أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجيب الخنيزي - كلمة في حفل أسرة الأدباء والكتاب في البحرين وفاء واستذكارا للشاعر الكبير الراحل الفقيد علي الدميني















المزيد.....



كلمة في حفل أسرة الأدباء والكتاب في البحرين وفاء واستذكارا للشاعر الكبير الراحل الفقيد علي الدميني


نجيب الخنيزي

الحوار المتمدن-العدد: 7279 - 2022 / 6 / 14 - 20:44
المحور: الادب والفن
    


كلمة نجيب الخنيزي في حفل أسرة الأدباء والكتاب في البحرين وفاء واستذكارا للشاعر الكبير الراحل الفقيد علي الدميني والذي عقد في يوم الأحد 12 يونيو 2022 بمقرها
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
نجيب الخنيزي
الأخوات والأخوة الأعزاء
بداية أود أن أعبر شخصيا و بالنيابة عن أصدقاء ورفاق الفقيد الراحل ، عن جزيل الشكر والإمتنان لأسرة الأدباء والكتاب في مملكة البحرين الشقيقة ، على مبادرتها الجليلة والمقدرة في احياء أمسية إستذكار ووفاء للشخصية الأدبية والوطنية والحقوقية البارزة الفقيد الراحل علي الدميني ، والذي جسد بحق في شتى مرحل حياته وتجلياتها الوطنية والإبداعية الثرية مقولة الإنسان موقف ، متمثلا على الدوام بالقول والفعل دور المثقف النقدي المتجاوز والمتمرد على مداميك التخلف و الجهل وغياب العدالة .
منذ مطلع شبابه في منتصف السبعينيات أنفتح علي الدميني على الحداثة بمعناها الشامل وتبناها سواء على صعيد نتاجه الشعري والأدبي أو في تحولاته ومتبنياته الثقافية والفكرية والسياسية والإنسانية ، ومنافحته عن قيم الخير والعدل والجمال ، والتي عانى وكابد بسببها الكثير ، من اعتقال و سجن ( مرتين ) ومنع من السفر لأكثر من عقدين .
الحداثة بالنسبة للفقيد الراحل ليست عملية جزئية مرتبطة بحقل أوجانب معين ( الشعر أو الأدب مثالا ) بل كمفهوم وممارسة في سيرورة دائمة لا تعرف التوقف بتمظهراتها المتنوعة ، وهي بالضرورة تشكل حزمة واحدة تشمل
الحداثة الاجتماعية : تجاوز المخلفات القوية للنظام الأبوي الذكوري ، و الإنقسات العامودية ، و تبلور الطبقات الاجتماعية الحديثة ، ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة ، وتشكل الإنسان كذات حرة فاعلة
الحداثة السياسية : العمل من أجل بناء مقومات الدولة المدنية ، دولة القانون والمواطنة ، والمشاركة الشعبية .
الحداثة الاقتصادية : تطوير قوى الإنتاج ، والتصنيع الحديث ، والتكنولوجيا ، وتأكيد دور الثورة العلمية والمعرفية والمعلوماتية والاتصالية .
الحداثة الفكرية : إطلاق حرية الفكر و التعبير والنشر ، في حقول الأدب والفنون - الموسيقى ، المسرح ، النقد ، السينما ، و تحديث و تطويرمنظومة التعليم ، و ترسيخ قيم التعددية والعقلانية والتسامح
الفقيد الراحل انطلق من كون الحداثة بالنسبة اليه هي رؤية جديدة ومتجددة للواقع والمجتمع والكون و هي في الوقت نفسه ممارسة تترسخ وتتجذر بعمق في مختلف مجالات وأبعاد الواقع والحياة في حركيتها الجدلية المتغيرة على الدوام .
ضمن هذه الرؤية الحداثية فأن النص الشعري الجديد وفقا للدميني
" معادلاً لممارسة حرية التعبير، وأداة للتغيير، وهاجساً يجمع الشاعر بكل من يكتبه حتى وإن اختلف معه فكرياً. وأيضاً، من خلال الوعي بالخطاب الحداثي الذي يرتكزعلى فاعلية العقل ضد الخرافة، وشك السؤال ضد طمأنينة الإجابة، وكذلك النزعة إلى مغامرة الكتابة الإبداعية على غير سابق مثال " .
