أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فرحان قاسم - اليسار .... المفهوم ..... رؤية في نظرية سياسية موحدة لليسار .. لا بديل عن اليسار للانتقال من مجتمع الضرورة الى مجتمع الحرية















المزيد.....


اليسار .... المفهوم ..... رؤية في نظرية سياسية موحدة لليسار .. لا بديل عن اليسار للانتقال من مجتمع الضرورة الى مجتمع الحرية


فرحان قاسم

الحوار المتمدن-العدد: 7221 - 2022 / 4 / 17 - 13:33
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


افرزت الحرب بين روسيا واوكرانيا الكثير مما يمكن ان نسميه " فوضى المفاهيم " التي طغت على مواقف مختلف الأوساط في ارجاء المعمورة ، وما يهمنا هو مستوى التشضي والتشتت والتقاطع الذي عم اليسار أحزابا وتيارات و شخصيات ، وما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك التشتت بالرغم من استناد اليسار - كما يفترض - الى التفسير المادي للتاريخ ومنهجه الذي وصفه لينين بانه "مذهب كلي الجبروت يعطي الناس مفهوما عن العالم ، ولا يتفق مع أي ضرب من الأوهام" .
في ظل هذه اللوحة الشائكة و المعقدة ، لعلنا نجد في بعض الأسئلة طريقا سالكة للوصول الى ما يمكن تسميته خارطة طريق تتوحد حولها نضالات اليسار من اجل تجاوز الراسمالية والمآلات الماساوية التي أوصلت البشرية اليها .
فهل تمكن اليسار من وضع مفهوم محدد وواضح لليسار يساعده على تمييز حلفائه من غيرهم ؟ وهل تمكن اليسار، مفكرين واحزابا ، من وضع نظرية في الممارسة السياسية تقود الى تحليل الظواهر على المستوى النظري ، وتوفر الأدوات الضرورية في النضال اليومي ؟ و هل استغراق اليسار في ما هو خاص ومحلي ، أعاق تحقيق مهمة توحيد اليسار على مستوى ما هو عام ومشترك ؟ الا تحفز حالة الارتباك التي سادت صفوف اليسار في الموقف من الحرب الدائرة في اوكرانيا ، مفكري اليسار على ضرورة المبادرة لجهد فكري مبدع من اجل انتاج معرفة جديدة تساعد اليسار في تحقيق فهم اعمق للصراعات بين راسماليات متصارعة ، من اجل إعادة تقسيم العالم عبر حروب إقليمية وليس عبر حرب عالمية ؟ هل تمكن اليسار من إيجاد بدائل لوسائل العنف والسيطرة التي اعتمدتها الراسمالية في اخضاع المجتمعات ؟ وهل يستطيع اليسار توفير القناعة للجماهير بانه قادر على تحقيق الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية ؟ هل استفاد اليسار من النتائج التي تمخضت عن الحربين العالميتين الأولى والثانية ؟ وهل درس بعمق عوامل صعود الفاشية بين الحربين وحجم الخسائر الجسيمة التي سببها هذا الصعود للحركات الاشتراكية ؟ وهل تهيأ بشكل جيد لصعود الفاشيين الجدد في أوروبا وخارجها ؟ بعد انهيار التجربة في الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية هل توحدت جهود اليسار للخروج باستنتاجات مشتركة ؟ ام تعمقت الشقاقات بين اطراف اليسار بسبب سيادة روح الياس والإحباط ؟ و هل مازالت الاشتراكية ضرورية ؟ هل فكرة تجاوز الراسمالية ما زالت تحتفظ بحيويتها ؟ ما مصير البلدان المتخلفة التي صنعها النظام العالمي وتقسيم العمل الدولي الكلاسيكي والمعاصر ؟ وهل انتج الفكر اليساري في بلدان الأطراف معرفة اجمع عليها اليسار في تحليل ظاهرة التخلف ، لتحديد أساليب وطرائق نضاله ؟ ما علاقة الاشتراكية بالديمقراطية التي شوهتها تجربة ما سمي بالاشتراكية الفعلية ؟ ظهرت مجموعة اراء واليات بصدد إيجاد بدائل مستندة الى تحليلات مفكرين يساريين عديدين ، فهل ابدى اليسار اهتماما جديا بهذه الأفكار والتكتيكات ؟ مثل : الكتلة التاريخية و معارك الحركة والخنادق والمثقف العضوي ، وماركسية الجماهير والوعي النقدي والوعي العفوي " الحس السليم والحس المشترك " لغرامشي ، التحالف الشعبي لسمير امين ، علاقة الكولونيالية بظاهرة التخلف في بلدان الأطراف لمهدي عامل ، اختراق الجهاز الأيديولوجي الراسمالي لسانتياغو كاريللو؟ و هل توقف اليسار امام مجموعة الآراء التي طرحها مفكرون كبار أمثال أريك هوبزباوم ، تشومسكي ، كريم مروة ، حسين مروة ، ومليبلاند واخرون ؟ تعرض النظام الدولي الى تغييرات عديدة ومتسارعة أحيانا ، واتسعت التمايزات الطبقية بارقام مذهلة عن نسبة الفقر والامية والجريمة المنظمة واتساع تجارة المخدرات والجنس فهل وضع اليسار خطة لنظام دولي بديل يضع حدا للتردي والانحدار الاجتماعي والانهيار في المنظومات القيمية للمجتمع البشري؟ اذا كانت النصوص الكلاسيكية لرواد الحركة الاشتراكية لا تساعد على تحليل المتغيرات الهائلة في بلدان المركز الراسمالي او بلدان الأطراف فهل الجهود التي بذلها مفكرو اليسار بعد الحرب العالمية الثانية تتناسب مع حجم وسرعة المتغيرات المعاصرة ؟ وهل خرجوا على المستوى النظري المجرد او مستوى ممارسة السياسة بنظريات ساعدت اليسار على توحيد الرؤى تجاه تلك المتغيرات ؟
اليسار يواجه ظروفا معقدة في كفاحه اليومي في بلدان المركز الراسمالي . فالراسمالية ومنذ انطلاقها تمتلك سلاحين لفرض سطوتها على المجتمعات التي تقودها ؛ السلاح الأول هو السيطرة والعنف والاستبداد واستخدام القوة في اخضاع الناس لسياساتها ، والسلاح الثاني هو الهيمنة عبر استعباد واستلاب الانسان في مجتمع التقنية ليس عن طريق السيطرة والقمع البوليسي وانما من خلال الجهاز الإعلامي الضخم الذي تسيطر عليه ، و من الوسائل المرئية والمسموعة لتزييف الوعي ، و صنع المجتمع والانسان ذي البعد الواحد ، الذي يقر بالامر الواقع كوضع امثل لا بديل له . وتتحول منجزات العلوم والتكنولوجيا الى أدوات هيمنة مضافة وفعالة . وفي بلدان الأطراف يواجه اليسار ظروفا اصعب منها في بلدان المركز حيث تلعب الدكتاتوريات وحكومات الاستعباد إضافة الى الفكر الديني والعادات والتقاليد البالية والشعوذة دورا كبيرا في تدني الوعي لدى الجماهير ، ما يضيف الى نشاط اليسار هناك صعوبات جمة.
انتبه الرفيق فهد مبكرا الى ان " الاستعمار في قطر واحد لا يمثل مصالح دولة استعمارية واحدة بل المصالح الاستعمارية كافة " وان " اس الاستعمار اقتصادي لكنه يعتمد على القوة السياسية الغاشمة عسكريا واداريا ...دفاعا عن مصالحه " فالاستعمار عدو جبار عنيد مسلح من اسفله الى قمته ، لا تفيد معه أساليب النضال القديمة ولا يفيد معه الصراخ والعويل ، فعلى الشعب وعلى منظماته ... التحرر والانفلات من انيابه السياسية ومخالبه الاقتصادية " من خلال " جذب الأكثرية الساحقة من الشعب وزجها في المعركة " . ولو تعمقنا ودققنا في هذه النصوص التي قالها الرفيق فهد بعد الحرب العالمية الثانية ، لوجدناها تصلح كخارطة طريق لممارسة النظرية في ظل عصر العولمة الذي ظهرت بداياته بعد حوالي أربعين عاما من استشهاد الرفيق فهد . اذ تحول العالم الى " قرية صغيرة " يديرها الراسمال العالمي بواسطة " المجتمع السياسي " وهو الدولة الراسمالية العالمية ممثلة بالشركات العالمية الكبرى والمنظمات الاقتصادية الدولية التي شكلت البناء الفوقي الذي يتحكم بالسياسات الاقتصادية ويقرر مصائر واتجاهات الكرة الأرضية تحت اشراف الولايات المتحدة الامريكية راعية مصالح الراسمال العالمي .
