أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عبد الحسين شعبان - لا مرجعية فوق مرجعية الدولة وهناك سلفيون دينيون وسلفيون علمانيون















المزيد.....



لا مرجعية فوق مرجعية الدولة وهناك سلفيون دينيون وسلفيون علمانيون


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 7412 - 2022 / 10 / 25 - 15:33
المحور: مقابلات و حوارات
    


حوار مع
المفكّر والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان

أجراه رياض الفرطوسي


هذه المقابلة أجراها الأستاذ رياض الفرطوسي خلال زيارة د. شعبان إلى هولندا في نهاية شهر آب / أغسطس 2022، ونشر عنها مقالةً بعنوان "بشارات ابن شعبان" في جريدة الدستور (العراقية)، كما نشرتها جريدة نداء الجمهورية وجريدة الصوت.



• لا مرجعية فوق مرجعية الدولة.
• الدولة المدنية يمكن أن تكون استبدادية وديكتاتورية.
• لا بدّ من مراجعة الدستور لإزالة الألغام الموقوتة وغير الموقوتة منه.
• الدستور هو المشكلة والإشكالية.
• الشرعية: رضا الناس. والمشروعية: حكم القانون.
• لا يمكن استمرار نظام المحاصصة الطائفي – الإثني القائم على الزبائنية السياسية والمغانم.
• التهافت على دخول البرلمان سببه الامتيازات.
• منظومة علي الوردي تحتاج إلى إعادة قراءة بالتلاقح مع محمد عابد الجابري.
• هناك سلفيون دينيون وسلفيون علمانيون.
• ليس يساريًا من يعادي الدين.
• لا أنسب نفسي إلى ماركس، بل إلى المدرسة المادية الجدلية.
• التغيير بالطريقة الثورية، والتغيير بالطريقة السلمية.
• سيناريوهات ثلاث لمستقبل العراق.
• لا بدّ من مؤتمر وطني لمواجهة حالة الانسداد السياسي.
***

في أدناه لقاء خاص مع المفكّر والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان في حوار شامل فكري وثقافي وسياسي، دعا فيه إلى عقد مؤتمر وطني يضمّ 100 شخصية سياسية وأكاديمية وثقافية لمواجهة حالة الانسداد السياسي، تمهيدًا لإعادة النظر بالعملية السياسية برمّتها التي وصلت إلى طريق مغلق ولا مخرج فيه، إذْ أصبح الأمر أكثر حاجة اليوم، وبإلحاح شديد، إلى مراجعة الدستور وتغييره وإزالة الألغام الموقوتة وغير الموقوتة التي احتواها؛
وكذلك إعادة النظر في طبيعة النظام السياسي الذي نشأ في أعقاب احتلال العراق العام 2003 والقائم على المحاصصة الإثنية والطائفية المستندة إلى الزبائنية السياسية والحصول على المغانم، والمسألة لا تتعلّق بإعادة الانتخابات أو حتى إعادة النظر بالنظام الانتخابي، لأنها تدور في ذات الحلقة وستنتج ذات النتائج، مع تغييرات طفيفة لا تمسّ الجوهر، ويتطلّب الأمر أيضًا كما جاء في حوار مفكّرنا شعبان مراجعة وتدقيق العلاقات مع القوى الإقليمية والدوليّة بما يوفّر أرضية سليمة لاستعادة السيادة العراقية التي ظلّت معومّة ومجروحة.

فرشة متداخلة من الموضوعات
هذه هي الفرشة الأولى للحوار أو التي حاولنا الإضاءة عليها كمقدّمة لهذا الحوار المعرفي الثقافي غير التقليدي، فمن أين سنبدأ في طرح الأسئلة، والحال أننا نمرّ بأوقات حرجة ومصيرية ومقلقة للغاية من الصراعات الداخلية والخارجية، إضافة إلى تحدّيات شتّى، وإذا كان مفكّرنا قد انشغل بالفكر السياسي بعد فترة طويلة من التجربة السياسية تعرّض خلالها للاعتقال والتعذيب والنفي مرّات عديدة، إلّا أنه ومنذ عقود كان يقارب السياسة من منظور فكري طارحًا آراءً ووجهات نظر متميّزة ومتقدّمة بخصوص التسامح واللّاعنف، ناهيك عن نظرته الحقوقية المتعلّقة بالمواطنة والهويّة، مؤكّدًا على أهمية التعايش، بل ضرورته التي لا غنى عنها في إطار مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وكلّ ذلك يلقّحه بالحرية التي هي المدخل لجميع الحقوق والحريّات الأخرى.
تلك هي منظومة عبد الحسين شعبان الفكريّة وعدّته النظرية، فهو وإن كان اشتراكيًا، إلّا أنه قدّم قراءة جديدة لنقد الفكر الاشتراكي بكلّ أريحية بما فيها النقد الماركسي لماركس كما أسماه، كما أنه خاض بعمق في مجالات نقد الفكر الديني، وقدّم مراجعات وتدقيقات جديدة وأجرى حوارات معمّقة مع العديد من الفقهاء الدينيين، وهو لم يدافع عن صورة الإسلام السمحاء فحسب، بل دافع عن المسيحيين والوجود المسيحي في الشرق، فضلًا عن دفاعه عن حقوق المجموعات الثقافية الأخرى وخصوصياتها وهويّاتها الفرعيّة في إطار الهويّة الجامعة، مثل الإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم. وهكذا واجه الفكر الشوفيني المتعصّب وحاول دحض أسسه وكشف ادعاءاته، لاسيّما من خلال ممارسته السلبية والتي ألحقت ضررًا بالدولة العربية المعاصرة والعراق منها.
قد تصبح بعض الأسئلة خلفنا أو تجاوزها الزمن، لكن المراجعة التاريخية ضرورية، بل هي حاجة لا غنى عنها كما يقول شعبان، فالتاريخ حسب وجهة نظره أب العلوم أمّا الفلسفة فهي أم العلوم، في حين أن السياسة فإنها ملك العلوم حسب أرسطو كما يقول، وكلّ ذلك يخضعه لصالح الفعل والمبادرة والإنسان الذي هو معيار كل شيء حسب بروتوغوراس الفيلسوف الإغريقي الذي طالما تغنّى بحكمته، والحكمة كما يقول وفقًا لكونفوشيوس هي معرفة الناس، أما الفضيلة فهي حب الناس، ومن أحب الناس امتلك فضيلة الحب وفضيلة الحكمة، أما فضيلة السياسة، فهي حسب ابن خلدون، الخير العام وهي ما ينبغي أن تتّسم ببُعد أخلاقي ومعايير إنسانية.
يعتقد البعض أن المفكّر والكاتب والمبدع هو الحلقة الأضعف، لكنه الحلقة الأكثر إثارة والأعمق تأثيرًا، لأنه لا يتوقّف عن طرح الأسئلة وهو في قلب هذا التطاحن، في حين يندفع السياسيون إلى الاستحواذ على المشهد وإقصاء الجميع، لاسيما المثقفّين، لكن المثقّف الحرّ والمسؤول والمهموم بالوطن والتنويير والتغيير يكتب ويتكلّم ويحلّل ويطرح أسئلة ومن السؤال تولد الأسئلة، فذلك واجبه حسب محاورنا شعبان، وهي مسؤوليته وموقفه مهما كان رأي النخبة السياسية الحاكمة وغير الحاكمة، فتلك أدواته وسلاحه؛ وهكذا تكبر لديه لماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ وذلك بهدف طرح الأسئلة العميقة والواقعية: كيف السبيل لنزع الفتيل لمنع الاحتراب؟ وما هي الوسائل المتاحة والممكنة لإرساء حالة التعايش والتفاهم دون إنهاء الصراع السلمي الذي هو أمر طبيعي؟
يقول شعبان: المفكّر يشخّص الأزمة ويتناول بالتحليل أسبابها ويقدّم معالجات لسبل تجاوزها والارتقاء من حالة الارتكاس إلى حالة الانطلاق؛ ولا يوجد مفكّر جبان، ولذلك عليه أن يتحلّى بالشجاعة لأن ما فائدة الأفكار إن ظلّت حبيسة وإن أحجم صاحبها عن الترويج لها والدعوة إليها، والفكرة حين تنتقل من التنظير إلى التنفيذ تتحوّل إلى واقع مادي يصعب اقتلاعه، لاسيّما إذا حازت على رضا الناس، وخصوصًا حين يقتنع بها أصحاب القرار، ولعلّ مسؤولية صاحب القرار مثلما هي مسؤولية المثقف تجسير الفجوة بين الثقافة والسياسة، خصوصًا حين يكون المثقّف ناقدًا فتلك وظيفته التي لا ينبغي أن يتنازل عنها أو يستقيل منها أو يعيرها لغيره.
تحت هذه العناوين حاورنا الدكتور شعبان وهو أكاديمي وباحث ومفكّر وأستاذ جامعي له أكثر من 80 كتابًا في قضايا الفكر والقانون والمجتمع والسياسة والثقافة والأدب والفن، إضافة إلى سرديات متنوّعة جمعت أجناسًا مختلفة من الأدب، مثلما له مساهمات غنيّة في الفكر الديني، خصوصًا حين يتناول قضايا التسامح واللّاعنف، دون أن ننسى مساهماته المتميّزة الفكرية والعملية بشأن الحوار العربي – الكردي وحوار مثقفي الأمم الأربعة: الترك، الفرس، الكرد والعرب، كما أنه خصّص جزءًا من نشاطه الفكري والحقوقي والعملي للصراع العربي – "الإسرائيلي" ، وكان قد نال جوائز عديدة، منها جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة – 2003).

