أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - حسن عزيز الياسري - الامام علي ضرورةً إجتماعية ام ترفاً فكرياً















المزيد.....



الامام علي ضرورةً إجتماعية ام ترفاً فكرياً


حسن عزيز الياسري

الحوار المتمدن-العدد: 7229 - 2022 / 4 / 25 - 09:39
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


-- إن ترَون الاشياء مثالية ، أرى الاشياء إنسانية ، يا للأسى ، إنسانية مفرطة  - إنساني مفرط في انسانيته - انني أعرف الناس على نحو أفضل منكم ، ان كلمة العقول الحرة لا يمكن فهمها ، الا انها تعني عقلا قد أصبح حرا ، عقل استعاد تملكه لنفسه .
ان الروحية النبيلة والمشذبة والمهذبة ، يبدو انها مشغولة بصراعات مستمرة ، مع سيول من الانفعالات التي لا تهدأ )) * ١ الفيلسوف الالماني فردريك نيتشة 
*١ - هذا الانسان ص ٩٣

-- ما جدوى التذكير بشخصياتنا التاريخية المؤثرة اشد التأثير فينا ، وما جدوى التعبير بأجمل العبارات المنمقة والتدليل باقوال العظماء وعبارات الفلاسفة وما جدوى الاحتفالات بالمناسبات الوطنية والدينية والاشخاص الذين كانوا ولا زالوا امثلة يحتذى بها ، ما دمنا نذكرهم دون احتذاء ً بهم !؟

[[ ان يتهرأ اي مجتمع بشري ، حد انفراط العقد الاجتماعي ، واندثار المعايير الجامعة وانحطاط الوعي بالذات المشتركة وتهشم الذاكرة الوطنية وتفتت الهاجس المستقبلي وزوال الذائقة الجمالية (( وازدراء الجدوى من اي فضيلة )) وازدهار ولع التنكيل بالاخر --  وهيمنة العدمية السلوكية وطغيان الاسطرة الكهنوتية --  ، حينذاك تختفي الغايات كلها ، ويصير الوجود محض فوضى لاستقواء اللحظة على الزمن ، واحتفاء الخواء بالالم وتجذر الموت في كل حياة . ]] *٢

-- طالما اوجعتني ، ولربما تثير القارئ ايضا ، عبارة :
(( ازدراء الجدوى من أي فضيلة )) ، فلماذا نكتب ونطالع ونبحث ، ما دامت ثقافة اليوم ، عَلِمنا ام جَهَلنا كتبنا او نشرنا طالعنا ام لم نطالع ، تابعنا وسائل الاتصال المرئية او التواصل الاجتماعية ، ام لم نتابع ، فإن هناك ثقافة عامة تنتشر اليوم ، تدعو للصمت والاغراء والتزييف والتدليس والتزيين وقلب الحقائق ، على حساب القيم الاجتماعية وتهرؤ المجتمع الى حد انفراط العقد الاجتماعي !!

--نقرأ ونكتب ونطالع ونبحث ونتعلم ، لنزداد تعاسة ، ربما
-- (( نحن ندرس التاريخ لكي نستفيد منه في تثقيف أنفسنا وتربية ابنائنا واذا درسناه في سبيل التعصب لرجل ، دون النظر الى مبادئه التي ضحى لاجلها ، كان ذلك دليلا على اننا دُعاة شعوذة لا دعاة إصلاح - فأذا كان معاوية مجتهدا  - وكذلك خصوم الامام علي مجتهدين - فكُل الظلمة الطغاة مجتهدون ايضا !
اذا ما فائدة هاتيك الشرائع الصارخة التي جاء بها الانبياء والاولياء والمصلحون الاجتماعيون ، إن اللص - والسارق اموال الرعية - والذي يقطع الطريق على الناس ، يستطيع أن يدعي انه مجتهد مأجور ، بل ان كل مجرم وسارق يملك من الاعذار الشرعية ما يبرر جرائمه وفظائع اعماله )) *٣

-- تُرى ، مالذي يدفعنا للكتابة عن شخصية تاريخية لم يدخر  اقلام التاريخ لها جهدا الا ووضعوه موضع التنفيذ بإسهاب وكثرة واتساع ، قل نظيره لشخصية اسلامية اخرى ، عدا نبي الاسلام محمد - ص -  .