اعتمدت نظرية ماركس في السياسة على كيفية الانقضاض على النظام الراسمالي كخطوة أولى لتغيير العالم ، أي البحث عن الوسائل التي تساعد على تحويل المنجز النظري في حقل الفلسفة والاقتصاد الى واقع يعيشه المواطن في ظل الانتقال الكيفي من الراسمالية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية الى الاشتراكية كخطوة أولى نحو التشكيلة الشيوعية . وهو بهذا التحليل العميق حول الفلسفة من برجها النظري التاملي المجرد الى مهمتها الجوهرية في التغيير ، فتحولت الاشتراكية كما يقول لينين من " طوباوية الى علم " وفتحت الباب امام البروليتاريا باعتبارها القوة الاجتماعية المؤهلة لبناء عالم خال من الاستغلال ، ويشترك معها طيف واسع من الشرائح والفئات الاجتماعية المتضررة التي تنتقل من مواقع تبرير بشاعات الراسمالية الى مواقع الهجوم عليها . ان ماركس " هو اول من ادخل مفهوم الممارسة في نظرية المعرفة " ، فاصبح النشاط النظري مترابطا مع الممارسة والنشاط المباشر الذي يمارسه الانسان على بيئته ، ومن خلال ذلك التفاعل بين النظرية والتطبيق تتكشف صحة المعرفة . وربط ماركس قانون التوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج وبين مرحلة " افول الراسمالية " التي حاول الكثير من المفكرين نفيها وامتهانها أحيانا انطلاقا من مظاهر الرفاه الاجتماعي التي تعيشها بعض المجتمعات الراسمالية ، واعتبر التطور الهائل للقوى المنتجة في المجتمعات الراسمالية الأكثر تقدما هي المؤهلة تاريخيا على تجاوز نفسها للانتقال الى الاشتراكية

اليسار – لغة واصطلاحا - مفهوم تاريخي ارتبط بصعود الطبقة البرجوازية ( الطبقة الثالثة في البرلمان الفرنسي ) وطموحها في الانقضاض على ما تبقى من العلاقات الاقطاعية في أوروبا التي رسمت الثورة الفرنسية النهاية المحتومة لها . و يتضح ان اليسار منذ بداية انطلاقته منحاز الى الطبقات والشرائح التي تتعرض الى الاستبداد والظلم والتمييز بكافة اشكاله . وان جميع التحولات التي تعرض لها هذا المفهوم مرتبطة بالتحولات والتغيرات السياسية والطبقية والاجتماعية .
بعد عولمة نمط الإنتاج الراسمالي الذي أدى الى عولمة الفقر والتمايزات الاجتماعية الحادة ، لم تعد الطبقة العاملة وحدها المعنية بالكفاح ضد النتائج الكارثية التي تسببها الراسمالية . لذلك غطى مفهوم اليسار طيفا واسعا من الآراء والتعريفات لتوصيف التيارات المختلفة التي انضوت تحت خيمة اليسار كالتيارات الماركسية والاشتراكية الديمقراطية والحركات الاجتماعية والحركات الراديكالية و قسم كبير من منظمات المجتمع المدني .
في ظل هذه الفرشة الواسعة من الطبقات والشرائح الاجتماعية والاراء والتيارات السياسية لاطراف اليسار ، واجهت الباحثين صعوبات جمة سواء في تحديد مفهوم واضح لليسار ام في رسم نظرية سياسية تساعده على توحيد أهدافه واشكال كفاحه . لذلك أجد ان من ابرز سمات اليسار المعاصر هو تشتت وتشظي أساليب نضاله وتقاطعات وتناقضات كبيرة في مواقفه تجاه مختلف الظواهر التي تحدث في عالم اليوم . ولغرض الخروج من هذا الاستعصاء الذي استغرق عقودا من الضياع والخسارات والفقدان لا بد من حسم امرين أساسيين : الأول هو الوصول الى مفهوم واضح ومحدد لليسار . والامر الثاني هو الخروج بنظرية سياسية لليسار بكافة اجنحته في كل العالم بغض النظر عن الخصائص الوطنية والمحلية التي تحيط بكل حركة يسار على حدة . وأود ان ابين ان هذه المحاولة هي جهد وتوجه شخصي يخضع للحوار والتطوير والمعارضة أيضا ، لان كثيرا من الباحثين يرون استحالة الوصول الى مفهوم محدد لليسار او الخروج بنظرية في الممارسة السياسية تجمع اجنحته المتنوعة .