حوار غير تقليدي
تجاوز شعبان في هذا الحوار ما نكرّره من تبريرات وذرائع تحاول النخبة السياسية التمترس خلفها لإخفاء حقيقة الاعتراف بفشلها، في محاولة للتشبّث بالسلطة بشتّى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فحاول تقديم رؤية مغايرة لما هو سائد بما اتّسم به من شجاعة وبُعد نظر، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فقد اعتاد عليه القرّاء منذ عقود من الزمن أن يعبر عن منظومة أفكاره وحزمة آرائه بوضوح وعمق وجرأة وأن يتّسم الصدقية العالية والنقد الذاتي، وهو القائل أنني أعتزّ حتّى بأخطائي لأنها جزء منّي، اجتهدت فيها فلم أفلح، ولذلك فأنا لا أنكرها أو أبرّرها، بل إنني أول من ينقدها لأن الزمن تجاوزها أو أثبت عدم صحّتها، وهكذا هو المفكّر دائمًا يقوم بالمراجعة والتدقيق والتصويب والتصحيح والنقد، بحثًا عن الحقيقة أوّلًا وعن الرغبة في الكمال ثانيًا. وتلك إحدى خلاصاته التاريخية وتجاربه الفكرية والثقافية والسياسية.
قلنا له أن أحزاب العالم اليوم تطرح أسئلة جديدة ومعالجات جديدة من خلال ما وصل إليه الطور الرابع من الثورة الصناعية، فأين موقع أحزابنا ورؤيتها وبرامجها؟ فقال أن أحزابنا سواءً كانت شيوعية أم قومية أم إسلامية، ما تزال تحتكم إلى كتاب لينين ما العمل؟ الصادر عام 1903، وهو ينتمي إلى الماضي، ففي عصر العولمة أيبقى الحديث عن خضوع الأقلية للأكثرية والهيئات الدنيا للعليا والتنفيذ اللّاشرطي للقرارات أو نفّذ ثمّ ناقش أو غير ذلك من المحفوظات التي عفا عليها الزمن، ولعلّ الدعوة إلى بناء أحزاب من طراز جديد هي دعوة واقعية في إطار من حريّة التعبير واحترام الاختلاف والتنوّع والتعدّدية دون فرض أو وصاية أو هيمنة بيروقراطية، وهي التجارب التي شهدنا خطلها وهزالها من التجربة الاشتراكية الكونية إلى التجربة القومية بمدارسها المختلفة ، الناصرية والبعثية، العربية والكردية، إلى التجربة الإسلامية بأشكالها العديدة دولًا وأحزابًا، "إخوانية" أو "دعووية"، سنيّة أم شيعيّة.
وسألناه عن التغيير من أين يجب أن يبدأ؟ ومدى واقعية الحديث عنه؟ فهناك من حدّد مواعيدًا وتوقيتات زمنية بالأشهر وربّما لا تتعدّى العام 2024، فما هو رأيك؟
فقال: لست فتّاح فال أو قارئ فنجان أو لديّ علم الغيب، فالأمر قراءة وفق معادلات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية وموقع بلدنا من الصراع الكوني، بما فيه الصراع العربي – "الإسرائيلي".
كان غراهام فولر في العام 1992 وإثر غزو الكويت قد طرح سؤالًا خطيرًا: هل سيبقى العراق موحّدًا العام 2002؟ وقبل انتهاء العام 2002 كتب مقالة مهمة عنوانها: العام الأخير لصدام حسين، والأمر مفهوم ضمن معادلات السياسة وقراءات الأحداث، فهو من مؤسسة راند المقرّبة من المخابرات المركزية الأمريكية والتي اشتغلت على المنطقة، وكانت بعض المؤشرات تشير إلى ذلك، وضمن السياق العام لنهج واشنطن إزاء بغداد حينها. فهل هذا هو الواقع الراهن؟ أم ثمّة واقع آخر اليوم؟
ولعلّ بعض الرغبات في إحداث التغيير عبر قوى دولية وفي إطار تدويل القضية العراقية هو الذي يقف وراء مثل تلك التصوّرات، والأمر لا يتعلّق بامتلاك معلومات ومعطيات وتسريبات وإنسابها إلى الإرادة العليا للولايات المتحدة، باستنتاج عبر لقاء مع مسؤول مع مسؤول أمريكي من الدرجة العاشرة، حين يستمع إلى رغبة هذا الموظّف أو أحد عناصر الأجهزة الأمريكية. في إحداث تغيير فيعتبرها إرادة عليا أو مشروع يبشر به، فإنه يريد إسقاط رغباته على الواقع وهو يدل على ضحالة سياسية وسذاجة وقصر نظر على أحسن حال.
وعدنا به إلى تمايزاته عن مواقف اليسار والحركة الشيوعيّة من الحرب العراقية – الإيرانية ومن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، وليس بعيدًا عنها الموقف من الحصار الدولي الجائر كما ظلّ يكرّر، ولعلّه كان من أكثر المثقّفين في الخارج الذين وقفوا ضدّ الحصار، وكتبوا ونظّروا كتبًا وأبحاثًا ودراساتً، فضلًا عن اتصاله بالمنظمات العالمية لإطلاعها على أوضاع العراق المأساوية ومن ثمّ موقفه المتميّز من الاحتلال الأمريكي للعراق.
فكيف يمكن رسم هذا المشهد وماذا بقي من يساريّة عبد الحسين شعبان من اليسار الرسمي؟ وأين حدود الوصل والفصل وخطوط التماس والتلاقي؟
وكان جوابه اليسار مدرسة واسعة وفيها ألوان مختلفة، وقد جاء الأصل من جلوس اليعاقبة في الجمعية الوطنية الفرنسية على جانب اليسار، ومفهوم اليسار يعني الراديكالية والجذرية، أي إجراء تغيير ثوري في جميع مفاصل المجتمع والدولة، وهناك يسار ماركسي مثلما هناك يسار آخر قومي عربي أو كردي أو ديني، وأي اتجاه يهدف إجراء تغيير جذري يمكن أن تعدّه على ملاك اليسار. وقد نختلف في مفهومنا للتغيير أو حتى في وسائلنا للوصول إليه، وهذا أمر طبيعي.
وتساءل شعبان: كيف يمكن أن يكون المرء يساريًا وأن يؤيّد احتلال بلده؟ أو كيف يمكن أن يكون الإنسان معارضًا لنظام ديكتاتوري قمعي ويغتبط لاختراقها خلال الحرب العراقية – الإيرانية؟ أو يكون يساريًا أو معارضًا وهو ينظر للحصار الدولي المفروض على بلده بدم بارد وبزعم أنه يسهّل للإطاحة بنظام الاستبداد؟ وكيف يمكن للإنسان أن يكون يساريًا وهو يؤيّد دستورًا طائفيًا - إثنيًا وضعه المحتل وفاض بالألغام؟ وكيف تكون يساريًا حقيقيًا وأن تؤيّد أو تسكت عن المعاهدة الأمريكية – العراقية؟ وكيف يمكن أن تكون يساريًا وأن تعادي الدين، بزعم الصراع بين العلمانية والدين، وأنت لا تفرّق بين الدين (مجموعة القيم) والتديّن وهو وسائل وطقوس وشعائر وممارسات للتعبير عن فهم كلّ مجموعة للدين. والدين ظاهرة اجتماعية عليك أن تتعاطى معها لا من منطق القبول أو الرفض، بل بقدر تكييفها لتكون لصالح البشر في إطار من العدالة والمساواة وإلغاء الاستغلال.
لا يمكن للإنسان أن يكون يساريًا ويغضّ الطرف عن الإمبريالية ومشاريعها التدميرية، فهي ليست صديقة للشعوب، وتجربة بلداننا ومنطقتنا خير شاهد على ذلك، وكيف تكون يساريًا إن لم تكن ضدّ الصهيونية؟ تلك هي بعض صفات اليسار الوطنية، أما المواصفات الاجتماعية فهي بالوقوف ضدّ الاستغلال ومن أجل العدالة الاجتماعية والانحياز للكادحين والمظلومين والأمم والشعوب.
وقلنا له: لقد عرفنا شعبان مفكّرًا ماركسيًا حتى وإن كان ناقدًا للماركسية، لكن دعواته للحريّة وحقوق الإنسان تضعه في مصاف المفكّرين الليبراليين، فكيف يمكن الحديث عن ذلك وأين يضع نفسه؟
الليبرالية شيء والماركسية شيء آخر، علمًا بأنني لا أنسب نفسي لشخص وإنما إلى مدرسة، هي المادية الجدلية وصنوها المادية التاريخية، وكان ماركس عظيمًا خصوصًا في اكتشافه قوانين التطوّر التاريخي للأمم والشعوب والصراع الطبقي وفائض القيمة، لكن ليس كل تعليماته واستنتاجاته كانت صحيحةً، بل أن بعضها كان خاطئًا أو أن بعض استنتاجاته لم يزكّها الزمن، كما أن الحياة تجاوزتها، خصوصًا في ظلّ الطور الرابع للثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي.
علينا أن نصوغ قوانينا وأحكامنا واستنتاجاتنا في ضوء الواقع الذي نعيشه وتبقى النظرية أداة تحليل، ويكفينا استنساخ تجارب أخرى أو آراء كانت تصلح لزمنها، فتلك سلفية لا تقلّ عن سلفية بعض المتديّنين، ماركس الفيلسوف المفكّر المبدع المناضل، لو جاء اليوم لنحّى الكثير من الماركسيين جانبًا، بل لقدّم نقدًا ذاتيًا على بعض تعميماته الخاطئة وهو القائل: أنا لست ماركسيًا، بمعنى أنه مادي جدلي يتطوّر مع الحياة وكلّ شيء في الحياة يتغيّر وكلّ شيء فيها نسبي باستثناء التغيير والموت فهما مطلقان. وكان ماركس في مراجعاته، خصوصًا في كتاب "المسألة اليهودية"، قد تناول قضايا الحريّة والتنوّع والتعدّدية والاعتراف بالآخر والحقوق الإنسانية، لكن ما حصل أن البعض ركّز على ماركس الاقتصادي وأهمل جانب ماركس الحقوقي، وهو ما ظلّ مطمورًا في التجربة السوفيتية.
القيم الإنسانية التي دعا إليها ماركس تجدها في الليبرالية أيضًا، وإن كانت من منظور مختلف فالحريّة والمساواة والعدالة والشراكة وهي أسس المواطنة، هي قيم إنسانية. مثل حريّة الإنسان وإعلاء قيمة الفرد، فالإنسان هو القيمة العليا وهو الرأسمال لكلّ شيء، بل إنه أثمن رأسمال، أما مفاهيم الليبرالية الجديدة فلا علاقة لها حتى بالليبرالية التاريخية الكلاسيكيّة، مثل إعلاء قيمة الفرد وإعلاء شأن الحرية وإعلاء شأن السوق. إنها الليبرالية المتوحّشة.
وسألناه عن مراكز الأبحاث والدراسات المتخصّصة، ما هو دورها؟ وهل ثمّة مشروع يجمعها في إطار مركزي؟ وتوقّفنا معه حول صناعة السياسة في الولايات المتحدة ومن يقوم بذلك، خصوصًا السياسة الخارجية، وأخيرًا توقفنا عند مبادرته لعقد مؤتمر وطني يضمّ الطيف السياسي والثقافي والفكري في العراق نصفه من المشاركين في العملية السياسية ونصفه الآخر من خارجها.
وتوقفنا معه عند دور العشيرة تاريخها ومستقبلها في العراق، وكانت حزمة الأسئلة هذه تتفرّع إلى حزمة أخرى من خلال الحوار السلس الذي امتاز بشفافية وعذوبة، إضافة إلى الصراحة والدقّة، ناهيك عن الشعور بالمسؤولية الوطنية والحرص على العراق ووحدته ومستقبله.