طيلة مجرى الحياة الخاصة والعامة للفقيد الراحل علي الدميني ، كان يجسد بحق مثالاً للمثقف العضوي وفقاً لغرامشي حيث العطاء والتضحية والإبداع المتنوع والمتميز والغني فنيا وجماليا وإنسانيا ، كما تميز الفقيد الراحل بتداخل وتنوع إشكال العمل الإبداعي من شعر ونثر وسرد ورواية ونقد ، كما تتكامل شخصيته الوطنية والثقافيه وانتماءته التقدمية ، بنضاله الإصلاحي والحقوقي ، والتزامه بقضايا الوطن و الحرية والإنسان ، وارتباط ذلك بالبعدين القومي والإنساني ، وخصوصا موقفه المبدئي إزاء حقوق الشعب الفلسطيني والإحتلال الإسرائيلي و موقفه المناهض للصهيونية العنصرية ، وتجسد ذلك من خلال قصائده الشعرية ، أو في مشاركته الوقفات التضامنية الشعبية في السعودية مع الحقوق الفلسطينية ، أو في حضوره الاجتماعات الخليجية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني والتي عقدت في الكويت والبحرين والتي شاركت ومعي ثلة من الأصدقاء في فعالياتها .
هنا يستحضرني الوصف الدقيق من قبل محمد العلي لشخصية الفقيد الراحل حين وصفها بالفرد – الحشود كنايه عن تعدد الأبعاد في تلك الشخصية و تعدد المجالات والحقول التي ارتادها منذ بواكير نشاطه الوطني والثقافي والأدبي في مطلع شبابه والمراحل التالية.
هذه المواقف الشجاعة والنبيلة للفقيد الراحل تتفق مع ما طرحه إدوارد سعيد في كتابه"صور المثقف" حيث أكد " على وجوب بقاء المثقف أمينا لمعايير الحق الخاصة بالبؤس الإنساني والاضطهاد، رغم انتسابه الحزبي، وخلفيته القومية، وولاءاته الفطرية ولا شيء يشوه الأداء العلني للمثقف أكثر من تغيير الآراء تبعا للظروف، والتزام الصمت الحذر، والتبجح الوطني، والردة المتأخرة التي تصور نفسها بأسلوب مسرحي " .
المثقف من وجهة نظر إدوارد سعيد وهو ما ينطبق على الفقيد الراحل " هو الشخص الملتزم والواعي اجتماعيًا بحيث يكون بمقدوره رؤية المجتمع والوقوف على مشاكله وخصائصه وملامحه وما يتبع ذلك من دور اجتماعي فاعل من المفروض أن يقوم بتصحيح مسارات مجتمعية خاطئة ". ومشددا على الدور النقدي المستقل للمثقف إزاء السلطة .. أي سلطة
يعد علي الدميني بحق أحد أبرز رموز حركة الحداثة والتجديد الشعري في السعودية منذ بداية الثمانيات من القرن المنصرم إلى جانب أخرين ، كما نشير هنا إلى دور الشاعر الكبير محمد العلي ( أمد الله في عمره )
الذ ي يعتبره الدميني بمثابة المعلم والأب الروحي له على الصعيدين الشعري و الشخصي ، وضمن هذا السياق أصدر الفقيد الراحل كتابه المعنون " أمام مرآة محمد العلي "
وفي الواقع كانت تجربة محمد العلي مع الحداثة تعود إلى مرحلة الستينات أو ما قبلها وذلك أثناء تواجده للدراسة في العراق ، وكان دوره حاضرا وقويا في رسم خارطة طريق المشهد الشعري الحديث وخصوصا لدى جيل الشباب من الشعراء في السعودية ، وهذا لا يلغي وجود ارهاصات سابقة للحداثة ومن بينها الحداثة الشعرية ونشبر هنا إلى كتابات حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد وعبد الرحمن المنصور وغيرهم.
هناك قامات وأسماء بارزة طبعت المشهد الشعري والأدبي ( الحداثي ) عموما بميسمها منذ مطلع الثمانينات إلى جانب الراحل علي الدميني ، أذكر من من بينهم عبد الله الصيخان وسعد الحميدين ومحمد الثبيتي ومحمد علوان وجبير المليحان وعبد العزيز مشري وغيرهم .
