أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - يتنوّع التديّن بتنوّع الإنسان والواقع















المزيد.....

يتنوّع التديّن بتنوّع الإنسان والواقع


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 7248 - 2022 / 5 / 14 - 12:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد الجبار الرفاعي

الدينُ أبديٌ، إنه موجودٌ بوجودِ آدمَ الأوَّلِ وسيبقى حتى آدم الأخير، الدينُ موجودٌ في عصرنا كما كان موجودًا على الدَّوام في كلِّ عصر. يتمكَّنُ الإنسانُ في هذا العصرِ من تجديد مناهجِ فهمهِ للدِّين، وتجديدِ أدواتِ تفسير نصوصِه، في ضوء متطلّبات هذا الواقع، كما فعل الإنسانُ في الماضى.
الدينُ كائنٌ حي، ينمو ويتطوَّر ويمرض، وقد يصاب بداءٍ مزمن. فربّ ديانةٍ منفتحة انغلقتْ، وربّ ديانةٍ مغلقة انفتحتْ. مفسّرو النصوص المقدسة تتحكمُ في فهمِهم للدين وتفسيرِهم لنصوصه؛ رؤيتُهم للعالَم وثقافتُهم ونمطُ نشأتهم وتربيتُهم وتكوينُهم المعرفي، وأحكامُهم المسبقة، وآفاقُ انتظارهم من الدين.
من هنا تأتي الحاجةُ لتتابعِ النبوَّات، وظهورِ المجدِّدين، والضروراتُ الأبدية لإصلاحِ الأديان وتجديدِ فهمها وإعادة تفسير كتبها المقدسة. تشتدُ الضرورةُ إلى #تجديد_الفكر_الديني في كلّ عصر يحتجب فيه اللهُ عن العالم، من أجل تحريرِ فهم الدين من التعصُّب الأعمى، وبعثِ الإيمان، وحمايةِ الاعتقاد من الاستغلال فيما ينهك الحياة.
دراسةُ أثر كلّ دين و#أنماطِ_التديُّن التي تتشكّلُ في فضائه تتطلّبُ أن يعتمدَ الدارسُ معادلةً مثلثةً للفهم، إذ لا بدّ أن يعاينَ الدارسُ ذلك الدين بوصفه نصًّا مقدّسًا أوَّلًا، ويتعرّفَ ثانيًا على شخصيَّة الإنسانِ المُعْتَقِد بهذا النصِّ فَرْدًا ومُجْتَمَعًا، ويكتشفَ طبيعةَ الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسانُ وكلَّ ما يحفل به عصرُه ثالثًا. هذه العناصرُ الثلاثةُ تشكِّل توليفةً متفاعلةً يؤثّر كلٌّ منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس أفرادًا ومجتمعاتٍ، واختلافِ واقعهم وعصرِهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلافِ كيفية تلقِّي النصوص المقدَّسة. ربما يكون التديُّنُ دافئًا، ليِّنًا، رقِيقًا، رحيمًا، كما لدى القليلِ من الأشخاص الذي يُولدون في واقعٍ يستمعون فيه إلى صوتِ المَحَبَّة والعطف والشفقة والتَّراحم، ويحظون بتربيةٍ وتعليمٍ سليمَين. وربما يكون التديّنُ شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرَّضون إلى اضطهادٍ وعنفٍ في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمَين.
تنشأُ الثَّغراتُ في دراسة الأديانِ من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المُثلثة للفهم، لذلك تتطلَّب دراسةُ الأديانِ أنْ يتعاطَى الدَّارسُ مع نصوصِها المقدّسةِ وتراثِها الدينيّ بمنطقِ الباحث الذي يعتمدُ مناهجَ البحثِ العلميِّ، وينشدُ فهمَ المغزى العميقِ لهذه النصوص، ويهمّه التعرُّفُ على دلالاتِ التُّراث في فضاءِ السياقات الخاصّة التي تَشَكَّل فيها، والسعيُ لاكتشاف الآثارِ الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتْها نصوصُ هذه الأديان، وكيفياتِ تمثُّلها في الحياة البشرية. ولا أظنُ أن هناك جدوًى من دراسةِ الأديان ومقارنتِها وحوارها؛ لو كان الدارسُ مولعًا بالتبشيرِ بمعتقده ولا يريد إلّا ترويجَه، والحرصِ على إدخالِ المختلف فيه، بوصف معتقدَه هو الحقّ وكلّ ما سواه باطل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لم تَعُد المناهجُ المكرّرة في دراسة الأديان تضيف للباحث نتائجَ حاسمة، لأن التراثَ فيها ما زال يتحدّثُ للتراث. الواقعُ الذي نَعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمامَ بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسةَ كيفيةِ نشأته وأنماطِ حضورِه وصيروتِه عبر التاريخ، والانتقالَ في الدِّراسات الدينيَّة من الرؤيةِ التقليديَّة، التي كانت ترى الدينَ ونصوصَه المقدّسة مرجعيةً نهائيةً في تفسير وفهم كلِّ شيء، إلى رؤيةٍ تُخضِع تعبيراتِ الدين وتجلياتِه في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تَمَثُّلاتٍ بشرية، وكلّ ما هو بشري يقع في مداراتِ عقلِ وعلومِ ومعارفِ وخبراتِ الإنسان. إن كانت نصوصُ الدين مقدّسة؛ غير أنَّ تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلَّى فيه الأُفُقُ التاريخيُّ الذي يتموضعُ فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفيّ لذلك الإنسان.