تروست الأدمغة
وقد بدأ شعبان حديثه بالقول: يعتقد البعض أن الرؤساء الأمريكان الذين يصلون إلى السلطة عن طريق الانتخابات هم من يصنع السياسة، بما فيها السياسة الخارجية، ويتناسى هؤلاء دور مراكز الأبحاث وما يسمّى ﺑ "تروست الأدمغة" أو "مجمّع العقول"، وهذه المؤسسات تعمل في غالبيتها برسم المجمع الصناعي – الحربي الذي يمسك بمقاليد الأمور في الولايات المتحدة.
وتروست الأدمغة يستقطب خيرة العلماء والباحثين والمفكّرين والمتفوّقين اللّامعين ويضمهم إلى تروست الأدمغة الذي عمل بمعية الرؤساء، وكان له شأن كبير منذ عهد الرئيس جون كينيدي، ويمكن ملاحظة أن غالبية وزراء الخارجية جاؤوا من هذه المؤسسات ويمكنني ذكر هنري كيسينجر وزبينغيو بريجينسكي ومادلين أولبرايت وكونداليزا رايس وغيرهم، وكلّ واحد من هؤلاء له مميّزاته ودوره يوازي أحيانًا دور الرئيس، خصوصًا وغالبيتهم يتمتعون بكاريزما خاصة.
وسألناه لماذا نحن ليس لدينا هكذا شخصيات؟
فأجاب شعبان: لأنه ليس لدينا مؤسسات، بل أن البعض لا يعترف بقيمة هذه المؤسسات وما يمكن أن تمثّله، إذْ غالبًا ما يكون الرئيس أو الشخص الأول يعيّن العديد من المستشارين، لكنه لا يستمع إليهم، بل أنه لا يسألهم أو يستشيرهم حتى من باب المجاملة والروتينية وحب الاطلاع والرغبة في المعرفة.
قرأت حوارًا أجرته مجلّة ألف باء على ما أظن، مع خير الله طلفاح بعد تولّي الرئيس صدام حسين الموقع الأول في الدولة والحزب، بعد تنحية الرئيس أحمد حسن البكر، وحين سُئل عن مستشاري الرئيس صدام، أجاب طلفاح، أنه ليس بحاجة إلى مستشارين لأنه أفهم من جميع المستشارين. ويمكن الرجوع إلى المجلّة أو إلى الحوار إن كان قد نشر في مكان آخر للاطلاع على محتوياته المثيرة للشفقة مثلما هي مثيرة للغثيان وذلك في العام 1979، ومثل هذا الأمر ربما يشمل جميع المسؤولين لدينا، الذين يبخسون حق الكفاءات المتنوّعة.
تصوّر أن المسؤول القيادي الذي يصل إلى السلطة من هذا الحزب أو ذاك لا يبحث عن مستشارين خارج دائرة الترضيات داخل حزبه أو تملّق البعض، وحتى بعد تعيينهم لا أحد يسمع عنهم شيئًا، وهذا ديدن الحكومات جميعها التي تشكّلت بعد الاحتلال.
المشكلة هي في العقل السياسي فمن يدير الوضع ويتربّع على قمّة السلطة ينسى نفسه أحيانًا، وأين كان وكيف أصبح، فلم يعد يفكّر باستشارة أحد أو الاستماع إلى أحد أو حتى لا يرغب بمعرفة رأي خارج دائرته والمحيطين به لأنه يعتقد أن ذلك يقلّل من قيمته وهو الرئيس أو المسؤول الأول، وثانيًا لأنه لا يؤمن أصلًا بالمؤسسات لا في جانبها الفكري ولا في جوانبها العملية، المهم هو أصبح صاحب القرار وما على الجميع سوى الانصياع والطاعة، وهذا حتى لو كان مسؤولًا في حزب سرّي أو في المعارضة، فإنه يتصرّف بنفس العقلية، فما بالك حين يجهل حقيقة واقع المجتمع وطبقاته وفئاته وأديانه ولغاته وعشائره وجهوياته، ناهيك عن جهله بنظام العلاقات الدولية والديبلوماسية، وتلك هي إحدى مشكلات واقعنا السياسي. ولو تجرأت وفحصت الغالبية الساحقة من السياسيين ستجد مثل هذه الحقيقة المذهلة، بل والباهرة. أما طريقة اتخاذ القرار فإنها غالبًا على حساب العامة والبسطاء، خصوصًا المؤمنين منهم بعبقريات هذا الرئيس أو المسؤول وإمكاناته الفائقة، وإذا بهم يكتشفون بعد حين سذاجة لا حدود لها، تذكّر أحيانًا بالمقالب إزاء بعض البسطاء
تصوّر أن العديد من العاملين في السياسة والمتصدّرين للمشهد السياسي، يعتقدون أن جو بايدن، الرئيس الأمريكي، لا يذهب إلى فراشه للنوم قبل أن يقرأ تقريرًا عمّا قام به هذا السياسي أو ذاك، وعندما ينهض من النوم، أول ما يقوم به هو طلب تقرير عن نشاط هذا السياسي العراقي أو ذاك، لأن الذات السياسية متضخّمة لدى هؤلاء لدرجة كلّ منهم يحسب نفسه بمستوى رئيس هذه الدولة العظمى أو تلك.
أتذكّر أن حوارًا جرى مع الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل حول موقع العالم العربي من الصراع الدولي وذلك عشية انتهاء مرحلة الحرب الباردة، وكل حاكم أو مسؤول يتصوّر أن مكانته أو من يمثّله يحتل مكانًا كبيرًا في سياسة الولايات المتحدة واستراتيجيتها، وواقع الأمر فإن السياسة الأمريكية في الثمانينيات كانت آنذاك تتجّه لحرب النجوم وبرنامجًا تسليحيًا دفع بالاتحاد السوفيتي إلى التراجع، لأنه يكلّف تريليوني دولار. وكان هم واشنطن والغرب القضاء على الاشتراكية، وإجهاض دول أوروبا الشرقية بالحرب الناعمة والتغلغل الداخلي، خصوصًا في ظلّ شح الحريّات والاختناقات الاقتصادية والبيروقراطية الحزبية المتسلطة، ثمّ احتواء الصين وفيتنام وكوريا ولاوس وجنوب شرق آسيا، وبعدها تسيير أمور أوروبا، ولاسيّما العلاقات مع فرنسا، التي كانت تتّخذ موقفًا أقرب إلى الاستقلالية
ثم يأتي دور إيران، إضافة إلى الهند وباكستان والمأزق السوفيتي في أفغانستان، ليكون مجابهة الإرهاب الأحمر القادم من بيروت والمقصود بذلك المقاومة. وأخيرًا وفي جزء ضئيل تخصّصه الولايات المتحدة للبلدان العربية دون أن تهمل بالطبع الوجود "الإسرائيلي".
ويمكن استعادة هذه المعادلة على صعيد كل بلد، فأين سيكون موقع هذا البلد أو ذلك على أهمية موقعه وموارده، لكن القضايا الكبرى تبقى هي المؤثرة: مثلًا اليوم مسألة النزاع الروسي – الأوكراني والاجتياح الروسي لجزء من أوكرانيا وكذلك مسألة الطاقة، والنفط والغاز، إضافة إلى القمح، تلك التي أحدثت إرباكًا عالميًا، بل أزمة عالمية ستترك بصماتها على نظام دولي جديد بمواصفات جديدة، بعد أن هزُل النظام الذي أُقيم في أعقاب القطبية الثنائية التي استمرّت منذ بداية الحرب الباردة (1946) وحتى نهايتها(1989)، لكن النظام الأحادي الذي أقيم في أعقابها اصطدم بعقبة كأداء بعد احتلال أفغانستان (2001) والعراق (2003).
وبدأ يضعف ولم تعد الولايات المتحدة اللاعب الأوحد أو الأساسي فيه، وإن كان لها دورًا مؤثرًا، لكن صعود الصين الاقتصادي الهائل لدرجة منافِسة للولايات المتحدة، وخصوصًا أن العام 2030 سيشهد منافسة حقيقية حول الموقع الاقتصادي الأول عالميًا، إضافة إلى استعادة روسيا لدورها وإن لم يكن كما كان الاتحاد السوفيتي، لكنها أصبحت قوّة كبرى منافسة وبإرادة صلبة للولايات المتحدة، وظهر ذلك خلال مشاركة قواتها في سوريا منذ العام 2015، إضافة إلى استعادة شبه جزيرة القرم (2014)، ثمّ اجتياحها لأكرانيا، يضاف إلى ذلك تحالفها مع الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا فيما يسمى بالبريكس.


