أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله رحيل - الجنة والنار في رسالة الغفران















المزيد.....

الجنة والنار في رسالة الغفران


عبدالله رحيل

الحوار المتمدن-العدد: 7223 - 2022 / 4 / 19 - 12:31
المحور: الادب والفن
    


كان القرن الأول الهجري من تاريخ التأليف والكتابة، هو عصر قول الشعر ومدارساته في أفواه الرواة وقائلي الأشعار، وكان ذلك ما يحدث في أسواق العرب مثل سوق عكاظ، والمربد، لكن الكتابة النثرية لم تكن تُعرف في القرن الأول الهجري، كفن قائم بذاته، إلا في منتصف القرن الثاني الهجري، فبدأ عصر التأليف والتدوين في فنون الكتابة العربية، حتى صار النثر جنسا أدبيا من أنواع الكتابة، فأُلِّفَ في اللغة والأدب، والحديث والتفسير، والرسائل، في هذا الخضم الهائل للكتابة والتدوين في فنون الكتابة الأدبية، وفي النثر خاصة، ظهر كاتب مختلف عما كان يدور في عصره، كاتب وشاعر وأديب وفيلسوف عصره وزمانه، أراد بفكره العميق لنظرته حول الوجود، أن يقدم تفسيرا للوجود الكوني، وإلى الخوض فيما وراء الطبيعة، بما يعرف "بالميتافيزيقا" في العصر الحديث، وهذا الأديب هو أبو العلاء المعري.
ولد أبو العلاء المعري في بلدة معرة النعمان في إدلب السورية، واسمه أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان التنوخيّ، ولد عام 336-449هـ 973-1057م عاش في عائلة مثقفة، حيث كان جده قاضيا في المدينة، ثم قد المعري نظره وهو في سن الرابعة، ثم أصبح كسيحا بعد ذلك، فلزم بيته، وقد التصق به لقب رهين المحبسين وقد اُشتُهر به، درس المعري الأدب والفلسفة، والشعر والحديث، والتفسير واللغة، حتى أصبح أديب الفلاسفة، وفيلسوف الأدباء، حيث كان على قدر عال من الذكاء، والإبداع، فقد كان ينظر إلى الاختلاف سبيلا للتفوق على ما كان يدور في عصره، وفي هذا الإطار روي عن أبي العلاء المعري بيتا من الشعر، يلخص لنا، ما نحن في الحديث عنه، حيث قال:
أنا وإنْ كنْتُ الأخيرَ زمانَه لَأَتٍ بِما لم تستطعهُ الأوائلُ
ضمن هذه النظرة أراد المعري، أن يتفوّق على علماء عصره، ومخالفتهم لما يكتبون، فرأى التميز بكتابة الأشعار مهنة مكررة، الكل يطرق بابها، فذهب إلى كتابة فن نثري مختلف، عما يدور في ذلك الزمن، فكتب رسالة الغفران، حيث أملى على كاتبه هذه الرسالة الطويلة، التي تعج بالكثير من المعاني، والفكر الأدبية والفلسفية، ومحاولة لتفسير ما وراء الكون، وكانت ردا على رسالة قصيرة لصديقه المقرب ابن القارح، الذي يطلعه على حاله، ويشكو له عسر عصره، وأهل زمانه ويذكر فيها أمر توبته، وذكّره بنهاية الملحدين، الذين عُرفوا في عصره، وفي التاريخ، مثل: ابن الرواندي، والحلّاج، وبشار بن برد وغيرهم، فرد أبو العلاء على رسالة ابن القارح برسالة مطولة، تقع في أكثر من خمسمائة صفحة، يشرح فيها أهوال النار، ونعيم الجنة، في أسلوب سردي بلغة متفردة، مستخدما مصطلحات، وكلمات غريبة، لم تكن معروفة عندهم، وببلاغة عالية السبك، والتأويل، وبذلك عُدت عملا نثريا مميّزا تفوق به أبو العلاء على علماء عصره.
تعد رسالة الغفران لأبي العلاء من أعظم كتب التراث العربي النقدي، وهي من أهم وأجمل مؤلفات المعري، وقد كتبها رداً على رسالة ابن القارح، وهي رسالة ذات طابع روائي، حيث جعل المعري من ابن القارح بطلاً لرحلة خيالية أدبية عجيبة، يحاور فيها الأدباء والشعراء، واللغويين في العالم الآخر، وقد بدأها المعري بمقدمة وصف فيها رسالة ابن القارح وأثرها الطيب في نفسه، فهي كلمة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، ثم استرسل بخياله الجامح إلى بلوغ ابن القارح للسماء العليا، بفضل كلماته الطيبة، التي رفعته إلى الجنة، فوصف حال ابن القارح هناك مطعماً الوصف بآيات قرآنية وأبيات شعرية، يصف بها نعيم الجنة، وقد استقى تلك الأوصاف من القرآن الكريم، مستفيداً من معجزة الإسراء والمعراج، أما الأبيات الشعرية فقد شرحها وعلق عليها لغوياً، وعروضياً، وبلاغياً.