مفهوم واضح ومحدد لليسار
ان الوصول الى هذا المفهوم يساعدنا على تحديد الأحزاب والتيارات والشخصيات اليسارية وتحديد الحلفاء والخصوم . كما انه يساعد على تحديد الأهداف ورسم نظرية سياسية على ضوء ذلك . لكن الاشكالية التي تواجهنا هي أي معيار معين نعتمده في تحديد مفهوم اليسار؟ فهل نعتمد الماركسية أساسا لتمييز اليساري من غيره ؟ هل نعتمد الانتماء الطبقي معيارا لذلك ؟ هل نعتمد المطالب المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الانسان والطفولة والنسوية الخ أساسا لتمييز اليساري من غيره ؟ هل نعتمد الموقف العام من الامبريالية أساسا لذلك التمييز ؟ هل الأساس في هذا التمييز فكري او سياسي او طبقي اجتماعي ؟ ولغرض إزالة أي لبس، اجدني مضطرا للدخول ببعض التفاصيل الضرورية للوصول الى ما هو جوهري في التمييز بين اليساري وغير اليساري .
ان الماركسية " مذهب كلي الجبروت يعطي الناس مفهوما عن العالم ، ولا يتفق مع أي ضرب من الأوهام" كما يقول لينين ومن الضروري اعتمادها من قبل اليسار كاداة لتحليل الظواهر في عالم يسوده التضليل والاضطراب والتشويش . لكن في الوقت نفسه ، لا يمكن ان نعتبرها المعيار الوحيد لتمييز اليساري من غيره ، لان طبيعة الصراع التناحري الراهن تجاوز صراع الطبقة العاملة مع البرجوازية واتسع ليصبح صراع الطبقة البرجوازية مع جميع الطبقات والشرائح والشعوب المتضررة من الراسمالية ، وهذا يعني ان عناصر مجتمعية جديدة دخلت حلبة اليسار من خارج الاطار الماركسي ، كما ان التجربة التاريخية المعاصرة تثبت انه ليس كل من تبنى الماركسية نظريا وقولا وشكلا يصبح يساريا ، لان تبني الفكر الماركسي شيء وممارسته في النضال اليومي شيء آخر ، فهل اليساري الماركسي يتقاطع مع حقوق الانسان كما حصل في التجربة الستالينية او قيادات من بلدان الأطراف التي تدعي تبني الفكر الماركسي وهي تمارس القمع والاستبداد ، وتيارات وشخصيات تتبنى الماركسية ولكنها في الممارسة تتخذ مواقف شوفينية او طائفية .
ولا يمكن اعتبار الانتماء الطبقي معيارا لليساري من غيره ، لانه لا يوجد تطابق خطي بين الوعي والطبقة الاجتماعية . فالطبقة العاملة البريطانية كما يقول هوبزباوم اكثر رجعية في مواقفها من كثير من شرائح اجتماعية بريطانية أخرى ، وان الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية استمدت قوتها من مساندة الفقراء في البلدين ، ومعظم حركات الإسلام السياسي تجد الدعم والتاييد من فقراء المسلمين والطبقات المسحوقة . لذلك بلور غرامشي نظرية جديدة في الممارسة تهدف الى تخليص الجماهير من الجمود والاخيلة البدائية وتحويل الوعي الساذج الى وعي نقدي "
لايمكن اعتبار المطالب المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الانسان والطفولة والنسوية وتقليل البطالة والفقر الخ أساسا لتمييز اليساري من غيره ، لان الأوراق هنا تختلط ويضيع الحابل بالنابل ، فكثير من الدول الراسمالية تتبنى اضطرارا قسما كبيرا من هذه المطالب وكذلك قسم من الدكتاتوريات إضافة الى الحركات الفاشية وبعض القوى القومية الشوفينية وحركات الإسلام السياسي . فالفكر الراسمالي والشوفيني والديني يتقاطع من حيث الجوهر مع مبادئ الديمقراطية والمساواة الحقيقية .