-- لماذا الكتابة عن شخصية مؤثرة بالتاريخ ؟؟  ، ومالذي سنضيف لشخصية اغدق في حقها الفكر الانساني عبر تاريخه الطويل سيولا من الافكار وعواصفا من والرؤى والآراء والاطروحات ، تضمنتها تحليلات مؤلفات اعظم واشهر المفكرين ومحترفي موهبة الفكر والكتابة في شرقنا الأوسط ، او حتى الاقل شهرة من المغمورين والهواة كذلك .

على ان الاشارة التي يجب الالتفات لها هي :

-- (( ان التاريخ ليس عِلما فيجب ان يصطنع فيه الاسلوب اليقيني الذي نعهده في بحث الطبيعة و الكيمياء و انما ينظم في نسق الاداب التي هي نتاج القوة النظرية و البحث الاستنتاجي  و على هذا يقول (جوته)  : ان التاريخ يجب ان يعاد تدوينه  والنظر فيه من حين الى اخر ، لا لأن حقائق كثيرة تكون قد عرفت على مر الايام ، بل لان أوجها من النظر قد تضهر في أفق البحث العقلي ، و لأن المعاصرين الذين هم ضلع كبير في تقدم عصورهم و ارتقائها يساقون دائما الى غايات ينتهون بها الى حيث تصبح ذات صبغة يقتدر بها على تدبر الماضي و الحكم عليه بصورة لم تكن معروفة من قبل .
و مثل التاريخ من الوجهة التحليلية ، مثل التحقيق القضائي في دعوة غامضة مر عليها الزمن و دخلت في حيز الماضي ، فلن تكون نتائجه الا استنتاجية خالصة . )) *٤
.

-- ولعل في هذه الجزئية ما يُغني عن التكليف والاستطراد في خلق التبريرات شرحا وسردا  , للنهوض بأعباء تلك المهمة التي تخضع لدوافع كثيرة منها الحاجة الروحية والمعنوية والاجتماعية والاستدلال عليها تطبيقا من الناحية النظرية ، والاجابة عن مدى صلاحيتها وتطبيقها تطبيقا عمليا ومحاولات تكييفها على ارض الواقع ، وهذا التطبيق العملي هو بالضبط ما سجله لنا التاريخ النقي غير الخاضع لتأثيرات الامزجة والعواطف او المعتقد او السلطان عن آثار تلك الشخصيات التي خلدها التاريخ كنموذج للاحتذاء بها ،
--(( ليس سهلا ان تكتب عن الامام علي ، وقد الفت اذناك اول الكلام عنه ، عن سابقته وعلمه وزهده وشجاعته وكل ما ترسخ في الذاكرة والوعي عنه ، فالكتابة عن الامام علي تحتاج الى قراءة علمية  وهي تستلهم منهاجها الريادي من قوله عليه السلام : اعقلوا الخبر اذا سمعتموه ، عقل رعاية لا عقل رواية ، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل )) *٥

-- ولعل في هذه الاشارة البليغة منهجا يرسم للمؤرخين والمختصين بدراسة التاريخ ، المسار الخاص للتفريق والنظر بين ما هو نقليا الى ما هو عقلي ، حيث يخضع للاستنتاجات وفق دراسات المناهج التاريخية والسير الذاتية .

-- فلن يكفي التنظير لأي ظاهرة اجتماعية ، مالم تخضع معاييرها القياسية الى التطبيق العملي .

-- ولعل من يكتب بتأني وهو على جرف الشاطئ ، ليس كمن يكتب وهو في وسط امواج المحيط المتلاطمة .
-- وان دخول التاريخ عبر نافذة الخالدين التي تطل على ابواب عظمائه  ، ليس كدخول التاريخ عبر بابه الواسع ، الذي يفتح عليك عديد الابواب والنوافذ ، لعظيمٍ طالما حيرت مواقفه العقول وشغلت آراءه ُ أرباب الفكر الانساني الحر .