البرلمان والتهافت
لنعد إلى العراق، ماذا عن البرلمان؟ هل بإمكانه القيام بدوره التشريعي والرقابي في ظلّ هذه الظروف؟
يُفترض في البرلمان أن يكون مؤسسة من أهم المؤسسات، لكن للأسف فإنه يقوم على المحاصصة والتقاسم الوظيفي بسبب نظام الانتخابات، ناهيك عن المستوى الثقافي والفكري المنخفض للبرلمانيين الذين يصلون إلى مواقعهم. وهم حتى وإن انتخبوا، لكن ثمة في الأمر اصطفافات واستقطابات طائفية وإثنية تحول دون اختيار الأفضل. هذا إذا افترضنا أن الانتخابات تتم وفقًا لطريقة سلسة وبلا تزوير أو بتزوير محدود، لكن المشاركين يتهمون بعضهم البعض بالتزوير "الكل يتهم الكل بالتزوير"، ناهيك عن سوء استخدام السلطة والفساد المالي والإداري، وإذا كان ثمّة مبالغات، فالوقائع الصادمة والتي يتحدّث عنها القضاء هي بحدّ ذاتها تُعطي مثل هذا الانطباع، الذي هو قريب من الواقع.
لماذا هذا التهافت على النيابة والموقع البرلماني؟
لأن في البرلمان امتيازات ورواتب عالية ومخصّصات، ولو رُفعت هذه وعاد كل برلماني إلى استحقاقه حسب وظيفته السابقة، فيمكن ألّا يترشّح هذا العدد الكبير من الأشخاص، الذي نراهم يتدافعون ويعملون ما هو مشروع وغير مشروع للوصول إلى المقعد البرلماني، ونسمع ونقرأ باستمرار حوارات مخجلة على هذا الصعيد.
إن ضعف وعدم فاعلية مؤسسات الرقابة والشفافية والمساءلة هي السبب في ترك الحبل على الغارب كما يقال، ولذلك يتسلّل العديد من "البرلمانيين" بلا مؤهلات وبلا برنامج ودون رؤية، وأحيانًا حتى بتزوير الشهادات، وهذه مشكلة عامة لا أقصد جهة دون سواها، فالكل متهم بها ولا أحد يستطيع أن يبرئ نفسه ، وهناك أمثلة متنوّعة، فالعديد ممن احتلّوا مواقع رسمية وزارية أو وكلاء وزراء أو مدراء عامون أو مستشارون اتهموا بالفساد وبعضهم بالتزوير أو التلاعب بشكل أو بآخر بشهاداتهم الدراسية، ولدى مفوضيّة النزاهة مئات الأسماء الذين لم تحسم حتى الآن، وهم من القطط السمان كما يقال. كما جرى التجاوز على ملكية الدولة عبر سجلّات التسجيل العقاري، ناهيك عن الحصول على عقود لا ترتقي إلى 10 % أو أقل بكثير أحيانًا من المأجور وبعضها باسم حق الشفعة أو المساطحة أو البيع بطريقة غير قانونية أو عقود طويلة الأجل هي عبارة عن بدل إيجار رمزي. وهناك أشخاص يشار إليهم بالبنان في ذلك، بالتلاعب عبر أمانة بغداد، أو باسم الوقف الشيعي أو الوقف السني.
لقد غاب عن خطط الدولة طيلة العقدين الماضيين المراجعة والإصلاح، وإن حدث ذلك فهو أقرب إلى نقر في السطح وليس حفر في العمق، وحتى الميزانية ظلّت معطّلة ومعوّمة ولم تحسم إلّا بعد سنوات، والحلول تتم في إطار الترضيات والمجاملات وعبر القرابة أو الانتماء الحزبي أو الانحدار الطائفي والمذهبي أو الإثني أو العرقي، وهذا معارض وذاك من العشيرة الفلانية (ويفترض أن تكون العشيرة تابعة للدولة وليس العكس)، بل كل المرجعيات يجب أن تكون تحت خيمة الدولة أو مظلّتها، كالمرجعيّة الدينية أو العشائرية أو السياسية أو الحزبية أو الجهوية أو غير ذلك.

العشيرة
على ذكر العشيرة، ماذا بشأن قانون العشائر وكيف ينظر المفكر شعبان إلى دورها؟
قانون العشائر يخضع الكثير من مؤسسات الدولة القضائية والقانونية للعشيرة وأحيانًا يطلب القاضي منك أن تذهب لحل مشكلتك عشائريًا، بسبب ضعف الدولة، وهكذا تتغوّل جهات مختلفة عليها. أظن أن موضوع العشائرية يحتاج إلى وقفة خاصة وسأروي لك هذه الحادثة ودلالاتها، خصوصًا وقد تمّ تجاوز مفهوم التضامن والتواصي والرحمة وعمل الخير إلى التدخّل في قضايا الطب والتعليم والقضاء وإصدار الأحكام بفعل الدكة العشائرية والفصل والديّة وغير ذلك من الأمور التي تتغوّل على الدولة.
اتصل بي مرّة الدكتور وليد خدوري وطلب أن نلتقي وبعد اللقاء قدّم لي اطروحته وأراد أن اطلع عليها وأن أكتب لها مقدّمة وكنت أتصوّر أن الأطروحة عن النفط باعتباره أهم خبير نفطي، لكنني اكتشفت أن اطروحته التي قدّمها العام 1970 كانت عن العشائر ومضى عليها 50 عامًا. وكان المشرف على هذه الاطروحة ( مجيد خدوري) وكنت أعتقد أن مجيد هو من اقربائه على اعتبار أن اللقب واحد ونفس الدين كمسيحيين، لكنه ظهر أنه ليس كذلك، وبعد الاطلاع عليها اكتشفت أنها دراسة مهمة عن الدور السيا اجتماعي للعشائر وفيها أرقام واحصائيات وتتضمن معلومات عن الدولة العراقية من الزمن العثماني ودور العشائر بالتفصيل وفيها جانب عن العشائر الكردية ونحن ليس لدينا معلومات كافية، فكانت مهمة ثقيلة ولكنها ممتعة، فقمت بعمل مراجعة لها لجعلها راهنة، خصوصًا من خلال مقدّمة طويلة نسبيًا. ولكن تركتها كما هي وتناولت في المقدمة ما لم تذكره في الاطروحة من سنة 1970 إلى الآن وماذا حصل في موضوع العشائرية؟ وجئت على تفاصيل جديدة راهنة.
ورويت الحادثة الشهيرة عن الحوار بين زكي خيري الشخصية الشيوعية التاريخية وبين كامل الجادرجي الشخصية الديمقراطية الكبيرة، الأول يقول للثاني العام 1946 حين تحدث الثورة سنقوم بإلغاء قانون دعاوى العشائر مباشرة، وبالطبع فإن كامل الجادرجي ( ليس مع قانون دعاوى العشائر) وهو يريد أن يلغيه أيضًا لكنه كان يعتقد أن الأمر يحتاج إلى تدرّج لأنه داخل بنسيج المجتمع، وهذا يتطلّب أولا خطوات تراكمية وتطوّر تدرّجي حتى يمهد إلى الغاء القانون. وهكذا كان كلاهما على صواب وكلاهما على خطأ.
فبعد 12 عامًا على هذا الحوار يمكنني القول أن زكي خيري براديكاليته كان على حق لأنه فعلًا تم الغاء القانون بجرة قلم لكنه بنفس الوقت كان على خطأ لأن صدام حسين بعد ثلاثة عقود من الزمان أعاد العشيرة، بل قام بصناعة عشائر أخرى، وكامل الجادرجي على خطأ لأنه اعتقد بصعوبة إلغاء القانون دفعة واحدة، ولكن القانون ألغيَ فعلًا، وكامل الجادرجي كان على صواب أيضًا، لأن العشيرة بقى لها دور وإنْ كان هذا الدور غير معلن ( غير قانوني ) وعندما تحول هذا الدور إلى دور قانوني بالاستعانة من الدولة رجعت العشيرة (بعد غزو الكويت بشكل خاص) ، بل زاد في تغوّلها على الدولة (بعد الاحتلال الأمريكي وضعف الدولة)، وكان دورها قد تعاظم في فترة الحصار الدولي الحصار، ولاحقًا بعد تقنينها إثر الاحتلال وتفشي ظاهرة انتشار السلاح واستشراء الميليشيات.
حين جاء الاحتلال الأمريكي حاول تكريس العشائرية، وذلك باقتفاء أثر السياسة البريطانية، حيث قامت بريطانيا قبل احتلالها للعراق 1914 – 1918 بتشريع قانون دعاوى العشائر (1916) من أجل كسب رؤساء العشائر لها فأعطتهم حق اقامة سجون وحكم أراضيهم حتى تحول الفلاحين في عرفهم إلى جزء من الارض "ممكن بيعه مع الارض"، في إشارة مجازية إلى انتقاله مع صاحبها الجديد وأراد الأمريكان أن يفعلوا ما فعله البريطانيون وقد اخذوا بعض رؤساء العشائر إلى أمريكا من أجل تدريبهم على مفاهيم حقوق الانسان والمجتمع المدني لإنجاز عملية التغيير المزعومة، ومثل هذا الأمر أشبه بعملية كاريكاتورية تقوم بها سلطة عليا إزاء شعب مغلوب.