ويتنقل ابن القارح في الجنة، ويلتقي، ويحاور عدداً من الشعراء في الجنة من مشاهير الأدب العربي، منهم من غفر الله لهم بسبب أبيات قالوها كزهير، وشعراء الجنة منهم زهير بن أبي سلمى، والأعشى، وعبيد بن الأبرص، والنابغة الذبياني، ولبيد بن أبي ربيعة، وحسان بن ثابت، والنابغة الجعدي، ثم يوضح قصة دخوله للجنة مع رضوان خازن الجنة، ويواصل مسامراته الأدبية مع من يلتقي بهم من شعراء وأدباء، ثم يعود للجنة مجدداً ليلتقي عدداً من الشعراء، يتحلقون حول مأدبة في الجنة، وينعمون بخيرات الجنة من طيور وحور عين، ونعيم مقيم، ثم يمر وهو في طريقه إلى النار بمدائن العفاريت فيحاور شعراء الجن مثل " أبو هدرش" ويلتقي حيوانات الجنة، ويحوارها ويحاور الحطيئة، ثم يلتقي الشعراء من أهل النار، ولا يتوانى في مسامرتهم، وسؤالهم عن شعرهم، وروايته، ونقده ومنهم إمرؤ القيس، وعنترة بن شداد، وبشار بن برد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، والمهلهل، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، والشنفرى، وتأبّط شراً، وغيرهم. ثم يعود من جديد للجنة، ولنعيمها.
«رسالة الغفران» هي قبل كل شيء نص فلسفي، يتأمل الوجود والتاريخ والحياة، ويتأمل أيضاً ضروب الإبداع الإنساني، وهذا النص من الواضح أن أبا العلاء إنما شاء فيه، وعبر وصفه وتحليله للشخصيات التي يلتقيها خلال رحلته، من شعراء وقادة وأدباء، وفلاسفة ومفكريـن ومتكلمين، شاء فيه أن يعبر أول ما يعبر عن ذلك التمزق الذي كان، هو، يعيشه، بين إيمانه وشكه، يأسه وأمله، متسائلاً عن جدوى كل ما عاش فيه وله، ومتسائلاً عن مكان الإنسان في هذا الكون، فمن ناحية، تكشف لنا «الرسالة» كم أن المعري مؤمن، يعيش إيمانه بكل جوارحه، يؤمـن بوحدة الله ورسالة نبيه، وكم أنه في الوقت نفسـه شكاك، لا يرى فائدة في الصورة، التي يصنعها المتكلمون للدين، ولعل في هذه السمة الأخيرة مِـن سمات موقف المعري، في «رسالة الغفران» ما شجع الكثيرين على اتهامه بالزندقة والكفر.
وبهذه الرؤية لأبي العلاء المعري، نجد أنه أراد أن يثبت حقيقة ما يؤمن به، وهي إيمانه بوجود الجنة والنار، ولما لهما من أهوال عظيمة، لكن هذا الإيمان عند أبي العلاء المعري، لم يكن عن طريق الرسل والأنبياء إنما بما يقدمه له عقله، وفكره بحقيقة الوجود، فيقول بذلك: إن عقلي هاديني".
فقد أخذت رسالة الغفران للمعري شهرة عالية في عصره، وشهرة عالمية في العصور، التي تلته فقد تأثر بها الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري Dante Alighieri والذي ولد في مدينة فلورنسا 1 يونيو 1265 – وتوفي في رافينا 14 سبتمبر 1321) فكتب على غرار رسالة الغفران" الكوميديا الإلهية" فقد قلد أبا العلاء في رسالته، في نظرة فلسفية أدبية شاعرية، ودانتي شاعر إيطالي من فلورنسا، أعظم أعماله: الكوميديا الإلهية المكونة من ثلاثة أقسام: الجحيم، المطهر والفردوس، يعدّ دانتي البيان الأدبي الأعظم الذي أنتجه أوروبا أثناء العصور الوسطى، وقاعدة اللغة الإيطالية الحديثة، فهي واحدة من الأعمال الرئيسية لعملية الانتقال من العصور الوسطى، إلى عصر النهضة الفكر، وتعدّ تحفة من الأدب الإيطالي، وواحدة من قمم الأدب العالمية، ومعروف دانتي في الأدب الإيطالي بالشاعر الأعلى.