-- أمام عيني الآن وانا اكتب هذه السطور ، عشرات آلاف السطور في كتب مطبوعة لمؤلفين واعين  ومستنيرين ، بعيدين تماما عن تأثيرات التوجهات العقائدية التي تمكنهم من الركون اليها كُرها وطواعية ، او تلك المؤثرات التي تلازمهم من اجل التأثير بها على القراء المقيدين بأغلال اعتقادات فكرية مسبقة ، او حتى اولئك الذين يقرأون بحكم التأثير الايديولوجي المسبق .

-- مفكرون احرار من كل قيد ، الا قيد نداء الحاجة الروحية للمُضي في الكشف والتحري والتحقيق والتدقيق في اكثر شخصية وقع عليها  الجدل والفكر والتحليل ، في التاريخ وهي شخصية الامام علي عليه السلام .

-- أفرد الدكتور علي الوردي فصلا كاملا - الفصل التاسع - للحديث ومحاولة تفسير جوانب هذه الظاهرة التي يعتبرها أكثر الغاز التاريخ الاجتماعي غموضا واشدها حاجة الى التوضيح !!  :
((  لم تختلف امة في رجل من رجالها كما اختلفت امة الاسلام في علي ابن ابي طالب ، والغريب ان معظم الفرق الاسلامية تدعي الانتساب الى علي !! انها ظاهرة اجتماعية عجيبة ، تحتاج الى تعليل وتفسير ، ولابد ان يكون في شخصية علي شيء من الغرابة او التفوق مما جعله محط أنظار الناس ومركز اهتمامهم )) *٦

-- انها قراءة هادئة ، لبعض ما انتجه الفكر الانساني من عصف ذهني ، ومضمون اخلاقي وسمو عرفاني يتصاعد عند البحث والمطالعة في بعض مؤلفات المفكرين الذين بحثوا في جوانب تلك الشخصية الملتزمة المتألقة بسماء الوجود الانساني ، التي تجعل الكاتب والقارئ في ارتباك وحيرة من امرهم ، كيف تحملت تلك الروح الانسانية المصقولة النقية الطاهرة الشفافة ، التي لم تسجد لصنم حجري او بشري ، ولم تُذل لحاجة ٍ او هوى ، وبذلت الغالي والنفيس من اجل اعلاء كلمة السماء وتجسيدها على الارض خدمة للانسان وكرامته ، امام كل هذا الجبروت الطاغي من الجحود والنفاق والدين المُدنّس ْ ، الذي لازم الكثير ممن لازم النبي - ص - وصاحَبه وتبعه في اوامره ، وواكبوا من بعده - ص - سيرة الشيخين ، ما دامت تحتفظ بمكاسبها !

(( ان التخطيط التآمري هو الاصل والاساس في تعليل تسلسل الصفحات المتتالية من الحروب والتكتيكات والمخادعات والصراعات والاغراءات والوسائل المتنوعة لمهاجمة سلطة الحق ، سلطة علي ابن ابي طالب الاسلامية ، وان الخدعة كانت اسلوب إخراج وشرك للمغفلين والسذج من المسلمين )) *٧

-- أغراءات كثيرة دفعت ولا زالت تدفع الكُتاب ورواد الفكر ، في البحث عن هذه الشخصية المدهشة ، فكتبوا عنها واحاطوا بكل جوانبها ، بمالم يدَعوا لكاتب مغمور ممن يحاول ايجاد فراغات معدمة ومتروكة في جانب من جوانب تلك الشخصية الفذة .

((فالحديث عن علي - عليه السلام - ليس حديثا عن شخصية عظيمة قد ينقدح في الذهن للوهلة الاولى ، انه حديث ممكن ومتيسر  لكل احد ، ولكن هو حديث عن المعجزة التي برزت في التاريخ بأسم الانسان وبصورة الانسان )) *٨

-- وما الذي يمكن ان يقدمه اي كاتب مغمور في شخصية تَسابَق نحو الكتابة فيها اهم اقلام التاريخ على شتى مواردهم ومختلف منابعهم واختلاف عقائدهم واديانهم وبيئاتهم الاجتماعية *٩ .