الرواية والحكاية
اكتشفت مؤخرًا منذ أربع سنوات تقريبًا ولأول مرة وكانت مفاجئة بالنسبة لي احدى الروائيات السوريات اسمها لينا هويّان الحسن لديها رواية من أمتع ما يكون اسمها ( بنات نعش ) وهي تتحدّث عن البادية والبدو وعاداتهم، وبالنسبة لي فإن هذا المجتمع لا أعرفه كثيرًا، فقد كان يأتي البدو إلى النجف ويخيمون في منطقة الجديدة (المناخة) وكنت أراهم بجدائل شعر طويلة وهم يقودون الإبل، ويأتون لشراء حاجاتهم وبيع مقتنياتهم في النجف . وكل معلوماتي عن البدو لا تتعدى ما شاهدته في تلك الفترة واذا بي من خلال هذه الرواية اكتشف عالمًا سحريًا آخر فيه الكثير من القيم والموروثات وفيه دور للنساء، واكتشفت أن في سورية كان هناك قانون للعشائر أيضًا وعرفت ان هذا القانون تم اقراره بوقت متأخر، ربما سنة 1956 واكتشفت أيضًا أن القانون تم إلغاءه بعد إلغاء قانون دعاوى العشائر الخاص بنا (1958) وكانت في وقتها الجمهورية العربية المتحدة (سورية ومصر) وهو ما جئت عليه في مقالة كتبتها عن تلك الرواية المهمة والممتعة.
وهناك شاعرة واعلامية ومقدمة برامج اسمها نوال الحوار أجرت حوارات مع شخصيات عراقية كثيرة مثل السيد بحر العلوم، ‘ جواد الاسدي ‘ رياض النعماني ‘ مصطفى جمال الدين و معي أيضًا ، وهذه المرأة ذات بيئة بدوية وتعرف عن البادية ما لا يعرفه أحد وحافظة أشعار البادية ولهجاتها وعاداتها الاجتماعية وتقاليدها وتواريخها ووالدها "الشيخ عليان" شخصية مؤثرة ومسيّسة ومعروف بكرمه ومروءته، وقد عرفت منها الكثير عن حياة البادية. وقامت مؤخرًا بتأسيس صالون ثقافي اسمه ( صالون 15 الثقافي - نوال الحوار ). القصد من هذه الاستعارة هو أهمية معرفة المجتمع على مستوى البيئة الاجتماعية وطرائق الحياة ومن خلال هذا الفضاء الأدبي والفني ، وبواسطته دخلت إلى عوالم جديدة عن قرب مما جعلني أستعيد الكثير من الأشياء في الذاكرة.

الوردي والجابري
والدكتور علي الوردي تناول البداوة في كتاباته . وتقوم اطروحات الوردي على ثلاثة أركان ضمن منظوماته الاستدلالية ومرتكزاته الأساسية هي، الركن الاول: الصراع بين البداوة والحداثة، حيث أخضع الحكايات الشعبية إلى مختبر وهذا المختبر قابل لكل شيء تحت عنوان البحث المستمر. وثانيًا: ازدواجية الشخصية العراقية ويمكن القول الشخصية العربية والمشرقية بشكل عام. وثالثًا: التنابز الاجتماعي، وهذا يأخذ مداه في مجتمع يؤمن بالمظاهر وكانت هذه الافكار الرئيسية لمدرسة علي الوردي، لكن المفكر محمد عابد الجابري بحثها من زاوية مختلفة وهو صاحب انتاج غزير ولولا خير الدين حسيب لم نكن نعرف هذا الجزء من المغرب العربي، وعلينا أو عليّ شخصيًا الاعتراف بذلك .
وقد شخّص الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي" محددات ثلاث حكمت العقل العربي الماضي وما تزال تحكمه وهي القبيلة والغنيمة والعقيدة. والتجديد يتمثّل في تحويل القبيلة إلى مجتمع منظم مدنيّاً واجتماعيًّا وسياسيًّا، وتحويل الغنيمة إلى اقتصاد منتج وضرائب وغير ذلك، وتحويل العقيدة إلى رأي أو فكر قابل للتعامل معه بعقل اجتهادي ونقدي. وقد قصد الجابري بالعقيدة (الأيديولوجيا ) بمعنى التعصّب والزعم بامتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات. وهي والغنيمة والقبيلة تمثّل انتماءات ضيّقة عصبويّة، خصوصًا حين نخضعها لمفاهيم الدولة الحديثة العصريّة.
لعلّ واحدة من مهمات السياسي أن يعرف مفاصل الحياة السياسية ودروبها الوعرة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والعشائرية والقانونية والتربوية وغيرها. ولا بدّ للحاكم والمسؤول أن يمتلك رؤية واستراتيجيًا وتلك مواصفات القائد، مثلما يكون بارعًا في التكتيك، في التقدّم والتراجع، وأن يكون صاحب قرار وحسم لا يتردّد أصاب أم أخطأ، وعليه أن يعرف ماذا يريد، ثم يواجه التحديات والمشكلات بأريحية وروح سمحة دون انحيازات مسبقة، لاعتبارات طائفية أو إثنية أو حزبوية ضيّقة، وإذا كان غير قادر على ذلك فيفترض أن يتنصّل ويتنحّى عن التصدي لأي دور سياسي، لا أن يبقى متشّبثًا بمواقعه لا يبارحها على الرغم من الأخطاء والخطايا التي ارتبطت بفترة إدارته، والأمر ينطبق على مسؤولي الأحزاب الذين تعتّقوا في مواقعهم وظلّوا يتصرّفون بأحزابهم مثل إقطاعيات أو ملكيات شخصية، ويمكنك أن تلاحظ أن غالبية الأحزاب العراقية أصبحت وراثية، حيث تنتقل القيادة من الآباء والأجداد إلى الأبناء، ولا ضير في ذلك إلّا أن المفارقة حين يتحدّث الجميع عن التداول السلمي للسلطة والديمقراطية والتجديد وينتقدون الآخر.