لكن وعلى رغم التوافق في المحتوى والأسلوب بين الكوميديا الإلهية لدانتي، ورسالة الغفران للمعري نجد اختلافا بينهما في أحداث الرسالتين، حيث عمد أبو العلاء المعري إلى ذكر الجنة والنار، ولقاء المؤمنين بالجنة، ولقاء الكافرين بالنار، لكن دانتي عمد إلى ذكر ووصف الجحيم فقط، وصور في مشاهد شعرية معبرة لما يدور بالجحيم، وذكر النار، وتصوير مشاهد ألسنتها.
ففي موقع من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري أقتطف قولا له، في وصف الخنساء في أطراف الجنة، وهو يسير مع صديقه ابن القارح متنقلا بين الجنة والنار، شاهد امرأة، وقد عاد لها شبابها، تقف في طرف الجنة الملاصق للنار، وهي تنظر إلى أهل النار، كيف تصطلي أجسادهم النار، فقال ابن القارح يا شيخنا، ما وقوف تلك المرأة في طرف الجنة؟ أجابه أبو العلاء: لنذهب، ونسألها، فحين جاءا إليها، وإذا هي تَماضُر بنت عَمَرُو بن الْحَارِث السَّلَمِيَّة، الشهيرة بالْخَنْسَاء، (575م -24 هـ / 645م)، فسألها المعري عن سبب وقوفها هنا، تنظر إلى النار، فأجابته: أنظر إلى أخي صخر، كيف تلتهم جسده النار، وتحرقه، وتلتهم برأسه ألسنة النيران، فقال لها أبو العلاء: والله لقد صدق قولك في الدار الأولى:
وَإِنَّ صَخراً لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُ
وفي ذات مرة قصد المعري عاصمة الخلافة بغداد، ولكن لم يكن مقصده بغداد، لأنها دار الخلافة، لكنها كانت عاصمة العلم والأدب، والشعراء والفلاسفة، وسرعان ما غادرها، لتكون المعرة جنته، حيث ذاق الناس معاً ألواناً بهيجة من السعادة والنعم، وكان المعري قد افتقدها في الحياة الدنيا، نتيجة فقده بصره، واعتزاله الناس والحياة العامة، فجنة أبي العلاء هي جنة السجين المكبوت، والمحروم والضرير، رغم أن مجالسه حفلت بالأدباء، والنقاد والمفكرين والشعراء.
كان أبو العلاء المعري، علامة فكريّة بارزة في عصره، وبنتاجه الشعري والفكري، الذي تُرجم إلى العديد من لغات العالم. من أهم وأبرز هذا النتاج (رسالة الغفران) التي حوت رحلة ممتعة وبهيجة في العالم الآخر، ومسائل وقضايا أدبيّة وفكريّة تطال وتضم: اللغة والشعر، والعروض والموسيقى، والصرف والنحو والرواية.
إذ نصّب المعري نفسه قاضياً وزّع رضاه على عدد من الشعراء، والأدباء، ونقمته على عدد آخر، وحزن على غفلة الناس وحمقهم، الأمر الذي دفع البعض لاتهامه بالزندقة، متجاهلين أنه رسم صورة معبرة وحقيقية، لواقع العصر العباسي الذي عاش فيه من اختلافات سياسة، ونفاق للخلفاء، وظهور للملل والمذاهب وتقديم الأمور الدينية، كمصالح يسعى البعض في الوصول إليها.
رحل أبو العلاء المعري عن الدنيا الفانية، كما كان يسميها تاركا لنا أدبا وثقافة عالية قيمة، تفرّد فيها عن علماء عصره، يستفيد منها الدارسون، والفلاسفة على حد سواء.



#عبدالله_رحيل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنابل الحصاد
- الربيع
- خلف نافذة صغيرة
- حديث السنابل
- ضحك البؤساء


المزيد.....




- موسيقى الاحد: أبو الموسيقى الألمانية
- شفرات الجسد الانثوي في العرض المسرحي
- دهوك تستعد لإطلاق النسخة التاسعة من مهرجانها السينمائي الدول ...
- مهرجان شرم الشيخ يحتفي بالإنجاز المسرحي العراقي
- كاريكاتير العدد 5314
- أوراقٌ مِن دَفتَرِ الضياع - -(سونيت) .
- العراق يطلق مبادرة كبرى لإحياء مخطوطاته الفريدة
- يامن المناعي يحصد جائزة الأدب العربي في فرنسا
- صدور الترجمة العربية لرواية «سقوط شجرة الحور»
- مجموعة برلمانية أوروبية تستنكر استعمال الجزائر الغاز كسلاح و ...


المزيد.....

- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ
- - الدولاب- قصة ورواية ومسرحية / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله رحيل - الجنة والنار في رسالة الغفران