- الكتابة عن علي ابن ابي طالب صعبة غير انها مركب مُستطاع اما الاقتداء بعلي فانه امر لايمكن التحدث عنه الا بالصعوبات التي تذكرك بالمحال الذي يحتاج اذلاله الى اعاجيب القدرة ) *١٠

-- ألأن علي ابن ابي طالب كهمس وحي ٍ روحي ، وكنداء لفطرة الروح التي تستلهم القدوة والمثال والفعل وردات الفعل ، كل هذه الخواطر والمخاطر تجعل الكاتب مترددا في الكتابة ، بل لمجرد الاقتراب من شاطئ ذلك المحيط الواسع ، فكيف بالسباحة ومحاولات الغوص في اعماق المحيط !! واصطياده شيئا من درره ولئالئه !!   انها سباحة ضد تيار جارف ، يلقيه ظلال تاريخ العظماء الذين تجمعوا من كل صنف وجنس ولون ، ليَصْقِل ألَقهَم العظيم ، قلب وفكر وعقل شخص واحد ، اسمه علي ابن ابي طالب .

- (( علي ابن ابي طالب ، مظهر فذ من مظاهر التكامل الانساني ، ونموذج بارع من نماذج التفوق البشري ، ومثال لبلوغ الاستعداد الكامل في النسم ، وكانت حقيقته من وراء ذلك تمده بما يتناهى به ، حيث تقصر الأخيلة وتنحسر التصورات !!
وفي أخصر عبارة كان انسانا ذا انحاء تلتئم حلقتا بطانه على العالم والحكيم والعبقري المتحرر والمفكر الجريء ، والمتشرع الخطيب والمغامر والمجاهد ( هذه امة من الابطال ، تجيء في بطل من الأمة )*١١

-- ومن القواعد التي يكتشفها الباحثين عند محاولات تسليط الضوء حول جوانب تلك الشخصية الفذة ، حيث ذلك الشعور المفعم بالفخر والحماسة لمجرد نهوض الفكرة بالكتابة عنه ، شعورا يملا الوجدان حبا وشغفا ولذة وتردد ، فالمتعة في رحلة الاقتراب من رحاب علي ، يصاحبها ألم وحزن خفي ، يتعاظم كلما بدا الباحث بالكشف عن الحقائق ، فرح ُ الاطلاع على السيرة يخفي دموع الحزن ، واسرار الحزن تدفع للسير نحو البحث خطوة ، يقابلها السير الى الوراء خطوة كذلك وربما خطوات ، ولحجم الشخصية الهائل ظلٌ يخيم على حجم كل كاتب وباحث مهما بلغ أثره وحيويته ونشاطه ، فيرى نفسه ترتفع معنويا تارة ، وتتضائل حجما امام ذلك الانسان الملهم العملاق ، البسيط المتواضع تارة اخرى ، اما لقاء العفوية والبساطة ، بالدقة والانضباط العاليين ، فهو التأصيل الذاتي الممنهج والفريد من نوعه ، بتلك الشخصية الفذة التي كانت تحمل تمام الفرائد وقمة المثل العليا وغاية الخلق النبيل في كل اتجاهاتها الفكرية والعملية والروحية والمعنوية والنفسية .

(( في سيرة ابن ابي طالب ملتقى بالخيال حيث تحلق الشاعرية الانسانية في الأجواء او تغوص في الاغوار فهو الشجاع الذي نزعت به الشاعرية الانسانية منزع الحقيقة ومنزع التخيل واشترك في تعضيمه شهود العيان وعشاق الاعاجيب وتلتقي سيرته عليه رضوان الله بالفكر كما تلتقي بالخيال والعاطفة لانه صاحب اراء في التصوف والشريعة والاخلاق سبقت جميع الاراء في الثقافة الإسلامية ولانه احجى الخلفاء الراشدين و يعد من اصحاب المذاهب الحكيمة بين حكماء العصور ولانه اوتي من الذكاء ما هو اشبه بذكاء الباحثين المنقدين منه بذكاء الساسة المتغلبين فهو الذكاء الذي تحسه في الفكرة الخاطرة قبل ان تحسه في نتيجة العمل ومجرى الامور )) *١٢