طريقا التغيير
كيف يمكن الوصول لطريق التغيير ؟
طريقان يمكن من خلالهما إنجاز عملية التغيير، الأولى – هي الطريقة الثورية، وقد قمنا سابقًا بتجميلها بإطلاق صفة "الشرعية" عليها، لتصبح "الشرعيّة الثورية" بديلًا عن "الشرعية الدستوريّة"، وكان مجرّد إذاعة البيان الأول من الإذاعة وتحرّك قطعات عسكرية يمكن أن تنجز عملية التغيير الثورية لتتبعها إجراءات اقتصادية واجتماعية وثقافية تسمّى "الثورة"، وهي ثورة مفروضة من فوق، كما يمكن أن تكون هذه "الثورة" من تحت، أي أن تكون عبر الشارع لفرض إرادة التغيير عبر الجمهور في حالة عدم الإستجابة من جانب الحكّام، مثلًا كان يمكن لحركة تشرين أن تصرّ على مطالب أساسية للتغيير منها: إقالة الحكومة، وتعليق العمل بالدستور لحين يتم إلغاؤه أو استبداله أو تعديله وحل البرلمان وتشكيل حكومة مؤقتة انتقالية لسنتين بإعلان دستوري مؤقت مثلًا وفتح حوارات مع الأطراف السياسية المختلفة، ومن هنا كان يمكن للقوات المسلّحة أن تنحاز إليها واعتقد أن التيار الصدري وزعيمه السيّد مقتدى الصدر كان ينوي بهذا الصدد القيام بهذه المهمات، لكن التأجيل والتردّد وعدم الحسم جعل المسألة أكثر تعقيدًا.
ظلّت المسألة بلا حسم وعدنا إلى المربّع الأول، كما حصل في حركة تشرين أيضًا، أي المراوحة والدوران في الدائرة نفسها، أي إعادة اللعبة مجدّدًا عن طريق إجراء الانتخابات، ومن المرّجح أن تكون النتائج مشابهة لما هو قائم، وهكذا تستمرّ الأزمة، بل تتفاقم وهي تنذر بأوخم العواقب، خصوصًا في حالة التذرّر داخل الانقسامات الحاصلة التي قد تؤدي إلى احتراب داخلي والاحتراب ممكن أن ينتصر فيه هذا الطرف أو ذاك، وانتصار أحدهما سوف يؤدي إلى تغيير أدوات اللعبة السائدة، خصوصًا إذا حاول إقصاء الآخر.
للأسف ليس لدينا معارضة دستورية تُذكر. الكل يريد أن يشارك في الحكومة والكلّ يتذمّر من سياسات الحكومة ويُعفي نفسه منها. وإذا كان الشعب بأغلبيته معارضًا بدليل مقاطعة الانتخابات التي وصلت في المرتين الأخيرتين إلى نحو ثلاث أرباع من يحق لهم الاقتراع، فإنه لا يوجد ممثّلين عن هؤلاء، وهو ما أدعو لكي يكون لهم مثل هذا التمثيل عبر لقاء أو مؤتمر عام.
أما الطريقة الثانية، فهي الانتقال السلمي وذلك عبر صندوق الاقتراع وكنت قد أسميت أحد كتبي المتعلّقة بالانتخابات ﺑ "الثورة في صندوق الاقتراع"، ولكن هذه تحتاج إلى مستلزمات دستورية وقانونية وسياسية لنجاحها، فضلًا عن حدّ أدنى من الوعي، وفي ظروفنا وفي ظل الانتخابات الخمسة وأقصد بها العام 2005 و 2010 و 2014 و 2018 و 2021، كانت عملية التغيير فيها تدور في حلقة مفرغة لعدم توفّر الحدّ الأدنى من المستلزمات الضرورية.
ماذا عن الدستور؟
العيب الرئيسي موجود في الدستور. الدستور أس المشكلة وهو المشكلة والإشكالية، وخصوصًا حين تأكيده على مبدأ المكوّنات التي ينصّ عليها في الديباجة (مرّتان) وفي المواد 9 و 12 و 49 و 125 و 142، وإذا تتحدث عن الجيش ثمة اشارة إلى المكونات وإذا تتحدث عن الشرطة والامن الداخلي هناك إشارة إلى التوازن، وهكذا تأسس النظام الذي انبثق عن الدستور على التقاسم الإثني - الطائفي، ومثل هذا النظام يقوم على الزبائنية السياسية والمغانم وحتى لو كان لأي شخص شأن وطني وعلمي وتاريخي، ولكن ذلك غير كافٍ فلابدّ أن ينضوي تحت لواء طائفي أو إثني حتى تكتمل كيانيتك في إطار "الجماعة". ومثل هذا الامر يتعارض مع مبادئ المواطنة المتساوية التي جاء عليها الدستور.
أصبح لدينا تقسيم مفروض على المجتمع وبالدستور إلى حد ما يقوم على السنية السياسية مقابل الشيعية السياسية والكردية السياسية . وكما هو معلوم فثمة فوارق وعدم تطابق، بل اختلافات عميقة بين الشيعة كطائفة والشيعية السياسية وبين السنّة كطائفة وبين السنيّة السياسية، وبين الكرد كقومية ثانية أساسية في العراق وبين الكردية السياسية "الحزبوية".
لقد كانت هناك مقدمات للحرب العراقية الايرانية، وخصوصًا بعد الثورة الإيرانية 1979، ومنها تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين بحجّة التبعيّة الإيرانية إلى إيران بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 666 والصادر في 7 أيار (مايو) 1980، ناهيك عن الاحتكاكات التي جرت على الحدود والدعوات التي أطلقتها الثورة الإيرانية لإقامة أنظمة إسلامية في المنطقة . لذلك علينا ان نتوقف بدقة عند بعض المفاصل، وهذه المفاصل تشبه العتلات الرافعة لعملية التغيير.
هل يمكن تغيير الدستور؟ اذا كان الأمر ممكنًا فبأي اسلوب يتم تغيير الدستور؟
ثمة مواد في الدستور تحول دون تغييره وهو ما يعتبر مواد جامدة، إضافة إلى أن عملية التغيير قد تطال بعض الجهات المستفيدة من وجود الدستور بهذه المواصفات بما يوفّر لها امكانات للحصول على ما تريد من الامتيازات والمكاسب، فلو تغيّر الدستور سوف تفتقدها أو تخسرها، لذلك فإنها ستقف ضدّ عملية إعادة النظر بالدستور. وقد تمّ تشكيل لجنة وحدّد موعدًا أمده أربعة أشهر لإنجاز التغييرات منذ العام 2006 وإلى اليوم، فإنه لم يتغيّر أي شيء وبقى الحال على ما هو عليه مع وجود الألغام العديدة فيه.
وإذا استبعدت طريقة تغيير الدستور بالقوة من خلال حشود جماهيرية قادها السيد مقتدى الصدر وكان ممكن لحركة تشرين أن تقوم بذلك، لكن عدم توفر قيادة سياسية لها تجربة كافية حال دون ذلك على الرغم من التضحيات النبيلة والبطولة الفائقة.
وتبقى المطالب المرفوعة عن محاكمة فلان وعلان غير مجدية، لأنه لا يمكن للنظام من محاكمة نفسه. وعليه لا بدّ أولًا من تغيير الدستور والانتقال إلى وضع جديد من خلال حكم انتقالي، يطبق مبادئ العدالة الانتقالية. وكان هذا ممكنًا لو نجحت حركة تشرين بفرض أهدافها.
من وضع الالغام في الدستور؟
الذي وضع الدستور بمسودته الأولى نوح فيلدمان الأمريكي المتعاطف مع "إسرائيل" وهو شاب لم يتجاوز عمره أكثر من 33 عامًا حينها، وقدّمه الأمريكان للمعارضة الرسمية باعتباره "خبيرًا" و ضليعًا بصياغة الدساتير، وكانت النسخ الأولى باللغة الإنكليزية التي تمّ ترجمتها إلى اللغة العربية، وهو ما تمّ تداوله قبل احتلال العراق وبُعيده، وقام بيتر غالبرايت بوضع الألغام منها موضوع الثلاث محافظات وموضوع حق كل اقليم أن يكون له امتدادًا في الممثليات والسفارات العراقية خارج البلد لمتابعة الشؤون الانمائية والاجتماعية والثقافية وليس ذلك سوى دويلة داخل الدولة، كما ترك موضوع الغاز والنفط معلقًا.
صحيح أن المادة 110 من الدستور اعتبرتهما ملك الشعب، أما المادة 111 فقد قرّرت التنسيق والتعاون بين الإقليم والدولة الاتحادية بخصوص المناطق غير المكتشفة، وبما أن قانون النفط والغاز معلقًا ولم يصدر منذ العام 2008 وأن المجلس الاتحادي لم يتأسس فقد بقت المسألة عائمة، وهكذا حدثت تجاوزات وأخذ ورد وشد وجذب، قسم منها يعود إلى واقع الحال وقسم منها إلى محاولة الاستقواء، خصوصًا بسبب عملية المقايضة، الرواتب مقابل واردات النفط، والأمر يعود إلى الدستور أيضًا، علما بأن هناك صلاحيات للإقليم لا توجد في أي تجربة فيدرالية بالعالم ودائمًا التجارب الفيدرالية بالعالم، يكون الجيش والقوات المسلحة وكل ما يتعلق بقوى الأمن وغيرها والعلاقات الدولية، تعود إلى الدولة الاتحادية، لكن تجربة الإقليم كانت أسبق من قيام السلطة الجديدة، فبقيت سلطة الإقليم وإدارة البشمركة خارج الترتيبات الإدارية وتدفع لهم الدولة الاتحادية الرواتب بما في ذلك الفضائيين، وهم عشرات الآلاف وهذا باعتراف الاقليم، فضلا عن أصحاب الرواتب المتعددة والخ، والأمر في ظلّ الفساد المستشري يشمل جميع مفاصل الدولة العراقية. وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد اعترف بوجود 50 ألف موظّف قضائي، وهم لا يمثّلون إلّا جزءًا يسيرًا من رواتب تدفع لفئات مختلفة وتحت عناوين مختلفة.
إدارة الأقاليم تتشبّث بالنص الدستوري الذي يقول اذا تعارض دستور الاقليم مع الدستور الاتحادي فالغلبة لدستور الاقليم وليس إلى الدستور الاتحادي، وتعتبر ذلك خصوصية للفدرالية العراقية، في حين أن تجارب نحو أربعين دستورًا فيدراليًا بالعالم ليس فيها شيء من هذا القبيل. وحسب التوصيف القانوني فإن واقع وجود الإقليم هو أقرب من حيث الواقع القائم إلى "كونفدرالية" وهو ما تطالب به الإدارة الكردية حاليًا بعد تجربة الاستفتاء العام 2017.
شخصيًا كنت وما أزال مع حقوق الشعب الكردي ومع حق تقرير المصير بما فيها تكوين كيانية / دولة مستقلّة اذا كانت الرغبة شعبية وسلمية وفي ظروف طبيعية كذلك، واذا كان العيش المشترك مستحيلًا، لكن أن تبقى الدولة معومة بهذه الطريقة وأن يكون الأمر سائبًا ودون ضوابط فهذا أمر غير مقبول ، ولا بدّ من العمل على تصحيح العلاقة العربية - الكردية التي لا بدّ من تأكيد تاريخيتها ومصيرها المشترك خارج الاعتبارات السياسية بفعل المصالح المشتركة والأهداف المشتركة والصداقة والأخوّة بين العرب والكرد. وهذا هو الأساس الباقي بين الشعوب، ويشرّفني أنني كنت أول من نظّم حوارًا عربيًا – كرديًا قبل أكثر من ثلاثة عقود من السنين. ونوقشت فيه ذات المشكلات التي نناقشها اليوم.
والاصلاح يتطلّب حماية استقلال القضاء، والقضاء لحد الآن يحمل شحنات ايجابية وفيه ومضات لامعة وهو منضبط إلى حدود معينة، لكن هناك تأثيرات تتعلق بتعيين القضاة وبما يتعلق باستقلالية القضاة المالية وبكل الاجراءات الاخرى، ولذلك نراه يتردّد أحيانًا فيما يتعلّق بمحاربة الفساد، والمفروض البدء من الرؤوس، والكل يعرف أن هناك مكاتب اقتصادية للأحزاب هدفها استحصال المال من خلال عقود الدولة ويفترض أن نتوقف عند هذه الظاهرة، وهل يستطيع أحد مثلًا أن يسأل أحد الرؤوس الكبيرة عن ارتكابات قانونية، بما فيها تعطيل مسيرة الدولة وإلحاق أضرار بها؟ وماذا لو تم الاعتداء على مواطن في الشارع؟ لمن يذهب هل يذهب للسيد أو يذهب للعشيرة أو يلتجئ للسلاح أو يذهب للقضاء ؟
القضاء اذا لم يستطع إحقاق الحق وإعادة الحقوق فإنه سيتم اللجوء إلى وسائل اخرى، وغالبًا ما تكون وسائل غير قانونية وغير شرعية .
أنا لست مع هذا الدستور القائم، لكن من واجبي كمواطن وكقانوني أن أحترم ما ورد في هذا النص وأناضل من أجل تغييره لأنه يقود إلى تعزيز التقاسم الوظيفي الإثني والطائفي، وقد كتبت كتابين بهذا الخصوص، وكان عنوان الكتاب الثاني الذي صدر في القاهرة "العراق: الدستور والدولة – من الاحتلال إلى الاحتلال".
الكثير من المواد القانونية عائمة، فمثلًا فيما يتعلّق بالأوقاف يعيّن المرجع الأعلى مجالس الأمناء للعتبات المقدسة، بعد ترشيحهم من الوقف الشيعي. من دون التعريف بهذا المرجع ولا القول من هو هذا المرجع الأعلى ومن اختاره وكيف تم تعيينه وكيف اعتمد ومن أين مصادر قوته.
ومما يثير الدهشة أنه تمّ تقسيم وزارة الأوقاف، وهكذا أصبح هناك تنافسًا وحساسية لضم هذا الوقف إلى هذه الطائفة أو إلى تلك أو إلى هذا الدين أو ذاك.
لقد كانت العتبات المقدسة لخمس قرون متوارثة لعدد من العوائل التي تقوم بالخدمة فيها كمرشدين بموجب فرامين من الدولة العثمانية، وهؤلاء كانوا متطوّعين امتهنوا وفقًا لنظام الأوقاف الحق في الخدمة المتوارثة تاريخيًا، ثم جرى تعيينهم في وزارة الأوقاف العام 1973، أما اليوم فقد تم تعيين مجالس أمناء وهذه يتم استبدالها بعد تهم بالفساد.
في كل العالم تخضع ايرادات هذه المراقد لإشراف الدولة ( من أين تأتي وإلى أين تذهب ) وكيف يتم صرفها والحال أن هذه المؤسسة مصونة وغير مسؤولة، بل أصبح لبعضها مرافق أخرى مقاولات واستيرادات وشركات، إضافة إلى مساهمة في الحشد الشعبي، وذلك خارج نطاق اختصاصها .