هل نعتمد الموقف العام من الامبريالية أساسا للتمييز بين اليساري و نقيضه ؟ هنا نحتاج الى وقفة وتحليل عميق لهذا التساؤل ، اذ يواجهنا تضليل وتعمية فكرية تم تمريرها على الكثير من الأحزاب وحركات التحرر في بلدان الأطراف والغريب انها مرت على أحزاب شيوعية وقعت في مطب الجمود والدوغما . وخلاصة الفكرة ان هذه الحركات تدعم أي جهة تعلن عداءها السافر للولايات المتحدة الامريكية دون تحليل لمحتوى برامج تلك الحركات ، فكانوا يدعمون صدام حسين والقذافي وقسم يدعم حتى تنظيمات دينية متطرفة ترفع شعارات معاداة أمريكا . فهل من اليسار ان تدعم دكتاتورا يضطهد أبناء شعبه لمجرد انه يزعق بمعاداة أمريكا . وهل من اليسار ان تدعم حركات تمزق النسيج الاجتماعي للمجتمع البشري وتعمق التشظية بين الشعوب على أسس طائفية او شوفينية ، لمجرد انها تدعي معاداة أمريكا . ان معاداة الامبريالية من قبل اليسار يعكس طبيعة الصراع التناحري الرئيسي بين الطرفين الراسمالية وحلفائها من جهة والطبقة العاملة وحلفائها من جهة أخرى . اما معاداة الامبريالية من حركات دينية وشوفينية وحكومات دكتاتورية فامر يدخل في حقول أخرى ابرزها التضليل والتعمية لتزييف الوعي .
في منعطفات ولحظات تاريخية يسودها التشوش وانعدام الرؤية يلعب التحليل النظري المعمق دورا حاسما في رسم الاتجاهات الصحيحة لتلك المنعطفات ، وما فعله لينين في تحليله لظاهرة الامبريالية الا تتويج لجهود كبيره بذلها قبله عدد كبير من الباحثين والمحللين والكتاب الذين درسوا بزوغ الامبريالية من راسمالية المنافسة الحرة . وما احوجنا في هذه المرحلة الى تحليل معمق لظاهرة اليسار في حقليها النظري والتطبيقي ، وهذا يتطلب جهودا جماعية تبذلها حركات اليسار في بلدان المركز والأطراف .
الراسمالية ، كما حددها ماركس ، تشكيلة اقتصادية اجتماعية تستند الى قانونها الأساسي " فائض القيمة " وان تناقضها التناحري الأساسي بين الطبيعة الاجتماعية للعمل من جهة وبين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج من جهة أخرى هوجذر استغلال الانسان للإنسان وفي نفس الوقت هو الذي يرسم نهاية الراسمالية المحتومة عبر حل هذا التناقض لصالح الطبقة العاملة وحلفائها.
يبدو واضحا ان مهمة اليسار الارأس في عالمنا المعاصر هي حل هذا التناقض عبر الغاء جذر الاستغلال وهو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، وطرح ( رالف مليبلاند ) رؤيته لحل هذا التناقض عبر مبادئ واسس تشكل نظريته في الممارسة السياسية وهي : ان الراسمالية عقبة هائلة تحول دون تخطي الكوارث التي انتجتها هي في سياق تطورها وان هناك بديلا اشتراكيا للراسمالية يمكنه حل تلك الكوارث . وان مفهوم الديمقراطية التي تسعى اليها الاشتراكية ينفي مفهوم الديمقراطية البرجوازية كاحدى أدوات الهيمنة على المجتمع ، فالاشتراكية تعني التنظيم الديمقراطي للمجتمع ، فلا اشتراكية بدون ديمقراطية ، وان الاشتراكية تعني الخلاص وتجديد العالم وخلق الانسان الجديد . وان الاشتراكية تستهدف تحقيق المساواتية عبر نشوء مجتمعات تختفي فيها الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وتعني أيضا تشريك الاقتصاد عن طريق اخضاع الجزء الأعظم من وسائل النشاط الاقتصادي فيه للرقابة والإدارة الاجتماعية العامة.