-- ان البحث في حياة الامام علي يسير معه جنبا الى جنب ، خطُ صد ٍ عظيم ، وخطوط مواجهة كبرى ، يجدها كل من قرأ وكتب وبحث عن الامام عليه السلام ، مع تيار السلطة الساحق ذو النزعة الطبقية الذي ينظر الى من حوله بروح العصبيات الجاهلية والانا العليا المسيطرة على سلوكياته ، يقودهم بذلك اكابر بيوتات قريش التي عرفت بتلك النزعات العصبية ، والتي أحالت مدة خلافة الامام القصيرة الى حروب وصراعات دائمة  ، تيارا واجهه الامام علي على الدوام آنذاك ، والذي مثله جمعا غفيرا من الصحابة وامهات المؤمنين ، ذوو التأثير على سواد الناس وعامتهم .
(( لم تتح فرصة الحكم لعلي ابن ابي طالب ، فهو ظل خلال تلك المدة التي بايعه الثوار ضد عثمان - بالحكم - ، في حرب شعواء لم يستتب له الامر حتى مات ، فمتى صار خليفة يا ترى ؟! )) *١٣

اضافة الى تلك الصراعات النفسية التي يعيش اجواءها كل باحث وقارئ كما عاشها الامام من قبل جرّاء التعامل اليومي مع الناس والمجتمع والقوى المؤثرة فيه ، انها حياة ً مليئة ً اسئلة ً وتساؤلات ٌ لا تهدأ .

(( لقد كان الامام عليا مُدركا لموضوعة اساسية وهي انه لا يمكن حمل الناس - اكثرية الناس - بالقوة على ما يراه حقا ، فكيف اذا كان الحق - موضوع الصراع !؟ وهو حقه بالخلافة .
ان الشجاعة تتنازل امام قداسة الموقف الذي وقفه علي ابن ابي طالب ، والذي كان يفوق في حضوره ،
فعل البشر وتصور البشر ، لذلك كان وظل عصيا على الفهم )) *١٤

--  الكثير ممن كتبوا عن الامام علي واخذتهم فورة الاعجاب بشخصه ، ونجوا من النقد والقسوة عليهم او التنقيب والبحث ضدهم  ، ولكن هناك من دفع ثمن الولاء لفكره ، قتلا ، كما حصل للمفكر - الشيوعي - الكبير عزيز السيد جاسم في كتابه ، علي سلطة الحق حيث كان تأليف هذا الكتاب سببا بأستشهاده في عام ١٩٩٣ ، او تلك الهجمة الشرسة والارتدادية العنيفة التي تعرض لها الاستاذ عبد الرحمن الشرقاوي
((والتي وصفها البعض بالثورة الظالمة ضده  )) *١٥

-- ولربما سائل يسأل ، لم كل تلك المواجهات والمصادمات وسهام النقد والتخوين ضد من يبحث على سبيل الحقيقة !! من قِبل خصومها او المترددين في تبيان صورتها المشرقة ومحاولة اظهار شمسها الساطعة التي لا يطفئها ظلام الطغاة ولا صمت الخائفين ؟!

-- ألِأن عليا كان ولا يزال ، مرآة للنفوس التي تعكس حقيقة الاشياء ، والاشخاص ، كما شرعها النبي محمد ص - بأحاديث كثيرة عنه وتخصه شخصيا !! والذي
بدأ (( سيرته الاجتماعية وهو محاطا بهالة من الاحاديث النبوية الكثيرة المُشيدة بفضله ، فأصبحت ذكراه من جراء ذلك ملجأ روحيا لكل من يشكو من الظلم او الاستعباد )) *١٦

- فالمُلوَثون والمتلونون لا يسعهم قبول النظر الى مرآة تكشف حقيقتهم ، ولان تعليل مكانة معلمه ِ  واستاذهِ الاول ونبيه ِ محمد - ص - ، قد ترسبت حبا وسُمُوا ومقاما لا يدانيها مقام احد ، بين ضمائر المسلمين وقلوبهم ، صالحها وطالحها ، شريفها وحقيرها ، كريمها ولئيمها ، نقيها وفاسدها ، حتى  تشتتت شريعته الربانية بين الاحاديث التي تَنسِبها كل فئة وكل طائفة لصالحها ، تتخير منها ما يُرسِخ احقيتها بالاتباع دون الاخر ، حتى ظهر تلميذه المجتهد - علي - والذي طبق شريعته الى حد يشبه الكمال !! بعيدا عن كل المسميات المذهبية التي قَسّمَت المسلمين اليوم ، ملتحفا الصبر والالم والحزن  والاسى ، جراء الانقلاب الكبير ، الذي حدث بعد رحيل النبي - ص - مباشرة ، ولكنه ساير النظام وسانده وتعهد بقبول الاستعانة به في عهد الخليفتين الاول والثاني خاصة ، ولعل في كلماته الشهيرة التي تناقلتها اقلام الباحثين في التاريخ واهل السير والحديث ما يدلل ذلك : 