الجدير بالذكر هنا هو ارتباط العديد من الشعراء والأدباء والكتاب البارزين في السعودية ومنذ الستينات و في مراحل لاحقة بالتوجهات اليسارية بشكل مباشر أو الأفكار التقدمية بوجه عام ، وقد كان حضور وتأثيرعلي الدميني والعديد من مجايليه قويا وملهما على هذا الصعيد.
لم تكن مسيرة الحداثة في السعودية سهلة أو هينة حيث أصطدمت منذ البداية بحصار وهجوم شرس قادته القوى المحافظة والمتشددة وقبل كل شيء جماعات الإسلام السياسي أو ماكان يطلق عليها آنذاك " جماعة الصحوة " وكان رأس حربتها موجه ضد رموز الحداثة بوجه عام والحداثة الشعرية بشكل خاص ، نذكر من بينهم محمد العلي وعلي الدميني ومحمد الثبيتي وعبد الله الصيخان وغازي القصيبي وتركي الحمد ومحمد جبر الحربي وغيرهم
وحقيقة الموقف العدائي من الحداثة بمختلف تجلياتها لا يعبر عن الجمود (الدوغما) الفكري والأيديولوجي فقط لتلك الجماعات التي ترى نفسها تمثل الفرقة الناجية والآخرون على ضلال، بل يصبّ في خدمة مشروعها المعلن ( تطويع واختطاف المجتمع ) والخفي (اختطاف الدولة).
الواقع ومجرى الحياة والتجربة العيانية بينت بأن الهجوم الشرس للإسلام الحركي ضد الحداثة ، لم يكن في حقيقته دفاعًا عن صحيح الدين ومرتكزاته الثابتة (المقدس)، بل يستهدف ويصب في إتجاه الهيمنة والسيطرة السياسية والأيديولوجية والاجتماعية (المدنس).
كتاب " الحداثة في ميزان الإسلام " الذي صدر في عام 1988 (في عز سطوة الإسلام الحركي ) لمؤلفه عوض القرني، الذي يعد أحد كبار" دعاة الصحوة" آنذاك، هو مثال فاقع على التخندق العقائدي والتكلس والجمود الفكري، الذي يندرج ضمن الأجندة السياسية والاجتماعية والفكرية الخفية لتيار الإسلام السياسي المتصدر للمشهد العام في بلادنا على مدى عقود؛ إذ يرفض ويشوه، بل يسعى لتبخيس وإقصاء الآخر والرؤى المغايرة، وصولًا إلى التكفير والتفسيق بحق ما اعتبره بدعة الحداثة ورموزها في داخل المملكة وعلى الصعيدين العربي والغربي.
في حقيقة الأمر لم يتضمن كتاب الحداثة مناقشة عميقة لمفهوم الحداثة بشكل عام والحداثة (الغربية) المعاصرة بشكل خاص؛ إذ كان التركيز على " نقد" الحداثة الأدبية ، وبالتحديد الحداثة الشعرية، من خلال الشتم والقذع والإلغاء والعبارات الهابطة بل ووصل الأمر إلى التهديد الجسدي ، في ظل غياب امتلاك العدة النقدية العلمية اللازمة.
وقد جاء في الكتاب المذكور " ولا شك أن الحداثيين العرب حاولوا بشتى الطرق والوسائل، أن يجدوا لحداثتهم جذورًا في التاريخ الإسلامي، فما أسعفهم إلا من كان على شاكلتهم، من كل ملحد أو فاسق أو ماجن مثل: الحلاج، وابن عربي، وبشار، وأبي نواس، وابن الراوندي، والمعري، والقرامطة، وثورة الزنج… وبذلك فهم مجرد نقلة لفكر أعمدة الغرب مثل: إليوت وباوند وريلكه ولوركا ونيرودا، وبارت وماركيز، وغيرهم إلى آخر القائمة الخبيثة التي اضطرنا حداثيونا إلى قراءة سير أهلها الفاسدة، وإنتاجها الذي حوى حثالة ما وصل إليه فكر البشر "
بطبيعة الحال فأن القرني مؤلف ( كتاب الحداثة ) أو بتعبير محمد العلي الساخر " المؤلفون " كناية عن " جماعة الصحوة " أخذ يتنصل أو يعتذر عما جاء فيه وذلك تزامنا مع بداية مرحلة أفول هيمنة الصحوة .