وانطلاقا مما تقدم فان المعيار الذي يمكن اعتماده لتمييز مفهوم اليسار من غيره في أي بقعة من العالم ، انه تيار يستهدف تجاوز الراسمالية عبر الاشتراكية التي تعني تشريك الاقتصاد والتنظيم الديمقراطي للمجتمع والمساواتية وإعطاء الرقابة والإدارة الاجتماعية العامة الدور الحاسم في قيادة المجتمع . قد يختلف معنا الكثيرون في حصر مفهوم اليسار بمفهوم الاشتراكية . ان هذا الربط الجدلي بين اليسار والاشتراكية ليس شكليا يستهدف الخروج بنظرية سياسية لليسار و إزالة الفوضى الدائرة حول هذا المفهوم وحسب وانما هو تعبير عن حاجة موضوعية تفرضها طبيعة الصراع التناحري الذي يعصف بالمجتمع الراسمالي المعاصر سواء في المركز الراسمالي ام في اطرافه .
نحو نظرية ممارسة لليسار
بذل مفكرو الاشتراكية جهودا مضنية على طريق نقل النظرية والبرامج للتطبيق والممارسة السياسية اليومية . فنظرية ماركس وانجلز اعتمدت " حرب الحركة " قبل كومونة باريس للانقضاض على الراسمالية ، بينما اعتمدت " حرب المواقع " بعد الكومونة . وبعد تطوير لينين الخلاق للماركسية في عصرالامبريالية اعتمد " حرب الحركة " لتجاوز الراسمالية في اضعف حلقاتها ونجح في تأسيس اول دولة للعمال . ونتيجة لانتكاسة الحركة العمالية في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الأولى ، لجأ غرامشي ورواد مدرسة فرانكفورت الى " حرب المواقع" في مقارعة الراسمالية.
انتج غرامشي ومدرسة فرانكفورت ومجموعة أخرى من المفكرين في بلدان المركز والأطراف منظومات مفاهيمية تساعد الحركة الثورية في العالم على ادراك ظاهرة التخلف والتبعية التي قسمت عالمنا الى نصفين ، وحللت بعمق ظاهرة الهيمنة اللتي تؤدي الى استلاب الانسان في مجتمع التقنية وتتحول منجزات العلوم والتكنلوجيا الى أدوات هيمنة مضافة وفعالة ، من خلال أجهزة التضليل الأيديولوجي الضخمة ، لتزييف الوعي وصنع المجتمع والانسان ذي البعد الواحد الذي يعتبر الراسمالية مجتمعا أمثل لا بديل له . لذلك طرح غرامشي هيمنة بديلة لهيمنة الراسمال ، هيمنة تبدا من تحت ، تمهد لانهيار النظام الراسمالي ، تتولاها الطبقة العاملة وحلفاؤها المتضررون من النظام الراسمالي ويشكلون كتلة بشرية هائلة تقودها وترسم ستراتيجيتها وتكتيكاتها احزاب ثورية اطلق عليه غرامشي " الامير الجديد " ، و يلعب المثقفون العضويون فيها الدور الفاعل ، لخلق وعي نقدي يستند الى المنهج الماركسي في تحليل الظواهر .

ان نظرية ممارسة اليسار المعروضة للحوار الواسع تعتمد ما يأتي :
1- الراسمالية تستند الى ملكية وسائل الإنتاج الخاصة وهي جذر استغلال الانسان للإنسان ، و اليسار الحقيقي هو مفهوم يشكل نفيا لمفهوم الراسمالية لانه يسعى الى الغاء الاستغلال عبر تشريك الاقتصاد وعولمة الديمقراطية وتحقيق المساواة و جعل الرقابة الجماهيرية عاملا حاسما في إدارة المجتمع .
2- حصر اليسار بحدود هذا المفهوم ، لا يمنع من عقد تحالفات عديدة وواسعة مع قوى تشترك معه في التخفيف من كوارث الراسمالية التي تخلقها باستمرار .
3- تخليص اليسار من نخبويته وتحويله الى تيار جماهيري ، وبدون تحقيق هذا الهدف ، لن تنفع معه افضل البرامج ، لانها ستبقى حبرا على ورق ، و ونجحت بعض فصائل اليسار في أمريكا اللاتينية ، وفي أوروبا واسيا في تحقيق هذا الهدف ، وعلى قوى اليسار الأخرى ان تضع هذه المهمة في أولوياتها .
4- أصبحت مؤسسات البناء الفوقي للنظام البرجوازي عاملا كابحا للتقدم ، لذلك يمكن اعتماد فكرة الكتلة التاريخية لغرامشي و اختراق الجهاز الأيديولوجي البرجوازي لسانتياغو كاريللو و التحالف الشعبي الواسع لسمير امين و تعزيز حركة التحرر الوطني المعادية للكولونيالية لمهدي عامل ، أساسا لخطط وتحرك مدروس وملموس لاجنحة اليسار المنتشرة في ارجاء الكرة الأرضية .