الدولة القانونية
لذلك لابد من فك هذا الارتباط والدعوة إلى دولة قانونية بمعنى أصح أن القانون يسري على الجميع وهذه الدولة تقوم على مبدئين رئيسيين؛ أولًا مبدأ الشرعية السياسية ومبدأ المشروعية القانونية، والشرعية السياسية تقوم على قاعدتين القاعدة الاولى رضا الناس ( الناس تقبل بك كحاكم ) القاعدة الثانية المنجز الذي تقدمه للناس، اما المشروعية القانونية فتقوم على تطبيق حكم القانون ( الجميع متساوون أمام القانون ) وإذا سارت الشرعية السياسية مع المشروعية القانونية بخط متواز سنصل إلى ما نريد من اصلاح قطاعات التربية والصحة والبيئة والبلديات والبنية التحتية واصلاح المجال الديني أيضًا وبالتالي نكون قد تقدمنا بشكل حقيقي أو على الأقل وضعنا أرجلنا على الطريق الصحيح للتقدم عبر مؤسسات، وهذه المؤسسات تخضع إلى مساءلات بالتطبيق والمساءلات تحتاج إلى تنفيذ من خلال القضاء هذه هي المنظومة التي ممكن تحقق الاصلاح الحقيقي .
الطريق الثاني أن تقتنع القوى السياسية كلها بإمكانية التغيير، والتغيير يبدأ من الدستور والاتفاق على اعادة النظر بالدستور وتغيير الدستور وحتى اذا كانت هناك مواد قانونية جامدة في الدستور لا يمكن تغييره بسهولة، لكن بالاتفاق والتوافق والتراضي وممارسة ضغوط داخلية يمكن أن تتوصل مثلًا إلى أن عدم التغيير يؤدي إلى تفجير الوضع السياسي، حيث ستكون جميع الأطراف خاسرة، حينها يفاضل المتنفذون بين بقاء الدولة العراقية بالمزايا التي حصلوا عليها، أو خسارة كل شيء، لذلك يفضلون التغيير السلمي المتدرّج بدلًا من الانقلاب الثوري وعليه لابد هنا من وجود ادارة سياسية حازمة ومحكمة ومتينة ولديها عقل تفاوضي وليس عدائي، عقل اقناعي، وعقل يلتقي عنده الجميع ولا يستهدف أحدًا.
لذلك لا نميل إلى المبالغة بالدعوة إلى دولة مدنية أو علمانية ما يمكن أن يثير حفيظة القوى الدينية التي ستتعكّز على ما يعاكسها، علمًا بأن هناك دولًا مدنية وعلمانية، لكنها ديكتاتورية واستبدادية، كما هي أنظمة أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي سابقًا، والعديد من الأنظمة القومية السابقة. وإنما نقول وندعو إلى دولة الحق والقانون التي تقوم على العدل دون أن تتعارض مع القيم الدينية وهي قيم إنسانية مشتركة.
ما هي الاحتمالات التي تترتب على الوضع القائم في البلد ؟
كلّما أقرأ الوضع السياسي أرى ثلاث سيناريوهات وفقًا للدراسات المستقبلية الخاصة بالعلوم السياسية:
السيناريو الاول - أن يسوء الوضع أكثر مما هو سيء وممكن أن تحدث اختلالات جديدة، حيث تفترق الشيعية السياسية عن بعضها ويحرق بعضها البعض الاخر، إضافة إلى احترابات كردية - كردية وهي قائمة، واحترابات سنية - سنية وهي مثل النار تحت الرماد واحترابات تركمانية - كردية، خصوصا حول كركوك ومواقع النفط، واحترابات عربية - كردية وبين الحشد والبشمركه، وفي هذه الحال ممكن أن تعلن كردستان انفصالها واستقلالها عن بقية مناطق العراق، وإن كان مثل هذا الاحتمال يعرّضها لمخاطر تدخلات تركية وإيرانية، كما من الممكن أيضًا أن تتجه المناطق الشيعية في الوسط والجنوب من بغداد وحتّى البصرة، وخصوصًا في ظلّ سيطرة القوى الراديكالية القريبة من إيران وتقيم شكلًا من أشكال التنسيق والتعاون مع ايران، أما المناطق السنية قد تبقى عائمة ويصبح نزاع حولها، لكن من المحتمل أن تدخل قوى عربية أخرى فاصلة، خصوصًا إذا دخلت إيران وغيرها على هذا الخط، دون أن ننسى الدور الأمريكي الذي ما يزال حتى الآن غير راغب بهذا السيناريو لأنه يتعارض مع مصالحه في الهيمنة والنفوذ على العراق ككل، على الرغم من رغبة "إسرائيل" في تفتيت العراق وتمزيقه.
السيناريو الثاني - أن يبقى الوضع كما هو عليه لا يتغير لعشر سنوات أخرى، فالأمريكان هم مع بقاء الوضع هكذا معوم، و"اسرائيل" تريد أيضًا أن يبقى الوضع هكذا أي دون تحسّن، وإذا ساء فإنها تفضّل التقسيم، وهنا أود الإشارة إلى دور "اسرائيل" لكل ما يجري في المنطقة . ومن مصلحتها أن يبقى العراق بطاقاته الحيويّة معطلًا وغير فاعل وينتقل من أزمة إلى أخرى، بل يدور هو وبقيّة البلدان العربية في أزمات وتناحرات طائفية وإثنية لا حدود لها.
لكن هذا السيناريو لا يستمر إلى ما لا نهاية واستمرار الامور على هذا النحو يقود إلى قضم الأطراف لبعضها البعض، حيث ستتآكل من الداخل، واستمرار الوضع على هذا النحو من دون حلول يقود إلى الانحلال المجتمعي، والناس لم يعد لديها ثقة وهذا ممكن أن يؤدي إلى التردّي، ولكنه قد يقود إلى التحسّن إذا ما شعرت القوى جميعها بحالة ضعف واحتمال وصول النار إلى دارتها.
الاحتمال الثالث- هو تحسّن الوضع إما عن طريق ثوري، كما جرت الإشارة إليه، ولكن ذلك يحتاج إلى رؤية واستراتيجية وحسم وسرعة وضمان عدم تدخّل الخارج الأمريكي أو الإيراني أو التركي. أو أن يحصل التحسّن عن طريق سلمي، إذا ما شعرت القوى جميعها بالمخاطر التي تهدد وجودها فيمكن أن يمرّ عبر توافق القوى السياسية باصطفافات جديدة وتأخذ بنظر الاعتبار المطالب الشعبية، لاسيّما إذا حدث نوع من إعادة تركيب المعادلة السياسية وتوازن القوى وضغط الحركة الشعبيّة.
لذلك لابدّ من طرح هذه الأمور على مستوى الشارع وأن يلعب المثقفون دورًا في اثارتها من خلال الندوات واللقاءات والمؤتمرات والاعلام وبالطبع عبر حوار مفتوح حول سبل إعادة ترميم الدولة وإصلاح هياكلها السياسية والإدارية.
ولا يستهدف الحوار طرفًا ضدّ آخر وانما اصلاح الوضع ويشمل الأمر الجميع، مسؤولين وغير مسؤولين والنتيجة ان هذا البلد هو بلد الجميع، لذلك لابد من تقديم راي صحيح وهذا يعتمد على حصافة وحذاقة وبعد نظر هذه القوى، وخصوصًا اذا شعرت أن امتيازاتها مهددة بالزوال أو أن تتعرض إلى مساءلات صارمة تتضمن ثأرًا وانتقامًا كما نسمع أحيانا من قبيل "سنعلّق الجميع" على أعواد المشانق أو "أن نأخذهم إلى القضاء" بهذا المعنى إبقاء التناحر قائمًا.
أمّا البحث عن حل فيقتضي البحث عن ممكنات، لأن الآخر ممكن أن يدافع عن نفسه وأتباعه بشكل مستميت والأمر سيقود إلى مزيد من الصراع، وما هو مطلوب هو إصلاح الوضع وتعديل الدستور وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات وإعطاء القضاء دوره ووضع اليد عن السلاح المنفلت، واستعادة مكانة الدولة بالتدرّج، لاسيّما هيبتها وبسط نفوذها على جميع أراضيها.