(( ووالله لأسلمن ما سلمت من امور المسلمين ، وان كان فيها جور الا عَلَيّ خاصة ، التماسا لأجر ذلك وفضله ، و زهدا فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة )) *١٧
 
حتى الوصول الى زمن الفتنة الكبرى - مقتل الخليفة عثمان - الذي اصبح قميصه مضرب الامثال فيما بعد لكل من يسعى في الانقلاب على الحق واهله ، فأمسى الامام كعبة للاحرار الذين لم تلبسهم الجاهلية ثيابها والعصبيات جلبابها ، فكان معيارا للصواب وميزانا لمعرفة الحق واهله من الباطل وعصبته .

(( فقد اصبح اسم علي علما يلتف به كل مغصوب وصيح ينادي بها كل طالب انصاف وقامت باسمه الدول بعد موته لانه لم تقم له دولة في حياته وجعل الغاضبون على كل مجتمع باغ وكل حكومة جائرة يلوذون بالدعوة العلوية كانها الدعوة المرادفة لكلمه الاصلاح او كانها المنفس الذي يستروح اليه كل مكضوم فمن نازع في رأي ففي اسم علي شفاء لنوازع نفسه ومن ثار على ضيم ففي اسم علي حافز لثورته ومرضات لغضبه ومن واجه التاريخ العربي بالعقل او بالذوق ، او بالخيال ، او بالعاطفة ، فهناك ملتقى بينه وبين علي فأصبحت بينه وبين قلوب الناس وشائج تخلقها الطبيعة الادمية ، ان قصُر في خلقها التاريخ والمؤرخون ، وتلك هي الهوية التي انفرد بها تاريخ الامام بين تواريخ الائمة الخلفاء ))*١٨ .

-- اعتقد واكاد اجزم ان مكمن سر الدهشة لكل متتبع لشخصية هذا الرجل الفذ ، والتي تدعو الى الحب والاحترام والتقدير العاليين ، هي انه لن يجد اي باحث حر او متتبع او قارئ على سبيل العلم والفائدة ، اي جانب في بروز صفة تمثل شخصية الامام علي ، تقل عن الصفات الاخرى لشخصيته ، حتى انه سيلمس دون عناء ، ان كل صفات الكمال في كل مفاهيم المجد والكبرياء والايمان والعقل والحكمة والكرم والعدالة والبطولة والشجاعة والوفاء والمروءة والانصاف التي تحملها تلك الشخصية ، هي على حد سواء ، بمقياس نوعي متكامل يدعو للعجب ، بحيث سيجد الباحث عن تلك الشخصية بانه : لا تقل حجم مكرمة عن اخرى ولا تقل صفة شخصية عن سواها ، وبذلك كان ولا يزال ويبقى ميناء علم وسلام ومعرفة وحكمة ، تغري الأجيال واصحاب الغايات الانسانية العليا بالتوجه اليه ، والتزود من مخزون طاقاته الجبارة التي لا تنضب 

- (( وعلى الرغم من ذلك ما زال الزحام على اشده وسيبقى الحديث عنه موصولا ما بقيت الارض عامرة بسكانها تضج بالظلم والاضطهاد والطغيان تبحث فيها فئة من الخلق عن العدل والحق فلا يترائى بهائه الا في سيرة الامام علي عليه السلام )) *١٩

