحى مارتن لوثر وبوادر نازية مبكرة
- وجود الشيطان حقيقي أم خرافة
- الاعتراف فضيلة الحياة المسيحية
- رمزية تحويل الماء إلى الخمر في عرس قانا الجليل
- التقليد الرسولي في الكنيسة الكاثوليكية
- حرمان المرأة من الكهنوت.. لاهوت كنسي أم تقليد اجتماعي؟
- أسبقية بطرس عامل فرقة لا وحدة
- الرهبنة بين الشرق والغرب
- دور الجمعيات الأهلية المسيحية فى التعليم
- المدارس الكاثوليكية فى الماضى والحاضر
- نقد الخطاب المسيحى القبطى
- تيلارد دى شاردان وثنائية اللاهوت والعلم
- هكذا ، أعد توما الاكوينى الكنيسة الغربية لملاقاة عصر التنوير
- موقف الكنائس المسيحية من عقوبة الاعدام
- مشروعية الحرب فى الفكر المسيحى


المزيد.....




- محادثة عنصرية تدفع -الأم الروحية- لولي العهد البريطاني إلى ا ...
- مشككا في مكان دفن والده.. نجل بن لادن يكشف تفاصيل جديدة بشأن ...
- الحرب الروسية في أوكرانيا تصيب الفاتيكان
- قائد حرس الثورة الاسلامية اللواء سلامي: لن نسمح لاحد ان يسته ...
- كلمة القائد العام لحرس الثورة الاسلامية اللواء حسين سلامي
- بالتزامن مع حظر الكنيسة الأرثوذكسية.. زيلينسكايا تزور الكاتد ...
- مصر تعيد الاحتفالات الصوفية بعد توقفها عامين
- ستراتفور: ماذا يعني الفوز الانتخابي للصهيونية الدينية في إسر ...
- تنظيم الدولة الإسلامية يعلن مقتل زعيمه أبو الحسن الهاشمي الق ...
- ينظم لأول مرة خارج السعودية.. إقبال مغربي على معرض ومتحف الس ...


المزيد.....

- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ألفى كامل شند - تجربة المسيح على الجبل وحياة الكنيسة