السؤال المركزي هنا: لماذا لم تستطع المجتمعات العربية تمثل حداثتها وإنتاجها، وظلت أسيرة التخلف والإعاقة الحضارية، ليس قياسًا بالمراكز المتقدمة، وإنما مقارنة بتجارب وأوضاع مجتمعات كانت تُعَدُّ حتى أمد قريب من البلدان المتخلفة؟
يعزو البعض سببَ ذلك إلى عوامل خارجية ( دور الأستعمار ونظرية المؤامرة) فيما يعزو آخرون السبب إلى عوامل داخلية تتمثل في البنى الفكرية والنفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة التي تتسم بالتخلف والإستبداد والانقسام والانفصام وهيمنة الفكر الأسطوري التأملي ورسوخ العادات والتقاليد وقيم القبيلة والعشيرة والطائفة، وشيوع اقتصاديات ريعية ونشاطات طفيلية وهامشية غير منتجة، وذلك في ظل غياب أوضعف الحامل الاجتماعي الحديث ، وهذا التخلف لا يتخذ مظهرًا اقتصاديًّا أو تنمويًّا في المقام الأول بل إنه يقبع في أعماق بنية المجتمع الأبوي أو الأبوي المستحدث ويشمل المجتمع والفرد معًا، ويتميز هذا التخلف بخاصيتين متميزتين هما: غياب العقلانية في الرؤية والممارسة، والشلل وعدم القدرة على الفعل وتحقيق الأهداف المستقبلية الموضوعية
ادرك الفقيد الراحل علي الدميني ومنذ مطلع شبابه و حتى رحيله ( في 25 إبريل 2022 ) أنه في موازاة ذلك تكمن الحاجة المُلحّة والأزلية، في التمرد والكفاح من أجل الخلاص والتحرر، بما في ذلك تجاوز المفاهيم والتصورات والممارسات البالية، وتصويب وتجاوز المقولات المزيفة للوعي والواقع، في سيرورة دائمة نحو فهم واستيعاب شروط وقوانين الحياة والوجود (وما يعتريهما من تشوهات) وآليات التغيير للانتقال من ملكوت الضرورة إلى فضاء الحرية.
بالرغم من الإلتزام التنظيمي و الفكري والسياسي المعروف للفقيد الراحل ، غير ان شخصيته اتسمت على الدوام بميزة الإنفتاح والإريحية والتفاعل الإيجابي إزاء الأخر المختلف سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو الأدبي ، فنراه يحتفي بقصيدة النثر ورموزها المهمة ، د. فوزية بوخالد وشقيقه محمد الدميني وأحمد الملا وابراهيم الحسين وأشجان هندي وهاشم الجحدلي وغسان الخنيزي وغيرهم على الصعيد المحلي وأدونيس وأنسي الحاج والماغوط على الصعيد العربي وغيرهم مع أنه فارس قصيدة التفعيلة ، كما ارتبط بعلاقة ووشائج قوية مع شعراء القصيدة العامودية كجاسم الصحيح وسيد عدنان العوامي وغيرهما ، وفي الواقع أنتج علي الدميني العديد من القصائد العامودية كما دخل في تجربة قصيدة النثر ، ومن جهة أحرى احتفى الفقيد الراحل ببعض كتاب البنيوية و ما بعد الحداثة ( عبد الله الغدامي ) مع أنه أحد ابرز رموز الحداثة في بلادنا ، كما ربطته علاقة وثيقة وتعاون واحترام متبادل مع شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي ( بشقيه السني والشيعي) وأشدد هنا على ذكرشخصيات ، لأن موقفه المعارض للإسلام السياسي الحركي ولمشاريعه التفتيتية والطائفية والإقصائية كان حاسما وواضحا .
منطلق علي الدميني في كل ذلك ، أن الوجود والواقع المتجدد دومًا، بأسئلته، وعلامات استفهامه، وإبهامه، وغموضه، لا يمكن أن نختزله ونقولبه، وفق تصورات تجريدية وتنظيرية، أو رؤية عقائدية إرادوية مسبقة جامدة ونهائية.