-- انها مسيرة حاكم ٍ كان للعدل رمزا وللحق سيفا وللمساواة دليل ، قصة حياة انسان باحث عن الحرية وحقوق الانسان ، سيرة امام واميرا للمؤمنين طبق العدالة الاجتماعية مع الجميع ، دون تمييز .
ألّبَت ْ مواقفه ضغائن نُساك العبودية ، انه رحلةُ فارس ٍ قاوم براثن عصبيات الجاهلية ، كان وحيدا بين الجموع الا من بضعا من النفوس العالية التي اشرأبت واعتنقت وتسامت للذود عن ما حمله هو شخصيا ، فكانوا له نِعم السند ونِعم الاتباع ونعم الموالون *٢٠

(( إن المثالي لا يُدحض ، بل يتم تجميده ، العبقرية تتجمد ، وفي المنعطفات - القديس - يتجمد ، البطل يتجمد ، وفي النهاية فإن الايمان الذي يسمونه قناعة وكذلك الشفقة و - الرحمة - يبردان الى حد ٍ كبير ، وهكذا حتى الشيء في ذاته يتجمد )) *٢١

-- هذا صوت فلاسفة التاريخ وابطاله ، يُصارَعون ، يبردون ، ثم يتجمدون ، ويرحلون ، ولكنهم يقفون امام علي ابن ابي طالب هادئين ساكنين صامتين راحلين .
(( ايها الدهر ، ليتك كنت تجمع كل ما اوتيت من قوة ، وانت ِ ايتها الطبيعة ، ليتك تجمعين كل قواك ومواهبك لخلق انسان عظيم ، نبوغ عظيم ، بطل عظيم ، ومن ثم ليمنح الوجود مرة ثانية رجلا ً
- كعلي -  .


-- حسن عزيز الياسري -  ٢١رمضان-١٤٣٣
                  ٢٣٤٢٠٢٢


  ☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆

*١ - نيتشة - هذا الانسان ص ٩٢ ، في كتاب مهدى
      لفولتير بمناسبة مرور ١٠٠ عام على ذكرى وفاته .
*٢ - د. فارس كمال نظمي - الرثاثة في العراق -
      ص ١١
*٣ - د. علي الوردي ، مهزلة العقل البشري ص ٢٨٨
*٤ - الشيخ عبد الله العلايلي ، مقدمة كتاب الامام
      الحسين سمو المعنى في سمو الذات ص ٢
*٥ - د. ابراهيم بيضون ، الامام علي في رؤية النهج
     ورواية التاريخ ص ١٢
*٦ - علي الوردي ، وعاظ السلاطين،  ص ١٨٢  و ص
      ١٨٤ .
*٧ - عزيز السيد جاسم ، علي سلطة الحق ، ص ٢٠٦
*٨ - علي شريعتي - الامام علي في محنه الثلاث 
   محنة التاريخ - محنة التشيع - محنة الانسان ص٨

*٩ - ولعل مؤلفات المفكرين امثال الطبيب جورج جرداق وموسوعته المرجعية الكبيرة التي ضَمنّها آراء اكبر مشاهير وفلاسفة التاريخ حول الامام علي ، والاستاذ عبد الفتاح عبد المقصود بموسوعته الكبيرة باجزائها الاربعة المعنونة : الامام علي ابن ابي طالب ، الى الشيخ محمد عبده وتفسيره لنهج البلاغة الذي فسره وقدمه الكثير غيره كأبن ابي الحديد المعتزلي ، الى كٌتاب السير والحديث والتاريخ عبر القرون ، والكم الهائل  ( والعجيب ) من الشعراء والمفكرين المسيحيين ، ممن أفردوا مؤلفات كثيرة لا يسع المقام لذكرها هنا ، فإننا امام مهمة تاريخية تستنهض الوعي الانساني ونحن ايضا امام نهضة فكرية عقلية فذة وظاهرة اجتماعية عجيبة ، انتجت كل هذا الاعجاب والتماهي والانشغال وكل هذا العصف الذهني ، فانها لا تمر على عقول الاحرار ، مرور الكرام .
على ان اغلب وأكثر الذين كتبوا عن الامام ، سابقا ، ولاحقا بالخصوص ، ( وهذا دليل على ان عليا لا يُثمن ولا يُقيم في اطار ، فرقة من الفرق وطائفة من الطوائف فقط ) ، فهم ممن يتميزون بعدم الارتباط الديني الوثيق مع شخصية الامام ، ولكنهم تأثروا بفكره ومنهجه الانساني الذي يسير باتجاه التطبيق العملي للدين في كل نظرياته ، التي اخذها عن معلمه الاول نبي الاسلام - ص -  ، ولعل فكرة عدم انقياده - عليه السلام - نحو نهج العبادات وعدم اهتمامه بالطقوس والاعمال العبادية اليومية - بقدر اهتمامه بالممارسة الفعلية للحكم والقضاء العادل واشاعة روح العدل وتطبيق العدالة الاجتماعية بقوة والمساواة بين افراد المجتمع ، وهذا هو بالذات ما جعله ، محط الانظار والإعجاب بالتاريخ ، وقد احتاج هذا الجانب بالذات ( الاهتمام بالمعاملات لا الطقوس ) الى دراسات تعبوية وتحليلية كثيرة من قبل اولئك الكُتاب ْ والفلاسفة والمفكرين .