ثقافة اللّاعنف

من أين يأتي العنف؟ التعصب هو الأساس، عندما يتعصّب الإنسان لفكرته أو يلجأ إلى تطبيقها عن طريق العنف، فإنه سيكون متطرّفًا.
ثقافة العنف تاريخيًا هي السائدة في جميع المجتمعات، لكن ما الذي يحد من العنف؟ القانون هو الذي يحدّ من العنف، لذلك أنا مصرٌّ على وجود دولة قانون ويحكمها القانون، ولن أدخل في سجال بين فكرة الدولة المدنية والدولة الدينية، فكلاهما استفزازيتان. المهم دولة تقوم وتستند إلى حكم القانون والعدالة. العنف ينظمه القانون، والدولة تحتكر السلاح، والسلاح بيد الدولة ولها حق احتكار العنف، وحتى لو مارست الدولة العنف بطريقة خاطئة سنكون ضد هذا العنف ولكن لا نوازي أو ننافس الدولة بعنف مضاد.
والتطرّف هو ابن التعصب ولكن ليس كلّ متعصب بالضرورة هو متطرف ويمكن أن يكون المرء متعصبًا وهذا أمر يخصّه إذا كان مع نفسه، فمثلا يشعر أن الاخر لا ينتمي لما ينتمي له هو، سواء دينيًا أو قوميًا أو سياسيًا أو حزبيًا، لكن التطرّف حين ينتقل إلى الآخر من خلال سلوك وممارسة سيصبح التطرف عنفًا، لأنه ينتقل من موقف سلبي إلى سلوك عملي سلبي يضر بالمجتمع، خصوصًا حين يرفض قيم التعايش والسلام والتسامح، وهكذا يتحوّل إلى عنف، أي سيصبح هذا التعصب تطرفًا وعندما يتحول التطرف إلى سلوك، أي ينتقل إلى الفعل يصبح عنفا والعنف يضرب عشوائيًا، واذا ضرب العنف بشكل عشوائي يتحول إلى ارهاب واذا كان عابرا للحدود ويستهدف إضعاف ثقة الفرد بالمجتمع والمجتمع بالدولة والدولة بالمجتمع الدولي سيكون ارهابا دوليا .
العنف يخضع للقانون الوطني، ومن يقوم بممارسة العنف، سواء بالأسرة أو بالمدرسة أو المجتمع أو بواسطة الدين يخضع للقانون الوطني، أما الارهاب فإنه يخضع في جزء منه للقانون الوطني والجزء الآخر للقانون الدولي، وكل دولة لها قوانينها لمحاربة الارهاب .
اللاّعنف هو كفاح ضد السائد عبر التاريخ، ففي كل انسان نزعات لا عنفية أو نزعات تسامحية أو ما يسمى بالأنسنة لأن الإنسان أخ الإنسان، والصراع يأتي بسبب المصالح . هناك أنواع من العنف منها: العنف الديني والطائفي والعشائري والجهوي، إضافة إلى العنف الفردي، وهذه تتغذّى على ثقافة الكراهية والحقد والثأر بالضدّ من ثقافة اللاّعنف والتسامح.
نحتاج إلى اعادة النظر بمناهج التربية كلها لرفع كل ما له علاقة بالعنف أو التشجع عليه أو إلى التمييز أو عدم المساواة، بما فيها الامور المتعلقة بالتمييز بين المرأة والرجل، وهذه الامور بحاجة إلى اعادة نظر وحوار، فالحوار ضرورة وهو ليس شكلًا من أشكال الترف الفكري، بل هو اضطرار مثلما هو اختيار.
ليجلس العراقيون مع بعضهم من دون مسبقات، سواءً كانوا سياسيين أو غير سياسيين. متديّنين أو غير متدينين، من الألوان والاجناس والأشكال المختلفة دينيًا وقوميًا ولغويًا وسياسيًا وثقافيًا، يجلسون ليتحاوروا، وهذه دعوة للقاء وطني عراقي أو مؤتمر أو مجلس رأي ، سمّيه ما شئت، والمهم أن تكون دون إقصاء أو تهميش، بحيث يكون نصف الحاضرين من السياسيين الحاكمين والنصف الثاني من فئات المجتمع المختلفة، خصوصًا من المثقفين والأكاديميين والأدباء وممكن الإفادة من طاقاتهم اذا اقتنع السياسيون وأصحاب القرار بأهمية الملاقحة بينهم وبين شخصيات أخرى ناقدة أو غير مقتنعة بالعملية السياسية التي وصلت إلى طريق مسدود.
يمكن أن تلتقي 100 شخصية عراقية لمناقشة ورقة بالإصلاح السياسي والقانوني والدستوري والاقتصادي والثقافي وفيما يتعلق بمناهج التربية والتعليم والبيئة والنفط والادارة والبلديات والصحة والبنية التحتية.
على الأقل يجب أن يعترف الجميع بوجود أزمة والرغبة في تشخيص أسبابها وإيجاد حلول لها. وأعتقد أن الحوار بين المشاركين في العملية السياسية سيدور في نفس الطاحونة التي دارت فيها العملية السياسية على مدى عقدين من الزمن، الأمر الذي يحتاج إلى حوار شامل لوضع جميع القضايا على الطاولة . لذلك لا بدّ من توفّر شرط التزام الجميع بمقررات ما يتم الاتفاق عليه بما في ذلك ورقة تتعلق بالجيش والقوات المسلحة .
ونحتاج أيضًا إلى حوار ومناقشة حول المعاهدة العراقية - الامريكية للاطار الاستراتيجي، وهل هي ضرورة مفيدة للعراق وأين قنواتها؟ أم أنها عب ء ما يزال يثقل السيادة العراقية؟ ثم كيف ننظم العلاقة مع ايران أو مع دول الخليج ( مجلس التعاون الخليجي ) والواقع أن لدينا علاقة بشكل منفرد مع دول مجلس التعاون الخليجي، فهل يمكن ان يكون العراق جزء من مجلس التعاون الخليجي أو هل تقبل دول الخليج بذلك؟ وكيف يمكن للمساهمة العراقية أن تكون فاعلة في إطار التعاون العربي عمومًا لإحياء صيغة التضامن العربي؟ وكيف يمكن النظر للعلاقة مع تركيا وامتداداتها وقواعدها العسكرية في العراق؟
كلّ ذلك ينبغي أن يوضع في برنامج الحوار الوطني، وعلى الرغم من شعوري أن فكرة مؤتمر وطني فيها إحراج لبعض القوى السياسية التي ستقول ، لنحتكم إلى الدستور، وإذا كان هذا الأخير معطلًا أو مجمدًا وصيغة التوافق هي الحاكمة، فما بالك إذا كان البرلمان في أزمة فلا بدّ من البحث عن حلول استثنائية لوضع استثنائي، فالشرعية الدستورية معوّمة وغير فاعلة، لذلك لابدّ من التفكير بوسائل أخرى للوصول إلى الشرعية ولاحقًا إلى المشروعيّة في ظلّ وضع قانوني جديد وليس ثمة تعارض في ذلك بفعل الظرف الاستثنائي، من أجل امتصاص الأزمة والمحافظة على ما هو ممكن وخشية من الانهيار والاحتراب الداخلي والحرب الاهلية لا سمح الله، تلك التي تدقّ الأبواب.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جامعة الدول العربية كلمة الافتتاح لمجموعة السلام العربي القا ...
- الدولة وسؤال النهضة
- البيان الختامي الصادر عن المؤتمر التأسيسي لمجموعة السلام الع ...
- نداء القاهرة
- دين العقل ، وفقه الواقع كتاب يضع الظلام تحت الشمس
- حوار مجلة كولان مع المفكّر والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعب ...
- عن مفهوم الدولة وتفريعاتها
- الإسلام الشعبي والإسلام الأيديولوجي
- نجاح العطّار السنديّانة الثقافية السامقة
- هل سيتكرّر النموذج الأفغاني في أوكرانيا؟
- حسين شحادة الركن الثالث - الاجتماع الإسلامي – المسيحي (الحلق ...
- المفكر عبد الحسين شعبان: يدعو الى دين العقل
- خريطة الفكر الإرهابي
- الرابطة العربية للقانون الدولي: إلى الملوك والرؤساء العرب
- الإرهاب واحتكار العدالة
- عبد الحسين شعبان في كتاب -دين العقل و فقه الواقع- مغامرة الت ...
- حسين شحادة الركن الثالث - الاجتماع الإسلامي – المسيحي
- على هامش زيارة المفكر الدكتور -عبد الحسين شعبان إلى أوسلو
- عن فقه التعايش
- الرابطة العربية للقانون الدولي


المزيد.....




- حرب السودان: بعد عام من القتال هل من حل في الأفق؟
- سلمان رشدي: -شعرت وكأن شخصا ما يأتي من الماضي لمهاجمتي-
- ميلوني في زيارة رابعة لتونس لمكافحة الهجرة غير الشرعية
- الأمن الفدرالي الروسي يعتقل شابين خططا للقتال إلى جانب قوات ...
- وزير إسرائيلي يدعو الحكومة لإنقاذ شمال البلاد من الانهيار ال ...
- صربيا ترفض انضمام كوسوفو إلى مجلس أوروبا وتصفه بمسمار في نعش ...
- إصابة 6 جنود إسرائيليين في عرب العرامشة بصاروخ أطلق من لبنان ...
- -مصر للطيران- تعلق رحلاتها إلى دبي
- الوقت الأكثر إرهاقا من اليوم
- ماسك متشوق لعرض صاروخ روسي متعدد الاستخدام منافس لصواريخ Fal ...


المزيد.....

- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عبد الحسين شعبان - لا مرجعية فوق مرجعية الدولة وهناك سلفيون دينيون وسلفيون علمانيون