لا جدال هنا في كون الجمود (الدوغما) بهذا المعنى، يخترق المنظومات والمناهج الفكرية كافة ، بما فيها المناهج الحديثة حين تتحول إلى أيقونات أو أبقار مقدسة نجد تعبيراتها في مقولات الحتمية التاريخية .
.
إلى جانب النتاج الشعري والأدبي والسردي الغزير للفقيد الراحل كانت له العديد من المبادرات المهة التي تركت بصماتها في المشهد الثقافي والأدبي في السعودية نذكر منها
إشرافه في النصف الثاني من السبعينات على إصدار الملحق الثقافي والأدبي الأسبوعي تحت مسمى " المربد " الصادر عن جريدة اليوم والتي كانت خطوة جريئة ومتقدمة في نشر قيم التقدم ومفاهيم الحداثة من خلال الكتابات و النصوص الشعرية والثقافية والنقدية وغيرها من المجالات .
في بادرة حب ووفاء لصديقه ورفيق دربه وابن قريته عبد العزيز مشري أشرف بشكل مباشر على جمع وإصدار أعماله ( عدة مجلدات ) الكاملة والتي تضمنت نتاجه الروائي والقصصي والسردي ، كما أسهم شخصيا في التكلفة المالية للطباعة .
في عام 1993 أشرف على إصدار مجلة " النص الجديد " والتي كانت تحوي العديد من النصوص الشعرية والأدبية الثرية ، إلى جانب الدراسات النقدية والفكرية الجادة ، وفي الواقع كان علي الدميني هو المشرف العام على كل التفاصيل المتعلقة بالمجلة بدء من أقتراح المحاور الرئيسية للمجلة ، ومتابعة جمع موادها و اخراجها وطباعتها ، إلى جانب تحمل النفقات المالية لإصدارها .
أطلق الفقيد الراحل موقع " الحوار والإبداع " الالكتروني في عام 2005 وأشرف على تحديد و تجميع مواده والتي شملت النتاجات الأدبية ، والمقالات والدرسات حول القضايا الثقافية والسياسية والفكرية ، كما أصدر الموقع المجلة الفصلية الاكترونية " غصون " وقد صدرمنهاعدة أعداد ، وفي عام 2014 اعلن الفقيد الراحل عن توقف الموقع نتيجة مصاعب ومعوقات مختلفة .
كان منزله بمثابة منتدى ثقافي وفكري وأدبي موازي ، كما كان حريصا على استضافة العديد من ضيوف النادي الأدبي أو جمعية الثقافة والفنون في المنطقة الشرقية القادمين من مناطق أخرى والتي يحضرها لفيف من مثقفى المنطقة ، حيث تجري الحوارات والنقاشات الودية والساخنة بأريحية تفتقدها المنتديات الرسمية .
أشرف الفقيد الراحل وزوجته ورفيقة دربه الأستاذة فوزية العيوني على تشكيل نادي للشباب ( من الجنسسين ) يعمل إلى جانب الترفيه على اكتشاف وصقل مواهبهم في المجالات المختلفة ومن بينها القراءات الأدبية والثقافية و الموسيقى والغناء والمسرح ، كما جرى تنظيم واستضافة بعض الفعاليات الثقافية في منزلهما
تحلى الفقيد الراحل بصفات شخصية واخلاقية رفيعة ونبيلة قل أن نشهدها والتي من أبرزها الحميمية والصدق والوفاء مع أصدقائه ، وعلاقة الود الأحترام والتقدير حتى مع من يختلف معه ، وعلى الرغم من الإساءات والتطاولات التي تعرض لها من بعض الأصدقاء المقربين أومن معارفه ، غير انه لم يرد على أحد بتجريح أوسوء ، ومع إبداء امتعاضه لهذا السلوك الخشن والجارح كان يبحث عن فضيلة ما أو صفة إيجابية لدى المسيء لشخصه .