إن تطبيقَ المناهجِ العلميَّةِ في دراسة كلِّ الأديان وفِرَقِهَا ومذاهِبِها ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ على كيفيةِ ولادتها وصيرورتها التاريخية، والآثارِ المزمنة لها في الحياة البشرية. الأديان تُولد في عصر مؤسِّسيها، لكنها تظلّ تتخلّق وتنمو في صيرورةٍ لا تتصرّم عبر الزمان والمكان، في سياقاتِ نسيجِ المتطلَّبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضويَّة بين السلطة والمعرفة.
ليستْ هناك ديانةٌ أو نصٌّ دينيٌّ خارجَ طرائق عَيْشِ الإنسان وطبائع العمران، فالانسانُ يخضع لمشروطيَّاتٍ تَفْرِضُ عليه نمطَ حياتِه، وتؤثّر في سلوكه، وهي: العقل، اللغة، المشاعر، الغرائز، الجسد، التربية، التعليم، الثقافة، الاقتصاد، السلطة، التاريخ، المكان، الزمان. لا يتجسَّد الدينُ في حياة الإنسان إلّا تبعًا لهذه المشروطيَّات، أي أنَّ فهمَ الدِّين وتفسيرَ نصوصِه يتنوَّع بتنوُّع أنماطِ حياةِ النَّاس وطرائقِ عيشهم. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
الرؤيةُ اللَّاتاريخيةُ للدين ترى الأديانَ قارّةً ساكنةً، وكأنَّ الأديانَ تؤثِّر في المُجتمعات وتعمل على تغييرها، من دون أنْ تتغيّر هي أو تتأثَّر. الرؤيةُ التاريخيةُ العلميَّةُ تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعًا لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أنَّ هناك تأثيرًا وتأثُّرًا متبادَلًا بين الدين والمجتمع، فمثلما يؤثّر الدينُ في المجتمع، ويسهم في إنتاجِ رؤيتِه للعالَم، ويعمل على صوغ نمطِ حياتِه، يعمل المجتمعُ أيضًا على إنتاجِ صورتِه الخاصَّة للدين، وصياغةِ نمطِ التديّن الذي يشبهه. مثلًا لو ظهرت البوذيةُ في الجزيرة العربيّة لأضحتْ مُشَابِهَةً للمجتمع العربيّ، ولو ظهرت الهندوسيةُ في اليونان لأضحت مشابهةً للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحيةُ في الصِّين لأضحت مشابهةً للمجتمع الصيني، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. كما تؤثّر المجتمعاتُ في الأديان؛ تؤثر الأديانُ في المجتمعات، ما فعلتْه الأديانُ في المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ المجتمعات بالأديان.
‏ الموقفُ الأخلاقي يفرض على أتباع كلّ دين الكشفَ عن أرشيفات الماضي، وإعلانَ كلِّ ما يختبئ فيها، وفضحَ منابع التعصب والكراهية في تراثه مثلما يفضحها لدى غيره، والاعترافَ بأخطائه كما يتحدّث عن أخطاءِ غيره.
ليستْ هناك دينٌ يحتكرُ المحبَّةَ والحرياتِ والحقوقَ واحترامَ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ دينٍ مُنَزَّهٌ عن التعصُّب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان. ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصحّ نسيانُ مظالمِ الفتوحات، مثلما لا يصح نسيانُ مآسي الحروب الصليبية، وجرائمِ الصهيونيّة في فلسطين.
المعروفُ عن البوذية أنها ديانةٌ غيرُ تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سِلمًا، لم يتحدّث لنا التاريخُ عن حروبٍ تم خوضُها أو دماءِ أبرياءٍ سُفكت باسمها،كما هو معروف عن دياناتٍ أخرى، لكن مع كلّ ذلك تناقلتْ وسائلُ الإعلام صورًا ومشاهدَ لأعمالِ عنف مأساويّة ضد مُسْلِمِي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعاتٌ بوذيّة بتحريضِ رهبان بوذيين متطرّفين.
من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ به من الكلام المكرّر إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المشتركة، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. وفي ضوء هذا الموقف ينبغي رفض مواقفَ كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها. التفكيرُ في كلّ ديانة يمتلك حججَه وأدلتَه وقناعاتِه داخل تلك الديانة، ولا تصحّ مناقشةُ هذه الحجج والأدلة والقناعات من دون أن ينخرطَ المناقشُ في أفق تفكير الديانة، ويستوعبَ نصوصَها وتراثَها وخبراتها الروحية.


