أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله رحيل - خلف نافذة صغيرة














المزيد.....

خلف نافذة صغيرة


عبدالله رحيل

الحوار المتمدن-العدد: 7215 - 2022 / 4 / 11 - 17:03
المحور: الادب والفن
    


مِنْ خلفِ نافذةٍ صغيرةٍ....
عدت بأدراجي إلى مدينة، هجرتها منذ زمن بعيد، فاستوقفتني رياح الجنوب المتنسمة من أطراف نجد البعيدة، والموغلة في القدم، فاعتليت بناء حديثاً مُوشّى بألوان البنفسج الهادئ، وعلى لحظة شرود في غياهب عقلي، الذي اختزن طويلا شموس بلادي، نظرت من نافذة صغيرة نظيفة، قد لُوِّنت بألوان الشتاء المضمحل من غيمة داكنة، محنية، لتنثر قطرات مائها على المكان الخرب، ما رجعت بعقلي البعيد إلى زمن العصور الجاهلية، واقفا على أطلال بُويتات، هجرتها نفس البشر الغافية في مدقّات المجهول، والذكريات، والأثافي الثلاث متقابلة، كحمام نُزَّع في ساحاتها، تُحدِّث الرياح بكلمات حب صامت ندي.
أرمق تلك البيوت الأربع، بنظراتي المتفحّصة كلّ يوم، تاركا وراءها، استفسارات عديدة، حول هجرانها، وخلو المكان بها، وحركة عواصف الدهر، التي أفرغتها من الحبّ، والكلام، والهجس، والهوى الروحي، المستمر المتلازم السرمدي، الطويل اللامتناهي، والسحيق بين شطآن أسوارها المتآكلة، فلا شكّ أن هناك أكفّاًّ حنونة ناعمة، قد خطّطت لبنائها، وزيّنتها بغراس شجر كثير، حيث أن رسمها لم يعفُ ، فرياح الشمال تطمسها، لتأتي رياح الجنوب فتكشفها، منثورة في ساحاتها قطع بالية، والتصقت البيوت الأربع ببعضها، غارقة في صمت رهيب كئيب رافضة موت السنين، ورافضة اندثارها وراء أزمنة الحداثة في المدينة الكبيرة الجميلة، فلعلّ من هجروها كانت لهم غايات، وقصص طويلة، وليالي سمر عاشوها بين أزقتها، وغرفها المظلمة الداكنة الساكنة الصامتة.
يتراءى لي من خلف نافذتي في إحدى البيوت أثر نفس امرأة عجوز، قد هَرِمت، وهي تراعي، وتتعهد شجرة سرو صغيرة، تعهدتها رعاية وسقاية وحبًّا، حتى كَبُرت ونمت، وربما فارقتها عجوزها، فبقيت الشجرة وارفة الظلال، تحكي بصمتها قصص الديار، فأصبحت ملاذا لعصافير شقية، بنت أعشاشها الصغيرة حول وريقاتها، فكانت السكان لهذي الديار، تملؤها بهجة وفرحا صباحا، لتعود في العشي نائمة بين وريقاتها الشريدة، وعلى تموجات شقشقاتها، يطوف وجداني بمقطع حزين، غارقاً في تفسيرات عقلي البعيد.
لقد هجر البيوت سكانها، على وقع قرع سيوف الهجرة، وعلى طبول حرب، تشابكت فيها أنامل الحاجة، والفاقة، والتغيرات، فمضى المتحاربون، يحيكون مستقبلهم بوشي فكر عديدة، وبألوان عدة، ما حدى بالديار أن تفرغ، وأهلها اعتلوا سطح مهب الريح، فلفظتهم بقايا أرواح ساكنة في بعيد البحار، وفي أرض المجهول، ولعل في آذان البعض منهم غرّد صائح الدهر الصدوح، فغُيِّبوا عن هذه الدار، فأُوصدت المصاريع حزنى، يلفها طول الانتظار، ووجع الغياب الطويل، فأّسرت بهذا الحب الرهيب، تقبع على نفسها حالمة ببعض حنان يد البشر، الذين بالأمس كانوا هنا، واليوم قد رحلوا
لكنني وإن أرى فيها الهجران، والخراب، والغياب، أرى الأيدي المتجعدة، التي شغلت نفسها في بنائها، وترتيب ساحاتها، فهناك قطع لآلات قديمة، قد أهلكها الصدأ، وهناك بعض من أشجار قديمة، قد غالبت الحنان، والجفاف، والرماد، وغالبت حر السنين، بينما بعض منها، قد مرت عليه بعض إنسانية البشر، فنثرت فيها بعض الحشائش، التي تقتات منها، إذ لم يزل الغازون، ومختلفو الرأي، وسياسات العالم المتحضر، ذي النظرة التكنولوجية والرأسمالية مختلفين، فلم يتركوا لأهلها ما يسد من جوعهم، إثر هذا البلاء الاقتصادي المتواتر عليهم.
هذه البيوت متجاورات بصمت، وسكون، وهدوء، قد ألفتْ بعضها، وأحبت بعضها، وتقاسمت هموم بعضها، فلعلها قد شكّلت مجتمعا كاملا فاضلا، واقفة بشموخ أمام اختلافات الطبيعة، شتاءات متوالية، وصوائف مرت، وريح الشمال، مردفه ريح الجنوب، لكنهن صامدات، كحبيبة تنتظر، حبيبها يدق عليها باب الحبّ، وبيده وردة حمراء، يحكي لها في نور القمر قصة غيابه.
لقد اختار أهلها الفراق، والتشتت بين القبور، وخلف حدود الهجرة، وعلى وقع مجاديف السفن في عرض البحار البعيدة، وعلى لحن مزامير حراس الحدود الشجية، وعلى وقع قطرات مطر من سمائي المتراكمة بالفكر، والصور، لوّنت عيني بأخضر ساحاتها، واعتصرت لحن قلبي بمقطع حزين، فمنعت رغما عني دمعة سريعة محرقة، نازلة من خلف أعماق عيني، ورثيت حال ساكنيها؛ لينتهي نظري بعصفور مغرد على قطعة خشب متروكة، منذ زمن بعيد، لقد ملأ المكان فرحا وحبا وأملا وتفاؤلا، بلقاء مفرح فيها، فأغلقت نافذتي بهدوء، مرددا نشيد البنفسج، ونشيد الحياة من جديد، ومرددًا قول النابغة الذبياني:
أمستْ خلاءً، وأمسى أهلُها احتملوا أخنَى عليها الذي أخنَى على لُبَدِ



#عبدالله_رحيل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حديث السنابل
- ضحك البؤساء


المزيد.....




- موسيقى الاحد: أبو الموسيقى الألمانية
- شفرات الجسد الانثوي في العرض المسرحي
- دهوك تستعد لإطلاق النسخة التاسعة من مهرجانها السينمائي الدول ...
- مهرجان شرم الشيخ يحتفي بالإنجاز المسرحي العراقي
- كاريكاتير العدد 5314
- أوراقٌ مِن دَفتَرِ الضياع - -(سونيت) .
- العراق يطلق مبادرة كبرى لإحياء مخطوطاته الفريدة
- يامن المناعي يحصد جائزة الأدب العربي في فرنسا
- صدور الترجمة العربية لرواية «سقوط شجرة الحور»
- مجموعة برلمانية أوروبية تستنكر استعمال الجزائر الغاز كسلاح و ...


المزيد.....

- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ
- - الدولاب- قصة ورواية ومسرحية / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله رحيل - خلف نافذة صغيرة