أتسم الفقيد الراحل في مجمل حياته وممارساته ومرئياته بمواقفه الوطنية الصلبة ، المتجاوزة لمختلف التشطيرات والانقسامات الفرعية ( القبلية والمناطقية والمذهبية ) القاتلة،وكان يعبر بوضوح عن إزدرائه لكل فعل أوقول يحمل طابع فوقي أو عنصري.
هذه الصفات الشخصية والمواقف الوطنية جعلته محط احترام وحب وتقدير الكثير حتى ممن لا يعرفه ، ويكفي أن نقول أنه طيلة فترة مرضه و مكوثه في الرياض والتي أمتدت لعدة أشهر ، طاب له و لزوجته الإستاذة فوزية العيوني المكوث في فلة سكنية قدمها لهما المهندس قطيف الجشي وزوجته الدكتورة بيان عبد الباقي ، وذلك على الرغم من وجود خيارات أخرى والجديربالذكر بأن الدكتورة بيان هي بنت السيدة الفاضلة والناشطة الأستاذة نجيبة السادة والصديق عبدالله عبد الباقي ، أما قطيف فهو نجل الشخصية الوطنية البارزة والشاعر الكبير الراحل عبدالله الجشي ، الذي سمى ولده الوحيد قطيف نسبة إلى مدينته القطيف ، وسمى أبنته الوحيدة يمامة نسبة إلى نجد ، وذلك تعبيرا عن تعلقه وتمسكه الشديد بالوحدة الوطنية
حقيقة الأمرأن التجليات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية "الحديثة " التي تمظهرت على الصعيد العربي و وخصوصا النخب الحاكمة التي واجهت الفشل الذريع على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والتنموية والاجتماعية والثقافية والحقوقية ، و الذي يعود إلى أوجه القصور والخلل البنيوي العميق الذي بعتريها ، مما أدى إلى وصول النظام العربي إلى طريق مسدود ، ومرحلة الأزمة العميقة ، والتي من نتائجها الخطيرة ، أعادة أحياء وتنشيط الإنقسامات والتشطيرات والصراعات ( القبلية والمذهبية والمناطقية والعرقية ) الفئوية وما يصاحب ذلك كله (من الأطراف كافة) من هيجان وتسعير للعواطف، واحتقان في النفوس، وتعصب وتمترس عقائدي، وتسطيح في العقول، وصولًا إلى حد الاحتراب، والتدمير، والقتل المتبادل على الهوية، التي أخذت تطفح على السطح، وتهدد الأوطان والمجتمعات (والمكتسبات القليلة) بالتفكك والاندثار ، وتقسيم المقسم وتجزئة المجزء ، وعلى النحو الذي نراه في العراق، وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين والسودان والصومال وفي غيرها من دنيا العرب والمسلمين ، وهو ما ينذر بخروج العرب من التاريخ .
فالأزمة مستعصية ومركبة وممتدة وتشمل الواقع العربي والبديل في الآن معا ، وهو ما أكدته تجارب الشعوب العربية في ما سمي ثورات الربيع العربي ، حيث جرى أختطافها من قبل جماعات الإسلام الحركي وتوجهاتها نحو المغالبة والهيمنة والإقصاء للأخر . وقد أكدت التجارب المرة بأن صعود جماعات الإسلام االحركي وتصدرها للمشهد العام ، هو النتاج الرديء للأزمة المستعصية في الواقع العربي ، وأحد تمظهراتها الفاقعة .
هذه التساؤلات الوجودية والمصيرية تظل مؤرقة وحاضرة ولا يمكن بل لا نمتلك ترف تجاهلها والتعامي عنها أو القفز عليها.
و هنا يتعين فهم الدورالريادي للفقيدالراحل ولمختلف الفعاليات الوطنية والثقافية ، التي تعبر إلى حد كبير عن التنوع والثراء التاريخي والحضاري والثقافي الذي تزخر به بلادنا والمنطقة العربية بوجه عام وهو ما يتطلب احترام الآخر المختلف ، وتقبل تعدد قراءات الواقع بوصفه ضرورة الحاضر. نحن في أمس الحاجة لتجاوز الانقسامات الفرعية ( الطائفية والقبلية والمناطقية ) القاتلة التي أخذت تتصدر المشهد العام في المنطقة العربية والإسلامية ، وهو ما يتطلب التأكيد على الروابط والمصالح والأهداف الوطنية والقومية المشتركة.