5- ان اختراق الجهاز الأيديولوجي البرجوازي هو مهمة خاصة بالمثقفين العضويين المبدعين المنضوين تحت خيمة اليسار . ولليسار تجربة غنية جدا في هذا المجال ولكنها تبقى فردية الطابع لم تتمخض عن رؤية يسارية موحدة للممارسة ، فكم من الادباء والفنانين والعلماء اليساريين تركوا اثرا كبيرا في أجيال كاملة مثل اينشتين وتشارلي شابلن و روائيين وشعراء ومخرجين . فعلى حركات اليسار ان تخرج برؤية موحدة لتفعيل دور مثقفي اليسار في اختراق الجهاز الأيديولوجي البرجوازي .
6- ولكي يحقق اليسار هدف البشرية في الانتقال من مجتمع الضرورة الى مجتمع الحرية الفسيح ، لا بد له ان يعتمد فكرة الضغط الجماهيري المتواصل ، وبهذا المنظور تكون " نهاية التاريخ " و "نهاية الحروب المدمرة " و " نهاية الاستغلال " و" نهاية التمايزات الاجتماعية والعنصرية " مرتبطة بدور اليسار في رسم معالم مستقبل البشرية .



#فرحان_قاسم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دورالفاشية في قطع المنعطفات الثورية
- الماركسية بين تعدد المفاهيم والجذور النظرية
- التحولات التي شهدها العالم في ظل التشكيلة الاقتصادية الاجتما ...
- الثمن الباهظ للاختلاف.. إعادة قراءة تروتسكي
- ملاحظات على مشروع النظام الداخلي الذي سيقدم إلى المؤتمر الحا ...
- رؤية في النظرية والتطبيق على هامش الاحتفال بالذكرى المئوية ل ...
- التحليل الخاطئ والنتائج المعكوسة


المزيد.....




- وقفة تضامنية مع الشعب الفلسطيني في سنتروم مدينة “هارلم” الهو ...
- اليسار والموقف من الحرب على أوكرانيا – الجزء 1
- حاكم كالينينغراد: العقوبات الروسية ضد ليتوانيا قد تقضي على ق ...
- أوضاع إيران والمكانة الخاصة للحزب الشيوعي العمالي المؤتمر ال ...
- سهل حشيش.. مدينة الأغنياء في مصر
- مسيرة احتجاجية في العاصمة الجورجية تطالب باستقالة الحكومة
- العدد 60 من النشرة: صوت العمال والكادحين
- جورجيا.. مسيرة احتجاجية في تبليسي تطالب باستقالة الحكومة
- اتحاد الشباب الأوروبي الفلسطيني فرع هولندا يشارك في فعاليات ...
- حراك سياسي أم مكايدة لليسار؟.. هل ينجح التيار الحر في جمع شت ...


المزيد.....

- الماركسية مرشدنا !... لماذا ؟... كيف ؟... / غسان الرفاعي
- دوافع البلشفى السيكولوجية للثورة ا . شتينبرج / سعيد العليمى
- أسئلة متكررة عن الماركسية والاشتراكية / أنس رحيمي
- لماذا ليس هناك ثورة؟ ضرورة القيادة الثورية / آلان وودز
- تظل الماركسية هي الخيار والاشتراكية هي البديل / فرحان قاسم
- الاقتصاد العالمي في كوكب متأزم: اضطرابات لوجستية، وتضخم، وتق ... / الاممية الرابعة
- انجلز والداروينية / مالك ابوعليا
- الاقتصاد السياسي الماركسي كعلم - هاجيمي كاواكامي / عمرو عاشور
- توسيعُ نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل بلدان الجنوب: تحديات زخ ... / فرانسوا بوليه
- الشيوعيّة أم الإشتراكيّة ؛ شيوعيون أم إشتراكيّون ؟ في نقد كت ... / ناظم الماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فرحان قاسم - اليسار .... المفهوم ..... رؤية في نظرية سياسية موحدة لليسار .. لا بديل عن اليسار للانتقال من مجتمع الضرورة الى مجتمع الحرية