*١٠ - عزيز السيد جاسم ، علي سلطة الحق ، ص ٤٢
*١١ - الشيخ عبد الله العلايلي ، كتاب الامام الحسين
        سمو المعنى في سمو الذات ،  ص ٣٨
*١٢ - عباس محمود العقاد ، عبقرية الامام علي ص٨
*١٣ - علي الوردي ، وعاظ السلاطين ص ٢٢٠ 
*١٤ - عزيز السيد جاسم ، علي سلطة الحق ص ٢٠٩
*١٥ - علي امام المتقين ، عبد الرحمن الشرقاوي ص١٠
*١٦ - د. علي الوردي ، مهزلة العقل البشري ص ١٨٥
*١٧ - الشيخ محمد عبدة ، نهج البلاغة ج١ ص ١٢٠
*١٨ - عباس محمود العقاد ، عبقرية علي  ص١٣_١٤
*١٩ - عزيز السيد جاسم ، علي سلطة الحق ص ٢٧
*٢٠ - انها رحلة اخرى يحمل شعارها اصحابه واخوته
    بالدين واتباعه الحقيقيون وموالوه الصادقون من  
    الذين طبقوا شعار يا ليتنا كنا معكم ، ففازوا فوزا
    عظيما .
*٢١ - نيتشة - هذا الانسان ص ٩٤
*٢٢ - د. جورج جرداق ، الامام علي صوت العدالة
      الانسانية .



#حسن_عزيز_الياسري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كمّامّات يوزَرسيف ومسرح التحرير  
- ثرثرة فوق التحرير
- مقاطعون ومشاركون
- آمر اللواء ٥٩
- قضية المواطن أحمد راضي !!
- اوهام المراهقين ، أدب سلطة متجدد أم متوارث
- خيمة الادارة والاقتصاد
- لغات  مشتركة بين انتفاضتي شعبان وتشرين ) شذوذ المفهوم بين ال ...
- شعارات فضائية .. الحسين يجمعنا !!
- لغات  مشتركة بين انتفاضتي شعبان وايلول ) الشذوذ بين النظرية ...
- مقاطعة بني سفيان .. إحتراق من نوع آخر


المزيد.....




- أحمد بيان// الاحتفاء بالذكرى الثامنة للشهيد مصطفى مزياني... ...
- حسن أحراث // مُعتصم تاهْلا للمُعطّلين.. مُعتصم العِزّة والك ...
- خضر حبيب: درس يجب ان يتعلمه الجميع ليس فقط حركة الجهاد الاسل ...
- الحزب الشيوعي يشرح نوايا قوى الإطار لملف حل البرلمان والانتخ ...
- حزب التجمع ينعي المناضل الناصري ابراهيم صديق
- الصين: طُموحاتُ إمبرياليةٍ في طور التكوّن
- ليتوانيا تعرقل مجددا عبور السلع إلى كالينينغراد الروسية
- تيسير خالد : ليس كل المفاوضات مفاوضات
- البرهان يجدد دعوته للقوى المدنية للحوار
- جوزيف مسعد: الليبراليون العرب أكثر كرها للديمقراطية والغرب ت ...


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - حسن عزيز الياسري - الامام علي ضرورةً إجتماعية ام ترفاً فكرياً