أول مرة التقيت فيها بالصديق والرفيق الغالي علي الدميني كان في عام 1980، وذلك في دولة الكويت وكان في طريقه إلى جنيف ( سويسرا ) لحضور مؤتمر لمجلس السلم العالمي ( مقره الدائم في هلسنكي عاصمة فنلندا ) بأعتباره يمثل " لجنة أنصار السلام في السعودية " التي كانت تعمل بشكل غير علني ، كما تجمعها صلات قوية ومباشرة مع تنظيم يساري سري في السعودية ، والذي انتسب اليه الفقيد الراحل في نهاية سبعينات القرن المنصرم ، وهو ما أشار اليه في سرديته " زمن السجن .. أزمنة الحرية " ، ومنذ ذلك الوقت وحتى رحيله ، استمرت وتوطدت علاقاتنا ( انا ومجموعة من الأصدقاء ) الحميمة على الصعيدين الشخصي والوطني ، حيث جمعتنا مشتركات فكرية وثقافية وهموم وطنية، وأوقاتا وذكريات وتطلعات جميلة، كما تشاركنا الظروف المحبطة والحزينة ( حيث عشت معه شخصيا تجربة الإعتقال والمنع من السفر لمرتين ) وكنا نتطلع أن تكون من الماضي.
ظلت رفقتنا وعلاقاتنا الشخصية المشتركة قوية ووطيدة و صامدة وكذلك على صعيد مجموعة الأصدقاء ممن جمعتهم رفقة وتاريخ وقيم وتضحيات مشتركة ، وكان هناك تقبل وأريحية من الجميع لوجود اختلافات وتباينات فيما بينها وهذا شيء طبيعى بل ومطلوب إزاء تقييم وتحليل التجارب و المواقف والقضايا في عالم وواقع متغير ومعقد ويتسم بالسيولة في المجالات المحتلفة مما يتطلب رؤية ومقاربة جديدة ، إذ لا يمكن ان تنزل في ذات النهر مرتين .
والمفارقة المدهشة ان بعض تلك القضايا مثار الخلاف كان الفقيد الراحل حريصا على ان تظل في نطاق الأصدقاء ، و كنت أحيانا أقول له مازحا لقد أصبحت ليبراليا ياعلي ، فيرد لا ضرر في ذلك ، لكني ولن أكون من الليبراليين الجدد الذين خانوا كل ما هو إيجابي في مباديء و تراث الليبرالية الكلاسيكية والتي يتعين ان ننتقل بها إلى أفاق أوسع وأرحب ، و تجاوز رؤية البرجوازية التي تخلت عنها و أصبحت محافظة ورجعية ، و سوغت للحروب الاستعمارية والهيمنة الأمبريالية ، وحيث تمثل الليبرالية الجديدة في الوقت الراهن التعبير الآيدلوجي لنظام العولمة المتوحشة المأزوم ، و هي الوجه الآخر للفكر الرجعي المحافظ ، المعادي لمفاهيم الحداثة بمعناها الشامل ، و بما في ذلك قيم المدنية والحرية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية .
الفقيد الراحل قضى معظم وقته في السنوات الأخيرة في مملكة البحرين الشقيقة برفقة شريكته ورفيقة دربه الأديبة والناشطة الحقوقية فوزية العيوني ، وكان يكن حبا خاصا للبحرين وأهلها و له صداقات وعلاقات وثيقة مع شخصياتها الثقافية والأدبية والسياسية على اختلافها وتنوعها .
الجدير بالذكر هنا ، بأن زوجته الأديبة والحقوقية الإستاذة فوزية ( أم عادل ) كانت نعم الزوجة الوفية التي وقفت معه في السراء والضراء ، و كان لها دورا محوريا وأساسيا في مساندة الفقيد الراحل والتضامن الكامل معه قبل وأثناء فترتي الإعتقال والسجن والمنع من السفر ، وبسبب نشاطها الحقوقي ومساهمتها القوية في الدفاع عن حقوق المرأة ، تعرضت فوزية ( أم عادل ) للإستدعاء والتضيق والمحاكمة على مدى شهور في عام 2015 ، وصدر حكم أبتدائي بالسجن والمنع من السفر بحقها وبحق رفيقتها الناشطة الحقوقية وجيهة الحويدر ، غير انه جرى تجميد والغاء الحكم لاحقا .