#عبدالجبار_الرفاعي



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقد تصوّف الاستعباد
- تراثُ المتصوّفة مرآةُ عصره
- الفهمُ ضربٌ من تحقّق الموجود
- التربية تغذّيها العواطف قبل العقل
- الصراع الحضاري في فكر مالك بن نبي
- مالك بن نبي والقابلية للاستعمار
- هاجس مالك بن نبي تحرير وطنه من الاستعمار
- موت الحرب عند جودت سعيد
- داعية سلام في زمن العنف رحيل الشيخ جودت سعيد
- علم الكلام الجديد
- خير القرون: كيفَ نفهمُ الخيرَ في التاريخ؟
- حكاية النبي موسى والراعي في المثنوي
- نمط الحياة الامتلاكي ونمط الحياة الوجودي
- اعادة تعريف الإنسان
- بؤس الذائقة الاستهلاكية وتشوهها
- مصطلح الإنسانيَّة
- مفهوم التجديد وأركانه
- الحيثية الأساسية والحيثية الإضافية للدين عند وحيد الدين خان
- الدينُ والمقدَّسُ
- الحق في الخطأ ضرورة تربوية


المزيد.....




- إقبال بركة تكتب:خليل عبدالكريم..علماء الإسلام والمرأة
- ما وراء تصريحات بابا الفاتيكان عن أوكرانيا؟
- مهرجان كان: -صبي من الجنة-... الشرطة السياسية المصرية في دها ...
- قوات الاحتلال تقتحم مصلى قبة الصخرة في المسجد الأقصى المبارك ...
- جبهة العمل الاسلامي في ذكرى التحرير: ستبقى شعلة المقاومة وهّ ...
- فصائل المقاومة الفلسطينية: سماح حكومة الاحتلال للجماعات الصه ...
- المكتب السياسي لحركة أنصارالله باليمن: ندين بشدة جريمة اغتيا ...
- الرئيس الأسد يستقبل راعي الكنيسة الأرمنية في بيت كيليكيا الك ...
- مصادر فلسطينية : قوات الاحتلال تقتحم مصلى قبة الصخرة في المس ...
- بعد شطبها من لائحة الإرهاب الأميركية.. تساؤلات حول مستقبل ال ...


المزيد.....

- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر
- ميثولوجيا الشيطان - دراسة موازنة في الفكر الديني / حميدة الأعرجي
- الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية / سيد القمني
- الدولة الإسلامية والخراب العاجل - اللاعنف والخراب العاجل / سيد القمني
- كتاب صُنِع في الجحيم(19) / ناصر بن رجب
- التحليل الحداثي للخطاب القرآني (آلياته ومرتكزاته النظرية ) / ميلود كاس
- الثالوث، إله حقيقي ام عقيدة مزيفة؟ / باسم عبدالله
- The False Trinity / basim Abdulla
- نقد الفكر الديني بين النص والواقع / باسم عبدالله
- خرافة قيامة المسيح / باسم عبدالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - يتنوّع التديّن بتنوّع الإنسان والواقع