وقد لازمت فوزية زوجها الراحل طيلة فترة مرضه وبقائه في الرياض وحتى نقله إلى المستشفى التخصصي في الدمام ، وذلك بعد توصل الأطباء إلى وصول حالته الصحية المتردية إلى مراحلها الأخيرة .
احتفاءنا بالفقيد الراحل علي الدميني ( أبو عادل ) هنا في مقراسرة الأدباء والكتاب في مملكة البحرين الشقيقة ، والحضور المتنوع من الأطياف الثقافية والفكرية والأدبية في البحرين ومن المملكة العربية السعودية يعكس إلى حد كبير مدى التقدير والأحترام والمكانة البارزة التي يحتلها .
أننا على ثقه بأن حياة ومنجزات وتضحيات ومأثر علي الدميني ( أبو عادل ) ستظل خالدة ومحفورة في ذاكرة الوطن والشعب والتاريخ ، وستبقى ذكراه حاضرة بين قلوب ووجدان عائلته، ورفاقه وأصدقائه ومحبيه الكثر في داحل الوطن وعلى امتداد الأرض العربية
يا علي ، حين يأخدك الضباب عنا ، سيظل حضورك البهي محفورا بين شغاف القلب وتلافيف الذاكرة ما حييت .



#نجيب_الخنيزي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مظفر النواب وداعا
- علي الدميني .. إننا محكومون بالأمل
- ذكرياتي مع الفقيد الراحل اسحاق الشيخ يعقوب بعد عودته إلى أرض ...
- ذكريات لا تنسى مع الفقيد الراحل اسحاق الشيخ يعقوب - ذكريات ل ...
- ذكريات لا تنسى مع الفقيد الكبير اسحاق الشيخ يعقوب
- مرور عام على رحيل الفقيد الكبير اسحاق الشيخ يعقوب
- مرور 10 سنوات على رحيل المثقف و الإنسان .. شاكر الشيخ
- 10 سنوات على رحيل الجهيمان .. سادن الأساطير والأمثال
- رحيل الشاعر العراقي والعربي الكبير سعدي يوسف
- 22 أبريل .. اليوم العامي لأمنا الأرض
- رحيل الروائية والمناضل المصرية نوال السعداوي
- اليوم االعالمي للمرأة لعام 2021
- في ذكرى المفكر والمناضل المصري محمود أمين العالم
- رحيل إسحاق الشيخ يعقوب
- هزم ترامب .. لكن ماذا عن- الترامبية - ؟ ( 2 )
- هزم ترامب .. لكن ماذا عن- الترامبية - ؟
- قانون يكرس الانقسام الطائفي بالعراق !
- الثقافة .. جدل أم تبعية؟
- الإسلام السياسي والدولة المدنية
- الصراع الأمريكي الروسي في أوكرانيا


المزيد.....




- توم هانكس يضيف وظيفة جديدة لسيرته الذاتية ويثير الجدل حول أف ...
- فنانة سورية تثير الجدل في مصر (فيديو)
- تضارب الروايات.. السلطات تؤكد موت مهسا أميني بنوبة قلبية وال ...
- فريق CNN يجرب تطبيق ممثل فيلم -ثور- لمدة شهر.. شاهد النتيجة ...
- هل تستولي الترجمة الآلية العصبية للغة العربية على وظائف المت ...
- بعروض غامرة.. مساحة في دبي تجمع الفنانين الرقميين
- بالفيديو.. مستوطنون يرقصون على وقع موسيقى صاخبة في المسجد ال ...
- معرض الرياض الدولي للكتاب.. ملتقى سعودي يبني جسورا ثقافية مع ...
- صدور ترجمة رواية «غبار» للكاتبة الألمانية سفنيا لايبر
- منشورات القاسميّ تصدر الرواية التاريخية -الجريئة-


المزيد.....

- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء الحاكم بأمر الله / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجيب الخنيزي - كلمة في حفل أسرة الأدباء والكتاب في البحرين وفاء واستذكارا للشاعر الكبير الراحل الفقيد علي الدميني